Indexed OCR Text

Pages 361-380

أخبرنا أبو القاسم عليّ بن محمد بن عليّ بن يعقوب الإيادي، قال:
أخبرنا أحمد بن يوسف بن خَلَّد، قال: حدثنا الحارث بن محمد، قال: حدثنا
سعيد بن شُرّحبيل، عن ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخَير، قال:
قال كعب: نهر النِّيل نهر العَسَل في الجنَّة، ونهر دَجْلة نهر اللبن في الجنَّة،
ونهر الفُرات نهر الخمر في الجنَّة، ونهر سَيْحَان نهر الماء في الجنَّة. قال:
فأطفأ الله نورهن ليصيرهن إلى الجنَّة .
أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا أبو عليّ عيسى بن محمد
الطُّوماري، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، قال: حدثنا عبدالمنعم بن
إدريس، قال: حدثني أبي، قال: ذكر وَهْب بن مُنَبِّه أنَّ في رَبَض الجنَّة ترًّا(١)
من أنهار الجنّة، فهو أصلُ أنهارِ الأرض كُلُّها التي أظهرها الله تعالى حيث ما
أراد أن يُظهرها، وأنَّ النيل نهرُ العَسَل في الجنَّة، ودجلَة نهرُ اللبن في الجنَّة،
والفُراتَ نهرُ الخمر في الجنَّة، وسَيْحان وجَيْحان نهران بأرض الهند وهما نهرا
الماء في الجنّة .
أخبرنا علي بن محمد بن عبدالله المُعَذَّل، قال: أخبرنا عُثمان بن أحمد
الدَّقَّاق، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البَرَاء، قال: حدثنا الفَضْل بن غانم،
قال: حدثنا الهيثم بن عَدِي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس،
قال: أوحى الله تعالى إلى دانيال الأكبر: أنْ فَجِّر لعبادي نهرين، واجعل
مَغيضهما(٢) البحر، فقد أمرتُ الأرضَ أن تُطيعَك. قال: فأخذ قناةً أو قَصبة
فجعل يخدها في الأرض ويَتبعه الماء، فإذا مَرَّ بأرض شيخ كبير أو يتيم ناشَدَه
اللهَ فيحيد عن أرضه، فعواقيل دجلة والفُرات من ذلك (٣).
أخبرنا أبو الحُسين أحمد بن محمد بن أحمد بن حمّاد الواعظ مولى بني
(١) التر: الأصل.
(٢) في م: ((مفيضهما)» بالفاء، محرف.
(٣) إسناده تالف، الهيثم بن عدي والكلبي وأبو صالح هلكى، ومتنه في الغاية من
النكارة .
٣٦١

هاشم، قال: حدثنا أبو عليّ إسماعيل بن محمد الصَّفَّار إملاءً، قال: حدثني
أبو بكر محمد بن إدريس الشَّعراني، قال: حدثنا موسى بن إبراهيم الأنصاري،
عن إسماعيل بن جعفر المَدَني، عن عُثمان بن عطاء، عن أبيه، قال: أوحى الله
تعالى إلى دانيال: أن الحفر لي سيبين نهرين بالعراق. قال دانيال: إلهي بأي
مَكاتل، وبأي مساحي، وبأي رجال، وبأي قوة، أحفر لك هذين النّهرين؟
فأوحى الله تعالى: أن أعدّ سكة حديد وعَرِّضها واجعلها في خشبة وألقها
خلف(١) ظَهرِك؛ فإني باعثٌ إليك الملائكة يُعينونَكَ على حفر هذين السيبين.
قال: ففعل، فحفر فكان إذا انتَهَى إلى أرض أرملةٍ أو يتيم حادّ عنه، حتى خَفَر
الدِّجلة والفُرات، فهذه العواقيل التي في الدجلة والفُرات من حفر دانيال.
قلت: ذكَرَ بعضُ مَنْ تقدَّم من العُلماء بأخبار الأوائل، أنَّ ملك
الأردوان، وهم النَّط، كان في السَّواد قبل ملك فارس، وأنَّ النََّط هم الذين
استنبطوا الأرض، وعَمَّرو السَّواد، وحَفَروا الأنهارَ العظام فيه. ويقال لهم:
ملوك الطَّوائف. وحكى الهيثم بن عَدِي(٢) عن عبدالله بن عيَّاش المَنتوف،
قال: كان حد مُلْك النّبطِ الأنبار إلى عانات كسكر، إلى ماوالاها من كُوَّر دجلة
إلى جُوخَى وما حول ذلك من السَّواد. قال ابن عيَّاش: وكانت سُرَّةَ الدُّنيا في
أيدي النََّط، واعتبر ذلك أنَّ الفُرات ودجلة يَنْصَبَّان من الشَّام والجزيرة، ولا
يُنْتَفَعُ بهما حتى يأتيا بلادهم فيُفَجِّرونهما في كُلِّ موضع، ثم يسوقون بقيتهما
إلى البحر. قال: وكان مُلْكهم ألف سنة، وإنما سُمُّوا نَبَطًا لأنهم أنبطوا الأرض
وحَفَروا الأنهارَ العظام، منها الصَّراة العُظْمَى، ونهر أبًّا، ونهر سورا، ونهر
المَلِك. حَفَر الصَّراة العُظمى فيروز جُشْنُس (٣)، وحَفَر نهر أبَّا أَبَّا بِنَ
الصامغان، وحَفَر نهر المَلِك أفقورشه وكان آخر ملوك النََّط، ملك مئتي سنة.
(١) في م: ((فوق))، وما هنا من النسخ.
(٢) وهو كذاب أشر.
(٣) في م: ((حشش))، مصحف.
٣٦٢

قال: ثم وليت فارس فحَفَروا الأنهار الصِّغار، كونا والصَّراة الصُّغرى التي
عليها قصر ابن هُبيرة وكل سِيب بالعراق، ثم حَفَروا النَّهْروان. قال: وكان يقال
له: نهرواي لأنه إذا قلَّ ماؤه عطش أهله، وإذا كثر ماؤه غرقوا.
أخبرنا أبو القاسم الحسن بن الحسن بن عليّ بن المُنذر القاضي وأبو
القاسم عليّ بن محمد بن عليّ بن يعقوب الإيادي وأبو عليّ الحسن بن أحمد
ابن إبراهيم (١) بن شاذان البَزَّاز، قال الإيادي: حدثنا، وقالا: أخبرنا محمد بن
عبدالله بن إبراهيم الشَّافعي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل السُّلَمي، قال:
حدثنا سعيد بن سابق - زاد ابن المُنذر وابن شاذان: أبو عُثمان من أهل
رشيد، ثم اتَّفقوا - قال: حدثني مَسْلَمة بن عليّ، عنِ مُقاتل بن حَيّان(٢) ، عن
عكرمة، عن ابن عباس، عن النبيِّ وَال*، قال: ((أَنزَلَ اللهُ من الجنَّة إلى الأرض
خمسةً أنهار: سَيْحون وهو نهر الهند، وجَيْحون وهو نهرُ بَلْخ، ودجلةَ
والفُرات وهما نهرا العراق، والنيلُ وهو نهر مِصْرَ، أنزَلَها الله تعالى من عينٍ
واحدةٍ من عُيون الجنَّة من أسفل درجةٍ من دَرَجاتها على جَناحَي جبريل،
فاستودَعَها الجبالَ وأجراها في الأرض وجَعَل فيها منافع للناس في أصنافٍ
معايشهم فذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مََّّ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِ آلْأَرْضِّ ﴾
[المؤمنون ٢٣]. فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله تعالى جبريل
فرَفَع من الأرض القُرآن - زاد بن المُنذر وابن شاذان: والعلم كله، ثم اتَّفقوا -
والحَجَر من رُكْن البيت، ومَقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار
الخمسة، فَيُرفع كل ذلك إلى السَّماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَايِم بِه
لَقَدِرُونَ ﴾ [المؤمنون]. فإذا رُفِعَت هذه الأشياء من الأرض فَقَدَ أهلُها خير
الدين وخيرَ الدُّنيا. وقال الإيادي: خيرُ الدُّنيا والآخرة))(٣).
(١) في م: ((وإبراهيم"، محرف.
(٢) في م: «حبان» بالموحدة، مصحف، وهو أشهر من أن يذكر.
(٣) إسناده ضعيف جدًا، وعلامات الوضع بادية على متنه، مسلمة بن علي الخشني
متروك الحديث، وقال ابن عدي عقب إخراجه مع حديث آخر من حديث مسلمة : =
٣٦٣

باب
تَعْرِيب اسمٍ بَغْداد
أخبرنا محمد بن علي الوَرَّاق وأحمد بن عليّ المُحَتسِب؛ قالا: أخبرنا
محمد بن جعفر الكوفي النَّحْوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السَّكُوني،
قال: حدثنا محمد بن خَلَف، قال: حدثني محمد بن أبي عليّ، عن محمد بنْ
أبي السَّري، عن ابن الْكَلْبِي، قال: إنما سُمَيِّت بغداد بالفُرْس لأنه أُهْدِي
الكبرى خَصِيٌّ من المَشْرِق فأقطَعَه بغداد، وكان لهم صَنَمِّ يعبدونَه بالمشرق
يقال له: البغ. فقال بغ داد. يقول: أعطاني الصَّنَم. والفُقَهاء يكرهون هذا
الاسم من أجل هذا، وسَمَّاها أبو جعفر ((مدينة السلام)) لأنَّ دجلة كان يقال
لها: وادي السَّلام.
أخبرني الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى. وأخبرنا
· الجَوْهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس بن حيويه (١)؛ قالا: أخبرنا أحمد
ابن جعفر ابن المُنادي، قال: حدثني أبو موسى هارون بن عليّ بن الحكم
المُقرىء المعروف بالمُزَوِّق، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجَوْهري، قال:
حدثنا داود بن منصور قاضي المِصِّيصة: أنَّ رجلاً ذَكَرَ عند عبدالعزيز بن أبي
رَوَّاد بغداد، فسأله عن معنى هذا الاسم، فقال: بَغْ بالفارسية صَنَّم، وداد
عطيته .
أخبرنا عبدالله بن عليّ بن حَقُّويه الهَمَذاني بها، قال: أخبرنا أحمد بن
((وهذان الحديثان ... جميعًا غير محفوظين بل هما منكرا المتن)).
=
أخرجه ابن حبان في المجروحين ٣٤/٣ - ٣٥، وابن عدي في الكامل ٢٣١٦/٦
من طريق مسلمة بن علي، به. وذكره ابن القيسراني في معرفة التذكرة في الأحاديث
الموضوعة ص ١٢٨ .
(١) سقط من م.
٣٦٤

عبدالرحمن الشُّيرازي، قال: أخبرنا أبو عبدالرحمن بن عَلَّك (١)، قال: حدثنا
يحيى بن ساسويه، قال: حدثنا أبو عبدالرحمن أحمد بن محمد بن حُميد بن
سُليمان بن خَفْص بن عبدالله بن أبي جَهْم بن حُذيفة العَدَوي المَدني، قال:
حدثني أسمر بن سَوْرة المُجاشعي الدَّارمي من أهل فارس، قال: حدثني
كَرْماني بن عمرو الأزدي أخو معاوية بن عَمرو صاحب زائدة، قال: سمعتُ
عبدالله بن المُبارك يقول: لا يقال بغداد بالذال، فإن بغ شيطان وداذ عطيته،
وإنها شرك، ولكن(٢) بَغْداد، وبغدان كما تقول العرب.
أخبرنا عليّ (٣) بن أبي عليّ المُعَذَّل، قال: أخبرنا محمد بن عبدالرحيم
المازني، قال: أخبرنا عُبيد الله بن أحمد بن بُكير التَّمِيمي، قال: أخبرنا عبدالله
ابن مُسلم بن قُتيبة، قال: كان الأصمعي لا يقول بغداد، وينهى عن ذاك
ويقول: مدينة السَّلام، لأنه سمعَ في الحديث أنَّ بغ صَنَم وداد عطيته
بالفارسية، كأنها عطيةُ الصَّنَم.
أخبرنا أبو الحُسين محمد بن الحُسين بن الفَضْلِ القَطَّان، قال: حدثنا أبو
سَهْل أحمد بن محمد بن عبدالله بن زياد، قال: قال المُبَرِّد: قال الثوري، عن
أبي عبيدة وأبي زيد وأشك في الأصمعي، يقال: بَغْداذ، وبغداد، ومَغْدان،
وبَغْدان .
أخبرنا الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى. وأخبرنا
الجَوْهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس؛ قالا(٤) : أخبرنا أحمد بن جعفر
ابن محمد أبو الحُسين، قال: حدثني أبو جعفر محمد بن فَرَج النَّحْوي
البغدادي، قال: أخبرنا سَلَمة بن عاصم، عن أبي زكريا يحيى بن زياد الفَرَّاء
مولى بني عَبْس، قال: يقال: بَغْداد بالباء والدَّال، ويقال: بَغْدان أيضًا بالباء
(١) في م: ((عتيك))، محرف، وهو مجود التقييد والضبط في ب ١ وصحح عليه.
(٢) بعد هذا في م: ((تقول)»، وليست في النسخ.
(٣) سقط من م.
(٤) في م: ((قال))، خطأ.
٣٦٥

في أولها والنون في آخرها، ومَغْدان بالميم أولاً وبالنون آخرًا. قال أبو
الحُسين: وذلك كُلُّه راجعٌ إلى ما فَسَّره ابن أبي رَوَّاد: أنه عطية الصَّنَم، وربما.
قيل: عطية المَلِك.
"أخبرنا القاضي (١) عليّ بن أبي عليّ البَصْري التَّنُوخي (٢)، قال: أخبرنا:
"إسماعيل بن سعيد بن سُوَيْد المُعَدَّل، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم
الأنباري، قال: وقولهم(٣): هذه بغداد، أصلُ هذا الاسم للأعاجم، والعربُ
تختلفُ في لَفظِه إذ لم يكن أصلُه من كلامها، ولا اشتقاقُه من لُغاتها. وبعضُ
الأعاجم يزعم: أنَّ تفسيره بالعربية بُستان رجل، فَبَغ بُستان، وداد رجل:
وبعضهم يقول: بَغ اسم صَنَم كان لبعض الفُرس يعبده، وداذ رجل، ولذلك
كرّه جماعة من الفُقَهاء أن تسمى هذه المدينة بغداد لعلةٍ اسم الصَّنَم، وسُمِّيت
مدينةُ السلام لمقاربتها دِجْلة، وكانت دجلة تُسَمَّى قَصر السلام، فمن العرب
مَن يقول: بغدان بالباء والنون، وبعضُهم يقول: بغداد بالباء والدَّالين، وهاتان
اللُّغتان هما السّائرتان في العرب المشهورتان.
أنشدنا أبو بكر المخزومي في مجلس أبي العباس، يعني ثعلبًا [من
البسيط]:
قُل للشِّمال التي هَبَّتِ مُزَعْزِعَةً تُذْري مع الليل شَفَّانًا بِصَرَّادِ
أقرأ سلامًا على نَجْدٍ وساكنِه وحاضرٍ باللِّوَى إن كانَ أو بادِي
سلامَ مُغْتَرِبٍ بَغْدانُ(٤) منزله إن أنجدَ النَّاسُ لم يَهْمَمِ بِإنجادٍ
قال أبو بكر ابن الأنباري: وأنشدنا أبو شُعيب، قال: أنشدنا يعقوب بن
السّگیت [من الطويل]:
(١) سقطت اللفظة من م.
(٢) كذلك.
(٣) في م:«وقوله))، محرف.
(٤) في م: «بغداد)، خطأ:
٣٦٦

لعَمْرك لولا هاشم ما تَغَيَّرت(١) ببغدان في بوغائه(٢) القَدَمان
قال: وقال الآخر [من الطويل]:
يا ليلة خَرَسَ (٣) الدَّجاج طويلةً ببَغْدان ما كادت عن الصُّبح تَنْجَلِي
قال: وقال الآخر [من الطويل]:
ألا يا غُراب البَيْن مالك واقفًا ببغدانَ لا تجلو وأنتَ صحيحُ
فقال غُراب البَيْن وانهلّ دَمْعُهُ نَقْضِي لُبانات لنا ونَرُوحُ
ألا إنما بَغْدان سجنُ إقامةٍ أراحَكَ من سِجْنِ العَذاب مُرِيحُ
قال أبو بكر: وأنشدني أبي، قال: أنشدنا أبو عِكْرمة (٤) [من الطويل]:
تَرَخَّل فما بغداد دار إقامةٍ ولا عند من أضْحَى ببغداد طائلٌ
مَحَلُّ ملوك سَمْنُهم في أديمهم فكلُّهُمُ من حِلْية المَجْد عاطِلُ
زادني القاضي أبو الحُسين محمد بن عليّ بن محمد بن المهتدي بالله
هاهنا بيتًا ذكر لي أنَّ أبا الفَضْل محمد بن الحسن بن المأمون أخبرهم به عن
ابن الأنباري وهو [من الطويل]:
سِوَى معشر قَلُوا وجُل قليلهم يُضاف إلى بَذْل النَّدَى وهو باخِلُ
ثم رجعَ(٥) إلى رواية ابن سُوَيْد [من الطويل]:
ولا غَرْو أن شَلَّتِ يدُ المجد والعُلَى وقل سَماحٌ من رجالٍ ونائلٌ
إذا غَضْغَضَ البَحْرُ الغُطامط ماؤه فليسَ عَجِيبًا أن تَغِيضِ الجَدَاولُ
(١) في م: ((تفرقت»، محرفة.
(٢) في م: ((نوغاية)»، وهو تصحيف علق عليه ناشر م بقوله ((كذا في الأصل)»، والصواب
ما أثبتنا من النسخ، والبوغاء: التربة الرخوة كأنها ذريرة، كما في معجمات اللغة.
في م: ((حرس)) بالحاء المهملة، تصحيف، ولا معنى لها.
(٣)
(٤) نسبها ياقوت في معجم البلدان ٦٩٢/١ إلى غيره، فقال: ((وقرأت بخط عبيدالله بن
أحمد جُخْجُخ: قال أبو العالية)) فذكر الأبيات الخمسة باختلاف لفظي يسير.
(٥) في م: ((رجعنا))، وما هنا من النسخ، والمقصود: التنوخي.
٣٦٧

أخبرنا أبو الحُسين عليّ بن محمد بن عبد الله بن بِشْران، قال: أخبرنا أبو
الحُسين إسحاق بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الكاذِي الزَّاهِد، قال: أنشدنا
أحمد بن يحيى، يعني ثعلبًا [من الطويل]:
تَرَجَّل فما بغداد دار إقامةٍ ولا عِنْد من أضْحَى ببغداد طائل
هكذا في أصل كتابي عن ابن بِشْران بغداد بالذَّال المُعجَمة في
المَوضعَين، ثم ساقَ بقيةَ الأبيات مثل ما تقدَّم عن ابن سُوَيْد.
أخبرنا القاضي(١) عليّ بن أبي عليّ التَّنُوخي(٢)، قال: أخبرنا إسماعيل
ابن سعيد، قال: حدثنا أبو بكر ابن الأنباري، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرنا
الطّوسي وابن الحكم، عن اللِّحياني، فقال: يقال: بغدان، ومغدان،
للمُجانسة التي بين الباء والميم كما يقال: باسمك وما سمك، وعذاب لازم
ولازب، في حُروفٍ كثيرة، وبعضُهم يقول: بغداد بالدَّال وهي أشَدُّ اللُّغات
وأقلها .
قال أبو بكر: وأنشدني أبي، قال: أنشدنا الطُّوسي وابنُ الحكم، عن
اللِّحياني لأعرابي يمدح الكِسَائي [من الطويل]:
ومالي صَديقٌ ناصح أغتدي له ببغداد إلّ أنت بَرِّ موافقُ
قال: وقال الآخر [من الرجز]:
بغداد سُقيًا لك من بلادٍ يادار دار الأنس والإسعاد
بُدِّلتُ منكِ وحْشَة البوادي وقَطْع وادٍ وَوُرود واد
قال أبو بكر ابن الأنباري: وبغداد في جميع اللُّغات تُذَكَّر وتؤنَّك،
فيقال: هذه بغدان، وهذا بغدان.
أخبرنا أبو الفَتْح محمد بن عُبيد الله (٣) الصَّيْرفي، قال: حدثنا عُبيد الله بن
(١) سقطت هذه اللقطة من م.
(٢) كذلك.
(٣) في ب ١: ((عبدالله))، مخرف، وستأتي ترجمته في موضعها من هذا الكتاب ٥٨٥/٣ =
٣٦٨

أحمد بن يعقوب المُقرىء، قال: حدثنا أبو القاسم المُظَفَّر بن عاصم بن أبي
الأغر، قال: دَخَلتُ إلى بغداد وهي أجَمةٌ ليس فيها إلّ كوخٌ واحدٌ وفيه رجلٌ
من الأولين يَنْطر (١) مَبْقلة له، فلما أن جاء المنصور ووَضَع الأساسَ، قال: ما
اسمُ هذا المَوضع؟ قالوا له (٢): لا ندري، ولكن هاهنا رجلٌ من الأولین سَلْه،
فَبَعَثَ إليه، فقال له: ما اسمُك؟ فقال: اسمي داذ. فقال له: وما يُقال لهذا
الموضع؟ فقال: هذا باغٌ لي، يعني البُستان. فقال: سَمَّوه باغ داد(٣)، فسُمِّيت
بغداد .
قلت: والمحفوظُ أنَّ هذا الاسم كان يُعرف به الموضع قديمًا قبل أبي
جعفر المنصور، وقول ابن أبي الأغر هذا أنَّ المنصور هو الذي سَمَّى الموضع
بغداد لم يُتابعه عليه أحد، والله أعلم بالصواب(٤).
باب
من أخبار أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور
أخبرنا القاضي أبو عُمر القاسم بن جعفر بن عبدالواحد الهاشمي، قال:
حدثنا أبو الحسن عليّ بن إسحاق بن محمد بن البَخْتري المادَرائي، قال:
حدثنا أبو قلابة الرَّقاشي. وأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن داود
الرَّزَّاز، قال: أخبرنا أحمد بن سَلْمان النَّجَّاد، قال: أخبرنا أبو قلابة الرَّقاشي
قراءةٌ عليه، قال: حدثنا أبو رَبيعة، قال: حدثنا أبو عَوَانة، عن الأعمش، عن
الضَّخَّاك، عن ابن عباس، قال: قال رسولُ اللهِ بَّةَ: ((منَّا السَّفَّاح، ومنَّا
=
ترجمة ١١٠٤ .
(١) في م: ((ينظر)) بالظاء المعجمة، خطأ.
(٢) سقطت من م.
(٣) في م: ((باغ لداذ»، محرفة.
(٤) سقطت من م.
٣٦٩

١٠
المنصور، ومنَّا المهدي)). قال النَّجَّاد: هكذا قرأه علينا أبو قلابة مرفوعًا(١)
قلت: وكذلك رواه يحيى بن غَيْلان عن أبي عَوَانة؛ أخبرنا الحسن بنّ
أبي بكر، قال: أخبرنا أبو سَهْل أحمد بن محمد بن عبدالله بن زياد القَطَّان،
قال: حدثنا محمد بن الفَرَج الأزرق، قال: حدثنا يحيى بن غَيْلانِ، قال.
حدثنا أبو عَوَانة، عن الأعمش، عن الضَّحَّاك بن مُزاحِم، عن عبدالله بن
عباس، عن النبيِّ نَّه قال: ((منَّا السَّفَّاح والمنصور والمهدي)) ..
حدثني الحسن بن أبي طالب، قال: حدثنا عُمر بن أحمد الواعظ، قال:
حدثنا عبدالله بن سُليمان بن الأشعث ومحمد بن عليّ بن سَهْل الزَّغْفراني
ومحمد بن الحُسين بن حميد بن الرَّبيع الخَزَّاز. وأخبرنا أبو القاسم الأزهري،
قال: حدثنا محمد بن المظفر الحافظ، قال: حدثنا أبو سَهْل محمد بن عليّ
الزَّغْفراني؛ قالوا: حدثنا أحمد بن رَشَد(٢) الهلالي، قال: حدثنا سعيد بن
(١) موضوع، قال الإمام ابن القيم في المنار المنيف ص ١١٧: ((كل حديث في مدح
المنصور والسفاح والرشيد فهو كذب)). والضحاك بن مزاحم الهلالي لم يسمع من ابن
عباس كما صرح بنفسه (جامع التحصيل ١٩٩ - ٢٠٠)، وأبو ربيعة زيد بن عوف
القطعي متروك (الميزان ١٠٥/٢)، ومتابعة يحيى بن غيلان له في الطريق الآتي ليست
بشيء فإن في إسناده محمد بن الفرج الأزرق وهو وإن كان صدوقًا حسن الحديث كما
بيناه في ((تحرير التقريب))، إلا أن هذا الحديث مما أنكر عليه خاصة ، وقد روي الحديث
من طرق أخرى موقوفًا على ابن عباس، ولا يخلو طريق منها من علة، ولا يصح منها
شيء، قال ابن الجوزي: «وكل هذه الأشياء لا تثبت لا موقوفة ولا مرفوعة)».
أخرجه البيهقي في الدلائل ٥١٤/٦، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٤٦٩)
و (٤٧٠).
(٢) في م: ((راشد))، محرف، وإن جاء في بعض المصادر: ((راشد)) كما في ميزان الذهبي
٩٧/١ وغيره، فهو مجود التقبيد والضبط في النسخ كافة، وكذلك هو في الجرح
والتعديل ٢/ الترجمة ٥٣، والمعجم الكبير للطبراني (١٠٥٨٠)، وتاريخ ابن عساكر
١٧٨ وغيرها، وكذا قيدته كتب المشتبه، قال العلامة ابن ناصر الدين في توضيح
المشتبه ١٩١/٤ عند كلامه على ((رُشْد)) بضم الراء وسكون الشين المعجمة؛ ((وبفتح
أوله وثانيه معًا: أحمد بن رَشَد بن خثيم الكوفي، حدث عن أبي معاوية الضریر،
وعن عمه سعيد بن خثيم، نقله ابن نقطة من خط أبي الفضل بن ناصر، وضبطه)) =
٣٧٠

خُثَيْم (١)، عن حَنْظلة، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: حَدَّثتَنِي أمُّ الفَضْل
بنت الحارث الهلالية، قالت: مررتُ بالنبيِّ نَّ وهو في الحِجْر، فقال: ((يا أمَّ
الفَضْلِ إنك حاملٌ بِغُلام)». قلتُ: يا رسولَ الله وكيفَ وقد تحالف الفريقان أن
لا يأتوا النِّساء؟ قال: ((هو ما أقول لك، فإذا وضعتيه فائتيني به)). قالت: فلما
وضعتُهُ أتيتُ به رسولَ الله ◌َِّ، فَأَذَّن في أذنك(٢) اليُمنى وأقامَ في أذنك(٣)
اليُسرى، وقال: ((اذهبي بأبي الخلفاء)). قالت: فأتيتُ العباس فأعلمتُه وكان (٤)
رجلاً جميلاً لَّاسًا، فأتى النبيَّ نَ ◌ّهَ فلما رآه رسولُ الله ◌ََّ، قَامَ إليه فقَبَّل بين
عَينيه ثم أقعده عن يمينه، ثم قال: ((هذا عمي فمن شاء فليُياه بعَمِّه)) قلتُ (٥):
يا رسولَ الله بعض هذا القول. فقال: ((يا عباس لِمَ لا أقول هذا القول؟ وأنت
عمي وصنو أبي وخيرُ مَن أُخَلْف بعدي من أهلي)». فقلتُ: يا رسولَ الله ما
شيء أخْبَرَتني به أمُّ الفَضْل عن مولودنا هذا؟ قال: ((نعم، يا عباس، إذا كانت
سنة خمس وثلاثين ومئة فهي لك ولولدك؛ منهم السَّفَّاح، ومنهم المنصور،
ومنهم المهدي))، لفظُ حديثِ الحَسَن(٦).
وكنتُ قد قيدته بضم الراء وسكون الشين المعجمة في تهذيب الكمال ٤١٣/١٠
=
متابعة مني لضبط ابن المهندس، ولو كنت أخذتُ بهذا الضبط لكان أصح وأحسن.
(١) في م: «خيثم»، مصحف .
(٢) في م: ((أذنه))، وما هنا من النسخ، وهو الصواب.
(٣) كذلك.
(٤) في م: ((فكان)»، محرفة.
(٥) في م: ((قالت))، وما هنا من النسخ.
(٦) موضوع، وآفته أحمد بن رشد بن خثيم، قال الإمام الذهبي في ترجمته من الميزان
(٩٧/١): ((عن سعيد بن خثيم بخبر باطل في ذكر بني العباس)) فساقه ثم قال: ((رواه
أبو بكر بن أبي داود وجماعة عن أحمد بن راشد (كذا) فهو الذي اختلقه بجهل».
أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٥٨٠)، وابن عساكر في ترجمة العباس بن
عبدالمطلب من المطبوع من تاريخ دمشق ص ١٧٩ - ١٨٠، وابن الجوزي في العلل
المتناهية (٤٧١) من طريق أحمد بن رشد، به. وأعله ابن الجوزي بحنظلة بن أبي
سفيان ظنًا منه أنه حنظلة السدوسي الضعيف، فتوهم في ذلك، وهو كثير الأوهام =
٣٧١

أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبدالله الحافظ، قال: حدثنا سُليمان بن أحمد
الطَّبراني، قال: حدثنا أبو زيد عبدالرحمن بن حاتِم المُرادي، قال: حدثنا نُعيم
ابن حمَّاد، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن شيخ، عن يزيد بن الوليد
الخُزاعي، عن كعب، قال: المنصور والمهدي والسَّفَّح من وَلَد العباس.
: أخبرني عليّ بن أحمد الرَّزَّاز، قال: أخبرنا أحمد بن سَلْمَان الفقيه
النجاد(١)، قال: حدثنا أبو قلابة الرَّقاشي، قال: حدثنا عليّ بن الجَعْد، قال:
أخبرنا زُهير بن مُعاوية، عن مَيْسرة، يعني ابن حبيب، عن المِنْهال بن عَمرو،
عن سعيد بن جُبَيْر، قال: كثَّا عند ابن عباس فَذَكرنا المهدي وكان مُنْضَجعًا،
فاستَوَى جالسًا، فقال: منَّا السَّفَّاح، ومنَّا المنصور، ومنَّا المهدي(٢).
أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن عليّ بن يعقوب الواسطي، قال:
حدثنا أبو الحسن عليّ بن عُمر بن أحمد الحافظ، قال: حدثنا أبو إسحاق
إبراهيم بن عبدالصمد بن موسى الهاشمي، قال: حدثني أبي عبدالصمد، قال:
حدثني أبي موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، عن أبيه محمد بن إبراهيم،
قال: قال المنصور يومًا ونحن جلوسٌ عنده: أتذكرون رؤيا كنتُ رأيتُها ونحن
بالشَّراة(٣) ؟ فقالوا: يا أميرَ المؤمنين ما نذكرها، فغَضِب من ذلك. وقال: كان
ينبغي لكم أن تثبتوها في ألواح الذَّهب وتعلقوها في أعناق الصِّبيان. فقال
عيسى بن عليّ : إن كثَّا قَصَّرنا في ذلك فنَستَغفِرُ الله يا أميرَ المؤمنين فليُحدثنا
=
یرحمه الله .
(١) سقطت من م ..
(٢) باطل، وتقدم الكلام على المرفوع منه .
أخرجه الدولابي في الكنى ١/ ١٤١، وأبو نعيم في الدلائل ٥١٣/٦ و٥١٤.
وأخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٥١٤ من طريق مجاهد عن ابن عباس بنحوه
مطولاً، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه))، وفي إسناده إبراهيم بن
المهاجر مجمع على ضعفه!
(٣) في م: ((بالشراء"، وهو تخريف قبيح.
٣٧٢

أميرُ المؤمنين بها. قال: نعم، رأيتُ كأني في المسجد الحرام وكأنَّ رسولَ الله
وَّر في الكعبة وبابُها مَفتوح، والدَّرجة موضوعة وما أفقدُ أحدًا من الهاشميين
ولا من القُرَشيين، إذا منادٍ يُنادي أينَ عبدالله؟ فقامَ أخي أبو (١) العباس يَتَخَطَّى
الناس حتى صارَ على الدَّرجة، فأُخِذَ بيده فأُدْخِلَ البيت فما لبث أن خَرَج علينا
ومعه قناةٌ عليها لواءٌ قدر أربعة أذرع أو أرجح، فَرَجَع حتى خَرَج من بابٍ
المسجد. ثم نودي أين عبدالله؟ فقُمت أنا وعبد الله بن عليّ نستبق حتى صِرنا
إلى الدَّرجة فجلس، وأُخِذَ بيدي فأصعدتُ فَأُدْخِلتُ الكعبة، وإذا رسولُ الله
رَّ جالسٌ ومعه أبو بكر وعمر وبلال. فعَقَد لي وأوصاني بأمته وعَمَّمَني،
فكان كُوْرها ثلاثة وعشرين كُورًا، وقال: خُذها إليك أبا الخُلَفاء إلى يوم
القيامة .
أخبرنا أبو الحسن عليّ بن أحمد بن عُمر المُقرىء الزَّاهد(٢) ، قال:
أخبرنا عليّ بن أحمد بن أبي قيس الرَّفَّاء، قال: حدثنا أبو بكر عبدالله بن محمد
ابن أبي الدُّنيا، قال: حدثني محمد بن صالح، قال: حدثني أبو مسعود
الرِّياحي، قال: حدثني عُبيدالله بن العباس، قال: وُلِدَ أبو جعفر سنة خمس (٣)
وتسعين. وقال ابن أبي الدُّنيا: حدثني حَمْدون بن سعد المؤذِّن، قال: رأيتُ
أبا جعفر يخطبُ على المنبرُ معرق الوجه، يخضبُ بالسَّواد، وكان أسمرَ طويلاً
نحيفًا خفيفَ العارضين، وأُّه ◌ُمُّ وَلَد يقال لها: سَلَامة.
أخبرنا محمد بن عليّ الوَرَّاق، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عِمْران،
قال: حدثنا أبو بكر محمد بن يحيى بن عبدالله بن العباس بن محمد بن صُول
الصُّولي النَّديم، قال: توفي المنصور بمكة، وكان حاجًّا، في سنة ثمان
وخمسين ومئة، ودُفِنَ ما بين الحَجون وبئر مَيْمون بن الحَضْرمي، وله يوم
(١) سقطت من م.
(٢) سقط من م.
(٣) في م: ((خمسة))، خطأ.
٣٧٣

توفي أربع وستون سنة. قال الصُّولي: ويُروى أنه وُلِدَ سنة خمس وتسعين في
اليوم الذي مات فيه الحجّاج .
حدثني الحسن بن محمد الخَلَّل، قال: حدثنا عُمر بن محمد ابنَ
الزَّيَّات إملاءً، قال: حدثنا عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز. وأخبرنا أبو عبد الله
محمد بن عبدالواحد البَزَّاز(١)، واللفظ له، قال: حدثنا محمد بن المظفر
الحافظ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا الحارث بن
محمد؛ قالا: حدثنا منصور بن أبي مُزاحِم، قال: حدثني أبو سَهْل الحاسب،
قال: حدثني طيفور مولى أمير المؤمنين، قال: حَدَّثَنِي سَلَامة أم أمير
المؤمنين، قالت: لما حملتُ بأبي جعفر، رأيتُ كأنه خَرَجَ من فَرْجَي أسدٌ فزأرِ
ثم أقعى فاجتَمَعت حولَه الأُسْد، فكلما انتَهَى إليه أَسَدٌ سَجَد له.
أخبرنا الحسن بن أبي طالب، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عروة بن
الجَرَّاحِ، قال: حدثنا أبو بكر الصُّولي، قال: قال رجل من ولد الرَّبيع: لما
أراد أبو جعفر أن يبني لنفسه، كان يُؤْتَى من كل مدينة بتراب فيعفنه فيصيرُ
عقارب وهوامٌ، حتى أتي بتُربة بغداد فخرَجَ صرّاراتٍ، وأتى الخُلْد فنظر إلى
دجلة والفُرات فأعجبَهُ، فرآه راهبٌ كان هُناك وهو يُقَدِّرُ بناءها، فقال: لا تتم،
فَبَلَغْه فأتاه. فقال: نعم، نجد في كتبنا أنَّ الذي يبنيها ملكٌ يقال له:
مِقْلاص (٢) قال أبو جعفر: كانت والله أمي تُلَقِّبني في صغري مِقْلاصًا(٣)
(١). في م: ((البزار)» آخره راء، مصحف.
(٢): في م: ((نقلاص)» بالنون، محرف.
(٣) في م: ((نقلاصًا» بالنون، محرف.
٣٧٤

باب
(١)
ذكرُ خبر بناء مدينة السلام
أخبرنا القاضي(٢) عليّ بن أبي عليّ المُعَدَّل التَّنوخي، قال: أخبرنا طَلْحة
ابن محمد بن جعفر، قال: أخبرني محمد بن جرير إجازةً: أنَّ أبا جعفر
المنصور بُويع له سنة ستٍ وثلاثين ومئة، وأنه ابتدأ أساسَ المدينة سنة خمس
وأربعين ومئة، واستَتَمَّ البناء سنة ست وأربعين ومئة، وسَمّاها مدينة السَّلام.
قلتُ: وبَلَغني أنَّ المنصور لما عَزَم على بنائها، أحضَرَ المهندسين وأهلَ
المعرفة بالبناء والعلم بالذَّرْع والمَساحة وقسمة الأرَضين، فَمَثَّل لهم صفتَها
التي في نفسه، ثم أحضرَ الفَعَلَةَ والصُّنَّاعِ من النّجارين والحَفَّارِين والحَذَّادين
وغيرهم، وأجرى (٣) عليهم الأرزاق، وكتَبَ إلى كلِّ بلد بِحَمْلِ (٤) مَن فيه ممن
يفهم شيئًا من أمر البناء، ولم يبتدىء في البناء حتى تَكامَلَ بحَضْرته من أهل
المِهَن والصناعات ألوفٌ كثيرةٌ، ثم اختطّها وجعلها مُدَوّرة. ويقال: لا يُعرف
في أقطار الدُّنيا كُلِّها مدينة مدورة سواها، ووَضّع أساسَها في وقت اختاره له
نَوبَخْتِ المُنجِّم .
أخبرنا محمد بن عليّ الوَرَّاق وأحمد بن عليّ المُحتَسِب؛ قالا: أخبرنا
(١) كتب الكثير عن بناء مدينة السلام قديمًا وحديثًا، ولعل من أبرز الدراسات الحديثة ما
كتبه المستشرق الانكليزي ليسترائج ((بغداد في عهد الخلافة العباسية)» المطبوع بلندن
سنة ١٩٠٠، وقد ترجم إلى العربية، لكن أبرز دراسة هي التي كتبها أستاذنا الدكتور
صالح أحمد العلي في المجلد الأول من كتابه النفيس ((بغداد مدينة السلام)» (بغداد
١٩٨٥)، ودراسة أستاذنا الدكتور عبدالعزيز الدوري في الطبعة الثانية من دائرة
المعارف الإسلامية (ترجمت إلى العربية سنة ١٩٨٤).
(٢) سقطت من م.
(٣) في م: ((فأجرى»، وما هنا من النسخ.
(٤) في م: ((في حمل))، وأثبتتا ما في ب ١.
٣٧٥

محمد بن جعفر النَّحْويّ، قال: حدثنا الحسن بن محمد السَّكوني، قال: قال
محمد بن خَلَف: أنبأني محمد بن موسى القَّيْسي، عن محمد بن موسى
الخُوارِزمي الحاسب: أنَّ أبا جعفر تَحوَّل من الهاشمية إلى بغداد، وأمر
ببنائها، ثم رَجَع إلى الكوفة بعد مئة سنة وأربع وأربعين سنة وأربعة أشهر
وخمسة أيام من الهجرة، قال: وفَرَغ أبو جعفر من بنائها ونَزَلها مع جنده
وسَمَّاها «مدينة السلام» بعد مئة سنة وخمس وأربعين سنة وأربعة أشهر وثمانية
أيام من الهجرة .
قال محمد بن نخلف: قال الخُوارزمي: واستتمَّ حائط بغداد وجميع
عملها بعد مئة سنة وثمان وأربعين سنة وستة أشهر وأربعة أيام من الهجرة.
أخبرنا محمد بن الحُسين بن الفَضْلِ القَطَّان، قال: أخبرنا عبدالله بن
جعفر بن دَرَستُويه النَّحْوي، قال: حدثنا يعقوب بن سُفيان، قال(١): سنة سنت
وأربعين ومئة، فيها فَرَغْ أبو جعفر من بناء مدينة السلام ونزوله إياها، ونقلَ
الخزائنَ وبيوتَ الأموال والدَّواوين إليها. وفي سنة تسع وأربعين ومئة(٢) استتم
بناء سُور خَنْدق مدينة السلام وجميع أُمورها .
أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن،
قال: أخبرنا أبو عبدالله إبراهيم بن محمد بن عَرَفة الأزدي، قال: حُكيَ عن
بعض المنجمين، قال قال لي المنصور لما فَرَغ من مدينة السَّلام: خُذ
الطالع، فَنَظَرتُ في مطالعها (٣) وكان المشتري في القَوْس، فأخبرتُه بما تدلُّ
عليه النُّجوم من طُولِ زَمانها وكَثْرة عمارتها وانصباب الدُّنيا إليها، وفقر النَّاس
إلى ما فيها . ثم قلت له: وأُبشّرك يا أمير المؤمنين أكرمك الله بخلَّة أخرى من
دلائل النُّجوم: لا يموتُ فيها خليفة من الخُلفاء أبدًا. فرأيته تَبَسَّم لذلك، ثم
قال: الحمدُ لله ذلك فَضْل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفَضْلِ العظيم: فلذلك
(١): المعرفة والتاريخ ١٣٠/١.
(٢) نفسه ١/ ١٣٤.
(٣) في م: ((طالعها)»، محرفة.
٣٧٦

قال عُمارة بن عَقيل بن بلال بن جرير بن الخَطَفَى عند تحوُّل الخُلفاء من
بغداد(١) [من الطويل]:
أعايَنْتَ في طولٍ من الأرْضِ والعَرْضِ كبغدَادَ دارًا إنها جَنّةُ الأرضِ
صَفَا العيشُ في بغدادَ واخضَرَّ عودُهُ وعَيْشُ سِواها غيرُ صافٍ، ولا غَضِّ
مرِيءٌ وبَعْض الأرض أمراً من بعضٍ
تطولُ بها الأعمارُ إنّ غذَاءها
بها إنه ما شاءَ في خَلْقه يقضِي
قَضَى رَبُّها أن لا يموتَ خليفةٌ
تنامُ بها عينُ الغَرِيبِ ولن تَرَى غريبًا بأرضِ الشامِ يَطْمَعُ فِي غَمْضٍ
فإن خَرِبَتْ بغداد منهم بِقَرْضها فما أسلَفَتْ إلا الجَمِيل من القَرْض
وإن رُمِيت بالهَجْر منهمُ وبالقِلَى فما أصبَحَتْ أهلاً لِهَجْر ولا بُغْضٍ
وقد رُويت هذه الأبيات لمنصور الثّمري، والله أعلم.
أخبرنا أبو عبدالله أحمد بن محمد بن عبدالله الكاتب، قال: أخبرنا أبو
جعفر محمد بن أحمد بن محمد مولى بني هاشم يعرف بابن مُثَيَّم، قال: حدثنا
أحمد بن عُبيدالله بن عمار، قال: قال أبو عبدالله محمد بن داود بن الجَرَّاح:
ولم يَمُتْ بمدينة السلام خليفة مُذْ بُنيت إلّ محمد الأمين، فإنه قُتل في شارع
باب الأنبار وحُمِلَ رأسهُ إلى طاهر بن الحُسين وهو في مُعَسْكره بين بطاطيا
وباب الأنبار. فأما المنصور، وهو الذي بَناها، فمات حاجًّا وقد دَخَل الحَرَم،
وماتَ المهدي بما سبَذان، وماتَ الهادي بعيْساباذ، وماتَ هارون بطُوس،
وماتَ المأمون بالبَذَنْدون من بلاد الزُّوم وحُمِلَ فيما قيل إلى طَرَطوس فدُفِنَ
بها، وماتَ المُعتصم بسُرَّ مَن رأى. وكلُّ من ولي الخِلافة بعدَه من وَلَده ووَلَد
وَلَده إلّ المعتمد والمُعتضد والمُكتفي فإنهم ماتوا بالقُصور من الزَّنْدَوَرْد،
فُحمِل المُعتمد مَيّا إلى سُرَّ من رأى، ودُفِنَ المُعتضد في مَوضع من دار محمد
ابن عبدالله بن طاهر، ودُفِنَ المُكتفي في موضع من دار ابن طاهر.
(١) انظر معجم البلدان لياقوت ١ / ٦٨٥ .
٣٧٧

. قلت: ذكرت هذا الخبر للقاضي أبي القاسم عليّ بن المُحَسِّن الشّوخي
رحمه الله، فقال: محمد الأمين أيضًا لم يُقْتل في المدينة، وإنما كان قد نَزَل
في سفينة إلى دجلة يَتَنَّه فَقُبِضَ عليه في وسط دجلة وقُتِلَ هناك، ذكر ذلك
الصُّولي وغيرُه. وقال أحمد بن أبي يعقوب الكاتب: قُتِلَ الأمين خارج باب
الأنبار عند بُستان طاهر
عدنا إلى خبر بناء مدينة السلام :
ذكرُ خَط مدينة المنصور وتحديدها
ومَنْ جُعِلَ إليه النَّظَرفي تَرْتيبها
أخبرنا أبو عُمر الحسن بن عُثمان بن أحمد بن الفَلُوّ الواعظ، قال:
أخبرنا جعفر بن محمد بن أحمد بن الحكم الواسطي، قال: حدثني أبو الفَضْل
العباس بن أحمد الحذَّاد، قال: سمعتُ أحمد البَزبري يقول: مدينة أبي جعفر
ثلاثون ومئة جَزِيب، خَنَّادقها وسُورها ثلاثون جريبًا، وأَنَّفِقَ عليها ثمانية عشر
ألف ألف، وبُنيت في ستة خمس وأربعين ومئة. وقال أبو الفَضْل: حدثني أبو
الطَّيب البَزَّاز(١)، قال: قال لي خالي وكان قَيّم بدر: قال لنا بَذْر غلام
المُعتضد: قال أمير المؤمنين: انظروا كم هي مدينة أبي جعفر؟ فنَظُرنا وحَسَبَنا
فإذا هي ميليْن مكسر في ميليْن.
: قلتُ: ورأيتُ في بعض الكتب أنَّ أبا جعفر المنصور أنفَقَ على مدينته
وجامعها وقَصْر الذَّهب فيها والأبواب والأسواق إلى أن فَرَغ من بنائها أربعة
آلاف (ألف)(٢) وثمان مئة وثلاثة وثمانين درهمًا، مبلغها من الفلوس مئة ألف
(١) في م: ((البزار)) آخره راء، مصحف ..
(٢) ما بن الحاصرتين إضافة لابد منها كأنها سقطت من المصنف حال النقل وذلك
الإخلال النسخ بها كافة، ولا يصح الرقم من غيرها البتة لزهادة المبلغ. وهذا النص
ذكره الطبري بعينه كما اقترحنا، وإن جاء فيه ((وثلاثة وثلاثين)) بدلاً من «ثلاثة =
٠٣٧٨

(ألف)(١) فلس وثلاثة وعشرون ألف فلس؛ وذلك أنَّ الأستاذ من الصُّنّاع كان
يعمل يومه بقيراط إلى خمس حَبَّات، والروزجاري يعمل بحبتين إلى ثلاث
حبات .
قلت: وهذا خلاف ما تقدَّم ذكره من مَبلغ النَّفقة على المدينة، وأرى بين
القَولين تفاوتًا كثيرًا، والله أعلم.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن رِزْق البَزَّاز(٢) ، قال: حدثنا جعفر
الخُلْدي إملاءً، قال: حدثنا الفَضْلِ بنِ مَخْلَد الدَّقَّق، قال: سمعتُ داود بن
صَغِير(٣) بن شبيب بن رُسْتُم البُخاري يقول: رأيتُ في زمن أبي جعفر كَبْشًا
بدرهم، وحملاً بأربعة دوانق، والثّمر ستين رطلاً بدرهم، والزَّيت ستة عشر
رطلاً بدرهم، والسَّمن ثمانية أرطال بدرهم، والرَّجل يَعْمل بالروزجار في
السُّور كل يوم بخمس حَبَّات.
قلت: وشبيهٌ بهذا الخبر ما أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا
عُثمان بن أحمد الدَّقَّاق، قال: حدثنا الحسن بن سلَّم السَّوَّاق، قال: سمعتُ
أبا نُعيم الفَضْل بن دُكَيْن يقول: كان يُنادى على لحم البَقَر في جبَّانة كِنْدَة
تسعين رطلاً بدرهم، ولحم الغَنَم ستين رطلاً بدرهم، ثم ذكر العَسَل، فقال:
عشرة أرطال، والسّمن اثني عشر رطلاً. قال الحسن بن سَلَّم: فقدمتُ بغداد
فحدثتُ به عفَّان، فقال: كانت في تكتي قطعة (٤) فسقطتْ على ظهر قدَمي
و ثمانین)» وهو اختلاف يسير.
(١) إضافة مني، وانظر تعليقي السابق.
(٢) في م: ((البزار)) اخره راء، مصحف.
(٣) في ب ١: ((صُعَيْر))، خطأ، وقيده الدار قطني في المؤتلف ١٤٤٠/٣، وابن ماكولا في
الإكمال ١٨٤/٥، وستأتي ترجمته في حرف الدال من هذا الكتاب ٣٣٧/٩ ترجمة
٤٤١٩.
(٤) أي جزء مقطوع من الدرهم. انظر خطط بغداد للسنر ١٤٤ هامش ١٠.
٣٧٩

فأحسَسْتُ بها؛ فاشتريتُ بها ستة مكاكيك (١) دقيق الأرزّ(٢).
: أخبرنا محمد بن عليّ الوَرَّاق وأحمد بن عليّ المُحتَسِب؛ قال: أخبرنا
محمد بن جعفر النَّحْوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السّکوني، قال: حدثنا
محمد بن خَلَف، قال: قال يحيى بن الحسن بن عبد الخالق: خَطُّ المدينة ميلٌ
في ميل، وَلَِنُها ذِرائعٌ في ذراع. قال محمد بن خَلَفَ: وزعم أحمد بن محمود
الشَّرَوي أنَّ الذي تولَّى الوقوف على خط بغداد: الحجَّاجُ بنُ أرطاة وجماعةٌ مِنَ
أهل الكوفة. وزَعَم أبو النَّضْرِ(٣) المَرْوَزي أنه سمعَ أحمد بن حنبل يقول:
بَغْداد من الصَّراة إلى باب الثُّن.
قلت: عَنَى أحمد بهذا القول مدينة المنصور وما لاصقها واتّصل ببنائها
خاصة، لأنَّ أعْلَى البلد قَطِيعة أم جعفر دونَها الخَنْدق يقطعُ بينها وبين البناءِ
المُتصل بالمدينة، وكذلك أسفل البَلَد من محال الكرخ وما يتصل به يقطع بينه
وبين المدينة الصَّراةُ، وهذا حدُّ المدينة وما اتَّصل بها طولاً. فأما حَدُّ ذلك
عرضًا، فمن شاطىء دجلة إلى المَوضع المعروف بالكَبْش والأسَد، وكُلُّ ذلك
كان مُتصل الأبنية مُتلاصِقُ الدُّور والمَساكن، والكَبْش والأسَد الآن صحراء
مزروعة، وهي على مَنَافِةَ من البَلَد، وقد رأيتُ ذلك الموضع مرةً واحدةٍ
خرجتُ فيها لزيارة قبر إبراهيم الحَرْبي وهو مَدِفون هناك، فرأيتُ فِي المَوضِعُ
أبياتًا كهيأة القرية يَسكُنها المُزارعون والحَطَّابون، وعُدْتُ إلى الموضع بعد ذلك
فلم أر فيه أثرًا لمسكن(١). وقال لي أبو الحُسين هلال بن المُحَسِّن الكاتب:
(١) المكوك يساوي ٥٠,٦٢٥ كغم.
(٢) كان سكان جنوب العراق حتى عهد قريب لحقته يستعملون دقيق الرز لعمل أنواع من
الخيز منه، من أشهرها ((الطابق)) و((السياح)).
(٣) في م: ((النصر)، مصحف، ومتى ما دخلت الألف واللام على هذا الاسم فهو بالضاد
المعجمة .
(٤) في م: ((أثر المسكن))، وقرأها لسنر: ((أثر السكن))، وكله تحريف، والصواب ما أثبتنا
وهو الذي في النسخ.
٣٨٠