Indexed OCR Text
Pages 761-780
عاصم بن المنذر: ((الخوابي العظام)).
وأكثر الآخذين بحديث القلتين أخذوا بالاحتياط فاشترطوا الكبر، والخابية هي
الحب والحب هو الجرة أو الجرة الكبيرة، وعلى كل حال فما بلغ جرتين من أكبر ما
يعهد من الجرار داخل في حكم منطوق الحديث حتماً، وما لم يبلغ جرتين من أصغر
ما يعهد من الجرار داخل في حكم مفهومه حتماً كما سلف.
وأما الاختلاف في مقدار ما تسع فأكثر الأوجه التي ذكرها ابن التركماني
جاءت في خبر رواه ابن جريج عن محمد بن يحي عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر
عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجساً ولا بأساً)).
رواه ابو قرة عن ابن جريج وقال فيه: ((قال محمد فرأيت قلال هجر فأظن كل قلة
تأخذ قربتين)) ورواه الدارقطني عن ابي بكر النيسابوري عن أبي حميد المصِّيصي عن
حجاج عن ابن جريج وقال فيه: ((قال فأظن ان كل قلة تأخذ الفَرَقَيْن)) ورواه
البيهقي عن أبي حامد أحمد بن علي الرازى عن زاهر بن طاهر عن أبي بكر
النيسابوري بإسناده مثله وزاد: ((والفرق ستة عشر رطلاً))؛ ورواه الشافعي: ثنا
مسلم بن خالد عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره أن رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم قال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثاً؛ وقال في الحديث: بقلالهجر؛
قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر فالقلة تسع قربتين او قربتين وشيئاً .
قال الشافعي: كان مسلم يذهب الى أن ذلك أقل من نصف القربة أو نصف
القربة فيقول: خمس قرب هو أكثر ما يسع قلتين، وقد تكون القلتان أقل من خمس
قرب؛ قال الشافعي: فالاحتياط ان تكون القلة قربتين ونصف ... وقرب الحجاز
كبار ... ))، ومسلم بن خالد وإن ضعفه الأكثرون ونسبوه إلى كثرة الغلط فقد وثقه ابن
معين وغيره وقالوا: كان فقيه أهل مكة وكانت له حلقة في حياة ابن جريج، وهذا
الخبر مما يحتاج اليه الفقيه فلا يظن به الغلط فيه(١)، وقد تابعه في الجملة أبو قرة
(١) قلت: هذا غير مسلم، فإن لازمه قبول أحاديث الأحكام والزيادات التي تفرد بها بعض =
٧٦١
وهو ثقة، فلفظ: ((القربتين)) ثابت عن ابن جريج، فأما لفظ ((الفرقين)) فإن كان
بفتح الراء فيدفعه أن قلال هجر معروفة بالكبر بحيث يضرب بها المثل كما مر، وقد
قال الأزهري بعد ان عاش في هجر ونواحيها سنين: ((قلال هجر والإحساء
ونواحيها معروفة تأخذ القلة منها مزادة كبيرة من الماء وتملأ الراوية قلتين)» والقربة
تكون من جلد واحد، والمزادة من جلدين ونصف أو ثلاثة والراوية هو البعير الذي
يحمل مزادتي الماء فالمراد هنا أن المزادتين اللتين يستقى فيهما على البعير تملآن قلتين،
الفقهاء المتكلم فيهم أمثال أبي حنيفة وابن أبي ليلى وغيرهما، وهو مما لا يقوله المؤلف
=
ولا غيره من أهل العلم، ثم لو سلمنا بذلك هنا فإسناد الزيادة من فوق مسلم بن خالد
ضعيف لجهالة من فوق ابن جريج، فان حمل على رواية أبي قرة عنه، فهي ضعيفة
أيضاً لأن يحيى بن يعمر تابعي، ومحمد بن يحيى مجهول. وأما متابعة أبي قرة له في
الجملة، فلا تفيد هنا لأن البحث خاص بزيادة ((بقلال هجر)) وهي مما لم يتابعه عليها
أبو قرة، وهب أنه قد توبع فهي لا تثبت لما عرفت من الضعف. على أن قوله: (( وقال
في الحديث: بقلال هجر)) ليس صريحاً في الرفع، فكيف وقد رواه عبد الرزاق عن
ابن جريج بلفظ ((قال ابن جريج زعموا أنها قلال هجر)»، فهذا صريح في الموقف،
فسقط الاستدلال بها جملة .
ثم كيف يمكن أن تكون هذه الزيادة محفوظة، ولم ترد في شيء من طرق الحديث
المحفوظة التي بها ثبت أصل حديث القلتين لا برواية مسلم بن خالد له، بل القواعد
الحديثية تعطي أن هذه الزيادة منكرة لتفرد ابن خالد بها وقد ضعفه الأكثرون.
والحق أن حديث القلتين مع صحته، فالاستدلال به على ما ذهب إليه الشافعية صعب
إثباته، وعليه اعتراضات كثيرة لا قبل لهم بردها، ولقد جهد المؤلف رحمه الله لتقرير
الأستدلال به وتمكينه من بعض الوجوه من حيث منطوقه ومفهومه، ولم يتعرض
للاجابة عن الاعتراضات المشار إليها، فمن شاء الوقوف عليها فليرجح إلى تحقيق ابن
اللقيم في ((تهذيب السنين)) (٥٦/١ - ٧٤).
والمختار في هذه المسألة إنما هو المذهب الأول الذي قرره المؤلف رحمه الله تعالى،
لأن حديثه مع ثبوته فالاستدلال به سالم من أي اعتراض علمي، بل هو الموافق لسماحة
الشريعة ويسرها . ن.
٧٦٢
فكيف يعقل ان يكون ما تسعة القلتان من قلال هجر من الماء أربعة وستين رطلاً
فقط؟ فإما أن يكون لفظ ((الفرقين)) تصحيفاً من بعض الرواة والصواب
((القربتين))، وإما أن يكون ((الفرقين)) بسكون الراء، والفرق بسكون الراء مائة
وعشرون رطلا وما وقع في رواية البيهقي عن الرازي عن زاهر: (( والفرق ستة
عشر رطلا)) تقدير من بعض الرواة ظن الفرقين بفتح الراء، وزاهر فيه كلام.
وأما ما ذكره ابن التركماني من تفسير القلتين معاً باثنتين وثلاثين رطلاً فإنما
أخذه من قوله: (( وقد جاء ذكر الفرق من طريق آخر أخرجه ابن عدي من جهة
المغيرة بن سقلاب عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله
صلى اللّه عليه وآله وسلم: إذا كان الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء؛ وذكر
أنهما فرقان» قال ابن التر كماني: وهذا يقتضي ان تکون القلتان اثنین وثلاثینرطلاً ؛
والمغيرة هذا ضعفه ابن عدي، وذكر ابن أبي حاتم عن ابيه أنه صالح، وعن أبي
زرعة: جزري لا بأس به )) .
أقول: الراوي الذي يطعن فيه محدثو بلده طعناً شديداً لا يزيده ثناء بعض
الغرباء عليه الا وهناً، لأن ذلك يشعر بأنه كان يتعمد التخليط فتزين لبعض الغرباء
واستقبله بأحاديث مستقيمة فظن أن ذلك شأنه مطلقاً فأثنى عيه، وعرف أهل بلده
حقيقة حاله؛ وهذه حال المغيرة هذا فإنه جزري أسقطه محدثو الجزيرة فقال أبو
جعفر النفيلي: لم يكن مؤمناً، وقال علي بن ميمون الرقي: كان لا يسوى بعرة؛
وأبو حاتم وأبو زرعة رازيان كأنهما لقياه في رحلتهما فسمعا منه فتزين لهما كما تقدم
فأحسنا به الظن، وقد ضعفه ممن جاء بعد ذلك الدارقطني وابن عدي لأنهما اعتبرا
أحاديثه، وحسبك دليلاً على تخليطه هذا الحديث فإن الناس رووه عن ابن إسحاق
عن ابن عبدالله بن عمر عن أبيه ولا ذكر فيه لقلال هجر ولا للتقدير فخلط فيه
المغيرة ما شاء .
هذا والذي في (الميزان) في ترجمة المغيرة هذا (( ... عن محمد بن إسحاق عن
نافع عن ابن عمر مرفوعاً. إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، والقلة أربعة آصع))
٧٦٣
ففي هذا أن القلة الواحدة اثنان وثلاثون رطلاً لا القلتان معاً، والصاع عند
العراقيين ثمانية أرطال، وقد يكون المغيرة رأى في بعض الروايات التقدير بالفرقين
فظنه بفتح الراء كما تقدم، وهو تالف على كل حال .
هذا والفرْقان بسكون الراء قريب من قربتين وشيء من قرب الحجاز فإنها كبار
كما ذكره الشافعي فالفرقان مائتان واربعون رطلاً، ومرّ عن الشافعي وشيخه مسلم
ابن خالد صاحب ابن جريج جعل الشيء نصفاً، وحرّر بعض أصحاب الشافعي
القربة بمائة رطل فتكون القلة مائتين وخمسين رطلاً فتقاربت روايتا الفرقين
والقربتين وشيء، فأما ما روي عن الإمام أحمد أن القلتين أربع قرب فكأنه رجح
رواية أبي قرة عن ابي جريج ورأى ان القلتين في أصل الحديث مطلقتان، وأن قلال
هجر أكبر من قلال المدينة فرأى ان الزيادة على أربع قرب غلو في الاحتياط لا
حاجة اليه؛ وأما قول إسحاق بن راهويه أن القلتين ست قرب فكأنه أخذه من قول
الشافعي: خمس قرب، مع قوله أن قرب الحجاز كبار فاحتاط إسحاق فجعلها ست
قرب بقرب العراق .
وعلى كل حال فذاك المقدار أعني خمس قرب من قرب الحجاز داخل هو وما
زاد عليه في حكم منطوق الحديث حتماً أعني أنه لا ينجس، لأنه يشتمل على قلتين
أو قلتين وزيادة على جميع التفاسير، فدلالة الحديث على أنه لا ينجس حتمية ...
وكذلك دلالة الحديث على أن الماء القليل الذي لا يبلغ أن يكون قلتين في تفسير من
التفاسير ينجس واضحة، فبطلت دعوى تعذر العمل بالحديث، وتحتم على من
یعترف بصحته أن يعمل به فیما ذکر.
وأما الأمر الخامس وهو الاحتجاج بحديث الماء الدائم فانهصح في ذلك حديثان:
الأول: في النهي عن البول فيه، ففي (صحيح مسلم) من حديث جابر: ((عن رسول
اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انه نهى أن يبال في الماء الراكد)). ومن حديث أبي
هريرة: ((عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم
يغتسل منه)) وفي رواية: ((لا تبل في الماء الدائم الذي لا يجري ثم تغتسل منه))
٧٦٤
وحديث أبي هريرة في (صحيح البخاري) وفيه: (( ثم يغتسل فيه))؛ فقد يقال من
جانب الحنفية: هنا هنا ثلاث قضايا :
الاولى : فرق الحديث بين الراكد وغيره وهو قولنا .
الثانية: دلّ على أن البول في الماء الراكد ينجسه، ولم يشترط التغيير فهو حجة لنا
على من يشترطه .
الثالثة: قال في رواية البخاري: ((ثم يغتسل فيه)) وهو ظاهر في شمول الحكم
للماء الذي يمكن الإنسان أن يغتسل فيه، ولا بد أن يكون أكثر من قلتين فهو حجة
لنا على من يقول بالقلتين .
أقول: اما القضية الأولى فدلالة الحديث على التفرقة إنما هي بمفهوم المخالفة،
والحنفية لا يقولون بها فيلزمهم إلحاق الجاري بالراكد قياساً أو يقيموا على مخالفته
دليلاً آخر؛ أما نحن فنقول بدلالة مفهوم المخالفة ولكننا نقول ليس وجه المخالفة
ما توهمه الحنفية أو بعضهم حتى قال بعضهم: ((إناءان ماء أحدهما طاهر، والآخر
نجس فصبا من مكان عال فاختلطا في الهواء ثم نزلا طهر كله! ولو أجرى ماء
الاناءين في الارض صار بمنزلة ماء جار)). وقال بعضهم: ((لو حفر نهراً من حوض
صغير أو صب رفيقه الماء في ميزاب وتوضأ فيه وعند طرفه الآخر اناء يجتمع فيه
الماء جاز توضؤه به ثانيا وثم وثم ))! وذكروا أن هذا معتبر حتى على القول بنجاسة
الماء المستعمل، وقضية هذا أنه لو عمد إلى جرة يصب الماء منها في ميزاب وقعد
آخر على وسط الميزاب يبول فيه ويسيل بوله مع الماء وعلى طرف الميزاب إناء
يجتمع فيه ذاك الماء، كان ذاك الماء الذي خالطه البول واجتمع في ذاك الإناء طاهراً
مطهراً مع أنه لو وضع في الجرة ابتداء شيء يسير من ذاك البول لصار ماؤها
نجساً! ولا يخفى أن مثل هذا الفرق لا يعقل له وجه، وإنما الماء الجاري الخارج
بمفهوم المخالفة في الحديث هو بمقتضى التبادر والنظر ما كان جاريا بطبعه
كالأنهار والعيون مما ليس مفسدة البول فيه كمفسدة البول في الراكد فإن الراكد
٧٦٥
يختلط به البول ويبقى بحاله فإن اغتسل منه البائل وغيره كان مغتسلا بماء مخالطه
البول من أول اغتساله إلى آخره، وأما الجاري كماء النهر فإن الدفعة التي وقع فيها
البول تذهب فوراً ولا تعود فلا يمكن البائل أن يعود فيغتسل فيها وإنما يمكنه أن
يعود فيغتسل في تلك البقعة ولا ضير، فإن الماء الذي يكون فيها ماء جديد لم
يخالطه بوله، ومن شأن الماء الجاري أن يتلاحق فلا تكاد تمر الدفعة التي وقع فيها
البول مسافة لها قدر حتى يتلاحق بها الماء المتجدد فيتغلب عليها وعلى فرض أنها
حفظت بعض حالها حتى مرت بانسان يغتسل فسرعان ما تجاوزه ويعقبها الماء الجديد
بل المتجدد فيذهب بأثرها فهذا هو المعنى المعقول الذي به خالف الجاري الراكد
فوجب البناء عليه وبذلك علم الجواب .
وأما القضية الثانية فلو دل حديث جابر على تنجس الراكد بالبولة الواحدة
لدل على تنجس كل ماء راكد قل أو كثر، حتى البحر الأعظم، فالصواب أن هناك
عدة علل إذا خشيت واحدة منها تحقق النهي :
الأولى: التنجيس حالاً إما بأن يكون الماء قليلاً جداً تغيره البولة الواحدة، وإما
بأن يكون دون المقدار الشرعي وقد تقدم الكلام فيه .
الثانية: التنجيس مآلاً وذلك أنه لو لم ينه عن البول في الماء الراكد لأوشك أن
يبول هذا ثم يعود فيبول ويتكرر ذلك وكذلك يصنع غيره فقد يكثر البول حتى
يغير الماء فينجسه.
الثالثة: التقذير حالاً، قال الشافعي كما في هامش (الأم) (ج ٧ ص ١١١):
((ومن رأى رجلاً يبول في ماء ناقع قذر الشرب منه والوضوء به))؛ وقال قبل
ذلك: ((كما ينهى أن يتغوط على ظهر الطريق والظل والمواضع التي يأوي الناس اليها
لما یتأذی به الناس من ذلك)».
الرابعة: التقدير مآلاً؛ قد يكون الغدير أو المصنعة كبيراً جداً لا يقذره الإنسان
لبولة واحدة لكن إذا علم أن الناس يعتادون البول فيه قذره .
٧٦٦
الخامسة: فشوَ الأمراض، فقد تحقق في الطب أن كثيراً من الأمراض إذا بال
المبتلى بأحدها خرجت جراثيم المرض مع البول فإن كان البول في ماء راكد بقيت
تلك الجراثيم حتى تدخل في أجسام الناس الذين يستعملون ذاك الماء فيصابون بتلك
الأمراض، والإصابة بذلك أكثر جداً من الإصابة بالجذام للقرب من المجذوم،
وقد ثبت في (الصحيح): ((فِرّ من المجذوم كما تفر من الأسد)) وكثير منها أشد
ضرراً من جرب الإبل وقد ثبت في (الصحيح): ((لا يوردن مُمرضٌ على مصح))؛
وبهذا يبقى الحديث على عمومه ولا يحتاج إلى إخراجه عن ظاهره بمجرد الاستنباط ،
فأما حال الضرورة فمستثنى من أكثر النواهي، ثم إن تحقق بعض هذه العلل في ماء
يصدق عليه أنه ليس براكد وجب أن يشمله الحكم، أما على قول من لا يعتد
بمفهوم المخالفة كالحنفية فواضح، وأما على قول من يعتد به فيخص عمومه بالقياس
الواضح ولا ريب أن الشرع لا يبيح أن يلقى في الماء الجاري ما يضر بالناس أو
يؤذيهم، وعلى هذا فلا حاجة في التخصيص إلى القياس بل النصوص الزاجرة عن
الأضرار والإيذاء كافية؛ فإن قيل لو اعتبرنا العلل المذكورة واعتبرنا القياس لزم
شمول المنع لكل ماء جار فيلزم اطراح المفهوم رأساً؛ قلت: بل تبقى مياه السيول
ونحوها التي تمر بنفسها على مواضع النجاسة فلا يبقى وجه لمنع الانسان عن البول
فيها على أن الذين يعتدون بمفهوم المخالفة يشترطون ما لعلنا لو دققنا لَلاَح لنا أنه
غير متحقق هنا، وفي القرآن عدة آيات لا يأخذون فيها بمفهوم المخالفة ويعتلون
بوجوه إذا تدبرت وجدت بعضها وارداً هنا .
وأما حديث أبي هريرة فإن كان قوله: ((ثم يغتسل منه)) على معنى الخبر كما
قرره القرطبي قال: ((كحديث لا يضرب أحدكم امرأته ثم يضاجعها)) فالكلام فيه
كما مر الا أنه زاد بقوله: ((ثم يغتسل منه)) التنبيه على بعض العلل كأنه قال: كيف
يبول فيه ثم لعله يحتاج إليه فيغتسل منه فيتنجس أو يتقذر أو يدع الاغتسال مع
حاجته إليه؟ وإذا كان هو يستقذره لبوله فيه فغيره أولى بالاستقذار، والمؤمن يحب
لأخيه ما يحب لنفسه، ولا يدفع هذا أن تكون هناك علة أخرى فإن النهي عام وقد
٧٦٧
جاء مثله بدون هذا التنبيه وهو حديث جابر؛ وإن كان المعنى على النهي عن الجمع
بين البول والاغتسال انصبّ النهي على الاغتسال بعد البول كأنه قيل: لا يغتسل في
ماء دائم قد بال فيه؛ ويحتمل هذا النهي عللاً إحداها التنجس، ثانيتها التقذر،
ثالثتها ان يكون عقوبة للبائل لأن الإنسان إذا علم أنه إن بال في الماء حُظر عليه
الاغتسال منه كان مما يمنعه عن البول، وقريب منه حديث المرأة التي لعنت ناقتها
فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتخلية الناقة كأنه جعل عقوبة المرأة على لعنها
الناقة ان لا تنتفع بها لكي تزجر هي وغيرها عن اللعن، فأي واحدة من هذه العلل
وجدت وجد النهي وبذلك يساوق التعليل عموم النص؛ وإن كان المعنى: لا يبل في
الماء الدائم فإن عصى فبال فلا يغتسل منه فآخره كما ذكر ، وأوله كما مر في
حديث جابر.
وأما القضية الثالثة فقد مر ما يعلم به الجواب عنها، على ان الماء اذا كان دون
القلتين بقليل وكان في حفرة ضيقة أو حوض بقدر قعدة الإنسان إلا أنه عميق
أمكن الإنغماس فيه لأنه إذا قعد ارتفع الماء من الجوانب فيغمره، ومع ذلك
فالاغتسال في الماء يصدق بأن يقعد وسطه ويغرف على نفسه، وفوق هذا فكلمة
((فيه)) كأنها شاذة، والغالب في الروايات من ذاك الوجه وغيره كلمة ((منه)).
الحديث الثاني: النهي عن اغتسال الجنب فيه، وهو في (الصحيحين) عن أبي
السائب: (( أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: لا
يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب؛ فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال:
يتناوله تناولاً )».
قد يستدل به على أن الماء يصير باغتسال الجنب فيه نجساً أو غير مطهر، فأما
النجاسة فرويت عن أبي حنيفة ثم رغب عن ذلك الحنفية أنفسهم، وأما سلب التطهير
فوافقهم عليه فيما درن القلتين الشافعية والحنابلة؛ ومن يأبى ذلك يقول إن علة النهي
هي التقذير، وقد يحتمل غير ذلك من العلل تظهر بالتأمل فيساوق التعليل عموم
النص؛ وأما التفرقة بين الدائم والجاري فقد مر مافيها، وكذا إن قيل: إن الحديث
٧٦٨
يدل على حصول المفسدة في الماء الذي يمكن أن يغتسل فيه الجنب ولا يكون إلا
فوق القلتين فقد مر مثله والجواب عنه.
وأما الأمر السادس وهو قول الأستاذ: ((فدعونا معاشر الحنفية نتوضأ من
الحنفيات ولا نغطس في المستنقعات)). فيأبى الأستاذ إلا التقليد حتى في
السخرية(١).
(١) أقول: لقد فات المصنف رحمه الله تعالى النظر فيما ادعاه الاستاذ من اعتراف ابن دقيق
العيد بقوة احتجاج الحنفية بحديث الماء الدائم. فإن الواقع خلافه، فهاك نص كلامه
في الشرح المذكور (١٢١/١ - ١٢٥ - بحاشية ((العدة))):
((وهذا الحديث مما يستدل به أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الراكد وإن كان
أكثر من قلتين، فإن الصيغة صيغة عموم، وأصحاب الشافعي يخصون هذا العموم،
ويحملون النهي على ما دون القلتين، فيحمل هذا الحديث العام في النهي على ما دون
القلتين، جمعاً بين الحديثين، فإن حديث القلتين يقتضي عدم تنجيس القلتين فما فوقهما،
وذلك أخص من مقتضى الحديث العام الذي ذكرناه، والخاص مقدم على العام)).
فليتأمل القارىء في كلام ابن دقيق هذا أهو اعتراف أم اعتراض؟!
٧٦٩
المسْألَة الثانية
رفع الیدین
في (تاريخ بغداد) (٣٨٩/١٣) من طريق وكيع: ((سأل ابن المبارك أبا
حنيفة عن رفع اليدين في الركوع فقال أبو حنيفة: يريد أن يطير فيرفع يديه؟ قال
وكيع: وكان ابن المبارك رجلاً عاقلاً فقال: إن كان طار في الأولى فإنه يطير في
الثانية. فسكت أبو حنيفة ولم يقل شيئاً)).
قال الأستاذ (ص ٨٣): (( .... (١) مع ظهور الحجة في حديث ابن
مسعود .... (٢) لم يسلم سند من أسانيد الرفع عند الركوع من علة (٣) بل لم
يصح حديث في الرفع غير حديث ابن عمر (٤) وهو لم يأخذ به في رواية أبي بكر
ابن عياش .... (٥) ودعوى أحد الفريقين التواتر في موضع الخلاف المتوارث
غير مسموعة (٦) وإنما المتواتر أن جماعة من الصحابة كانوا لا يرفعون، وجماعة
منهم كازا يرفعون (٧) فيدل ذلك على التخيير الأصلي (٨) وإنما خلافهم فيما
هو الأفضل)» .
أقول: أما الأمر الأول فحديث ابن مسعود كما قال الدارقطني: ((تفرد به محمد
بن جابر وكان ضعيفاً عن حماد عن ابراهيم، وغير حماد يرويه عن ابراهيم مرسلاً عن
عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبي عَظُلم وهو الصواب)). ومحمد بن جابر ذكره
الأستاذ (ص١١٦) بمناسبة ما جاء عنه أنه قال: ((سرق مني أبو حنيفة كتاب
حماد)) فقال الأستاذ: ((الأعمى قال فيه أحمد لا يحدث عنه إلاّ من هو شر منه)).
٧٧٠
وترى ترجمته في قسم التراجم والحاصل أنه ليس بعمدة؛ وحماد بن ابي سليمان سيء
الحفظ حتى قال حبيب بن أبي ثابت: ((كان حماد يقول: قال ابراهيم: فقلت له والله
إنك لتكذب على ابراهيم أو إن ابراهيم ليخطىء)) وقال شعبة: ((قال لي حماد بن أبي
سليمان يا شعبة لا توقفني على ابراهيم فإن العهد قد طال، وأخاف أن أنسى أو
أكون قد نسيت)) أنظر (تقدمة الجرح والتعديل) (ص ١٦٥) وقوله: ((لا توقفني
إلخ)) معناه إذا قلت: ((قال ابراهيم)) أو نحو ذلك فلا تسألني أسمعته من ابراهيم أم
لا؟ فيتبين بهذا أنه قد كان يقال: ((قال ابراهيم)) ونحوه فيما لا يتحقق أنه سمعه من
ابراهيم، وقد أجاب ابن التركماني عن كلام الدارقطني فدافع عن محمد بن جابر بما
لا يجدي وقال: ((إذا تعارض الوصل مع الإرسال، والرفع مع الوقف، فالحكم عند
أكثرهم للرافع والواصل، لأنهما زادا وزيادة الثقة مقبولة))؛ كذا قال وقد علم أن
محمد بن جابر ليس بثقة وحماداً سيء الحفظ، فالحديث ضعيف من أصله فكيف مع
الخلاف؟ وقد قال الأستاذ (ص ١٥٣): ((من أصوله - يعني أبا حنيفة - أيضاً
رد الزائد متناً كان أو سنداً الى الناقص ... )). والذي عليه جهابذة الحديث
الترجیح، هذا في اختلافالثقات ،ولیس هذا منه كما مر.
وروى النسائي من طريق ابن المبارك عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن
عبد الرحمن ابن الأسود عن علقمة عن عبدالله بن مسعود قال: ألا أخبركم بصلاة
رسول الله ◌َ ظله ؟ قال: فقام فرفع يديه أول مرة ثم لم يعد. وقد روى الترمذي عن
ابن المبارك قال: ((لم يثبت حديث ابن مسعود أن النبي ◌َّلَّم لم يرفع يديه إلا أول
مرة)) وفي (سنن الدارقطني) (ص ١١٠) و(سنن البيهقي) (ج ٢ ص ٧٩) عن ابن
المبارك قال: ((لم يثبت عندي .... )) نحوه. قد يقال: لعل ابن المبارك عنى حديث
محمد بن جابر. لكن قد دل جزمه بعدم الثبوت ومحافظته على رفع اليدين على أنه لا
يرى فيما رواه عن سفيان ما يشد حديث محمد بن جابر ولو من جهة المعنى، وحديث
سفيان رجاله ثقات وعاصم وإن قال ابن المديني: لا يحتج به إذا انفرد، فقد وثقه
جماعة وأخرج له مسلم في (الصحيح)، لكن هناك علل:
٧٧١
الأولى: أن سفيان يدلس ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث عنه تصريحه
بالسماع .
الثانية: أنه قد اختلف عليه، قال أبو داود عقب روايته عن عثمان بن أبي شيبة عن
وكيع وستأتي: ((ثنا الحسن بن علي ثنا معاوية وخالد بن عمرو وأبو حذيفة قالوا نا
سفيان بإسناده هذا قال: فرفع يديه في أول مرة، وقال بعضهم: مرة واحدة)) وفي
(مسند أحمد) (ج ١ ص ٤٤٢) ((ثنا وكيع عن سفيان عن عاصم ... قال عبد الله:
أصلي بکم صلاة رسول الله ګ فرفع يديه في أول)» وأخرجه أبو داود عن عثمان
ابن أبي شيبة عن وكيع وفيه: ((فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة)).
الثالثة: قال أحمد في (المسند) (ج١ ص٤١٨): ((ثنا يحيى بن آدم ثنا عبد الله
ابن إدريس من كتابه عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود ناعلقمة عن
عبد الله قال: علمنا رسول الله عَ ليه الصلاة، فكبر ورفع يديه ثم ركع وطبق بين
يديه وجعلهما بين ركبتيه، فبلغ سعداً فقال: صدق أخي قد كنا نفعل ذلك ثم أمرنا
بهذا - وأخذ بركبتيه - حدثني عاصم بن كليب بهذا)) فأعل البخاري في (جزء
رفع اليدين) حديث سفيان بحديث ابن إدريس وقال ((ليس فيه: ثم لم يعد، فهذا
أصح لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم)) يشير البخاري الى أن بعض الرواة لما لم ير
في القصة ذكر الرفع عند الركوع وكان المشهور عن أصحاب ابن مسعود أنهم
كانوا لا يرفعون إلا في أول الصلاة فهم أن الواقع في القصة كذلك، ثم لما روى
من حفظه روى بحسب ما كان فهم، وممن أعل حديث سفيان من الأئمة أحمد وأبو
داود وأبو حاتم ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم، فمنهم من حمل الوهم على وكيع
ومنهم من حمله على سفيان، وزعم بعض الناس أن اختلافهم في هذا يقتضي ردّ
قولهم جملة، وليس هذا بشيء والذي يظهر أنه إن كان سفيان دلسه فالحمل على
شيخه الذي سمعه منه، وإلا فالوهم منه. وراجع (نصب الراية) (ج ١
ص ٣٩٥).
٧٧٢
الرابعة: أنه ليس في القصة تصريح من ابن مسعود بأن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم لم يرفع إلا في أول الصلاة، غاية الأمر أنه ذكر أنه سيخبرهم بصلاة رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قام فصلى بهم، فإن بنينا على رواية ابن إدريس عن
عاصم فليس فيها ذكر أن عبد الله لم يرفع في غير أول الصلاة. فقد يكون رفع ولم
يذكر الراوي ذلك كما لم يذكر وضع اليدين على الصدر والقراءة والتكبير للركوع،
كأنه إنما كان يهمه من ذكر القصة شأن التطبيق، وفي (مسند أحمد) (ج ١
ص ٤١٣) من طريق (( أبي إسحاق عن أبي الأسود عن علقمة والأسود أنهما كانا
مع ابن مسعود، فحضرت الصلاة، فتأخر علقمة والأسود، فأخذ ابن مسعود
بأيديهما فأقام أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، ثم ركعا فوضعا أيديهما على
ركبهما، وضرب أيديهما ثم طبق بين يديه وشبك وجعلهما بين فخذيه، وقال: رأيت
النبي ◌َ ◌ّمِ فعله)) وبنحوه رواه منصور عن ابراهيم عن علقمة والأسود كما في
(صحيح مسلم). وفيه من طريق الأعمش عن ابراهيم عن الأسود وعلقمة نحوه وزاد
قال: فلما صلى قال .... وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعاً، وإذا كنتم أكثر من ذلك
فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه على فخذيه وليجنا وليطبق بين
كفيه فلكأني أنظر الى اختلاف أصابع رسول الله عَ لَّهِ فأراهم))؛ فأكثر الروايات
لا تذكر عدم الرفع كما ترى وكثير منها لا تذكر حتى الرفع أول الصلاة فيظهر من
هذا أن الذي كان يهم ابن مسعود من تعليمهم في تلك الصلاة ويهمهم من رواية
القصة إنما هو مقام الثلاثة والتطبيق ولذلك لم يذكر عقب الصلاة إلا هذين إذ قال:
((إذا كنتم ثلاثة .... )) كما مر.
فإن قيل: فقد اشتهر عن علقمة والأسود وغيرهما من أصحاب ابن مسعود أنهم
كانوا لا يرفعون إلا في أول الصلاة، ولو رأياه رفع في غير ذلك ولا سيما في تلك
الصلاة لكان الظاهر أن يأخذوا ذلك عنه، فقد أخذوا عنه التطبيق وغيره؟
قلت: فقد أشار بعض أهل العلم الى احتمال أن يكونا غفلا عن رفعه يديه في
غير أول الصلاة، وأشار بعضهم الى احتمال أن يكون ابن مسعود ذهل عن الرفع
٧٧٣
كبعض ما يسهو الرجل لأن المهم في تلك الصلاة كان بيان الموقف والتطبيق كما
مر .
٠
فإن قيل هذه احتمالات بعيدة، قلت هي على كل حال اقرب من دفع ما ثبت
عن جماعة من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرفع، وما تواتر عنهم
أنهم كانوا يرفعون .
فإن قيل: فقد ذهب بعضهم الى احتمال النسخ، قلت: من الممتنع جداً أن يقع
نسخ في مثل هذا الحكم ولا يطلع عليه جمهور الصحابة ويختص به ابن مسعود ثم
يكتفي من تبليغه مع اشتهار الرفع والاطباق عليه بما وقع في القصة على فرض
ثبوتها .
فإن قيل فهل من شيء غير هذا؟ قلت: ذكر بعض أهل العلم أنه كما أن ابن
مسعود طبق وأخبر بالتطبيق وأمر به، وقد تبين أن ذلك كان في أول الإسلام ثم
نسخ، واتفق الناس على ترك التطبيق، وكما قال إن موقف إمام الإثنين بينهما
وخالفه الناس في ذلك واعتذروا باحتمال أن يكون رأى النبي صلى الله عليه وآله
وسلم فعل ذلك في بیت ضيق، فكذلك حاله في عدم الرفع إن ثبت عنه، قد يكون
الرفع في غير أول الصلاة لم يشرع منذ شرعت الصلاة، فرأى ابن مسعود النبي صلى
الله عليه وآله وسلم في أول الإسلام يصلي ولا يرفع إلا في أول الصلاة فأخذ ابن
مسعود بذلك كما أخذ بالتطبيق والموقف، وإن كان كل ذلك كان أولاً ثم ترك،
وقد يكون رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترك الرفع في بعض الصلوات لبيان
أنه ليس بواجب فأخذ ابن مسعود بذلك.
فإن قيل: قضية الموقف قريبة لأن غالب ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم
يصلي الجماعة بأكثر من اثنين فأما قضيتا التطبيق والرفع ففيما ذكر بعد .
قلت: قد فتح الله تعالى وله الحمد بوجه يقرب الأمر في الثلاث كلها وهو أن
يقال كأنه كان من رأي ابن مسعود أن النسخ لا يثبت بالترك وحده بل يبقى الأول
٧٧٤
مشروعاً في الجملة على ما يقتضيه حاله، ويرى أن على العالم إذا خشي أن ينسى
الناس الأمر الأول أن يسعى في إحيائه، فأما التطبيق فقد علم ابن مسعود أنه كان
مشروعاً ثم ترك العمل به ورأى هو ان تركه ليس نسخاً له، بل إما أن يكون
تركه رخصة لأنه فيما يظهر أشق من الأخذ بالركب وقد كان النبي صلى الله عليه
وآله وسلم ربما يدع الأمر المستحب كراهية المشقة كما كان يعجل صلاة العشاء إذا
جمعوا وأبطأ بها ليلة ثم خرج فصلى وقال: ((إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتى)).
وإما أن يكونا سواء والمصلي مخير بينهما، وإما أن يكون التطبيق مندوباً أيضاً وإن
كان الأخذ بالركب أفضل، وقد علم ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
كان ربما يدع ما هو في الأصل مندوب ليبين للناس أنه ليس بواجب وربما يفعل
ما هو في الأصل مكروه ليبين للناس أنه ليس بحرام، وكان أبو بكر وابن عباس
لا يضحون، كانوا يدعون التضحية ليبينوا للناس أنها ليست بواجبة، فلما رأى
ابن مسعود أن الناس قد أطبقوا على ترك التطبيق رأى أنه سنة قد أميتت فأحب
إحياءها ففعله، وأمر أصحابه بفعله ولم يخش أن يؤدي ذلك الى إماتة الأخذ
بالركب، لعلمه أن مشروعية ذلك معلومة بين الناس، وقد كان النبي صلى الله عليه
وآله وسلم. إذا قصد بيان الجواز فترك ما هو في الأصل مكروه لا يخبر بقصده بل
يكل الناس الى ما قد عرفوه من الدليل على ما هو الأصل في ذلك، وكذلك لم
ينقل أن أبا بكر وعمر وابن عباس كانوا حين يتركون التضحية يبينون قصدهم بل
كانوا يتكلون على ما قد عرفه الناس من مشروعيتها .
وأما وقوف إمام الإثنين بينهما، فلعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعله مرة ثم
تقدم فعلم ابن مسعود الأمرين ولكنه رأى أن الأول لم ينسخ وأن كلا الأمرين
مشروع وإن كان التقدم أفضل، ثم لما رأى الناس أطبقوا على التقدم أحب إحياء
تلك السنة .
وأما ترك الرفع في غير أول الصلاة فإن ثبت عن ابن مسعود فالظاهر أنه رأى
النبي صلى الله عليه وآله وسلم تركه، إما في أول الإسلام بأن يكون كان أوّلاً
٧٧٥
يقتصر على الرفع أول الصلاة، ثم رفع في بقية المواضع، وإما بعد ذلك بأن يكون
ربما ترك الرفع في غير الموضع الأول لبيان أنه ليس في مرتبته، فإن الرفع أول
الصلاة آكد، وذهب بعض أهل العلم الى وجوبه، فلما رأى ابن مسعود أن الناس قد
أطبقوا على المواظبة على الرفع في بقية المواضع مواظبتهم على الرفع أول الصلاة
تركه لمصلحة البيان، وحال ذلك عنده دون حال التطبيق ووقوف إمام الاثنين بينهما
بدليل أنه عقب تلك الصلاة أمر بهذين ولم يعرض للرفع كما مر في حديث مسلم؛
وربما يقال قد يكون ابن مسعود علم أن النبي عَ لَّم كان أولاً يطبق ولا يرفع عند
الركوع والرجوع منه، ثم ترك التطبيق ورفع، فرأى ابن مسعود أن الرفع بدل من
التطبيق، فأما الأخذ بالركب فقد يكون رخصة فقط فلما بدا لابن مسعود إحياء
التطبيق طبق ولم يرفع لئلا يجمع بين البدل والمبدل؛ والله أعلم.
فهذا غاية ما يقتضيه حسن الظن بابن مسعود وهو أهل أن يحسن الظن به . وعلى
كل حال فقد ثبت الرفع قطعاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو فعل عبادي
متعلق بالصلاة ولا يعقل أن يكون الفعل مندوباً مطلقا، ويكون الترك أيضاً مندوباً
مطلقا فما بقي إلا احتمال النسخ، والنسخ لا يثبت بمثل ما روي عن ابن مسعود مع
ما فيه من الكلام وما يطرقه من الاحتمال، وقد ترك الصحابة في عهد عثمان
تكبيرات الانتقال أو الجهر بها واستمر ذلك حتى ظن بعض التابعين أن ذلك غير
مشروع كما يأتي، ولا يظهر للترك سبب إلا الترخص في ترك المندوب، ونحن لم
نظن بابن مسعود في ترك الرفع ذلك ولا ما هو أبعد عن الملامة كالنسيان
والذهول، وإنما ظننا به قصد البيان وتثبيت الحق؛ فإن قيل فقد يظهر أن ابن
مسعود واظب على الترك ورضي لأصحابه المواظبة عليه، قلت فكذلك في التطبيق
ووقوف إمام الإثنين بينهما بل هو في هذين آكد فإنه عَقِب تلك الصلاة أمرهم بهما
ولم يعرض لترك الرفع كما مر في حديث مسلم، والحق أن غاية ما في الأمر أن
يكون رضي لهم المواظبة مدة ليكون ذلك أوفى بما قصده من البيان، كما واظب
أبو بكر وعمر وابن عباس على ترك التضحية، ورأى ابن مسعود أنه إن خفي على
أصحابه حقيقة الحال فسيعلمونها عندما يرون غيره من الصحابة وكبار التابعين
٧٧٦
ويسمعون منهم ويتدبرون فما اتفق مما يخالف ذلك فابن مسعود غير مسؤول عنه،
وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قصد البيان فترك ما هو في الأصل
مندوب أو فعل ما هو في الأصل مكروه، ربما يراه من لم يعرف الدليل السابق
فيفهم خلاف المقصود، وربما توهم بعضهم النسخ، وربما يقع هذا التوهم لبعض
فقهاء الأمة ويبقي ذلك في أتباعه، ولهذا نظائر كثيرة في الشريعة حتى في نصوص
القرآن مما يقع بسببه بعض الناس في الخطأ ويبقى ذلك في أتباعه كما ترى ذلك
واضحاً في اختلاف المذاهب، ولله تعالى في ذلك الحكمة البالغة يستيقنها المؤمن
إن لم يخط بها علماً، وليس هذا موضع النظر في ذلك(١).
وأما الأمران الثاني والثالث، وهما قول الأستاذ: ((لم يسلم سند للرفع من علة ولم
يصح فيه إلا حديث ابن عمر)) فمجازفة، قال البخاري كما يأتي: ((لا أسانيد أصح
من أسانيد الرفع)) وحديث ابن عمر قطعي الثبوت عنه وصح معه عدة أحاديث منها
في (الصحيحين) حديث مالك بن الحويرث، وفي (صحيح مسلم) حديث وائل بنٍ
حجر، وأشار البخاري في (الصحيح) الى حديث أبي حميد الساعدي في عشرة من
الصحابة، وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان وصححا حديث علي في ذلك، وفي
(الفتح): ((قال البخاري في (جزء رفع اليدين): من زعم أنه بدعة فقد طعن في
الصحابة فإنه لم يثبت عن أحد منهم تركه، ولا أسانيد أصح من أسانيد
الرفع، .... وذكر البخاري أيضاً أنه رواه سبعة عشر رجلاً من الصحابة، وذكر
الحاكم وأبو القاسم ابن منده ممن رواه العشرة المبشرة، وذكر شيخنا أبو الفضل
الحافظ أنه تتبع من رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلاً)) وتواتر باعتراف
الكوثري الرفع عن جماعة من الصحابة بل نسبه غير واحد من التابعين كالحسن
البصري وسعيد بن جبير الى الصحابة مطلقاً، وتواتره عنهم يستلزم تواتره عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم كما يأتي في الأمر الخامس .
(١) علماً أن الامام معذور، ولكن ليس للمقلدة وقد عرفوا الوهم أي عذر. وانظر رسالة
(رفع الملام عن الائمة الاعلام) لشيخ الإسلام ابن تيمية، طبع المكتب الاسلامي.
٧٧٧
- زهير.
وأما الأمر الرابع: وهو قول الكوثري أن ابن عمر: ((لم يأخذ به في رواية أبي
بكر ابن عياش)) ففيه مجازفة أيضاً، فإن المراد رواية أبي بكر بن عياش عن حصين
عن مجاهد قال: ((ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح))؛ ولو صح
هذا عن مجاهد لما دل على أن ابن عمر لم يرفع، فكيف أن يدل على أنه لم يأخذ
بالحديث؟ وأنا أذكر جماعة من العلماء وغيرهم صحبتهم مدة وصليت معهم وأتذكر
الآن هل أذكر رفعهم عند الركوع أو تركهم الرفع فلا أذكر ومنهم من عهدي به
قريب، وذلك أنني لم أتحر أن أتفقد صلاتهم، ولكني تحريت ذلك في جماعة، فأنا
الآن أذكر بعد طول العهد. ومجاهد لم يقل: رأيت ابن عمر لا يرفع، وإنما
قال - إن صحت الحكاية عنه: ((ما رأيت ابن عمر يرفع ... )). وهذا يشعر بأنه
لا ينفي أن يكون ابن عمر رفع ولم يره مجاهد، ومذهب مجاهد الرفع كما ذكره
البخاري وغيره، فإن صح عنه ذاك القول فكأنه لم يتفق له أن يتحرى تفقد ابن
عمر في رفعه، وإنما اتفق أنه شاهده رفع في أول الصلاة، ثم اشتغل مجاهد بصلاة
نفسه. وقد صح عن ابن عمر أنه كان ربما يرفع رفعاً تاماً وربما يتجوز، ذكر مالك
في (الموطأ) عن نافع (( أن ابن عمر كان إذا ابتدأ الصلاة رفع یدیه حذو منكبيه،
وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما دون ذلك)) وفي (سنن أبي داود) عن ابن جريج
قال: ((قلت لنافع: أكان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهن؟ قال: لا سواء، قلت أشر
لي، فأشار الى الثديين وأسفل من ذلك)) وصح عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه
الرفع حذو المنكبين في الأولى وغيرها، قال الباجي في (المنتقى): ((ويحتمل أن
يكون عبد الله بن عمر كان يفعل الأمرين جميعاً ويرى ذلك واسعاً فيهما)).
أقول: يدل مجموع الروايات عن ابن عمر أنه كان يرى أن أكمل الرفع ان
تحاذي يداه منكبيه، وأن أصل السنة يحصل بما دون ذلك ولا سيما إذا كان هناك
عذر، فكأن ابن عمر لما كبر وضعف كان ربما يتجوز في الرفع فيرفع الى الثديين
أو نحو ذلك، وربما يرفع في الأولى رفعاً تاماً لأنها آكد ويتجوز في الباقي؛ وكأن
ابن جريح جوَّ أن يكون المشروع التفرقة بأن يكون الرفع في الأولى أعلى، وسأل
عن فعل ابن عمر ليستدل به على ذلك، وفهم نافع هذا فأجابه بحسبه، فمحصل
٧٧٨
الجواب أن ابن عمر لم يكن يتحرى التفرقة تحرياً يشعر بأنها مشروعة، بل كان
بما يتجوز في الأولى أيضاً. فمن الجائز في الحكاية عن مجاهد أنه كان وراء ابن
عمر غير قريب منه فاتفق أن ابن عمر رفع في الأولى رفعاً تاماً رآه مجاهد، وتجوز
في الباقي فلم يره؛ ومن الجائز أن يكون ابن عمر سها في تلك الصلاة التي رقبه فيها
مجاهد إن كان رقبه، وقد قال البخاري في (جزء رفع اليدين) في الجواب عن تلك
الحكاية: ((قال ابن معين: إنما هو توهم لا أصل له، أو هو محمول على السهو
كبعض ما يسهو الرجل في صلاته. ولم يكن ابن عمر ليدع ما رواه النبي عَ له ، مع
ما رواه عن ابن عمر مثل طاوس وسالم ونافع ومحارب بن دثار وأبي الزبير أنه كان
يرفع يديه .... )). وروى البخاري في (جزء رفع اليدين) عن مالك أن ابن عمر
كان إذا رأى رجلاً لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى. وإذا ترك ابن
عمر الرفع في بعض صلاته سهواً أو ضعفاً لم يصدق عليه مع ما تواتر عنه من
الرفع أنه لم يأخذ بالحديث، فكيف والذي في تلك الحكاية إنما هو نفي الرؤية لا
نفي الرفع ولا تلازم بين النفيين كما سلف؛ ومع هذا كله فأبو بكر بن عياش
عندهم سيء الحفظ كثير الغلط، ولم يخرج له البخاري في (الصحيح) إلا أحاديث
ثبتت صحتها برواية غيره كما تراه في (مقدمة الفتح)، ولم يخرج له مسلم شيئاً إلا
أنه ذكر في (المقدمة) عنه عن مغيرة ابن مقسم قال: ((لم يكن يصدق على علي رضي
الله عنه في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود))، فلو كانت روايته
هذه مخالفة لما ثبت برواية الجماعة عن ابن عمر لوجب ردها كما لا يخفى .
وأما الأمر الخامس وهو قول الأستاذ: ((ودعوى أحد الفريقين التواتر في
موضع الخلاف المتوارث غير مسموعة )) .
فكأن الأستاذ انتقل ذهنه من التواتر الى الإجماع، فإن الاجماع هو الذي يسوغ
أن يقال: لا تسمع دعواه في موضع الخلاف للاجماع. فأما التواتر فلا منافاة بينه
وبين الخلاف المتوارث كما ستراه، بل إن الخلاف المتوارث إذا لم يثبت أن ابتداءه
٧٧٩
كان عقب وفاة النبي عَّه فوراً لم يمنع من دعوى إجماع سابق، فَلنا أن ندعي في
قضيتنا هذه إجماع الصحابة، لأن جماعة منهم رووا الرفع وتواتر العمل به عن كثير
منهم كما اعترف به الكوثري، بل نسبه غير واحد من التابعين كالحسن البصري
وسعيد بن جبير الى الصحابة مطلقاً فاشتهر ذلك وانتشر ولا يعرف عن أحد منهم
ما يدل على أنه غير مشروع، فأما ما روي عن بعضهم أنه تركه فلم يثبت، وقد مر
الكلام على ما روي عن ابن مسعود ويأتي الكلام على غيره، ولو ثبت بعض ذلك
فإنما هو ترك جزئي، أي في ركعة واحدة أو صلاة واحدة، وذلك لا يدل على أن
التارك يراه غير مشروع، إذ قد يكون قَصدَ بيان أن الرفع في غير الأولى ليس في
مرتبتها، وقد يكون سها، وقد يكون ترخص لعذر أو لغير عذر في ترك ما يعلمه
مندوباً؛ بل لو ثبت أن بعضهم تركه مدة طويلة لما دل ذلك على أنه يراه غير
مشروع، فقد جاء عن أبي بكر وعمر وابن عباس أنهم كانوا لا يضحون. بل قد
ثبت أن الصحابة تركوا في عهد عثمان تكبيرات الخفض والرفع أو الجهر بها،
واستمر ذلك حتى أن علياً لما قدم العراق وصلى بهم وأتی بالتكبيرات وجھر بها قال
عمران بن حصين كما في (الصحيحين) وغيرهما ((ذكرنا هذا الرجل صلاة كنا
نصليها مع رسول الله عَ لَّه )) وقال أبو موسى الأشعري فيما رواه أحمد وغيره بسند
صحيح في (الفتح) ((ذكرنا علي صلاة كنا نصليها مع رسول الله عَ له إما نسيناها
وإما تركناها عمداً)) واستمر الترك بالحجاز حتى أن أبا هريرة حين استخلفه
مروان على إمارة المدينة في عهد معاوية صلى بهم فأتى بالتكبيرات وجهر بها
فأنكروا ذلك، قال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف كما في (صحيح مسلم):
((فقلنا يا أبا هريرة ما هذا التكبير؟ فقال: إنها لصلاة رسول الله عَ ◌ّه )) وصلى بهم
بمكة فأتى بالتكبيرات وجهر بها فأنكروا ذلك، قال عكرمة كما في (صحيح
البخاري) وغيره ((فقلت لابن عباس إنه أحمق، قال: ثكلتك أمك سنة أبي القاسم- {َ﴿)).
فأما التواتر فأمره أوضح، فإنه من المعلوم أنه قد يحصل لشخص دون آخر،
وقد جاء عن ابن مسعود أنه كان يقول ان المعوذتين ليستا من القرآن واعتذر أهل
٧٨٠