Indexed OCR Text

Pages 1-20

مُقَدْبَةِ السََّلامِ
وَأَخْتَارٌ مُجَّدِّثِهَا وَذِكْزُ قُظَانِهَا الْمُلَمَاءِ
مِنْ غَيْرِ أَ هْلِهَا وَوَارِدِبْهَا
تَأْلِيفْ
آلْإِغَائِلَّافِظِآَتِي بَعٍْاَ جْمَدَ بِنْ عَلَى بَابِتٍ
الخَطِيبِ الْبَعْدَادِيّ
٣٩٢ - ٤٦٣ هـ
المجَلّد الأوَّل
محمد بن إسحاق- محمد بن الحسن
المقدمة والخطط
حَقّقِه، وَضَبَطَ نَصَّهِ، وَعَلَّقْ عَلَيْه
الدكتور بشارعواد معروف
دار الغرب الإسْلامي

تَانُقَدِيَّةِ السَّلامِ
وَأَخِّبَارٌ مُجَّدِّثِهَا وَذِكْرٌ قُظَانِهَا الْمُلَمَاءِ
مِنْ غَيْرِأَ هْلِهَا وَوَارِدْهَا

هذه الطبعة
أولُ نشرةٍ عِلْمية مُحققة على نُخٍ من المدينة المنورة، والقاهرة،"
وتُونس، والجزائر، وإستانبول، وباريس، ولندن، وأير لندا.
• توثيق النصر بالإشارة إلى مَنّاجم الكتاب، وتتبعها والعُزو إلى
المصادر التي اقْتَّبت منه، ومقابلةُ نص الخطيب بموارده وبمن
نقل عنه، وتَثْبيت الاختلافات الأساسية.
· تفصيلُ النص بما يُظْهِرُ معانيه ودلالاته، وضَبْطه بالحركات.
· تُعبدُ النصِ وبيانُ ما وقعَ فيه من أوهام.
• تخريج أحاديث الكتاب التي أربت على الخمسة آلاف حديث
مرفوعٍ وموقوف تخريجًا مُسْتقصيًا، مع بيان عِلَئِها الظاهرة
والخفية، والكلام عليها تصحيحًا وتضعفًا.
• عمل أنواع الفهارس التي تُيَدْرُ الإفادة من الكتاب على أحسن
وجه .
.(٢) دار الغرب الإسلامي
الطبعة الاولى
1422هـ - 2001 م.
دار الغرب الإسلامي
ص. ب. 5787-113 بيروت
جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق
استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو
كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ
الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.

تقديم
لأستاذنا العلامة
الدكتور صالح أحمد العلي
بِسْمِ اللَّهِ الَّمَنِ الرَّحَـ
لأبي بكر أحمد بن عليّ بن ثابت المشهور بالخطيب البغدادي مكانةٌ
متميزةٌ في تاريخ الفكر العربي عامة، وفي ميداني علم الرجال وعلم الحديث
خاصة، وهما العِلْمان اللذان عُنِيَ العربُ منذ أوائل نشاطهم الفكري
بتدارسهما، وأسهمَ عددٌ ضَخْمٌ منهم بإنمائهما بما أوصلوه إلى أعلى
المستويات التي لم يتجاوزها التقدم الفكري المعاصر في نقدِ الرِّوايات وضَبْط
النص. وأسهم في هذا التقدم عددٌ كبير بذلوا من أجل الوصول إلى الحقائق
المثبتة لتوضيح أسس الحياة الفكرية والاجتماعية جهودًا مُضْنية، مستهدفين
استجلاء الحقائق خالصة دون هَدَف مادي دنيوي من كسب المال أو عرض من
أعراض الدنيا .
عُني الخطيب منذ نشأته الأولى بعلم الحديث، واتصل بعدد كبير ممن
كانت تعجُّ بهم بغداد من عُلمائه، فتزود بالكثير من علمهم واتخذَهُم قدوةً في
الحرص على الاستزادة من المعرفة والتحلي بأخلاق أهلها والعمل على تحقيق
مُثلهم .
ولم يكتف الخطيب بالغزير من العلم الذي زَوَّده به علماءُ بغداد، فرخل
إلى عددٍ من البلدان في العراق، وبلاد المشرق وبلاد الشام، يتصل بمن فيها
من علماء هذا العلم الذي حرص على التبحر فيه، فيغني معرفته ويوثق صلته
بهم، ولعله كان يقوم بعرض بعض علمه في ما زاره من البلدان، وكان له مقام
غير قَصِير في مدن الشام، ثم عاد بعدها إلى بلده بغداد، وأقام في منزلٍ
متواضع في درب السلسلة قُرب المدرسة النظامية التي كانت حديثة التأسيس
٥

في منطقة تعج بالرُّبط ومراكز العلم، وقنع بمعيشة متواضعة تيسرها موارد مالية:
محدودة إلى أن توفاه الله، ودُفن في مقابر باب حرب في الأطراف الشمالية من
الجانب الغربي من بغداد .
وقد اهتم الخطيب بتدوين بعض علمه الزاخر ليفيد منه من لم يتصل به
من معاصريه ومن الأجيال التالية، وألف في ما يتصل بهذا العلم كُتُبًا لكل منها
قيمة بما تحتويه من معرفة لم يدون فيها العلماء ما يشفي الغليل، ومنها («شرف
أصحاب الحديث))، يجلي فيه مكانة علمائه وجدارتهم بالتقدير لعنايتهم
بدراسة علم جليل من علوم الدين، وإظهارًا لجهودهم العظيمة في هذا العلم.
الذي لا يَدُرُّ على باحثيه المالَ ولا يُقَرِّبُهم من السلطان، وإنما يخدمون فيه
العلم لأجل العلم في ميدان يغني المعرفة ويؤصل المُثُل الخُلُقية والرُّوحية التي
هي قوام المجتمع السليم. وألف في أساليب التعليم ((الجامع لأخلاق الراوي
وآداب السامع)) و((اقتضاء العلم العمل))، وفيهما علم زاخر وآراء نابهة في
التعليم وآدابه .
غير أنَّ أعظم كتبه هو ((تاريخ مدينة السَّلام) الضخم الذي تنيف صفحاته
على العشرة آلاف صفحة، وفيه تراجم لأكثر من سبعة آلاف وسبع مئة وثمانين
ممن عاش ببغداد أو مَرَّ بها للتزود من العلم أو لإغنائه في هذه المدينة الخالدة
التي أسهم أهلها في جوانب كثيرة من الحياة الحضرية، ومن المعارف، لاسيما
علوم الدين، وأخصها علم الحديث الذي كانت بغداد أعظم مراكز دراسته .
وألف الخطيب كتابه في تاريخ بغداد في زمن كانت فيه هذه المدينة
الخالدة تجتاحها أحوالٌ سياسيةٌ وأمنية مُرْهقة، وتدني في أحوالها المعاشية.
والعمرانية مما أتعب أهلها، ولكنها لم تطفىء جذوة العلم، ولم تعدم مُقَدِّريه
والعاملين على الحفاظ عليه .
وقد سبقه في تدوين أخبار علماء بغداد وأحوالها عدد من العلماء،
فألفوا كتبًا مُبدعة في من ظهر فيها من رجال العلم وفي عمرانها وبعض سمات
العلم فيها، ولكتبهم قيمة جديرة بالتقدير، اطلع الخطيب على أكثرها، وتَزوَّد
منها، ولكنها عمومًا أقرب إلى الرَّسائل في حَجْمها المحدود، وكمية المادة
٦

التي عرضتها، وبذلك فتحت الباب لمن يريد الاستزادة منها.
ومما يتميز به كتاب الخطيب على ما أُلُّف قبله، كثرةُ عدد التّراجم،
وغَزَارة المعلومات التي ثبّتت القيم فيها وأضافت غير قليل من المعلومات التي
تفرَّد بها مما أكسب الكتاب مكانة مرموقة، ولا ريب في أنَّ محتوى الكتاب
على غزارته، إنما هو بعض معرفته وليس كلها، ولكنه يتميز بأنه عرض فيه ما
رآه جديرًا بالتدوين، فالكتاب يعزز الثِّقة بما رواه.
حرص الخطيبُ على تدوين أسانيد كثير مما رواه، وعُنِيَ بإبراز العلم
دون أسماء الكتب. ومن الواضح أنه استقَى غير قليل من معلوماته من كتب لم
يشر إليها، وإنما اكتفى بذكر رجالها، ولعله كان يدرك أن أساس العلم هو
الفكرة وقائلها، وأن الاقتصار على ذكر الكتب قد يوقع في مزالق من تعدد
الروايات وما إليها، وأنَّ قوام المعرفة الحقيقية هي الأفكار بصرف النظر عن
مدونيها؛ ولعله في صدوفه عن ذكر الكتب التي استمد منها معلوماته راجع إلى
متابعته تقليدًا سار عليه علماء الحديث إلى زمنه بتقدير الرواية، ونفرةٍ من العلم
الذي يُنْقَلُ من الكتب.
يعرض الخطيب مقادير متباينة من المعلومات عَمّن يترجم له، فيخصُّ
بعضهم بصفحات كثيرة، ويقتصر في عدد غير قليل على بضعة أسطر، وخص
الكثيرين ممن ترجم لهم بصفحة أو قريب منها؛ وبذلك ترك كثيرًا مما ذكرته
المصادر فيهم، لاسيما من أهل السياسة والإدارة، بمن فيهم الخلفاء والوزراء
والكتاب وأهل الأدب، ولم يترجم لأي من أهل العلوم الصِّرفة بمن فيهم
علماء الرياضيات والفلك، وعلماء الطب، وفيهم كثير من الأفذاذ، ولابد أن
إهمال ذكرهم راجع إلى قِلة اطلاعه على مؤلفاتهم وإلى أن منابع أوائل كثير
من هذه العلوم من الأعاجم، ممن تياراتهم الفكرية لا تلتقي مع توجهات أهل
الحديث وعلوم الدين الأخرى، وامتد إهماله إلى تراجم عدد من الشعراء وأهل
الأدب واللغة الذين أنجبت بغداد كثيرًا من أفذاذهم.
لقد أُلٌفَ عدد كبير من الكتب بمدينة بغداد قبل الخطيب، غير أن أكثر ما
أُلّف ((رسائل)) صغيرة الحجم، وفي مواضيع محدودة، أما الكتب الشاملة
٧

الضخمة من أمثال تاريخ الطبري وتفسيره والأغاني للأصفهاني، فكان عددها
قليلاً نسبيًا، ومن هذا تأتي مكانة ((تاريخ مدينة السلام)) فهو أضخم ما ألّف
حتى زمنه، وتلك ميزة أسهمت في اكتسابه المنزلة الكبيرة التي أحرزها، ومع
أن كتبًا ضخمة كثيرة تلته إلا أنه ظل محتفظًا بأهمية سَبْق من تلاه، وبكثرة عدد
من ترجم لهم ..
ولا ريب في أنَّ ضخامة حجم تاريخ الخطيب كانت من أسباب شهرته،
ولكنها كانت كذلك من أسباب قلة نُسخه، وانحصار تداوله، فلم يصل إلينا
من مخطوطاته إلا نسخ محدودة جدًا، ولم يطبع إلا في أوائل الثلاثينات. وقد
لقيت المطبوعة رواجًا فأعيد طبعها بالاستنساخ، وظلت وحدها معتمد
الباحثين، ولا يصح إنكار الجهد الذي بذل في إخراجها، وأن تفردها كان
عاملاً في رواجها، غير أن هذه الطبعة اعتمدت في الأغلب على مخطوطة
واحدة متأخرة،" فوقع فيها نقص في كثير من المواضع، بعضها غير صغير،
وفي كثير من مواضعها اضطراب مشوش، فضلاً عن التصحيف والتحريف
الكثير، كما أنها جانفت الأساليب الحديثة في العرض من تقدير الفقرات
والفواصل، وخلت من فهارس تفصيلية لا غنى عنها للباحث الحديث ..
وقد طبع لستر الجزء الخاص بمعالم بغداد العمرانية طبعة متقنة مع
تعليقات، واعتمد على عدة نسخ، ولكن هذا الجزء الذي طبعه لا يزيد على
سبعین صفحة من أصل الكتاب.
تصدى الأخ البحاثة الأستاذ الدكتور بشار عواد لمعالجة الكتاب، وهو
ذو رغبة جامحةٍ في إحياء التراث لاسيما في ما يتصل منه بالحديث والرجال،
وقضى سنواتٍ في نشر عدد من أمهات الكتب الضخمة في هذه الميادين،
فعزَّزَت خبراتِهِ، وثََّت مكانته واحدًا من أبرز المحققين المُعاصرِين، فقام
بإعداد طبعة جديدة للكتاب اعتمدت على العدد المتيسر من هذه
المخطوطات، تتميّز باستيعاب ما جاء في هذه المخطوطات مما يُصلح عيوب
الطبعة القديمة، ويستدرك السقط الكثير الواقع فيها ويقوم ما وقع فيها من
تصحيف وتحريف، وأرفقها بفهارس غنيّة يقدر أهميتها المشتغلون في العلم،
٨

وكتب لها مقدمة واسعة تكون بحدّ ذاتها كتابًا مستقلاً شملت ترجمةً للخطيب
وحياته ومنجزاته العلمية الكثيرة، وكثير من خصائص كتابه في التاريخ. وبلغَ
في ما أرى الذُّروة في بحثه عن الحديث في كتب الرجال ودورها في تقويم
الأحاديث، وهو أمر لم يتطرق إليه باحث من قبل فيما أعلم، مما يفتح آفاقًا
جديدة في دراسة الحديث ومناهجه ويصحح بعض المفاهيم الخاطئة في هذا
المجال.
وعمله هذا سيزيد من مكانته واحدًا من أبرز الباحثين والمحققين
المعاصرين الذين يعملون في خدمة العلم ابتغاء وجه الله وليس لغرض الكسب
المادي، جزاه الله على عمله كل خير، والله لا يضيع أجرَ من أحسنَ عملاً
﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ [المجادلة ١١] ﴿ وَقُلِ أَعْمَلُواْ
فَسَيَرَى اَللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة ١٠٥].
صالح أحمد العلي
٢٥ تشرين الثاني ٢٠٠٠
٩

--
-

مقدمة التحقيق
الخطيب وكتابه
تاريخ مدينة السلام
(من صَنَّفَ فقد جَعَلَ عَقْلَهُ على طَبَقٍ يَعْرِضُهُ على الناسِ))
(«الخطيب البغدادي»
١١

جَلاَ مَحَاسِنَ بُغْدَادَ فأوْدَعَها
تاريخَهُ مُخْلِصًا للهِ مُحْتَسِبًا
وَقَامَ في النَّاسِ بِالْقِسْطَاسِ منحرفًا
عن الهَوَى وأزالَ الشَّكَ والرِّيَبَا
((أبو الخطاب بن الجراح"
١٢٠

بِسِْ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَـ
الحمدُ لله الذي هَدَانا لهذا وما كُنَّا لنهتدي لولا أن هَدَانا اللهُ، الحمدُ لله
نَحْمَدُه ونَسْتعينُهُ ونَسْتغفرُهُ، ونعوذُ بالله من شرورٍ أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالِنا،
مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُصلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله
وحدَهُ لا شريكَ لهُ إلَهَا صَمَدًا، وأشهدُ أنَّ سَيِّدَنا وإمامَنَا وقُدْوَتَنا وأُسوتَنَا
وشَفيعَنَا وحَبِيبنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، بعثَهُ اللهُ بالهُدَى ودينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ على
الدِّينِ كُلُّهُ ولَو كَرِهَ المشركون.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُثُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ ﴾﴾ [آل
عمران]
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنَّقُواْرَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُ مِّنِ نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا
وَنِسَاءُ وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ، وَاَلْأَرْحَامْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِبَالَ﴾ [النساء]
﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِينَأ٠َْ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾﴾ [الأحزاب].
أما بعد :
فهذا ((تاريخُ مدينة السَّلام)» مدينتي الحبيبة، بها ولدتُ وتَرَعْرَعتُ وتَعَلَّمتُ
فِشَبَيْتُ واكتَهَلْتُ وبها ولد آبائي وأحبابي وعاشوا ثم ضَمَّهُم ثراها، مدينتي التي
لم يكن لها في الدُّنيا نَظِيرٌ في جلالةِ قَدْرِها وفخامةِ أمْرِها وكثرةٍ عُلَمائها
وأعلامِها، عاصمةُ الدُّنيا العربية والإسلامية خمس مئين من السِّنين ويزيد، إذ
الدُّنيا دُنيا الإسلام وغيرهم في جهالةٍ جَهْلاء وضلالةٍ عَمْياء، أُقَدِّمه لعُشَّاقِ
تُراث أُمَّتي وقد حَقَّقْتُهُ تحقيقًا عِلْميًا استفرغتُ فيه وِسْعِي واستنفدتُ طاقتي، لم
أبخل عليه بوقتٍ ولا جهد حتى تَجَلَّى، فظهرَ بهذه الهيئة العلمية الرائقة والصِّفَةِ
البارعةِ النَّافعةِ التي طالما تَمَنَّيْتُها لهذا الكتابِ العظيم ومؤلَّفِهِ العلامةِ أبي بكر
أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي.
وقد رأيتُ من المفيدِ أن أُقَدِّمَ لهذا الكتاب الوَسيع بدراسةٍ وَجِيزةٍ دالةٍ
على سيرةِ الخطيب ومَنْهَجه في كتابه (تاريخ مدينة السَّلام)»، وطبيعةٍ عملي في
١٣

هذا الكتاب، جعلتها في أربعة فصول: خصصتُ الفصلَ الأوَّلَ لسيرة الخطيب
ومنزلته العلمية وجعلته في مبحثين، الأول: تناولت فيه بإيجاز اسمَهُ ونسبَهُ،
ومولدَهُ، ودراساتِهِ الأُولى من عنايةٍ بالفقه وتوجه نحو الحديث. ثم رحلاته
داخلَ العراق، ورحلتَهُ الأُولى إلى نَيْسابورَ، والثانية إلى أصبهانَ، فاستقرارَهُ
ببغدادَ وانصرافَهُ إلى التأليف، ورحلتَهُ إلى الحج ومرورَهُ بالبلاد الشامية،
ومجنتَهُ ببغدادَ سنة ٤٥٠ هـ وتحولَهُ إلى الشَّام في مطلع سنة ٤٥١ هـ حتى صار
قَطِينها أكثر من عشر سنوات، ثم عودته إلى بغداد في أواخر عُمُره ومرضه
ووفاته .
أما المبحثُ الثاني فتكلَّمْتُ فيه على منزلته العِلْمية، وتطرقتُ فيه إلى
طبيعة مؤلفاتهِ، وعقيدتِهِ ومذهبِهِ، وحِفْظُه، وخَطِّهِ وضَبْطِهِ، وسُرعةٍ قراءته
وجودتها، وعلاقته باللُّغة والأدب، وتواضعه وكَرَمه، وديانتهِ وزُهْدِهِ، وجمعتُ
ما أمكن من تلامذتِهِ، ثم ختمتُهُ بمقتبساتٍ من آراءِ العُلماء فيه.
وتَضَمَّنَ الفصلُ الثاني دراسةً لهذا التاريخ مَنْهجًا وأهميةً، جعلتُهُ فِي
مَبْحثين أيضًا، تناولتُ في الأوَّلِ منهما منهجَ الخطيبِ في تاريخه، بحثتُ فيه
عُنْوَانَ الكتاب، وتاريخَ تأليفه، ومحتوياتِهِ. ثم تنظيمَ الكتاب، وما تَضَمَّنتهُ كُلَّ
ترجمةٍ من عناصرَ رئيسةٍ. وتطرقت إلى دِقَّةِ المؤلّفِ في النَّقْلِ، والعواملِ :
المؤذِّيةِ إِلى طُول التراجم وقِصَرِها، وتَكْرارِها في بعض الأحيان، والسَّبب في
اختلافِ اسمِ المُتَرْجَمِ من مكانٍ إلى آخرَ ثم ناقشتُ التَّدليس عند الخطيب ..
أما المبحث الثاني فخصصتُهُ لدراسةِ أهمية تاريخ الخطيب، فذكرتُ ما
له وما عَلَيه، ثم بحثتُ التَّعصبَ والإنصافَ في النَّقْدِ عند الخطيب، وهي قضيةٌ
أثارت جَدَلاً طويلاً منذُ عَصْرَه وإلى يوم النَّاس هذا، وتناولتُ أثرَ هذا التاريخ
في المؤلّفَات اللاحقة، وما أُلِّفَ من ذيولٍ عليهَ.
وتناولَ الفصلُ الثالثُ مَبحثًا على جانبٍ عَظِيم من الأهمية يتضْلُ بِجُمْلةِ
الأحاديث التي حَوَاها تاريخ الخطيب، حاولت فيه جاهدًا الوقوفَ على الغايات
التي فَصَدَها المُصَنَّفُ من إيراد هذا العَدد الضَّخْم من الأحاديث النبوية
صَحيحها وسقيمها، غريبها ومَشْهورها . .
١٤٠
١

وقد اقتضت دراسة هذا الجانب أن أبحثَ في طبيعة الأحاديث التي تدور
في كُتُب الرجال والتراجم عند المتقدمين والمتأخرين، وحاولتُ أن أعقدَ
مقارنةً بين طريقة الإمام البُخاريِّ في إيراده الحديثَ في تاريخه الكبير، وبين
صَنِيعِ الخطيب في تاريخه هذا، فتوصلت إلى نتائج أعتقدُ أنَّ فيها شيئًا من جِدَّةٍ
تتصلُ بطرائقِ المُتَقَدِّمينَ والمتأخرين في الحُكْمِ على الرِّجال نتيجةَ سَيْرٍ
أحاديثهم، والوقوف على كيفية تكوّن بعض التَّراجم بسببِ إسنادٍ حديثٍ،
وكيفَ يَدُلُّ الحديثُ على تَعْديل المُتَرَجَم، أو جَرْحه من غير تصريح بجَرْحٍ أو
تَعْديلٍ، وما إلى ذلك من أمورٍ تتصلُ بأحوالِ المُتَرْجَمِين. كما تناوّلتُ مسألةَ
تعدد الطُّرق الواهية وحاولتُ التَّنْبيه على سُرَّاق الحديث ودَوْرهم في تَعْديدِ
الطُّرق واغترارِ قليلي المعرفة بذلك. وكان لابُدَّ لي أن أبحثَ في هذا الفصل
قضيةً طالما ساءلتُ نَفْسي عنها تتصل بالقيمة الحقيقية للأحاديث التي تَدُور في
كُتُب الرِّجال والتَّراجم جَرَّتني إلى البَحْث في قيمة الأحاديث والأسانيد التي لا
نجدُ لها أثرًا في كُتُب المتقدمين ثم نَجَمَت عند المتأخرين، سواء أكانَ ذلك في
كتب الرجال والتّراجم أم في المجموعات الحديثية لاسيما ((مُسْتَدْرك)) الحاكم،
وما أشاعَ هو وغيرُه من اصطلاحاتٍ تحتاجُ إلى إعادة نظر مثل «شرط البخاري
ومسلم))، وما تُخْدِثه من إرباكٍ وأخطاء.
لقد حاولت في هذا الفصل أن أُقَدِّم بعضَ الأفكار الجديدة التي آمل من
زُملائي أهل العلم تدارسها ارتقاءً بالدِّراسات الحديثية إلى رحابٍ أوسع،
وابتعادًا عن التقليد والجمود الذي سادَ هذا المَيْدان منذُ انقضاء عَصْر الجهابذة
المتقدمين من أهل القرنين الثاني والثالث الهجريين.
أما الفصل الرابع فقد جعلته خاصًا بالنَّهْج الذي انتهجتُهُ في تحقيق هذا
الكتاب، تكلمتُ فيه على الطبعةِ الوَحِيدة لهذا التاريخ سنة ١٩٣١ م وما فيها
من عَوَارٍ تَمَثَّلَ بكثرةِ التَّصْحِيفِ والتَّحْرِيفِ والسَّقْطِ. ثم حاولتُ تقديمَ دراسةٍ
لأبرز نُسَخ تاريخ الخطيب المشهورة على مَدَى العصور، والقيمة الحقيقية
للسماعات المذكورة في النُّسَخ والرِّوايات التي يشيرُ إليها المحدثون المعنيون
برواية هذا التاريخ ومَدَى علاقتها بصحة النُّسَخ وجودتها، وهو مبحث في غاية
١٥

الجدة والأهمية .
وقدَّمتُ في هذا الفصلِ وَصْفًا وجيزًا للمجلدات التي وقفتُ عليها مِن
هذا التاريخ في بُلْدانٍ شتى وأقمتُ عليها تحقيقَ هذا الكتاب، في المدينة
المنورة، والقاهرة، وتونس، والجزائر، وباريس، ولندن، ودبلن،
وإستانبول :
وكان لابُد لي أن أبيِّنَ عَمَلي في ضَبْط النص والتَّعْليق عليه وأنه قامَ
واستقامَ على المقابلة بين النُّسْخ وترجيح الصَّواب بعد التَّعليل، ومُقابِلةِ النَّصَّ
بمن اقتبسَ منه، والإشارة إلى مَنّاجم الكتاب، وتنظيم مادته، وتَقْبِيدِ ألفاظِه
وأسمائِه بالحركات، ومنهجي في التَّعليق من تنقيدٍ للنص وتخريج لآلاف
الأحاديث والتَّعليق عليها وبيان عِلَلها ومعرفةٍ صحيحها من سَقِيمها، لسائلاً الله
سبحانه توفيقي إلى قولٍ سديدٍ يُصْلِحُ لي غَمَلي ويغفرُ لي ذنبي، إنه نعم المولى
ونعم النصير ..
1
١٦

الفصل الأول
سيرة الخطيب ومنزلته العلمية
المبحث الأول
سيرة الخطيب
اسمه ونسبه
هو أبو بكر أحمد (١) بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، من أرُومةٍ
(١) ترجم للخطيب غير واحد من معاصريه، لكن تراجمهم لم تصل إلينا، إنما وصلت
مقتطفات منها عند المصنفين الذين لم يلحقوه ومن أبرزهم: السمعاني في «الخطيب»
من الأنساب، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٢/٧ - ٣٠، وفي تبيين كذب المفتري
٢٦٨ - ٢٧١، وابن الجوزي في المنتظم ٢٦٥/٨ - ٢٧٠، وياقوت في معجم الأدباء
٣٨٤/١ - ٣٩٦، وابن نقطة في التقييد ١٥٣ - ١٥٥، وفي مقدمة تكملة الإكمال،
١٠٣/١ - ١٠٥، وابن الأثير في الكامل ٦٨/١٠، وابن النجار كما في المستفاد
للدمياطي ١٥١ - ١٦١، وابن خلكان في وفيات الأعيان ٩٢/١-٩٣، والذهبي في
كتبه ومن أهمها: تاريخ الإسلام (وفيات سنة ٤٦٣)، وسير أعلام النبلاء ٢٧٠/١٨ -
٢٩٦، والصفدي في الوافي ٧/ ١٩٠ - ١٩٩، والسبكي في طبقات الشافعية الكبرى
٢٩/٤ - ٣٩، والإسنوي في طبقاته ١/ ٢٠١ - ٢٠٣، وابن كثير في البداية والنهاية
١٠١/١٢ - ١٠٣، وابن قاضي شهبة في طبقات الشافعية ٢٤٦/١ - ٢٤٨، وابن
تغري بردي في النجوم ٨٧/٥ وغيرهم. وكتب عنه من المعاصرين غير واحد من
أبرزهم: يوسف العش في كتابه: الخطيب البغدادي مؤرخ بغداد ومحدثها (دمشق
١٩٤٥)، والمعلمي اليماني في كتابه: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل
١٢٦/١ - ١٥٧ (دمشق ١٣٨٦)، ومنير الدين أحمد في كتابه باللغة الإنكليزية:
التربية الإسلامية وأوضاع العلماء الاجتماعية حتى القرن الخامس الهجري في ضوء
تاريخ الخطيب (زيوريخ ١٩٦٨)، والدكتور أكرم العمري: موارد الخطيب البغدادي =
١٧

عربية، وعشيرة تسكن الرِّيف بقريةٍ يقال لها الحَصّاصة من نواحي الفُرات كما
أخبره والدُه، قال في ترجمة والده: ((علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، أبو
الحسن الخطيب، والدي رضي الله عنه. كان أحد حُفَّاظ القرآن. قرأ على أبي
حفص الكَتَّاني، وتولَّى الإمامة والخطابة على المنبر بدّرزيجان نحوًا من
عشرين سنة، وكان يذكر أنَّ أصلَهُ من العرب وأن له عشيرة يركبون الخيول
مسكنهم بالحَصَّاصة من نواحي الفرات(١). توفي يوم الأحد للنصف من
شوال سنة اثنتي عشرة وأربع مئة، ودفنتُهُ من يومه في مقبرة باب حرب)).
مولده
ذكر الخطيب في ترجمة أبي حفص عمر بن أحمد بن شاهين أنه ولد في
يوم الخميس لستٍ بقينَ من جمادى الآخرة سنة ٣٩٢ هـ(٢)، وذكر الصفدي
أنه ولد بقرية من أعمال نهر المَلِك تُعرف بهَنِيقيا(٣).
فإذا عرفنا أنَّ دَرْزیجان كانت قرية كبيرة تحت بغداد علی دجلة بالجانب
الغربي، وهي إحدى المُدن السَّيْعِ التي كانت للأكاسرة وبها سُمِّيت المدائنُ
المدائنَ (٤)، وأن نَهْرَ المَلِك هو أحد فروع نهر عيسى، وأنه يصب في دجلة.
v'
في تاريخ بغداد (دمشق ١٩٧٥)، وللدكتور محمود الطحان كتاب ((الحافظ الخطيب
=
البغدادي وأثره في علوم الحديث))، لم أقف عليه.
(١) ذكر ياقوت في معجم البلدان ٢/ ٢٧٤ أنها بالقرب من قصر ابن هبيرة.
(٢) تاريخه ١٣٥/١٣، وكذلك أجاب عن سؤال غيث بن علي الصوري (معجم الأدباء
٣٨٥/١). أما ما جاء في بعض المصادر، ومنها المنتظم، أنه ولد سنة ٣٩١ فغلط
مخفن .
(٣) الصفدي: الوافي ١٩١/٧. وهذه القرية لم يذكرها ياقوت في معجم البلدان ولا
استدركها عليه ابن عبدالحق في مراصد الاطلاع. أما ما ذكره العش من أن ابن قاضي.
شهبة نقل عن ابن النجار أنه ولد في غزية من أعمال وادي الملك في الحجاز، فلا
أظنه يصح البتة، فقد نقل الذهبي في تاريخ الإسلام عن ابن النجار أنه ولد بقرية من:
أعمال نهر الملك .
(٤) ياقوت معجم البلدان ٢ / ٥٦٧ .
١٨

أسفل المدائن بثلاثة فراسخ في الجانب الغربي(١) ، أدركنا أن دَرْزيجان كانت
قبالة المدائن الحالية تقريبًا، ولعل هنيقيا قرية من قراها، أو قرية قريبة منها.
مؤدبه
ذكر الخطيب مؤدِّبه، وهو الذي عَلَّمه القراءة والكتابة، فقال: ((هلال بن
عبدالله بن محمد، أبو عبدالله الطُّييي، مؤدِّبي. سكنَ بغدادَ، وحدَّث بها عن
ابن مالك القَطِيعي، ومحمد بن إسماعيل الوَرَّاق، وأبي محمد ابن الجَرَادي.
كتبتُ عنه، وكان سماعه صحيحًا ... مات مؤدبي أبو عبدالله الطَيي في سنة
اثنتين وعشرين وأربع مئة» (٢) .
سماعه الحدیث
ذكر الخطيب أنَّ أوَّلَ سماعِه الحديثَ كان في محرم سنة ٤٠٣ هـ وله
أحد عشر عامًا، وكان أول شيخ كتب عنه هو محمد بن أحمد بن محمد بن
أحمد بن رِزْق المعروف بابن رِزْقويه ((٣٢٥ - ٤١٢ هـ))، قال في ترجمته:
«ومكث يُملي في جامع المدينة من بعد سنة ثمانين وثلاث مئة إلى قبل وفاته
بمُديدة. وهو أول شيخ كتبتُ عنه، وأول ما سمعتُ منه في سنة ثلاث وأربع
مئة، كتبتُ عنه إملاءً مجلسًا واحدًا، ثم انقطعتُ عنه إلى أول سنة ست،
وعُدتُ فوجدتُهُ قد كُفَّ بصره فلازمته إلى آخر عُمره ... وحضرتُ الصلاةَ
عليه))(٣).
ولا ندري فيما إذا كان مؤدبه قد أُذَّبَهُ في دَرْزيجان أم في بغداد، وأرجح
أن ذلك كان ببغداد، وأن الوالد قد استقر ببغداد، بدلالة سماع الخطيب بها
سنة ٤٠٣ هـ وهو في الحادية عشرة من عمره فمن غير المعقول أن يكون
لوحده في بغداد، ونحن لا نعرف له أقرباء فيها، فضلاً عن أنَّ أباهُ كان يسكن
(١) انظر شتريك: خطط بغداد وأنهار العراق القديمة، ترجمة الدكتور خالد إسماعيل
علي، ص ٤٨ - ٤٩ (بغداد ١٩٨٦).
(٢) تاريخه ١٣٥/١٣.
(٣) تاريخه ٢/ ٢١٢ - ٢١٣.
١٩

بغداد عند وفاته، ودُفن فيها. وقد أشار المصنف إلى أنهم كانوا من سكنة
قطيعة الربيع(١).
عنايته بالفقه
وفي قطيعة الربيع كان مسجد عبدالله بن المبارك، وهو من المساجد
التي كان يدرس فيها الفقهاء الشافعية، فيتصل الخطيب بمدرسه يومئذٍ الإمام
أبي حامد أحمد بن محمد بن أحمد الإسفراييني شيخ الشافعية ببغداد
((٣٤٤- ٤٠٦ هـ))، قال في ترجمته: ((وقد رأيتُهُ غيرَ مَرَّةٍ، وحضرتُ تدريسَهُ في
مسجد عبدالله بن المبارك، وهو المسجدُ الذي في صَدْر قطيعة الربيع))(٢)،
وذكر أنه كان ممن صَلّى على جنازته في شوال من سنة ٤٠٦ هـ (٣)، لكنّ
يظهر أنه لم ينتظم في دراسة الفقه معه نظرًا لصغر سنه يومئذٍ، فكان أول فقيه.
دَرَسَ عليه وعَلَّق الفقه عنه هو تلميذ الإسفراييني: أبو الحسن أحمد بن محمد
ابن أحمد الضَّبِّي المعروف بابن المحاملي ((٣٦٨ - ٤١٥هـ»، وقال في
ترجمته: ((اختلفتُ إليه في دَرْسِ الفِقْه، وهو أوَّلُ من عَلَّقْتُ عنه))(٤).
ودراسة الفقه ليست مثل سماع الحديث الذي يبكر الأهل عادةً بإسماع.
أبنائهم منذ الصغر، توجيهًا لهم وتهيئةً لعلو الإسناد في قابل أيامهم، فهو
يحتاج إلى قدر كافٍ من النُّضج ومعارفَ في علوم أُخرى تُعَدُّ من مُسْتَلِزماتٍ
طالب الفقه، فلا يتهيأ ذلك إلا في سنِّ مُعينة، لذلك فإنَّ شيخَهُ الحقيقي في
الفقه هو القاضي أبو الطيب طاهر بن عبدالله الطبري ((٣٤٨ - ٤٥٠ هـ» الذي
كان شيخ الشافعية ببغداد قال في ترجمته: ((اختلفتُ إليه وعَلَّقْتُ عنه الفقه:
سنين عِدَّة))(٥)، لذلك قال ابن الجوزي في المنتظم: ((وتفقه على أبي الطيب
(١) تاريخه ٥٦٠/٣.
(٢) تاريخه ٢٠/٦:
(٣) نفسه ٦/ ٢٢.
(٤) تاريخه ٦/ ٢٥.
(٥) تاريخه ٤٩٢/١٠، والذهبي: السير ١٧ / ٦٦٩ .
٢٠