Indexed OCR Text

Pages 101-120

الحُسين بن الفضل القطان))(١)، و((ابن الفَضْلِ القَطَّان))(٢)، و((ابنُ الفَضْل))(٣)،
و((محمد بن الحُسين بن محمد المَثُّوثي))(٤)، و((محمد بن الحُسين الأزرق)»(٥)
أو ((محمد بن الحُسين بن محمد الأزْرَق))(٦)، و((محمد بن أبي القاسم
الأزرق))(٧) .
أما صديقُهُ وشيخُهُ محمد بن علي بن عبدالله بن محمد أبو عبدالله
الصُّوري المتوفى سنة ٤٤١ هـ(٨)، فعلى الرّغم من أنه ذكره بنسبته المعروفة
(الصُّوري))(٩)، أو بكنيته ونسبته ((أبو عبدالله الصُّوري))(١٠)، فإنه ذكره عند
الرواية عنه في مواضع كثيرة باسم: ((محمد بن أبي الحَسَن)) (١١)، و((محمد بن
أبي الحسن السَّاحِلي)) (١٢)، و((محمد بن عليّ الصِّلْحي)) (١٣)!
وترجم الخطيب لشيخه الذي أكثرَ عنه أبي القاسم علي بن المُحَسِّن بن
عليّ بن محمد بن أبي الفَهْم التَّنُوخي ((٣٦٥ - ٤٤٧ هـ))(١٤)، فذكره عند
الرواية عنه بنسبته(١٥)، أو بكنيته ونِسْبته(١٦)، كما سَمَّاه (علي بن المُحَسِّن
(١) مثلاً تاريخه ٤٦٥/٣.
(٢) مثلاً تاريخه ٢/ ١٠ و٤٠ و٤٥٠.
(٣) مثلاً تاريخه ٢٧/٢ و٢٨ و٣٣.
(٤) مثلاً تاريخه ٢/ ١٧٥ و٥٦٩ ,٢٠٢/٣.
(٥). مثلاً تاريخه ١٣٨/٣ و١٤٩ و١٨٢.
(٦) مثلاً تاريخه ٣٠٧/٣ و ٤٠٧/٧.
(٧) مثلاً تاريخه ٢٤١/١٦.
ترجمته في تاريخه ٤/ ١٧٢.
(٨)
(٩) مثلاً تاريخه ٧٩/٢ ,٥٥٣/٥ و٣٢٢/٦.
(١٠) مثلاً تاريخه ١٦٩/٢ و٥٠٠ و٢٨/٣.
(١١) مثلاً تاريخه ١٨١/٢ و١٨٣ و١٨٤ و١٧٤/٣ .
(١٢) تاريخه مثلاً ٣٤٠/٢ و٣٥٧ و٠١٦٢/٣
(١٣) تاريخه مثلاً ٢٨٦/١٠.
(١٤) تاريخه ٦٠٤/١٣ - ٦٠٥.
(١٥) مثلاً تاريخه ١٧٧/٢ و٤٦٥ و٤٤٠/٣.
(١٦) مثلاً تاريخه ٣/ ٧٠١ ٤ / ٤٧ و ٥٦.
١٠١

القاضي))(١)، و((عليّ بن أبي علي المُعَذَّل))(٢)، و((عليّ بن أبي علي
البَصْري))(٣).
: ١٠) أما شيخه أبو عليّ الحسن بن الحُسين بن العباس المعروف بابن دوما
النِّعالي ((٣٤٦ - ٤٣١ هـ))، فهو متكلّم فيه (٤) ، فسماه في كثير من الروايات
الحسن بن أبي القاسم(٥) ..
وحين روى عن شيخه أبي علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان
البَزَّاز ((٣٣٩ - ٤٢٦ هـ))(٦). سماه في كثير من المواضع: («الحسن بن أبي
بكر))(٧).
(١) مثلاً تاريخه ١٥٣/٢.
(٢) مثلاً تاريخه ٢٣/٢ و٣٩٦.
مثلاً تاريخه ٢٤٩/٢ و٣٥٨ و ٤٣٥ .
(٣)
ترجمته في تاريخه ٨/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٤)
مثلاً تاريخه ١٠٧/٥ و ٥٦٣ و٧/٧.
(٥)
ترجمته في تاريخه ٢٢٣/٨ - ٢٢٤.
(٦)
(٧) مثلاً تاريخه ١٩/٢ , ٣٥ و٤٦.
١٠٢

المبحث الثاني
أهمية تاريخ الخطيب
يُعَدُّ ((تاريخ مدينة السَّلام)) أضخم مؤلفات الخطيب، وبه اشتُهِرَ تلك
الشُّهْرة الواسعة، ونالَ من أجله صيتًا ذائعًا، لِمَا تَمَيَّزَ به من ميزات عظيمة، فهو
أوَّلُ كتابٍ وسيع تناولَ تاريخَ علماء بغداد منذ تأسيسها إلى مُنتصِفِ القرن
الخامس الهجريّ، وبغدادُ يومئذٍ سُرَّة الدنيا وعاصمة الدولة الإسلامية المترامية
الأطراف.
نعم، سبق الخطيب إلى التأليف في تاريخ بغداد عددٌ من المؤلفين؛:
فمنهم مَن تناول فَضَائلها مثلٍ يَزْدَجرد بن مَهْمَندار وأحمد بن الطيب
السَّرخَسي، ومنهم من تناول خِطَطها وتاريخها السّياسي مثل أحمد بن أبي
طاهر طيفور، وهلال بن المُحَسِّن الصابي(١) وغيرهم ممن كتب التاريخ العام
الذي غالبًا ما كان هو تاريخ بغداد لكونها عاصمة الخلافة الإسلامية. وألَّفَ أبو
الحُسين أحمد بن جعفر بن محمد المعروف بابن المُنّدي المتوفى سنة ٣٣٦ هـ
كتابًا خاصًا بالقُرَّاء رَتََّهُ على المُدن كما يظهر من اقتباسات الخطيب. وكذلك
كتابه في «التاريخ» الذي يظهر أنه مُرَتَّب على المُدُن وأنه خَصَّ جانبي بغداد منه
بحظ كبير (٢)، ولم يصل إلينا منهما شيء. كما كتب أبو بكر محمد بن عُمر بن
محمد الثَّمِيمي المعروف بابن الجعابي ((٢٨٤ - ٣٥٥ هـ))(٣) كتابًا في ((أخبار
بغداد وطبقات أصحاب الحديث))(٤)، وهو ممن تُكُلِّم فيه كما في ترجمته من
تاريخ الخطيب وغيره، ولكنه لم يصل إلينا أيضًا.
(١) العمري: موارد ٨٧ - ٨٨.
!٤
(٢) نفسه ٢٨٧ - ٢٨٨.
(٣) الخطيب: تاريخه ٤٢/٤ - ٤٩، والسمعاني في ((الجعابي)) من الأنساب، وابن
الجوزي: المنتظم ٣٦/٧، الذهبي: سير ٨٨/١٦، الصفدي: الوافي ٢٤٠/٤ .
(٤) إسماعيل باشا: إيضاح المكنون ٤١/١، أغا بزرك: الذريعة ٠.٣٢٣/١
١٠٣

من هنا تبيَّن لنا أهميةُ تاريخ الخطيب باعتباره أوَّل كتاب في تاريخ علماء
بغداد وصل إلينا، فصارَ مَصْدِرًا للمؤلفين الذين جاءوا بعده، ثم للمعاصرين
في كثيرٍ من دراساتهم.
وتُعَدُّ المقدمة التي كتبها الخطيب عن خِطَط بغداد أوسع ما كُتِبَ في هذا
الموضوع، لذلك حَظِيت باعتناء كثير من الباحثين والدَّارسين، فترجمها
سالمون إلى الفرنسية وعَلَّق عليها، كما ترجمها يعقوب لِسُنَّر إلى الإنكليزية مع
تعليقات ضافية ودراسات ملحقة بها(١) . وكانت هذه المُقَدُّمة هي المَعِين
لكثير من الدّراسات المتعلقة بخطط بغداد، منها دراسات شتريك، وهرزفيلد،
وليسترانج، وماسنيون، وكانراد، والدكتور مصطفى جواد والدكتور أحمد
سوسة والدكتور عبدالعزيز الدوري في مادة ((بغداد)) التي نشرها في دائرة
المعارف الإسلامية، والدكتور طاهر مظفر العميد في دراسته عن المدينة
المدورة، وأبحاث أستاذنا الدكتور صالح أحمد العلي العديدة عن بغداد،
ولاسيما دراسته النفيسة ((بغداد مدينة السلام)) في المجلدين الخاصين بالجانب
(٢)
الغربي
وعلى الرَّغْم من تركيز الخطيب على الرُّواة عُمومًا والمحدِّثين خصوصًا
فإنَّ تاريخَهُ تضمَّنَ مادةً لا بأس بها في التاريخ السياسي والإداري، لاسيما فيما
عاصره، وترجمته للخليفة القائم تدل على حِسُّ تاريخي جَيِّدٍ.
وإن كَوْن الكتاب في التَّراجم، إذا استثنينا المُقدمة، لا يعني أنه قليل
الأهمية خارج نطاق الحركة الفِكْرية، فقد حوى معلومات جيدة تتصل
بالنواحي الاجتماعية والاقتصادية، من ذِكْرٍ للشرائح الاجتماعية، والأسعار،
ومستوى المعيشة .
على أنَّ أهمية تاريخ الخطيب تتبدَّى في تصويره لجوانب مهمة من تاريخ
الحركة الفكرية، لاسيما طبقة رجال الدِّين من الفُقهاء والمحدثين والصُّوفية
(١) ترجمها أستاذنا العلامة الدكتور صالح أحمد العلي، ونشرها المجمع العلمي العراقي
سنة ١٩٨٤ م.
(٢) نشرهما المجمع العلمي العراقي ١٩٨٥ ..
١٠٤

ونحوهم، ونظرة المجتمع إليهم، وتأثيرهم فيه، ونوعية اهتماماتهم. وفي
الكتاب الكثيرُ مما يمكن الإفادة منه في دراسة التّربية والتعليم وطَرُق التَّدريس
. وطبيعة الدِّراسات من منتصف القرن الثاني إلى منتصف القرن الخامس
الهجري.
ويبين الكتاب منزلة بغداد العِلْمية بين المُدن الإسلامية، وطبيعة الصِّلات
القائمة بينها وبين المُدن الأخرى، وصلات العلماء بعضهم البعض وسُهولة
الانتقال في العالم الإسلامي على الرَّغم من اختلاف الحُّام بين إقليم وآخر.
ثم إن استخدام الخطيب لمئات المصادر في تأليف هذا التاريخ الوسيع،
وضياع القِسْم الأكبر منها، واستعماله الإسناد ودقته في النقل منها، حَفِظُ لنا
ثروةٌ عظيمةٌ من النُّصوص من تلك المصادر المفقودة. أما المصادر التي
وصَلَت إلينا فإن نقول المُصنف تُعَدُّ من أوثق النصوص التي تخدم تحقيق هذه
الكتب وتؤكد صحة معلوماتها، نظرًا لاعتماده النسخ الأصيلة التي غالبًا ما
كانت بخطوط مؤلفيها أو بخطوط من يُؤْثقُ بنَقْلهم ممن روى تلك الكتب سواء
أكانوا من تلامذة المؤلفين، أو ممن جاء بعدهم.
وقد بينت الدراسة التي قام بها صديقنا الدكتور أكرم العمري لموارد
تاريخ الخطيب ضخامة الموارد التي استقَى منها المصنف مادته، وكشفت عن
طرائقه الدَّقيقة في النَّقْل منها، واستعماله في كثير من الأحيان روايات متعددة
للكتاب الواحد، مما أغنى عن بيانه في هذه المقدمة الوجيزة.
على أنَّ طرائق الثّحمل التي كانت سائدة بين المُحَدِّثين في عصر
الخطيب بضرورة امتلاك حَق الرِّواية لأي كتاب يَنْقل منه المُصنف واستعمال
الإسناد بقدر ما فيها من فوائد وتوثيق، لكنها في الوقت نفسه أخْفَت كثيرًا من
أسماء المصادر الحقيقية التي أفادّ منها المؤلف في تأليف كتابه، لاسيما إذا
كانَ المَصْدر المنقول منه ممن استعملَ الإسناد، بحيث تتصل الأسانيد، فلا
يتمكن من معرفة المَصْدر إلا أخص المُتَخصصين الذين خبروا هذه الكتب
ووقفوا على طرائقها في النَّقْل، وربما خَفِيت حتى على أمثال هؤلاء. فقد ذكر
صديقنا الأستاذ الدكتور أكرم العمري في دراسته النَّفِيسة عن الموارد الخطيب))
١٠٥

مثلاً أنَّ الخطيب كان «يمتلك نسخةً من كتاب الطَّبقات قَدِمَ بها دمشق وينقل
عنه في تاريخ بغداد في (٢٥٨) موضعًا من ثمانية طَرُق تجتمعُ عند ثلاثةٍ مِن.
رُواة (كتاب الطبقات) لابن سعد، هم: الحُسين بن فَهْم (١٢٧ رواية)، وأبو
بكر بن أبي الدنيا (٩٠ رواية)، والحارث بن محمد (٣٩ رواية) ومن الجدير
بالذكر أنَّ الحسين بن فَهُم هو راوية النُّخة التي وصلت إلينا من طبقات ابن
سعد))(١).
·"فَهذا النص الذي نقلتُهُ عن العُمَري يبين من غير لبس أن الحُسين بن فَهْم
وإبن أبي الدُّنيا والحارث بن محمد كلهم عنده رواة لكتابٍ واحدٍ هو كتاب
(الطبقات الكبرى))، فخفي عليه، وهو العالم المُتْبَخِّر بهذا الكتاب وموارده،
أنَّ كلَّ واحد منهم هو راوٍ لکتاب مستقل.
٠أن، فالحُسين بن فَهْم الحَرَّاني هو راوي (الطبقات الكبير).
وأما ابن أبي الدنيا فهو راوٍ لكتاب (الطبقات الصغير) تدل على ذلك
الأمور الآتية(٢):
١ - أنَّ الدكتور العُمّري لم يذكر ((الطبقات الصغير)) البتة وأحال عند إشارته
إلى رواية ابن أبي الدُّنيا لكتاب ((الطبقات الكبير)» إلى فهرسة ابن خَيْرِ
الإشبيلي (٣)، مع أنَّ النص الذي في ابن خَيْرِ لا يشيرُ إلى أنَّ هذا الذي رواه
ابن أبي الدُّنيا هو («الكبير»، بل فيه ما يشيرُ إلى أنه ((الصَّغير)» أو «الطبقات
الصُّغرى)) بدلالة قوله أنه في ((ثلاثة أجزاء))، وقد وصف بعده كتاب «الطبقات)»
لمسلم بن الحجاج أنه في جزء كبير، ووصف كتاب ((الطبقات)) لخليفة بن
خياط أنه في ثمانية أجزاء(٤) . فعُلِم من هذا أنَّ مقصود ابن خير هو (الجزء)
الذي يستعمله المحدِّثون، وهو الذي بحدود ٤٠ - ٥٠ صفحة مخطوطة،
(١) موارد الخطيب ٣٨٨ - ٣٨٩ .:
(٢) الفهرست ١١٢ (ط. طهران).
(٣) موارد الخطيب ٥٦١.
(٤) فهرسة ابن خير ٢٧٤ - ٢٧٥ (طبعة الأبياري).
١٠٦

فكيفَ يتصور أنَّ هذا هو (الطبقات الكبير)! مع معرفتنا بأنَّ ابن خَيْرِ رَوَى:
الكتاب من طريق البَرْذعي عن ابن أبي الدنيا، وهو الطريق الذي تحمل منه!
الخطیب .
٢ - أن ابنَ النَّديم صَرّح في ((الفِهْرست)) أنَّ لابن سعد كتابين في الطبقات: أ
(الطبقات الكبرى)) و((الطبقات الصغير)) (١)، فمن هو راوي هذا الكتاب؟.
٣ - أن طبيعة المادة وترتيبها تختلف بين ما في ((الطبقات الكبرى)) وما نقله
المصنف من طريق ابن أبي الدنيا .
٤ - ذكر الأستاذ فؤاد سَزْكين كتاب الطبقات الصغير، وذكر أنه يوجد في
متحف الآثار بإستانبول ٤٣٥ (في ١٣٩ ورقة كتبت في القرن السادس الهجري)
وقال: ((يبدو أن هذا الكتاب ألف قبل كتاب الطبقات الكبير، ويتضمن الطبقات
الصغير تراجم لنفس الأعلام، ولكنها أقصر من تراجم كتاب الطبقات.
الكبير))(٢)، فإذا كان ما ذكره الأستاذ سَزْكين وصفًا دقيقًا، فإن هذا هو الحجم
المعقول لهذا الكتاب .
٥ - وقد أشارَ المِزْي في ترجمة يزيد بن عبدالرحمن بن أبي مالك الهَمْداني
الدِّمشقي إلى أنَّ ابن سعد ذكره في الطبقة الثالثة من ((الصغير)) وفي الطبقة
الرابعة من ((الكبير)» (٣)، مما يدل على اختلاف في ترتيب الكتابين، ووجودهما
:
عند الحافظ المزي.
أما الحارث بن محمد بن أبي أُسامة (٤) فقد ثبت أنه روى (الطبقات
الكبرى)(٥) ، لكن أكثر نقول الخطيب كانت من روايته لكتاب («التاريخ»، وهو
(١) الفهرست ١١١ - ١١٢ (ط. طهران).
(٢) تاريخ التراث العربي ٤٨٢/١.
(٣) تهذيب الكمال ١٩٠/٣٢.
ترجمته في تاريخ الخطيب ٩ / الترجمة ٤٢٨٥.
(٥) انظر مقدمة القسم د من الطبقات الكبرى، وهي الطبقة الخامسة من الصحابة، ص
(٤)
٩٥ - ٩٦ (الرياض ١٩٩٣)، ولاحظ السند المذكور في أول المجلد الأول من طبعة:
بيروت ١٩.
١٠٧

كتاب ذكره الذَّهبي(١) واليافعي(٢) والكتاني(٣) من بين كُتُب ابن سعد، ولم يشر
إليه الدكتور العُمري.
وتدل المقتبسات التي اقتبسها الخطيب أن هذا الكتاب مرتبٌ على
السِّنين، وها أنذا أوردُ بعض المقتطفات للدلالة على ذلك:
قال في ترجمة قُتيبة بن زياد الخُراساني: ((أخبرنا أبو القاسم الأزهري،
قال: أخبرنا علي بن عُمرٍ الحافظ، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم،
قال: أخبرنا الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سَعْد، قال: سنة إحدى
ومئتين فيها عَشكر منصور بن المهدي بكلواذا ... إلخ))(٤) .
وقال في ترجمة أبي عبدالله موسى بن داود الضَّبِّي الخُلْقاني: ((أخبرنا
الأزهري قال: أخبرنا عليّ بن عمر الحافظ، قال: أخبرنا عبدالله بن إسحاق بن
إبراهيم، قال: أخبرنا الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سّعْدٍ، قال:
سنة سبع عشرة ومئتين فيها مات موسى بن داود قاضي المِصِّيصة بها))(٥)
وقال في ترجمة معاوية بن عمرو بن المُهَلَّب الأزْدي الكُوفي بِالإستاد
المذكور إلى الحارث بن محمد، قال: ((حدثنا محمد بن سَعْد، قال: سنة أربع
عشرة ومئتين فيها مات معاوية بن عمرو الأزْدي صاحب زائدة وأبي إسحاق
الفَزاري يوم الأربعاء غُرة جمادى الأولى))(٦) .
فتأمل هذا النَّصَّ وتأمل ترجمته في الكُبرى حين قال: «معاوية بنْ عَمْرِو
الأزدي، ويُكْنَى أبا عَمرو. روى عن زائدة بن قدامة كتبَهُ ومُصَنَّفَهُ، وروى عن
أبي إسحاق الفَزَاري كتاب السِّيْرة في دار الحرب، ونزلَ بغدادٌ، فَسَمِعَ مِنه أهلُ
بغدادَ، وتوفي ببغداد في سنة خمس عشرة أو أربع عشرة ومنتين في خلافة
(١) العبر ٤٠٧/١، وتذكرة الحفاظ ٤٢٥/٢ .
(٢) مرآة الجنان ٢/ ١٠٠.
(٣) الرسالة المستطرفة ١٣٩.
(٤) تاريخه ١٤ /٤٨٠.
(٥) تاريخه ٢٣/١٥.
(٦) تاريخه ٢٦٢/١٥.
١٠٨

المأمون))(١) ، فمن يتدبر النَّصَّيْن لا يجد أدنى تشابه بينهما، لأنهما من كتابين
مختلفین .
والنصوص التي نقلها الخطيب من طريق الأزهري، عن الدارقطني، عن
عبدالله، عن الحارث كلها من هذا النوع، وفيما قدمنا كفاية لكل ذي بَصيرة.
ولا أدل على أن الكتاب مرتب على السنين من إقران المصنف لِسَنَّدِهِ
بسند كتابٍ في الوفيات ألَّفَهُ محمد بن عبدالله الحَضْرَمي المعروف بمُطَيَّن،
فقال في ترجمة مكي بن إبراهيم بن بشير البرجمي الحنظلي: ((أخبرنا
الأزهري، قال: أخبرنا عليّ بن عمر الحافظ، قال: أخبرنا عبدالله بن إسحاق
ابن إبراهيم، قال: أخبرنا الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد.
وأخبرنا ابنُ الفَضْل، قال: أخبرنا جعفر بن محمد بن نُصَيْرِ الخُلْدي، قال:
حدثنا محمد بن عبدالله الحضرمي؛ قالا: سنة خمس عشرة ومئتين فيها مات
مكي بن إبراهيم - هذا آخر حديث الحضرمي - زاد ابنُ سَعْد: المُحَدِّث ببلخ
في النصف من شعبان وقد قارب مئة سنة)).
ثم ساق بسنده إلى الحسين بن فَهْم الحَرَّاني، عن ابن سَعْد لينقل من
طبقاته الكبرى قوله: ((مكي بن إبراهيم البَلْخي توفي ببَلْخ سنة خمس عشرة
ومئتين، وكان قدم بغداد يريد الحج ورجع وحَدَّث النَّاسَ في ذهابه ورجوعه،
وكتبوا عنه، وكان ثقةً ثَبْتًا في الحديث))(٢) .
وإنما ساقَ الخطيب الرِّواية الثانية من الطبقات الكبرى لأن فيها خبر
قدومه إلى بغداد وتحديثه بها .
ولم يكن القَصْد من هذا الاستطراد الذي لابُد منه لبيان الضَّرَر الذي قد
يحصل من إهمال أسماء الكُتب بسبب الإصرار على النَّقْل من المصادر بطريقة
الإسناد، الإساءة إلى العمل الرائع الذي قام به صديقنا العالم الدكتور العمري
في الوقوف على موارد الخطيب في هذا الكتاب الوسيع، لكنني أردتُ أن أُبيِّن
كيف قد يخفى الأمر على أمثالنا من المتخصصين، فما بالك بالمُبْتدىء الذي
(١) الطبقات الكبرى ٣٤١/٧.
(٢) تاريخه ١٤٦/١٥. وانظر الطبقات الكبرى ٣٧٣/٧.
١٠٩

:
لم يَعْجم هذه الأساليب ويعرف خباياها. وفي الوقت الذي يتعين علينا إدراك
الأهمية العظمى لاستعمال الإسناد عن المتقدمين باعتباره أرقى درجات التَّوثيق
في البحث العلمي في عصرٍ لم يَنْتَشر فيه التدوين انتشاره الواسع، فإِنَّ
الاستمرار عليه في الأعصر التالية لرواية كُتُب مدونة معروفة لم تكن فيه فوائد
تذكر، بل ربما أدَّى ذلك إلى إخفاء ((مؤلّف)) الكتاب في ثنايا السَّند (١).
.وأشارَ الخطيب في أثناء التّراجم إلى مئاتٍ من أسماء الكتب التي ألَّفِها
المترجمون أو عُنُوا بروايتها، أو نقلَ هو منها، في علوم القرآن والقراءات
والتَّفْسير، وفي متون الحديث وعُلُومه ورجاله، وفي الفقه وأصوله، والعقائد،
والفرق، والرَّقائق، والزُّهد، والتصوف، والمنطق وعلم الكلام، والكتب
التاريخية في المبتدأ والسّيرة النبوية والفَضَائل والنَّسَب والتَّراجم والتاريخ
العام، وكتب في اللُّغة والنَّحو والأدب ودواوين الشعراء مما أُلُّف حتى عصره . .
ومع أنَّ الخطيب ممن لم يستقصوا أسماء مؤلفات المترجمين كما فعل
بعض من جاء بعده مثل ياقوت في ((معجم الأدباء)، والقفطي في ((إنباه الرواة»،
إلا أن العدد الذي ذكره لا يُستهان به، لاسيما في العلوم الدينية، وإن الفهرس
الذي صنعناه في المجلد السابع عشر لأسماء الكتب المذكورة في متن الكتاب
یبین بوضوح قيمة هذا الأمر.
وإذا أراد الباحث أن يُقَوِّم تاريخَ الخطيب حَقَّ تَقْويمِهِ، فعليه أن ينظر إليه
بمنظارِ الحديث والمُحَدِّثين، وهو المنظارُ الذي نظرَ به الخطيب نفسه إلى
مَفْهوم ((التاريخ)) حينما خَصَّ المحدثين بالنصيب الأوفى من تراجمه إذ مَثَّلوا
قرابة ثلثي تراجم الكتاب، وساقَ في تراجمهم قُرابة الخمسة آلاف حديث
مرفوع وموقوف، تفرد في مئاتٍ منها، مما سنتكلم عليه مفصلاً في الفصل.
الثالث من هذه المقدمة .
ومن هنا كان المحدثون يَتَشَوَّفون إلى هذا التاريخ المهم، ويتمنون أن
يذكروا فيه، حتى أن أبا عليّ الحسن بن أحمد ابن البنَّاء الفقيه الحنبلي
(١) إن هذا الموضوع يحتاج في رأينا إلى دراسة مستقلة تبحث قيمة الإسناد وفائدته بين
المتقدمين والمتأخرين.
١١٠

المشهور صاحب التصانيف الكثيرة المتوفى سنة ٤٧١ هـ كان يتمنى أن يترجم
له الخطيب في تاريخه قال القِفطي: وسأل: هل ذكره الخطيب في التاريخ،
ومعَ مَن ذكره؟ أمع الكذابين أم مع أهل الصدق؟ فقيل له: ما ذكرك أصلاً
فقال: ليته ذكرني ولو مع الكذابين!)) (١).
ومن مُنْطَلَقِ الحديث أيضًا صارَ تاريخُ الخطيب واحدًا من مُستَودعات
الجَرْحِ والتعديل وتقويم الرجال، فقد نَقَلَ المصنفُ فيه آلاف الروايات في
تعديل الرجال وتَقْويمهم حتى عَذَّه الإمام المِزِّي واحدًا من أربعة كتب كانت
عُمْدته في تأليف كتابه العظيم ((تهذيب الكمال في أسماء الرجال)) (٢)، فقال:
((واعلم أنَّ ما كانَ في هذا الكتاب من أقوال أئمة الجرح والتعديل ونحو ذلك،
فعامته منقولٌ من كتاب ((الجرح والتعديل)) لأبي محمد عبدالرحمن بن أبي
حاتم الرازي الحافظ ابن الحافظ، ومن كتاب ((الكامل)) لأبي أحمد عبدالله بن
عَدِي الجُرجاني الحافظ، ومن كتاب ((تاريخ بغداد)) لأبي بكر أحمد بن علي بن
ثابت الخطيب البغدادي الحافظ، ومن كتاب ((تاريخ دمشق)) لأبي القاسم عليّ
ابن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر الدمشقي الحافظ. وما كان فيه من
ذلك منقولاً من غير هذه الكتب الأربعة فهو أقل مما كان فيه من ذلك منها أو
من بعضها)).
فإذا كان الأمر على ما بينا والحالُ على ماوصفَ الإمامُ المِزِّي فيما يتصل
برجال الكتب الستة، فإنَّ تاريخ الخطيب ربما تَفَرَّدَ من بين الكُتب بذكر أحوال
مئات المترجمين الذين نجموا بعد القرن الثالث الهجري، سواء أكانوا من طبقة
شيوخه أو شيوخ شيوخه أو شيوخ شيوخ شيوخه، فقدَّمَ لنا ثروةً قل نظيرها في
(١) إنباه الرواة ٢٧٦/١، والذهي: السير ٣٨١/١٨.
(٢) حققناه في خمسة وثلاثين مجلدًا، ونشرته مؤسسة الرسالة في بيروت «١٩٨٠ -
١٩٩٢ م)» وطبع عدة طبعات، ثم أعدنا مراجعة بعض ما وقع فيه من خطأ الطبع،
فنشرته المؤسسة المذكورة في ثمانية مجلدات من القطع الكبير وبالحرف الصغير.
وقد سرق طبعتنا أحد ((الدكاترة)) المعروفين بسرقة الكتب، بعد أن جَرَّده من تعليقاتنا
الغنية، نسأل الله السلامة!
١١١

هذا العلم الجليل الذي بموجبه يُحكم على صحة الروايات وسقمها في الأغلب
الأعم.
ولما كان الخطيبُ واحدًا من جهابذة المحدثين في المئة الخامسة
للهجرة، فإنَّ أقوالَهُ في الجرح والتعديل قد اعتُبِرَت أقصى حدود الاعتبار
لاسيما تلك التي أطلقها فيمن أدركَهُم من الشيوخ، أو عاصرهم من الأقران،
فصارتَ مَعِينًا لا يَنْضب لمن ألَّفَ بعده وعُنِيَ ببيان أحوال الرواة، لاسيما الإمام
الذهبي في كتبه، فحُق له أن يقول فيه: ((الحافظ الناقد ... صَحَّحَ وعَلَّل،
وجَرَّح وعَدَّل))(١).
ولم يكن الخطيب ناقلاً حسب، بل كان ناقدًا ماهرًا في علم الجرح
والتعديل، فكان يوازن بين هذه الأقوال ويبين رأيه في كثير من الأحيان،
ويَتَعَقب كبارَ النُّقاد فيما ذهبوا إليه، ويُصَحِّح ما أخطأوا فيه من الأسماء والكُنى
والألقاب والمواليد والوفيات، وما وقع لهم من تصحيف أو تحريف في
الأسانيد أو المتون، وهو أمر واضحٌ لكل من يطالع تاريخه، فقد كان هذا
النَّهْج من أُسس منهجيته في تخيير التراجم.
التعصب والإنصاف في النَّقد
كان من منهج الخطيب الذي بينه في مقدمته لتراجم كتابه وطَبَّقَهُ فيه؛
نَقْل ما قيل في المُتَّرْجم من جرح وتعديل، وسياقة آراء الموافقين والمخالفين
فيه ليقدم صورةً متكاملة عنه، وهو طابع عام في كتابه تجده في معظم تراجمه،
لاسيما تلك التي توفّرت عنده عنها مادة جيدة، بينما اقتصر آخرون على إيراد
المدائح في كتبهم، لاسيما في كبار العلماء والفقهاء ممن لهم منزلة في نفوس
الناس. ومع أنَّ الإمام الذهبي قد سارَ على هذا النَّهج في كُتبه لاسيما في
تاريخه العظيم («تاريخ الإسلام)»، وتَعَرَّض من أجل ذلك إلى نَقْدِ شديد(٢) ،
لكنه تحاشى الكبار، من مثل أبي حنيفة والحسن بن زياد اللؤلؤي الفقيه
(١) سير ٢٧٠/١٨ - ٢٧١.
(٢) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٤٥٨ فما بعد.
١١٢

الحنفي، وأبي الحسن الأشعري، ونحوهم مُداراةً للناس، بل قال في ترجمة
اللؤلؤي: ((قد ساق في ترجمة هذا أبو بكر الخطيب أشياء لا ينبغي لي
ذكرها)»(١)، وقال في موضع آخر: «ليتَ الخطيب ترك بعض الحط على الكبار
فلم يروه)»(٢) .
وقد انتقدَ الخطيبَ بسبب هذا المَنْهج بعضُ مخالفيه في العقيدة
والمَذْهب، فتكلّم فيه من الحنابلة جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي المتوفى
سنة ٥٩٧ هـ في كتابه ((المنتظم)»(٣)، وألّف كتابًا في الرد عليه سماه «السَّهم
المُصيب في بيان تَعَصُّب الخطيب))(٤) . كما أثارت ترجمته لأبي حنيفة حفيظة
بعض الأحناف فألَّفَ الملك المعظم عيسى المتوفى سنة ٦٢٤ هـ كتاب ((الشَّهم
المصيب في كَبِد الخطيب»، وألّف الشيخ محمد بن زاهد الكَوْثري كتابه :
(تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب».
واستمر حِقْد بعض جهلة الحنابلة على الخطيب حتى بعد وفاته، مما
يُصَوِّر ما أشاعته تلك الانتقادات من إساءةٍ إليه، فقد ذكر عبدالوهاب الأنماطي
أنَّ أبا بكر محمد بن أحمد بن عبدالواحد الشيرازي البغدادي المعروف بابن
الفقيرة المتوفى سنة ٤٩٥ هـ كان يمضي ويُخَرِّب قبر أبي بكر الخطيب ويقول:
كان كثير التحامل على أصحابنا الحنابلة، فرأيته يومًا وأخذتُ الفأسَ من يده،
وقلت: هذا كان رجلاً حافظًا إمامًا كبيرَ الشأن، وتَوَّبته فتابَ، ولم يَعُد إلى
ذلك» (٥).
وكان العصر الذي عاشه الخطيب مَشْحونًا بالتعصب العَقائدي
والمَذْهبي، وقد بيّنا عند كلامنا على سيرته أنه كان أشعريَّ العقيدة شافعيَّ
المذهب في الفُروع. وقد تحوّل من مذهب الحنابلة إلى مذهب الشافعي لَمَّا
(١) تاريخ الإسلام، الورقة ١٨ (من مجلد أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٢) السير ٢٨٩/١٨.
(٣) المنتظم ٢٦٧/٨ - ٢٦٩.
الصفدي : الوافي ٧/ ١٩٣ - ١٩٤.
(٤)
(٥) ابن الجوزي: المنتظم ١٣٣/٩، الذهبي: تاريخ الإسلام (وفيات سنة ٤٩٥).
١١٣

وجدَ أن الحنابلة لا يسمحون له بالأخذ عن كُلِّ أحدٍ من الناس، خوفًا، في
زعمهم على من يفعل ذلك أن يقع في البدعة. وكان الخطيب حريصًا على
تحصيل العلم من كُلِّ عالم بصرف النظر عن عقيدته ومذهبه، فوجد في
أصحاب الشافعي الحماية من جهة وعدم المعارضة في الاختلاف إلى من شاءً
من أهل العلم من جهة أخرى، فكان هذا من أوكد الأسباب التي جعلت بعض
الحنابلة يتعصبون عليه .
ومن أجل أن يتصور القارئ مَدَيات هذا التَّعصب على من يخالف
نَهْجَهم أود أن يطلع على ما جَرَى لواحد من نوابغ ذلك العصر هو أبو الوفاء
ابن عقيل «٤٣١ - ٥١٣ هـ) الذي ذكر شيوخه من مذاهب مختلفة ثم قال:
«وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك
يحرمني علمًا نافعًا))(١). وقد شرح ذلك العَلَّمة ابن رَجَب الحنبلي، فقال:
((إنَّ أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد وابن التََّّان
شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام، ويظهر منه في بعض
الأحيان نوع انحراف عن السُّنة، وتأويل لبعض الصِّفات، ولم يزل فيه بعض
ذلك إلى أن مات رحمه الله. ففي سنة إحدى وستين (وأربع مئة) اطلعوا له
على كُتُب فيها شيء من تعظيم المعتزلة، والتَّرحم على الحَلَّج وغير ذلك،
ووقف على ذلك الشريف أبو جعفر (رئيس الحنابلة يومئذٍ) وغيره، فاشتد ذلك
عليهم، وطلبوا أذاه، فاختَفَى. ثم التجأ إلى دار السُّلطان، ولم يزل أمره في
تخبيط إلى سنة خمس وستين، فحضر في أولها إلى الدِّيوان ومعه جماعةٌ منَ
الأصحاب، فاصطلحوا ولم يحضر الشريف أبو جعفر، لأنه كان غائبًا على
ولاة الأمرِ بسبب إنكارِ مُنكر قد سبق ذكره في ترجمته، فمضى ابنُ عَقِيل إلى
بيت الشريف وصالَحَهُ))، وكتب بخطه إقرارًا تبرأ فيه من مذاهب المُبْتَدعة وأنَّ
· ما أُنْكِرَ عليه كان صحيحًا، وأنَّه كان مُخْطئًا غير مُصيب، وأنه يتوبُ إلى الله من
ذلك ولا يعود إلى مخالطة أحد منهم ولا يُعَظُم أو يترحم على أحد من
(١) ابن رجب: الذيل ١٤٣/١.
١١٤

موتاهم(١) !
وهذا الذي ذكرته عن العَلّمة أبي الوفاء بن عَقِيل هو عينه الذي جرى
على الخطيب لكنه تَصَرَّف فيه على وجه آخر، قال ابن الجوزي: ((وكان أبو
بكر الخطيب قديمًا على مذهب أحمد بن حنبل، فمال عليه أصحابنا لما رأوا
من مَيْله إلى المُبْتَدعة وآذوه، فانتقل إلى مذهب الشافعي، وتَعَصَّب في تصانيفه
عليهم فرمز إلى ذمهم، وصَرّح بقدر ما أمكنه))(٢)، ثم ساق أشياء من
الانتقادات التافهة، واتهم المحدثين بقلة الفهم(٣) . وقد رد عليه العلامة
عبدالرحمن المعلمي يرحمه الله أبلغ رد وأبان عن تعصب ابن الجوزي وقلة
معرفته بهذا الشأن(٤) ، فمن أراد استزادة فليعد إليه.
وقد شعرَ المُنْصِفُونَ منذُ وقتٍ مبكر بهذا التَّحامل، ولم يرض به
العقلاء، فوصفه المؤتمن السَّاجي المتوفى سنة ٥٠٧ هـ بأنه «تحامل))(٥)،
وقال الإمام الذهبي: ((تناكدَ ابنُ الجوزي رحمه الله وغَضَّ من الخطيب ونَسَبَه
أنه يتعصب على أصحابنا الحنابلة)»(٦) .
ولا أشك أنَّ هذا الأذَى إنما جاءه من مُتَعصبي الحنابلة أو جَهَلَتِهِم، فقد
جَرَّبنا أنَّ عُقلاءهم كانوا يجلُّون الخطيب ويعرفون له حَقَّه ومنزلته في العلم،
منهم القاضي أبو يَعْلى الفَرَّاء شيخه، وأولاده لاسيما ولده الكبير عُبيد الله
المتوفى شابًا سنة ٤٦٩ هـ، قال ابن النجار: ((وصَحِبَ أبا بكر الخطيب، وأبا
عبدالله الصُّوري، ونقل عنهما معرفة الحديث وتحقيق أسماء الرُّواة وأنسابهم،
وكتب بخطه كثيرًا ... ومصنفات الخطيب)) (٧) . ويتبين لمن يطلع على
تلامذته والآخذين عنه من كبار العلماء يجد بينهم العديد من كبار الحنابلة .
(١) ابن رجب: الذيل ١ / ١٤٤ - ١٤٥.
(٢) المنتظم ٢٦٧/٨.
(٣) المنتظم ٢٦٧/٨ - ٢٦٩.
(٤) التنكيل ١/ ١٤١ - ١٤٨.
الذهبي: سير ٢٨٩/١٨، البكى: طبقات ٤ / ٣٤.
(٥)
(٦) السير ٢٨٩/١٨.
(٧) ابن النجار: التاريخ المجدد ١١٨/٢.
١١٥

كما أن كتابه يشهد بالثناء على مئات من علماء الحنابلة الذين ترجم لهم تراجم
رائقة .
وهذا الذي ذكرتُه فيما يتصل بالحنابلة يَصُح أيضًا عن الحنفية وإمامهم
أبي حنيفة، فإنَّ على الباحث أن يُحاكم المُصَنّ إلى منهجه القائم على إيراد
ما للرجل وما عليه، وأن ينظر إلى هذا الأمر بعين الإنصاف، فقد ثبت من
دراستنا لأبي حنيفة وطبيعة الصراعات الفكرية التي نَجَمت بعد انتشار مَذْهبه أنَّ
كتب التراجم عامة وكتب الجرح والتعديل خاصة التي ألَّفها المحدثون قبل
الخطیب قد تناقضت تناقضات شديدة في مذحه وقَذحه، وتعديله وجَرْحه،
وهي غالبًا ما تُعَبِّر عن رُوح العصر والصَّراعات الحادة بين أهل الحديث وأهل
الرأي في النَّقْد والتجريح بسبب الاختلاف في العقائد والآراء. كما أُلّفت في
جانب آخر الكتب الكثيرة في مناقبه وفضائله التي جعلته في مقام
الملهمين (١) .
وقد جاء الخطيب بعد وفاة أبي حنيفة بثلاث مئة عام تقريبًا ليجد كل
ذلك الكم المُتراكم من الأقوال والآراء، فنظرَ فيه واقتبسَ منه استنادًا إلى
مَنْهجه، فذكر في أول الترجمة ما قيل فيه من ثَنَاءَ ومَدْحٍ، وهو في الأغلب
الأعم، يقتبس من كُتُب الفضائل والمناقب التي كتبها الأحناف، فذكر بعد أن
ساق نَسَبَه وأصله بتفصيل: إراده ابن هُبيرة إياه على ولاية القضاء وامتناعه من
ذلك، وقدومه بغداد وموته بها، وصفته، ومولده، وابتدائه بالنَّظر في العلم،
ثم كتب ثلاثا وثلاثين صفحة في مناقبه وفقهه، وخمس صفحات في جُوده،
وعشر صفحات في وفور عَقْله وفطنته وتلطفه .. ثم تطرق إلى مسألة الإيمان،
وخلق القرآن ورأي أبي حنيفة فيها، وما حكي عنه من رأيه في الخروج على
السلطان الجائر، وما ((ذكر عنه من مستشنعات الألفاظ والأفعال))، وما قاله
العلماء في ذم رأيه والتحذير عنه وبقية ما نقل عن المتقدمين من سوء الثناء
عليه .
(١) تنظر مقالتي عن أبي حنيفة في ((موسوعة الحضارة الإسلامية)) التي يصدرها المجمع
الملكى، بعمان الأردن ٣١١/١ - ٣١٦.
١١٦

. ومَن يدرس هذه الترجمة بعين الإنصاف يجد أنَّ نصفها تقريبًا في مَذْحه
ونصفها في قَدْحه. وقد اعتذرَ المصنَُّ بعد أن ساق الرِّوايات العديدة،
صحيحها ومكذوبها، في الثناء عليه وتقريظه، عن ذكره سُوء الثناء عليه،
فقال: ((ومُعْتذرون إلى مَن وقفَ عليها وكَرِه سماعها بأن أبا حنيفة عندنا مع
جلالة قدره أسوة غيره من العلماء الذين دَوّنا ذكرهم في هذا الكتاب، وأوردنا
أخبارهم، وحكينا أقوال الناس فيهم على تباينها، والله الموفق للصواب))(١) ..
وقد أخذَ عليه ناقدوه أنه أوردَ في القسم الثاني من الترجمة، وهو
المتعلق بسوء الثناء عليه، كثيرًا من الأخبار الواهية من غير أن يبين وهاء
أسانيدها أو يتكلّم عليها. وهو أمر فيه شيء من الصحة والحقيقة، لكنهم لم
يعيبوا عليه إيراد عشرات الروايات الضعيفة والتالفة والموضوعة في الثناء عليه
مما لا يقبله عقل ولا يستسيغه منطق .
نعم لا يشك باحث بأن القسم الخاص بسوء الثناء عليه قد تضمن كثيرًا
من الروايات الواهية والضعيفة والمكذوبة، ولكن ثبت، كما ثبت في مناقبه،
ما يؤكد صحة آراء لكبار العلماء كالإمام البخاري، وسفيان بن عيينة وغيرهما
من كبار المحدثين في ذم أبي حنيفة ورأيه وتضعيفه. فإن كانت مثل هذه
الأقوال قد ثبتت عنهم فلا ذَنْب فيها للخطيب، وهي مع ثبوتها لا يعني أنها
صحيحة صائبة؛ ذلك أنها تمثِّلُ الجو العام الذي كان سائدًا بين المحدثين
وأصحاب الرأي، فيتعين تقدير الظرف الذي قيلت فيه، ودراسة البيئة التي
نمت فيها.
كما يتعين الانتباه إلى أن بعض ما عُدَّ عند الفريقين من سوء الثناء عليه،
إنما هو في حقيقته مما لا مطعن فيه عليه، ومنه ما نقل عنه من أقوال وأفعال
في الخروج على السُّلطان الجائر، فأكثر الأخبار التي ساقها الخطيب في هذا
الأمر صحيحة، وسيرته العَمَلية تدل على ذلك، فموقفه المؤيِّد لثورة زَيْد بن
عليّ معروف، وحَثّه الناسَ على الخروج مع محمد وإبراهيم ابني عبدالله بن
(١) تاريخه ٥٠٥/١٤ .
١١٧

الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب أشهر من أن يُذكر، وانتقام المنصور منه
لأجل ذلك معروف مُشتَهر، وهو بعد كل ذلك مذهب للشَّلف قديم؛ فقد خرجَ
أئمةٌ من المُسلمين من القُرَّاء والفُقهاء والمحدثين مع عبدالرحمن بن الأشعث،
منهم: مُسلم بن يَسار المُزَني، والنَّضْر بن أنس بن مالك، وسَيَّار بن سَلَمَةٍ
الرِّياحي، ومالك بن دينار، وأبو شيخ الهُنائي، وسعيد بن جُبير، وعامر
الشَّعبي، وعبدالله بن شَدَّادِ بن الهاد، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وأبو عبيدة بن
عبدالله بن مسعود، والمَعْزور بن سُويد، ومحمد بن سَعْد بن مالك، وطَلْحة بِن
مُصَرِّف اليامي، وزُبيد بن الحارث اليامي، وعطاء بن السَّائب وغيرهم من
العلماء العاملين الأعلام، وقال مالك بن دينار: ((خرج مع ابن الأشعث خمس
مئة من القُرَّاء كلهم يَرَون القتال))(١). وإنما استقر القول بعدم الخروج على
الظَّلمة في الفكر السياسي الإسلامي عند أكثر العلماء في القرن الثالث، فظهر
في فقه المذاهب، فإن كان أبو حنيفة قد أخطأ في ذلك فقد أخطأ فيه مئات
العُلماء ممن خرجوا قبله وفي زمانه وبعده، فكان ماذا؟!
ومع كُلِّ هذا الذي ذكرتُ فإن الخطيبَ قد أثنى على عشرات الأحناف
ممن ترجم لهم في كتابه، بَلْه نَقْله أخبار الكثير منهم ومناقبهم وسيرهم من
طريق شيخه القاضي أبي عبدالله الحُسين بن عليّ بن محمد بن جعفر الصَّيْمري
الحنفي ((٣٥١ - ٤٣٦ هـ» الذي وَصَفَه فقال: «كان أحد الفُقِهاء المذكورين من
العراقيين(٢)، حسنَ العبارة، جيّدَ النَّظر ... كتبتُ عنه، وكان صَدُوقًا وافرً
العقل جميلَ المُعاشرة عارفًا بحقوق أهل العلم)» (٣).
والحق أنّني قَلَّما وجدتُ تعصبًا ظاهرًا عند الخطيب، فقد أثنى على كثير
ممن يختلفُ معهم في العَقِيدة والمَذْهب، حتى أنه وثق قاضي القضاة أبا محمد
(١): خليفة بن خياط: تاريخه ٢٨٦ - ٢٨٧.
(٢) يطلق الخطيب في كثير من الأحيان لفظة ((العراقيين)) على أتباع مذهب أبي حنيفة،
كما هنا، ويقول: «مذهب العراقيين)» (٤/ الترجمة ١٣٧٩)، أو ((مذهب أهل العراق)»
(٤ / الترجمة ١٥٦٩).
(٣) تاريخه ٨/ ٦٣٤.
١١٨

عُبيدالله بن أحمد بن معروف وهو أحد كبار المُعْتَزلة، وقال فيه: ((كان من
أجلادِ الرِّجال وألبَّاء النَّاس، مع تجربةٍ وحنكة، ومعرفةٍ وفطمة، وبصيرة ثاقبة،
وعزيمة ماضية ... وعِفَّة عن الأموال، ونهوضًا بأعباء الأحكام، وهيبة في
قلوب الرجال)»(١)، فلم يرض الذّهبي عن هذا التوثيق، فقال: ((ووثَّقَهُ
الخطيبُ بجهلٍ وبالغ في تعظيمه)»(٢)، وإنما نظر إليه الذهبي هذه النظرة بسبب
العقائد!
ولقد كان مما بيَّناه أنا ورفيقي العلامة الشيخ شعيب الأرنؤوط في
مقدمتنا لكتابنا ((تحرير التقريب)) أنَّ جملةً من الزُّواة الثُّقات قد جُرِّحوا لأسباب
لم يَعْتَدّ بها النُّقاد الجهابذة الأُول منها الجَرْح بسبب المخالفة في العقائد، وهو
ما يُعرف عند أهل السُّنَّة بالبِذعة غير المُكَفُّرة كالخوارج، والشيعة، والقَدَرية،
والمُرجئة والجَهْمية، والمُعتزلة، والواقفية، ونحوهم(٣).
وقد ردّ الخطيب بعض ذلك الجرح، فقد قال في ترجمة عليّ بن غُراب
الكوفي بعد أن نقل قول الجوزجاني فيه ((ساقط)): ((أحسبُ إبراهيم طعنَ عليه
لأجل مذهبه ، فإنه كان يتشيع، وأما روايته، فقد وصفوه بالصدق» ثم نقل
أقوال العلماء التي يتبين منها أنه صدوق(٤) . ونقل في ترجمة قرط بن حُريث
الباهلي بسنده إلى يحيى بن معين أنه قال فيه: ((وكان قَدَريًا ثقة)»(٥) . ونقل في
ترجمة أبي قَطَنِ عَمرو بن الهيثم البَصْري بسنده إلى إبراهيم الحَرْبي، قال:
((حدثنا أحمد(٦) يومًا عن أبي قطن فقال له رجل: إن هذا بعد ما رجع من
عندكم إلى البصرة تكلّم بالقَدَر وناظرَ عليه، فقال أحمد: نحنُ نحدِّث عن
القَدَرية، لو فتشت أهل البصرة وجدتَ ثُلُثهم قدرية!))(٧).
(١) تاريخه ١٢/ ٩٣ - ٩٤.
(٢) السير ٤٢٦/١٦.
(٣) تحرير التقريب ٣٤/١ - ٣٨.
(٤) تاريخه ٥٠٣/١٣ - ٥٠٤.
(٥)
تاريخه ٤٩١/١٤.
يعني : الإمام أحمد بن حنبل.
(٦)
(٧) تاريخه ١٤/ ١٠٥، وانظر تهذيب الكمال ٢٨١/٢٢.
١١٩

: على أن من يلغي آثرَ العقائد في مُجمل أفكار بعض الناس ألغاء كاملاً
ويُنزَهم عن ذلك، إنما يتتكب عن حقائق النَّفس الإنسانية وما جُبلت عليه، وما
اكتسبته من أفكار وآراء كوَّنت عندها قناعات قَّلَّما تستطيع أن تحيد عنها أو
تتخلص منها في حال نضجها واكتمال تكونها الفكري.
وإذا كان المُصَنَّف قد استطاعَ في أحايين كثيرة أن يتخلّص من هذا
التأثير، فإنه لا يستطيع بلا شك إلا أن ينقلَ في كتابه كثيرًا من الآراء والأحكام
التي أطلقها السابقون له من كبار العُلماء ممن لم يستطيعوا إلا تأثرًا بمحيطهم
العقائدي .
وقد ظلت العقائد وستبقى تؤثِّرُ في أفكار الناس وتلوّن الآخرين بلون
المِنْظار الذي ينظر به النَّاقد، وتقدِّمُ صُورًا ورؤى قد تختلف عن واقع الحال،
فلا يستطيع الإنسان مهما بلغ من المَنْزلة الرفيعة وضَبْط النَّفْس إلا التأثر بها،
لاسيما إذا عَذَّ ذلك أمانةً وديانة يتدين بها، فقد نقلَ الخطيبُ في ترجمة أبي
يَعْلَى مُعَلَّى بن منصور الرازي - وكان فقيهًا من أصحاب الرأي، وهو ثقة من
رجال الشيخين - أن أبا زُرعة الرازي قال: ((رحم الله أحمد بن حنبل، بلغني
أنه كان في قلبه غُصص من أحاديث ظهرت عن المُعَلَّى بن منصور كان يحتاج
إليها، وكان المُعَلَّى أشبه القوم، يعني أصحاب الرأي، بأهل العلم، وذلك أنه
كان طَلَّبَةٌ للعِلْم ورَحَلَ وعُني فَتَصَبَّر أحمد عن تلك الأحاديث ولم يسمع منه
حرفًا!))(!) .
: ومن هنا يتعين على الباحث النَّاقد المُنْصف أن يراعي تلك الأمور ويزنها
بميزانها الصَّحيح، ويُقَدِّر الظُّروف التي قيلت فيها، والدوافع التي دفعت إليها،
وأن لا يقبل الأحكام ويُنَلِّم بها، إلا بعد دراسة وتقص وإمعان نظر.
ومن هذا المنطلق اضطررنا إلى دراسة ترجمة أبي حنيفة في هذا التاريخ
وتتبعنا الرِّوايات رواية رواية ودَرَسنا أسانيدها، وحكمنا عليها بموجب قواعد
الجَرْح والتعديل من غير تَعَصب أو مَيْل، سواء أكان الخَبَر في مَذْحِ أم قَدْح،
والله سبحانه هو الموفق للصواب إليه المرجع والمآب.
(١) تاريخه ٢٤٧/١٥. وانظر سؤالات البرذعي لأبي زرعة ٧١٧/٢ - ٧١٨.
١٢٠