Indexed OCR Text

Pages 861-880

(ج ٨ ص ٢٥٧): (( ثنا أبو طاهر الفقيه أنبأ أبو بكر القطان ثنا أحمد بن يوسف
السلمي ثنا أحمد بن خالد الوهبي ... )) كلاهما بلفظ الأصم عن الدمشقي إلا أن ابن
نجدة قدم كلمة ((يقوم)) ذكرها بعد كلمة ((المجن)). فإِن قيل فالمعنى واحد. قلت:
كلا، لفظ الطحاوي يجعل العشرة قيمة ((المجن الذي قطع فيه النبي عَ ل))
والمحفوظ وهو لفظ الدمشقي وابن نجدة والسلمي يجعلها قيمة المجن مطلقاً كما
تقول: كانت الغنم رخيصة في عهد فلان، كان ثمن الشاة يقوم درهمين؛ فإن قيل
وكيف يستقيم ذلك والمجان تختلف جودة ورداءة، وجدة وبلى، وسلامة وعيباً،
وترخص في وقت وتغلو في آخر؟ قلت: كأن قائل ذلك بلغه أن أقل ما قطع فيه
النبي صلى الله عليه وآله وسلم مجن؛ ورأي أنه لا ينبغي القطع في أقل من ذلك،
وأعوزه أن يعرف ذاك المجن أو يعرف قيمته على التعيين أو يجد دليلاً يغنيه عن
ذلك، ففزع إلى اعتبار جنسه ليحمله على أقصى المحتملات احتياطاً، أو على
أولاها في نظره، فرأى أن العشرة أقصى القيم أو أوسطها أو غالبها أو أقصى
الغالب أو أوسطه؛ فإن قيل فهلا تحمل كلمة ((المجن)) في لفظ الجماعة على ذلك
المجن المعهود الذي قطع فيه النبي ◌َ ◌ّه فتوافق لفظ الطحاوي؟
قلت: يمنع من ذلك أمور .
الأول: أن الظاهر إرادة الجنس .
الثاني: قوله ((كان ... يقوم)) وهذا يقتضي تكرار التقويم ولا يكون ذلك في
ذاك المجن المعين .
الثالث: أنه لا داعي إلى حمل المحفوظ على الشاذ بما يخالف الحديث الثابت
المحقق وهو حديث ابن عمر؛ فإِن قيل قد يكون ابن عمر قوم باجتهاده فقال:
عشرة؛ قلت: هذا باطل من أوجه:
الأول: أن الواجب في التقويم أنه إذا رفعت إلى الحاكم سرقة فكان المسروق مما
لا يعلم لأول وهلة أنه بالقدر الذي يقطع فيه أولا أن يبدأ الحاكم فيأمر العدول
٨٦١

العارفين بتقويم المسروق، وابن عمر في دينه وتقواه وورعه وعلمه بأنه سيبني على
خبره قطع أيد كثيرة لا يظن به أن يجزم إِلا مستنداً إلى ما جرى به التقويم بحضرة
النبي ◌َلّهِ .
الثاني: أن أثبت الروايات وأكثرها عن ابن عمر بلفظ: ((ثمنه)) كما تراه في
(صحيح البخاري) مع (فتح الباري)، وأصل الفرق بين الثمن والقيمة أن الثمن
هو ما يقع عوضاً عن السلعة، والقيمة ما تقوم به السلعة فمن اشترى سلعة
بثلاثة دراهم، وكانت تساوي أكثر أو أقل فالثلاثة ثمنها، والذي تساويه هو
قيمتها، فإِذا أتلف رجل سلعة الآخر فقومت بثلاثة دراهم فقضى بها الحاكم فقد
لزمت الثلاثة عوضاً عن السلعة، فصح أن تسمى ثمناً لها فهكذا السلعة المسروقة لا
يحسن أن يقال: ((ثمنها ثلاثة دراهم)) إلا إذا كانت قومت بأمر الحاكم بثلاثة دراهم
فقضى بحسب ذلك؛ وكأن هذا هو السر في اعتناء البخاري باختلاف الرواة في
قول بعضهم ((ثمنه)) وبعضهم ((قيمته)) مع أن قول بعضهم ((قيمته)) لا يخالف ما
تقدم، لأن ما وقع به التقويم فالقضاء يصح أن يسمى ((قيمة)) لكن ما لم يعلم أنه
وقع به التقويم فالقضاء، فإِنه لا يصح أن يسمى ثمناً ،فتدبر .
الثالث: أن ابن عمر لو بنى على حدسه لكان الغالب أن يتردد.
الرابع: أن الاختلاف في تقويم السلعة بين عار فيها وعار في قيم جنسها في المكان والزمان
الواحد لا يكون بهذا القدر، يقول هذا: ثلاثة، ويقول الآخر: عشرة، قال ابن
حجر في (الفتح): ((محال في العادة أن يتفاوت هذا التفاوت الفاحش ... وإِنما
يتفاوت بزيادة قليلة أو نقص قليل لا يبلغ المثل غالباً))، ومع هذا فقد جاء في
بعض الروايات عن ابن عمر كما في (سنن أبي داود) والنسائي ((أن النبي عَ له قطع
يد سارق سرق ترساً من صفة النساء ثمنة ثلاثة دراهم))(١) وهذا يدل على اتقان ابن
عمر للواقعة ومعرفته بها فهو المقدم على غيره. هذا كله على فرض صحة خبر ابن
(١) قلت: وإسناد هذه الرواية صحيح على شرط الشيخين. ن .
٨٦٢

إسحاق، وقد علمت أنه لا يصح، وسيأتي تمام ذلك والصواب مع صرف النظر عن
الصحة ان القائل عشرة دراهم إنما نظر إلى الجنس على ما تقدم بيانه .
فإن قيل فقد قال أبو داود في (السنن): ((حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن
أبي السَّرِي العسقلاني وهذا لفظه وهو أتم - قالا: ثنا ابن نمير عن محمد بن إسحاق
عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال: قطع رسول الله عَ طلم يد رجل
في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم)) .
قلت: هذا لفظ ابن أبي السري كما صرح به أبو داود، وابن أبي السري وإن
حكى ابن الجنيد أن ابن معين وثقة فقال قال أبو حاتم: ((لين الحديث)) وقال
مسلمة: ((كان كثير الوهم وكان لا بأس به)). وقال ابن وضاح: ((كان كثير الحفظ
كثير الغلط))، وقال ابن عدي: ((كثير الغلط))، والمحفوظ عن ابن نمير كما تقدم نا
شعيب بن أيوب نا عبدالله بن نمير ... )) والظاهر أن لفظ عثمان بن أبي شيبة هكذا .
فإن قيل: فقد قال ابن أبي شيبة في (المصنف): ((حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن
إسحاق قال: حدثني أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس: لا يقطع السارق في
دون ثمن المجن، وثمن المجن عشرة دراهم)) وذكره البخاري في (التاريخ) (ج ١
قسم ٢ ص ٢٧) عن عياش عن عبد الأعلى نحوه؛ فكلمة ((المجن)) الأولى للعهد
فكذلك الثانية .
قلت: ليس هذا بلازم بل الثانية للجنس كما في غالب الروايات، على أنه يمكن
أن تكون الاولى للجنس أيضاً، ويمكن أن تكونا معاً للعهد، ولكن التقويم
استنباطي على ما تقدم لا تحقيقي .
فإن قيل: فقد قال ابن التركماني ((قال صاحب (التمهيد): ثنا عبدالوارث ثنا
قاسم ثنا محمد ثنا يوسف بن إدريس ثنا محمد بن إسحاق عن عطاء عن ابن عباس
قال: ((قوم المجن الذي قطع فيه النبي معَ اللّه عشرة دراهم)).
قلت، المحفوظ عن ابن إدريس ماقاله الدارقطني (ص ٣٦٨): ((ثنا ابن صاعد
٨٦٣

ثنا ابن خلاد بن أسلم ثنا عبدالله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن عطاء عن ابن
عباس قال: ((كان ثمن المجن على عهد رسول الله عَ ◌ّه عشرة دراهم)) سند
الدارقطني أقصر وأثبت فإن محمد بن وضاح كان ممن يخطىء وقاسم بن أصبغ اختلط
بأخرة)) .
هذا وقد اضطرب ابن إسحاق في هذا الحديث فرواه مرة عن عطاء عن ابن
عباس كما هنا، ومرة عن أيوب بن موسى عن عطاء كما مر، وقال مرة عن عمرو
ابن شعيب عن أبيه عن جده كما يأتي، ومرة عن عمرو بن شعيب عن مجاهد عن
عبدالرحمن بن أبي ليلى قوله، ذكره البخاري في (التاريخ) ومرة عن عمرو بن
شعيب عن عطاء أن ابن عباس كان يقول: ((ثمنه يومئذ عشرة دراهم)) أخرجه
النسائي وذكره البخاري في (التاريخ) (ج ١ قسم ٢ ص ٢٧)، ورواه مرة عن
عمرو بن شعيب عن عطاء مرسلاً كما في (الفتح)، ومرة عن أيوب بن موسى عن
عطاء مرسلاً، لم يذكر فيهما ابن عباس وجعله من كلام عطاء، ذكر النسائي الثانية
قال: ((أخبرني محمد بن وهب قال: حدثنا محمد بن سلمة قال: حدثني ابن اسحاق عن
أيوب بن موسى عن عطاء، مرسل )).
فإن قيل فقد قال أبو داود: ((رواه محمد بن سلمة وسعدان بن يحيى عن ابن
إسحاق بإسناده)) وظاهر هذا الوصل .
قلت: لم يذكر أبو داود من حدثه عن محمد بن سلمة، والنسائي ذكر ذلك وحققه
فهو أولى. وفي كلام النسائي ما يدل على ترجيح الارسال فإِنه قال عقب ذلك:
((أخبرني حميد بن مسعدة عن سفيان - هو ابن حبيب - عن العرزمي - هو
عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: أدنى ما يقطع فيه ثمن المجن: قال: وثمن
المجن يومئذ عشرة دراهم)) وفي (مصنف ابن أبي شيبة): ((حدثنا عبدالرحيم بن
سليمان عن عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: أدنى ما يقطع فيه السارق ثمن
المجن. وكان يقوم المجن في زمانهم ديناراً أو عشرة دراهم))؛ وقال ابن التركماني:
((في (كتاب الحجج) لعيسى بن أبان ... )) ثم قال: ((وفي (كتاب الحجج) عن
٨٦٤

مصعب بن سلام ويعلى بن عبيد قالا: ثنا عبدالملك عن عطاء أنه سئل ما يقطع فيه
السارق؟ قال: ثمن المجن، وكان في زمانهم يقوم ديناراً أو عشرة دراهم)).
وهذا الحديث في حكمٍ مختلفٍ فيه تعم به البلوى، وعطاء إِمام جليل فقيه
معمر، كان بمكة حيث ينتابها أهل العلم من جميع الأقطار، وله أصحاب أئمة حفاظ
فقهاء كانوا أعلم به وألزم له من أيوب بن موسى وعمرو بن شعيب، فلو كان عنده
هذا الحديث عن ابن عباس لما فاتهم، وهذا عبدالملك بن أبي سليمان وهو من أثبت
أصحاب عطاء لم يكن عنده عنه إلا قوله كما تقدم. وهذا ابن جريج أعلم أصحاب
عطاء وألزمهم له جاء عنه أنه قال: ((لزمت عطاء سبع عشرة سنة)) وقال: ((جالست
عمرو بن دينار بعدما فرغت من عطاء))، وكان يدلس عن غير عطاء فأما عن عطاء
فلا، قال: ((إذا قلت: قال: عطاء فأنا سمعته منه وإِن لم أقل سمعت))، وإِنما هذا
لأنه كان يرى أنه قد استوعب ما عند عطاء فإذا سمع رجلاً يخبر عن عطاء بما لم
يسمعه منه رأى أنه كذب فلم يستحل أن يحكيه عن عطاء. وهذا كما قال أبو
إسحاق: ((قال أبو صالح (ذكوان) و(عبدالرحمن بن هرمز) الأعرج: ليس أحد
يحدث عن أبي هريرة إلا علمنا أصادق هو أم كاذب)) يريدان أنه إذا حدث عن
أبي هريرة بما لم يسمعاه عنه علما أنه كاذب، لإِحاطتهما بحديث أبي هريرة؛ وقال
الإمام أحمد: ((ابن جريج أثبت الناس في عطاء)) وكان ابن جريج يذهب إلى هذا
المذهب، قال ابن التركماني: ((في (مصنف عبدالرزاق) عن ابن جريج قال كان
يقول: لا تقطع يد السارق في أقل من عشرة دراهم))؛ ومع هذا كله لم يكن عند
ابن جريج عن عطاء في هذا إلا ما ذكره الطحاوي في أواخر كلامه، قال: (( حدثنا
إبراهيم بن مرزوق قال: ثنا أبو عاصم عن ابن جريج قال: كان قول عطاء على قول
عمرو بن شعيب: لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم)) وهذا يشعر بأن عطاء إِنما
أخذ هذا القول عن عمرو بن شعيب، وهذا عكس ما زعمه ابن إسحاق، أفيجوز
أن يكون عند ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس فيترك أن يقول: كان قول عطاء
على قول ابن عباس. ويعدل إلى عمرو بن شعيب؟
٨٦٥

وقد كان لابن عباس أصحاب حفاظ فقهاء كانوا ألزم له وأعلم به من عطاء ولم
يَرْو أحد منهم في هذا الباب شيئاً، فأما ما روى عبدالرزاق عن إبراهيم بن أبي يحيى
عن داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: ((ثمن المجن الذي يقطع فيه
دينار)) ذكره ابن التركماني، فليس بشيء، إبراهيم ساقط ولا سيما إذا لم يصرح
بالسماع، وأما حسن ظن الشافعي به فكأنه كان متماسكاً لما سمع منه الشافعي ثم ظهر
فساده، وقد قال ابن أبي شيبة في (المصنف): (( حدثنا عبدالوهاب الثقفي عن خالد
(ابن مهران الحذاء) عن عكرمة قال: تقطع اليد في ثمن المجن؛ قال قلت له: ذكر
لك ثمنه؟ قال: أربعة أو خمسة. وعبد الوهاب وخالد من الثقات المشهورين؛ أفتراه
يكون عند عكرمة عن مولاه ابن عباس أنه دينار أو عشرة دراهم فيعدل عنه إلى ما
لا يدري عمن أخذه مع شكه فيه؟ فهذا كله يبين أن ابن عباس لم يقل ما رواه ابن
إسحاق قط، وأن عطاء لم يحدث به عن ابن عباس قط، وإنما هو قول عطاء، وقد
علمت مع ذلك أنه مبني على الحدس. والله الموفق.
فإن قيل: فقد قال البخاري في (التاريخ): (( وقال الوليد بن كثير حدثني من
سمع عطاء عن ابن عباس - مثله)). قلت: وصله الدارقطني (ص ٣٦٩) (( حدثنا
أحمد نا شعيب بن أيوب نا أبو أسامة عن الوليد بن كثير حدثني من سمع عطاء عن
ابن عباس أن ثمن المجن يومئذ عشرة)).
قلت: أبو أسامة كان يدلىس ثم ترك التدليس بأخرة ولا يُدرى متى حدث
بهذا؟ وشيخ الوليد لا يدري من هو، ولو كان طِرْق لما كنى عنه، وقد كان من
أهل بلد الوليد ممن يحدث عن عطاء محمد بن عبدالله العرزمي الهالك ولا يبعد أن
يكون الوليد إنما سمعه منه فليس في هذا ما يجدي، والصواب ما تقدم .
قال الطحاوي: ((حدثنا ابن أبي داود وعبدالرحمن بن عمرو الدمشقي قال: ثنا
الوهبي قال: ثنا ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - مثله)) يعني
مثل حديثه المتقدم الذي رواه بهذا السند عن ابن إسحاق عن أيوب بن موسى عن
٨٦٦

عطاء عن ابن عباس وقد أقمنا الحجة على أن ذاك اللفظ ليس هو لفظ الدمشقي ولا
الوهبي ولا ابن إسحاق فيأتي مثل ذلك هنا، وقد قال الدارقطني (ص ٣٦٩): ((نا
محمد بن القاسم بن زكريا نا هارون بن إسحاق نا المحاربي نا محمد بن إسحاق عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله عد اله
عشرة دراهم. نا محمد بن مخلد نا محمد بن هارون الحربي أبو جعفر هو أبو نشيط نا
أحمد بن خالد الوهبي نا محمد بن إسحاق بإسناده نحوه)) .
وفي (نصب الراية) (ج ٣ ص ٣٥٩) ان ابن أبي شيبة روى في (مصنفه) عن
عبد الأعلى عن ابن اسحاق: ((عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال
رسول اللّه ◌َ له: لا يقطع السارق في دون ثمن المجن. قال عبدالله: وكان ثم المجن
عشرة دراهم)) وفي (تفسير ابن كثير) أن ابن أبي شيبة روى عن ابن نمير
وعبدالأعلى عن ابن إسحاق - فذكر مثله. والذي وجدته في النسخة التي وقفت
عليها من (المصنف) ((حدثنا عبدالرحيم بن سليمان عن محمد بن اسحاق عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده قال: سمعت النبي ◌َّه يقول: القطع في ثمن المجن)) وفيها
((حدثنا عبدالأعلى وعبدالرحيم بن سليمان عن محمد بن اسحاق عن عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده - قال: كان يقول: ثمن المجن عشرة دراهم)) وفي (سنن البيهقي)
(ج ٨ ص ٢٥٩) من طريق أبي يعلى ((ثنا ابن نمير ثنا ابي محمد بن اسحاق (عن
عمرو بن شعيب](١)، عن أبيه عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله
عَ لّه عشرة دراهم))، وقال الدارقطني (ص ٣٦٨): ((حدثنا الحسين بن اسماعيل
ثنا يوسف بن موسى ثنا عبدالله بن ادريس وعبدالله بن نمير عن ابن اسحاق ح ونا
محمد بن القاسم بن زكريا نا هارون ابن اسحاق نا المحاربي عن محمد بن اسحاق عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم عشرة دراهم)). وفي (مسند احمد) (ج ٢ ص ١٨) (( ثنا ابن
ادريس ثنا ابن اسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن قيمة المجن على
(١) سقطت من الأصل . ن.
٨٦٧

عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان عشرة دراهم)). وقال النسائي في (السنن)
(( أخبرنا خلاد بن اسلم عن عبدالله بن ادريس عن محمد بن اسحاق عن محمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول اللّه عَ له عشرة
دراهم)). وفي (نصب الراية) (ج ٣ ص ٤٦٦) عن (مسند اسحاق بن راهويه)
(( حدثنا عبدالله بن ادريس سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده أن النبي ◌َ ◌ّه قال: ما بلغ ثمن المجن ففيه القطع. وكان ثمن المجن على
عهد رسول اللّه ◌َ لمه عشرة دراهم. قال: وسئل عن اللقطة؟ فقال: عرفها سنة)).
هذه الرواية تدل ان هذا الحديث هو في الاصل قطعة من حديث عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده في اللقطة وغيرها؛ وفي (مسند أحمد) (ج ٢ ص ٣٠٣) (( ثنا
ابن ادريس سمعت ان ابن إسحاق عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلا من مزينة يسأله عن ضالة الإبل ...
وسأله عن الحريسة التي توجد في مراتعها قال: فقال فيها ثمنها مرتين وضرب نكال،
قال فما اخذ من أعطانه ففيه القطع اذ بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن، فسأله
فقال: يا رسول اللّه اللقطة نجدها في السبيل العامر؟ قال: عرفها سنة ... )) وفي
(المسند) (ج ٢ ص ٢٠٧) ((ثنا يزيد (بن هارون) أنا محمد بن إسحاق عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمعت رجلا من مزينة وهو يسأل النبي
عَ لّه - فذكر نحو حديث ابن ادريس - قال: وسأله عن الثمار ... فقال ... ومن
وجدته قد احتمل ففيه ثمنه مرتين وضرب نكال، فما أخذ من جرانه ففيه القطع إذا
بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن ... )) فأما الحديث المختصر في القطع وقيمة المجن
ففي (المسند) ( ج ٢ ص ٢٠٤): ((حدثنا نصر بن باب عن الحجاج (بن
أرطاة) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللّه عَ له: لا قطع
فيما دون عشرة دراهم)). واخرج الدارقطني ( ص ٣٦٩) من طريق أبي مالك
الجنبي عن حجاج بسنده نحوه، وكذلك من طريق زفر بن الهذيل عن حجاج.
وأخرج من طريق سلمة ابن الفضل ((عن حجاج باسناده: لا يقطع السارق في اقل
من ثمن المجن، وكان ثمن المجن على عهد رسول اللّه عَ ل عشرة دراهم))؛
٨٦٨

والحجاج بن أرطاة معروف بالتدليس عن الضعفاء. وفيه كلام غير ذلك وفي
(نصب الراية): ((قال في (التنقيح): والحجاج بن أرطاة مدلس ولم يسمع عن
عمرو هذا الحديث، وابن اسحاق ايضا مدلس وهو ممن يروي عن الحجاج فأخلق
به ان يكون سمع بعض رواياته لهذا الحديث عن الحجاج عن عمرو بن شعيب
فرواها عن عمرو بن شعيب تدليساً على تدليس. لكن قال البخاري في (التاريخ)
(ج ١ قسم ٢ ص ٢٧): ((قال لنا علي حدثنا يعقوب قال: حدثنا ابي عن ابن
إسحاق حدثني عمرو بن شعيب ان شعيباً حدثه أن عبدالله بن عمرو كان يقول -
وحدثني ان مجاهداً أخبره أن عبدالرحمن بن أبي ليلى حدثه ان ثمن المجن يومئذ
عشرة)). فهذا اللفظ الذي في هذه الرواية قوي لتصريح ابن إسحاق بالسماع، وقال
الدراقطني (ص ٣٦٨): (( نا احمد بن علي بن العلاء نا ابو عبيدة بن ابي السفر نا
أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ثمن
المجن عشرة دراهم)). وابو أسامة كان اولا يدلس كما سبق، فإن سلمت هذه
الرواية من تدليسه كانت متابعة جيدة لابن إسحاق في هذا اللفظ الذي صرح فيه
بالسماع .
فإن اغمضنا عن اضطراب ابن إسحاق وعن تدليس ابي اسامة قلنا: إنه يثبت
ان عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده هذا القدر الذي اتفقت عليه رواية ابن
إسحاق المصرحة بالسماع ورواية أبي أسامة عن الوليد بن كثير وهو (( كان ثمن
المجن يومئذ عشرة دراهم)).
ويبقى النظر في عمرو بن شعيب، وقد لخص ابن حجر كلامهم فيه بقوله:
((ضعفه ناس مطلقاً، ووثقه الجمهور، ومن ضعفه مطلقا فمحمول على روايته عن
أبيه عن جده، فأما روايته عن أبيه فربما دلس ما في الصحيفة ... فإذا قال حدثني
ابي فلا ريب في صحتها ... وقد صرح شعيب بسماعه من عبدالله بن عمرو في
أماكن ... لكن هل سمع منه جميع ماروى عنه أم سمع بعضها والباقي صحيفة؟
الثاني أظهر عندي وهو الجامع لاختلاف الاقوال فيه وعليه ينحط كلام الدارقطني
٨٦٩

وأبي زرعة )) .
فإن قيل فإذا لم يصرح بسماعه عن ابيه من عبدالله بن عمرو فغاية ذلك ان يكون
من الصحيفة، وقد قال ابن حجر: ((قال الساجي: قال ابن معين: وهو ثقة في نفسه
وما روي عن أبيه عن جده لا حجة فيه، وليس بمتصل وهو ضعيف من قبل انه
مرسل، وَجدَ شعيب كتب عبدالله بن عمرو فكان يرويها عن جده إرسالاً وهي
صحاح عن عبدالله بن عمرو غير انه لم يسمعها)) قال ابن حجر: ((فإذا شهد له ابن
معين ان أحاديثه صحاح غير انه لم يسمعها، وصح سماعه لبعضها، فغاية الباقي ان
يكون وجادة صحيحة، وهو احد وجوه التحمل)) وذكر بعد ذلك كلاما ليعقوب
ابن شيبة وفيه: ((وقال على ابن المديني وعمرو بن شعيب عندنا ثقة وكتابه صحيح))
قلت: الساجي لم يدرك ابن معين، وقول ابن المديني: (( كتابه صحيح)) لعله أراد
كتابه الخاص الذي قيد فيه سماعاته لا تلك الصحيفة، وقد قال الإمام احمد: (( له
اشياء مناكير وانما يكتب حديثه يعتبر به، فأما ان يكون حجة فلا)). وقال مرة:
((ربما احتججنا به وربما وجس في القلب منه شيء)) كأنه يريد أن يحتج به إذا لم
يكن الحديث منكراً، وفي كلام لأبي زرعة ((ما اقل ما نصيب عنه مما روى عن
غير أبيه عن جده من المنكر)) وهذا يدل ان في روايته عن أبيه عن جده مناكير غير
قليلة. وبذلك صرح ابن حبان في (الثقات) وراجع (أنساب ابن السمعاني) الورقة
(٣١٩) الف، وذلك يدل على احد أمرين: إما أن تكون تلك الصحيفة مع
صحتها في الجملة عن عبدالله بن عمرو لم تحفظ كما يجب فوقع العبث بها . وإما ان
يكون عمرو أو أبوه أو كلاهما كما يدلس عن الصحيفة يدلس عن غير الصحيفة .
فالذي يتحصل ان ما صرح فيه عمرو بالسماع من أبيه، وبسماع أبيه عن عبدالله
ابن عمرو فإنها تقوم به الحجة، وما لم يصرح بذلك ففيه وقفة، ولم أر في شيء من
طرق هذا الحديث التصريح بسماع أبيه من عبدالله بن عمرو، فأما سماعه من ابيه
فوقع التصريح به في لفظ ((كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم)) في رواية ابن
اسحاق عن عمرو، ورواية أبي أسامة عن عمرو، ورواية أبي اسامة عن الوليد بن
٨٧٠

كثير عن عمرو، إلا ان فيه اضطراب ابن إسحاق وتدليس أبي اسامة مع عدم
التصريح بسماع شعيب، وقد قال الشافعي لمن ناظره من الحنفية: ((عمرو بن شعيب
قد روى أحكاماً توافق أقاويلنا وتخالف اقاويلكم عن الثقات فرددتموها ونسبتموه
الى الغلط فأنتم محجوجون، ان كان ممن ثبت حديثه، فأحاديثه التي وافقناها
وخالفتموها، او أكثرها، وهي نحو ثلاثين حكماً حجة عليكم، وإلا فلا تحتجوا
به )) .
وبعد اللتيا والتي ان صح شيء عن عبدالله بن عمرو فهو ((كان ثمن المجن يومئذ
عشرة دراهم)) فعلى فرض صحته فهو محمول على الجنس كما توضحه أكثر الروايات
((كان ثمن المجن على عهد رسول اللّه عَّ الله عشرة دراهم)) وقد مر أنه لا حجة
بذلك بعد قيام الحجة المحققة ان المجن الذي قطع فيه النبي عدو الله كانت قيمته ثلاثة
دراهم .
فأما الجملة المرفوعة ولفظها فيما نسبه الزيلعي وابن كثير الى (مصنف ابن أبي
شيبة) ((لا يقطع السارق في دون ثمن المجن)) وفي النسخة التي وقفت عليها من
(المصنف) ((القطع في ثمن المجن)) وفي رواية ابن راهويه عن ابن ادريس عن ابن
اسحاق عن عمرو ((ما بلغ ثمن المجن ففيه القطع)) فقد تقدم انها قطعة من حديث
اللقطة الطويل، وقد تقدم رواية ابن اسحاق له عن عمرو؛ ورواه النسائي من طريق
ابن عجلان عن عمرو ((عن أبيه عن جده عبدالله بن عمرو)) عن رسول اللّه عَ له
أنه سئل عن الثمر المعلق قال ... ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة،
ومن سرق شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع ... )) ومن طريق
ابن وهب (( أخبرني عمرو بن الحارث وهشام بن سعد عن عمرو ابن شعيب عن أبيه
عن جده عبدالله بن عمرو أن رجلا من مزينة أتى رسول اللّه عَ الم فقال يا رسول
اللّه كيف ترى في حريسة الجبل؟ فقال: هي ومثلها والنكال، وليس في شيء من
الماشية قطع إلا فيما آواه المراح فبلغ ثمن المجن ففيه قطع اليد ... )) ومن طريق
عبدالله بن الأخنس ((عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول اللّه
٨٧١

عَ ◌ّله في كم تقطع اليد؟ قال: لا تقطع اليد في ثمر معلق فإذا ضمه الجرين قطعت في
ثمن المجن، ولا تقطع في حريسة الجبل، فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجن))،
وأخرجه أبو داودفي ((اللقطة)) من طرق عن عمرو، ويظهر منه أن الحديث أطول مما
ساقه النسائي. فمدار تلك الجملة المرفوعة على هذا الحديث. ولم أر في شيء من
طرقه التصريح بسماع عمرو من أبيه ولا بسماع ابيه من عبدالله ابن عمرو، وقد ذكر
البيهقي في (السنن) (ج ٨ ص ٢٦٣) حديث رافع بن خديج مرفوعاً ((لا قطع
في ثمر ولا كثر)) وحديث عمرو بن شعيب هذا فقال ابن التركماني: ((ذكر
الطحاوي ان الحديث الأول تلقت العلماء متنه بالقبول واحتجوا به، والحديث الثاني
لا يحتجون به ويطعنون في إسناده ولا سيما ما فيه مما يدفعه الإجماع من غرم
المثلين )) .
أقول: وانما الطعن في اسناده لمكان عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فليس
للطحاوي ان يحتج بتلك القطعة من هذا الحديث ولا بشيء من رواية عمرو عن أبيه
عن جده وقد أخرج مالك في (الموطأ) قطعة من الحديث عن عبدالله بن عبدالرحمن
ابن البي الحسين المسكي. عن النبي عَِّ، وابن أبي حسين انما سمعه من عمرو بن
شعيب كما صرح به مالك في رواية الشافعي عنه كما في (مسنده) بهامش (الأم)
(ج ٦ ص ٢٥٥).
وعلى فرض صحة حديث اللقطة فالمراد بكلمة ((المجن)) ذاك المجن المعهود
الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كأنه بعد أن قطع في المجن جاءه في
ذلك السائل فاستشعر من سؤاله حرصه على الإلتقاط وما يقرب من السرقة أو
يكونها، فشدد عليه النبي ◌َّه بذكر غرامة المثلين وجلدات النكمال، ثم ذكر له
القطع وعدل عن ان يقول: ((ما بلغ ثلاثة دراهم)) أو ((ما بلغ ربع دينار)) ليتنبه
السائل لموضع العبرة، ويعلم أن ذلك أمر مفروغ منه، فقد نفذ به الحكم وجرى به
العمل، ليكون ذلك ابلغ في المقصود من ردعه. ولمثل هذا كثر في القرآن ترداد
التذكير بأيام اللّه تعالى في الأمم السابقة. وفي الخبر أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم
٨٧٢

تلا على عتبة بن ربيعة أوائل سورة (فُصلت) فلما بلغ ﴿فإن اعْرَضُوا فَقُلْ
أُنْذَرْتُكُم صاعِقَةً مِثْل صاعِقَةِ عادٍ وَثَمود﴾(١) بادر عتبة فوضع يده على فم النبي
صلى الله عليه وآله وسلم وناشده الرحم أن يكف(٢) وكأن عبد الله بن عمرو
حفظ هذا ولم يبحث عن قيمة ذاك المجن، ولا بلغه ما يغني عن ذلك، فلما سئل بعد
وفاة النبي عَِّ اضطر الى الحدس باعتبار الجنس كما تقدم شرحه، وقد علم عبدالله
ابن عمر بن الخطاب قيمة ذاك المجن على التحقيق، واذا جاء نهر اللّه بطل نهر
معقل .
قال الطحاوي: (( حدثنا فهد قال ثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني اخبرني معاوية
ابن هشام عن سفيان عن منصور عن مجاهد وعطاء عن أيمن الحبشي قال: قال رسول
اللّه ◌َ ◌ّه: ادنى ما يقطع به السارق ثمن المجن. قال: وكان يقوم يومئذ ديناراً)).
أقول: هذا بهذا اللفظ غريب من هذا الوجه، وابن الاصبهاني كثير الغلط (٣)،
وقد قال النسائي في (السنن): ((حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا معاوية قال:
(١) فصلت (١٣).
(٢) أخرجه البغوي في ((تفسيره)) (٣٢٧/٧) من طريق الحماني ثنا ابن فضيل عن الأجلح
عن الذيال بن حرملة عن جابر بن عبد الله. وأعله الحافظ ابن كثير في تفسيره
(٣١٩٧) بالأجلح وهو ابن عبد الله الكندي الكوفي فقال: (( وقد ضعف بعض
الشيء)). قلت: والذيال هذا ترجمه ابن أبي حاتم (٤٥١/٢/١) ولم يذكر فيه جرحاً
ولا تعديلا. والحماني هو عبد الحميد بن عبد الرحمن الكوفي قال الحافظ: (( صدوق
يخطيء)). وسيأتي کلام المصنف فيه ص٨٧٥٫ . ن.
(٣) كذا الأصل، وهو سهو من المصنف رحمه الله تعالى، أراد أن يقول: ((معاوية بن
هشام)) فسبقه القلم وقال: ((ابن الأصبهاني ... )) ثم لم ينتبه لذلك، فأعاده في الموضع
الآخر ص ٨٧٥ س١٨١، وجل من لا يسهو ولا ينسى. أقول هذا لأن ابن الأصبهاني
متفق على توثيقه، وهو من شيوخ البخاري في ((الصحيح))، ولم يجرحه أحد البتة،
ولذلك قال الحافظ في ترجمته من ((التقريب)): ((ثقة ثبت)).
٨٧٣
=

حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد وعطاء (١) عن ايمن قال: لم يقطع النبي عَّة
السارق إلا في ثمن المجن، وثمن المجن يومئذ دينار))؛ محمود أثبت جداً من ابن
الأصبهاني. واخرجه النسائي من طريق ابن مهدي عن سفيان ن منصور عن مجاهد
عن أيمن: ((ولم تكن تقطع اليد على عهد رسول اللّه عَ لّه الا في ثمن المجن وقيمته
يومئذ دينار)) ومن طريق محمد بن يوسف عن سفيان عن الحكم عن مجاهد عن أيمن
مثله. أدخل في هذه الرواية الحكم بين منصور ومجاهد وكذلك رواه الحسن وعلي
ابنا صالح عند النسائي، وكذلك رواه أبو عوانة وشيبان عند البخاري في
(التاريخ) (ج١ قسم ٢ ص ٢٧) كلهم من منصور عن الحكم عن مجاهد وعطاء
عن أيمن. ورواه جرير عن منصور فلم يذكر الحكم أخرجه النسائي، وكذلك رواه
شريك كما يأتي، والمحفوظ ذكر الحكم، والحكم مدلس ولم يصرح بالسماع، وأيمن
هو أيمن الحبشي كما صرح به في الرواية، ولفظ البخاري في (التاريخ): ((قال لنا
موسى (بن اسماعيل) عن أبي عوانة - وتابعه شيبان - عن منصور عن الحكم عن
مجاهد وعطاء عن أيمن الحبشي ... )) فإما أن يكون هو ايمن الحبشي والد عبد الواحد
كما يدل عليه ما رواه الدارقطني من طريق عبدالله بن داود: (( سمعت عبدالواحد بن
ايمن عن ابيه - قال: وكان عطاء ومجاهد قد رويا عن ابيه، ووالد عبدالواحد تابعي
لم يدرك الخلفاء الراشدين واما ان يكون آخر لا يعرف.
فإن قيل فقد قال النسائي: ((أخبرنا علي بن حجر قال أنبأنا شريك عن منصور
عن عطاء ومجاهد عن أيمن ابن أم أيمن - قال أبو الوليد : رفعه: لا يقطع السارق إلا
في مجن أو حجفة قیمته دینار)).
وأما معاوية بن هشام فهو الذي ينطبق عليه قول المصنف: ((كثير الغلط)): وهو أخذه
من قول أحمد فيه: ((كثير الخطأ))، وقول الحافظ: ((صدوق له أوهام)) فهو علة هذا
اللفظ، حفظه عنه ابن الأصبهاني . ن .
(١) في النسخة ((عن مجاهد عن عطاء)).
٨٧٤

قلت: شريك على فضله سيء الحفظ كثير الغلط، ونسبه الدارقطني وعبدالحق الى
التدليس، وأيمن بن أم ايمن ليس بجبشي بل هو كما نسبه غير واحد أيمن بن عبيد
ابن زيد ... ابن عوف بن الخزرج، فهو عربي انصاري .
فإن قيل: لعله قيل له: الحبشي، لأن امه حبشية .
قلت: هذا بعيد، ومع ذلك فقد اختلف في ام أيمن، نسبها غير واحد كابن عبد
البر في (الاستيعاب): (( ... بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن
عمرو بن النعمان)). فعلى هذا هي عربية لا حبشية .
فإن قيل: لعل أمها كانت حبشية .
قلت: وما الموجب لهذا التعسف؟ وقد ذكر اهل المغازي وغيرهم أن أيمن بن ام
أيمن استشهد يوم حنين، وشريك قد تقدم حاله، وقد تفرد بقوله: ((ابن أم أيمن))
ويجوز ان يكون زاد ذلك وهما، أو يكون قال: ((أيمن بن ام ايمن)) كما يقال ((احمد
ابن أم أحمد)) وان لم تكن كنية امه أم أحمد، وفي محاورة جرت بين سلمان وحذيفة
ان حذيفة قال: يا سلمان ابن أم سلمان. فقال سلمان: يا حذيفة ابن أم حذيفة .
فلهذا الخبر علتان: الأولى: تدليس الحكم. الثانية: ان أيمن تابعي لم يدرك
الخلفاء الراشدين، او غير معروف .
هذا وقد تفرد شريك بقوله: ((قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشريك قد
تقدم حاله، والأئمة الاثبات لا يذكرون ذلك. ورواية الطحاوي عن فهد عن ابن
الأصبهاني عن سفيان شاذة بل باطلة . وابن الاصبهاني كثير الغلط جداً(١) ..
فإن قيل: فقد قال الطحاوي: ((ثنا ابن أبي داود قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد
الحِمَّاني قال: ثنا شريك عن منصور عن عطاء عن أيمن عن أم أيمن قالت: قال
(١) قلت: بل هو ثقة حجة، والعلة من معاوية بن هشام كما بيناه ص ٨٧٣ . ن.
٨٧٥

رسول اللّه عَ له: لا يقطع السارق إلا في حجفة وقومت يومئذ على عهد رسول الله
مَ الله عشرة دراهم)).
قلت: زاد ابن الحماني ضِغِئاً على أَبَّالة، وهو متكلم فيه وان الحَّ ابن معين في
توثيقه. وفي كتاب (العلل) لابن أبي حاتم (ج ١ ص ٤٥٧): ((سألت أبي عن
حديث رواه الحسن بن صالح ... قال ابي: هو مرسل، وأرى انه والد عبدالواحد
ابن أيمن وليست له صحبة. قلت لابي: قد روى هذا الحديث يحيى الحماني ... ؟ قال
ابي : هذا خطأ من وجهين:
أحدهما : ان أصحاب شريك لم يقولوا : عن أم أيمن .
والوجه الآخر: ان الثقات رووه عن منصور عن الحكم عن مجاهد وعطاء عن
أيمن قوله )) .
فاما المتن في رواية الجماعة ففيه جملتان:
فالأولى: في رواية سفيان: ((لم تكن تقطع اليد على عهد رسول اللّه عَ له إلا في
ثمن المجن))، وفي رواية علي بن صالح ((لم تقطع اليد في عهد رسول اللّه عَ لَّه إلا
في ثمن المجن)) وفي رواية جرير: ((لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن))، وفي رواية
الحسن بن صالح وأبي عوانة وشيبان: ((يقطع السارق في ثمن المجن))، وسفيان
امام، وعلى ثقة، والباقون جماعة وقد كان ابو نعيم الفضل بن دكين يقول: ((ما
رأيت أحداً إلا وقد غلط في شيء غير الحسن بن صالح)).
والجملة الثانية: لم تقع في رواية جرير، ولفظه في رواية سفيان: ((ثمن المجن
يومئذ دينار)). وفي رواية الباقين نحوه إلا الحسن بن صالح فلفظها عنده: (( كان ثمن
المجن في عهد رسول اللّه عَ له ديناراً او عشرة دراهم))، ولعل هذا هو الأصل،
فاختصره الجماعة .
وعلى كل حال فهذا من قبيل ما تقدم من اعتبار الجنس، وقد ثبت التحقيق
٨٧٦

بحديث ابن عمر فسقط الحدس .
قال الطحاوي: ((فلما اختلف في قيمة المجن الذي قطع فيه رسول اللّه عَ له
احتيط في ذلك فلم يقطع الا فيما اجمع أن فيه وفاء بقيمة المجن التي جعلها رسول
اللّه ◌َ له مقداراً لا يقطع فيما هو اقل منها، وهو عشرة دراهم)).
أقول: قد علمت انه ليس فيما ذكره الطحاوي ما يصلح دليلا على ان النبي عد اله
بين انه لا قطع فيما دون قيمة ذاك المجن، ولا ما يصلح دليلا يخالف الحجة
الواضحة المحققة ان قيمته ثلاثة دراهم.
ثم قال الطحاوي: ((وقد ذهب اخرون إلى انه لا يقطع إلا في ربع دينار
فصاعداً، واحتجوا على ذلك بما حدثنا يونس اخبرنا به ابن عيينة ... كان رسول
اللّه عَّه يقطع في ربع دينار فصاعداً، قيل لهم: ليس هذا حجة لأن عائشة انما
أخبرت عما قطع فيه رسول اللّه عَ له، فيحتمل ان يكون ذلك لانها قومت ما قطع
فيه )).
أقول: روى ابن شهاب الزهري وجماعة عن عمرة عن عائشة في القطع في ربع
دينار واختلفوا، ثم وقع خلاف عن بعض اصحاب الزهري، ثم وقع خلاف يسير
عن ابن عيينة في روايته عن الزهري، وهذا الذي ذكره الطحاوي هو رواية يونس
ابن عبدالاعلى عن ابن عيينة عن الزهري عن عمرة عن عائشة، وهكذا رواه جماعة
عن ابن عيينة منهم يحي بن يحيى عند مسلم، واحمد في (مسنده)، واسحاق وقتيبة
عند النسائي، وخالفهم جماعة عن ابن عيينة. قال ابن حجر في (الفتح): ((اورده
الشافعي والحميدي وجماعة عن ابن عيينة بلفظ: قال رسول اللّه عَ له : تقطع اليد -
الحديث)). ولفظ الشافعي كما في (مسنده) بهامش (الام) (ج ٦ ص ٢٥٤):
((ان رسول اللّه عَ لّه قال: القطع في ربع دينار)). ولفظ الحميدي كما ذكره
الطحاوي فيما بعد ان رسول اللّه عَ لهل قال: ((تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً)).
وأخرجه الطحاوي فيما بعد من طريق الحجاج بن منهال عن ابن عيينة ولفظه: (( قال
٨٧٧

رسول اللّه ◌َ ◌ّه: السارق إذا سرق ربع دينار قُطع)).
ولنجب عن قول الطحاوي: ((ليس هذا بحجة)) ثم ننظر في الروايات.
فأما الجواب: فإن اراد ان الحديث بذاك اللفظ ليس بحجة على انه لا قطع فيما
دون ربع دينار، فجوابه مبني على رأي أصحابه في إهدار مفهوم المخالفة ولا شأن
لنا به الآن، وان اراد ليس بحجة على القطع فيما دون عشرة دراهم فقد ابطل،
قوله: ((يحتمل ان يكون ذلك لأنها قومت ما قطع فيه، قلنا: وعلى هذا الاحتمال
يكون حجة .
فإن قيل: قد خالفها غيرها .
قلنا: كلا، لم يخالفها احد، فقد اتضح بما تقدم انه لا يثبت مما ذكره الطحاوي
غير حديث ابن عمر وهو موافق لهذا الحديث لان صرف الدينار كان حينئذ اثني
عشر درهماً، وقول الحنفية: کان صرفه عشرة دراهم مردود کما بين في محله، وهب
انه کان صرفه في وقت ما عشرة، فذلك لا يدفع ان يكون صرفه في وقت اخر
اثني عشر، وهب ان صرفه كان في طول العهد النبوي عشرة دراهم، فالفرق
نصف درهم وليس في حديث ابن عمر نفي للقطع فیا دون ثلاثة دراهم، وهب ان
عائشة قومت ذاك المجن درهمين ونصفاً فقد اتفقا على القطع في ثلاثة دراهم لأنه
إذا قطع فيما دونها قطع فيها .
وأما الروايات، فالواجب ان يبدأ باستقصاء النظر في الاختلاف عن ابن عيينة
عن الزهري، ثم بالنظر في رواية غيره عن الزهري،
ثم برواية غير الزهري عن عمرة، والطحاوي عدل عن هذا، فأخذ احدى
الروايتين عن ابن عيينة وهي المخالفة لرواية غيره، وانما بدأ بها الطحاوي ثم قال:
(( حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب قال: اخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن
عروة وعمرة عن عائشة ان رسول اللّه عَ لّه قال: تقطع يد السارق في ربع دينار
٨٧٨

فصاعداً(١) ثم قال: ((يونس بن يزيد عندكم لا يقارب ابن عيينة)) ثم ذكر بعض
روايات غير الزهري عن عمرة، وانهم اختفلوا فمنهم من رفعه ومنه من وقفه،
وحاول ترجيح الوقف، ثم عاد فذكر رواية الحميدي والحجاج بن منهال عن ابن
عيينة ورواية ابراهيم بن سعد عن الزهري بنحوها ثم قال: ((فلما اضطرب حديث
الزهري على ما ذكرنا واختلف على غيره عن عمرة على ما وصفنا ارتفع ذلك فلم
تجب الحجة بشيء منه إذ كان بعضه ينفي بعضاً)) كذا قال حسيبه اللّه! فلندعه
ولنسلك الجادة .
أما الروايتان عن ابن عيينة فقد ترجح رواية الشافعي الحميدي ومن وافقهما
بأمور :
الأول: ان رواتها عن ابن عيينة ممن سمع منه قديما وقد جاء عن يحيى القطان
(( قلت لان عيينة: كنت تكتب الحديث وتحدث اليوم وتزيد في إسناده أو تنقص
منه. فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سئمت)) كأنه يريد سئم من مراجعة
اصوله )» .
الوجه الثاني: أن من رواتها عنه الشافعي والحميد وكان لهما مزيد اختصاص به،
وجاء عن الحميدي انه لزمه سبع عشرة سنة، وقال الإمام احمد (( الحميدي عندنا
إمام)) وقال أبو حاتم: ((هو أثبت الناس في ابن عيينة وهو رئيس أصحابه وهو ثقة
إمام)).
١
الوجه الثالث: أن الحميدي لما روى هذا في مسنده عن ابن عيينة ذکر کلام ابن
عيينة في الحديث فقال كما ذكره الطحاوي - وقرأته في نسخة من (مسند
الحميدي): ((عن سفيان قال: حدثنا أربعة عن عمرة عن عائشة لم ترفعه، عبدالله
ابن ابي بكر، ورزيق بن حكيم الايلي، ويحيى، وعبد ربه بن سعيد، والزهري
(١) قلت: هذا أخرجه مسلم أيضاً في ((صحيحه)) (١١٢/٥) من طرق أخرى قالوا:
حدثنا ابن وهب به مرفوعاً بلفظ: ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً)).
٨٧٩

احفظهم كلهم، الا ان في حديث يحيى ما قد دل على الرفع: (( ما نسيت ولا طال
على، القطع في ربع دينار فصاعداً)). فهذا يدل أن ابن عيينة لما حدث الحميدي
اعتنى بالحديث واحتفل له وذلك احرى ان يتحرى التحقيق في روايته ولعله راجع
اصل كتابه .
الوجه الرابع أن الذين رووه عن الزهري غير ابن عيينة رووه بلفظ الحميدي عن
ابن عيينة عن الزهري او معناه .
الوجه الخامس: أن الذين رووه عن عمرة غير الزهري، رواه اكثرهم بلفظ
الحميدي أو معناه ايضاً .
الوجه السادس: ان في (الصحيحين) من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن
عائشة قالت: ((لم تقطع يد سارق على عهد النبي عَ لّ في ادنى من ثمن المجن ترس
أو حجفة وكان كل واحد منهما ذا ثمن))(١) فقولها: ترس او حجفة)) يدل انها لم
تعرفه، واذا لم تعرفه لا يمكنها ان تقوّمه .
وقولها: ((وكان كل واحد منهما ذا ثمن)) ظاهر في انها لم تعرف ثمن ذاك المجن
وإلا لبينته لتتم الفائدة المقصودة .
فإن قيل لا يلزم من عدم معرفتها بقيمة ذاك المجن ان لا تعرف قيمة غيره مما
صَلى الله
قطع فيه النبي عَ له .
قلت: قد قطع النبي صلى اللّه عليه وسلم سارق رداء صفوان وكان ثمنه ثلاثين
درهماً. وقطع يد المخزومية التي كانت تستعير الحلي وتجحده، وهاتان الواقعتان
ليس فيهما ربع دينار فكيف تأخذ عائشة منهما أو من احداهما أن النبي عد ◌ٍّ كان
یقطع في ربع دینار .
(١) قلت: ورد حديث عائشة بلفظين آخرين، حقق المصنف أنهما شاذان. وذلك في آخر
هذه المسألة ص ( ٩٠٦). ن.
٨٨٠