Indexed OCR Text

Pages 721-740

الأئمة كسفيان الثوري وغيره من قولهم في أبي حنيفة ما يقتضي أنها لا تقوم الحجة
ما يستدل به على فقهه جملة ذريعة الى رد كلام أئمة الفن في روايته (١) . وأقتصر هنا
على هذا القدر. وأسأل الله تعالى التوفيق.
٢٥٠ - منصور بن أبي مزاحم. في (تاريخ بغداد) (٤٠٠/١٣) من طريقين
عنه أنه سمع مالك بن أنس يقول في أبي حنيفة ((كاد الدين .... )) قال الاستاذ
(ص١١٦): ((ليس منصور بن أبي مزاحم التركي البطل المغوار من رجال هذا
الميدان )) .
أقول: ذكروا أن هذا التركي كان كاتباً في الديوان، ثم ترك ذلك وتجرد
للحديث، وهو عندهم ثقة، قال أبو زرعة عن ابن معين: ((تركي ثبت)) وقال أبو
حاتم: ((صدوق)) وذكر أنه سأل ابن معين عنه فأثنى عليه وقال: (( كتبت عنه)) وقال
الدارقطني: ((ثقة )) وأخرج له مسلم في (صحيحه) وأبو داود والنسائي، وخطّه أحمد
في حديث، ولا يضره ذلك. وقد غلبت الاستاذ هنا نزعته الجنسية فلم يقل في هذا
التركي إلا أنه ليس من رجال هذا الميدان ولا أدري ما عنى بذلك؟ وفي مقابل،
ذلك خلع عليه لقب ((البطل المغوار)) جزافاً وإنما كان كاتبا ثم صار محدثا .
٢٥١ - موسى بن اسماعيل أبو سلمة التبوذكي. في (تاريخ بغداد)
(٣٩٣/١٣) من طريقه ((حدثنا أبو عوانة قال سمعت أبا حنيفة .... )) قال
الأستاذ: ((راوية تلك الطامات عن حماد بن سلمة)).
أقول: يعني ما رواه من أحاديث الصفات وقد تقدم النظر في ذلك في ترجمة
حماد بن سلمة وتلك الأحاديث ما بين حق قد و کل الله به قوماً يؤمنون به وبین حق
محمول على معنى يليق به، فإن كان في شيء خطأ فلا شأن لأبي سلمة به وهو مجمع
على ثقته والاحتجاج به .
(١) راجع التعليق على الصفحة ٥٨٥ .
٧٢١

٢٥٢ - موسى بن المساور أبو الهيثم الضبي. تقدمت روايته في ترجمة عبد
الرحمن بن عمر. قال الأستاذ (ص ١٣٦): ((من رجال (الحلية) مجهول الحال ولم
أر من وثقه)).
أقول: قال أبو الشيخ في (طبقات الأصبهانيين): ((روى عن سفيان بن عيينة
وعبيد الله بن معاذ ووكيع والناس وكان خيراً فاضلاً ترك ما ورثه من أبيه لإخوته
ولم يأخذ منه شيئاً لأن أباه كان يتولى للسلطان ... )). ونحو ذلك في (تاريخ
أصبهان) لأبي نعيم. وبهذا يثبت أن الرجل عدل صدوق ويبقى النظر في ضبطه،
وسكوت هذين الحافظين وغيرهما من حفاظ أصبهان وغيرهم عن الكلام في روايته
يدل أنه لم یکن به بأس .
٢٥٣ - مؤمّل بن إسماعيل - تقدمت روايته في ترجمة عامر بن إسماعيل. قال
الأستاذ (ص٣٨): ((يقول فيه البخاري: إنه منكر الحديث. ويقول أبو زرعة:
((في حديثه خطأ كثير)).
أقول: وثقه إسحاق بن راويه ويحيى بن معين، ووثقه أيضاً ابن سعد والدارقطني
ووصفاه بكثرة الخطأ، ولخص محمد بن نصر المروزي حاله فقال: ((إذا انفرد بحديث
وجب أن يتوقف فيه ويتثبت، لأنه كان سيء الحفظ كثير الغلط)).
فحده أن لا يحتج به إلا فيما توبع فيه، وفيما ليس من مظان الخطأ .
٢٥٤ - مؤمل بن إِهاب. راجع (الطليعة) (ص ٦٨). وحاصل ذلك أن
الأستاذ قال في (التأنيب) (ص ٦٥): ((ضعفه ابن معين على ما حكاه الخطيب))
فبينت أن الخطيب إنما حكى عن ابن الجنيد قال: ((سئل يحيى بن معين وأنا أسمع
عن مؤمل بن إهاب فكأنه ضعفه)) وقد وثقه جماعة فقال الاستاذ في (الترحيب)
(ص٤٥): ((فقول القائل ـ كأنه ضعفه - لا يفرق كثيراً من قوله: ضعفه
لكون الحكم على الأحاديث بالصحة والضعف، وعلى الرجال بالثقة والضعف، في
أخبار الآحاد مبنياً على ما يبدو للناظر، لا على ما في نفس الأمر، فظهر أن ذلك
٧٢٢
١

عبارة عن غلبة الظن فيما لا يقين فيه، وسبق أن نقلنا عن أحمد في الرمادي: كأنه
يغير الألفاظ - وقد بني عليه الذم الشديد باعتبار أن ظن الناظر ملزم)).
أقول: ابن الجنيد هنا راو لاناظر، وباب الرواية اليقين، فإن كان قد يكفي الظن
فذاك الظن الجازم وآيته أن يجزم الراوي الثقة. فأما قوله: ((أظن)) مثلاً، فإنه
يصدق بظن ما وقد قال الله تعالى: ﴿إن بعض الظن إثم﴾ فما بالك بقوله. ((فكأنه
ضعفه)) وأصل كلمة ((كأن)) للتشبيه، والتشبيه يستلزم كون المشبه غير المشبه به .
فأما معناها الثاني فعبر عنه في مغني اللبيب بقوله: ((الشك والظن)) فدل ذلك على
أنها دون ((أظنه)). وفي ترجمة الحسن بن موسى الأشيب من (مقدمة الفتح) مثل
هذه الكلمة ((كأنه ضعيف)) فدفعها الحافظ بن حجر بقوله: ((هذا ظن لا تقوم به
حجة )) .
هذا وتردد ابن الجنيد يحتمل وجهين أظهرهما: أن يكون جرى من ابن معين
عندما سئل عن مؤمل ما يشعر بأنه لم يعجبه مؤمل. ولا ندري ما الذي جرى منه
وما قدر دلالته؟ على أنهم مما يقولون: ((ضعفه فلان)) مع أن الواقع من فلان تليين
يسير كما تقدمت الإشارة إليه في القاعدة السادسة من قسم القواعد، فما بالك بقوله:
((فكأنه ضعفه))؟ وإنما ينقل أهل العلم أمثال هذه الكلمة لاحتمال أن يوجد تضعيف
صريح فيكون مما يعتضد به. فأما هنا فلا يوجد إلا التوثيق، نعم الثقات يتفاوتون
في درجات التثبت ويظهر أن مؤملاً لم يكن في اعالي الدرجات ففي الرواة من هو
أثبت منه، وإنما يظهر أمر ذلك عند التخالف والتعارض عند الأولين .
فأما كلمة الإمام أحمد في ابراهيم بن بشار الرمادي فقد تقدم لفظها في ترجمة
ابراهيم فراجعها يتبين لك أن أحمد كان جازماً بأن ابراهيم كان يملي على الناس على
خلاف ما سمعوا، وأنه إنما لامه وذمه على ذلك، وإنما قال: ((كأنه يغير الألفاظ))
لأحد أمرين:
الأول: أن يكون أحمد جوّز أن تكون العبارة التي ساقها إبراهيم هي
٧٢٣

عبارة ابن عيينة نفسه قبل ذلك المجلس وأن تكون عبارة إبراهيم نفسه بأن غير
الفاظ ابن عيينة وعبر عن المعنى، وكانت نفس أحمد مائلة الى هذا الاحتمال الثاني
فقال: ((كأنه يغير الألفاظ )) أي من عنده .
الأمر الثاني: أن يكون أحمد قد علم جملةً حين سمع في ذاك المجلس عبارة
سفيان ثم عبارة إبراهيم اختلاف العبارتين، ولم يحقق حينئذ وجه الاختلاف، ثم لما
أخبر بذلك مال الى أن الوجه هو تغيير الألفاظ، وعلى كلا الأمرين فأحمد محقق
لاختلاف العبارتين جازم به، وعلى ذلك بنى اللوم والذم، لا على مجرد احتمال أن
ابراهيم يغير الألفاظ، فإن قيل: اختلاف العبارتين مستلزم لتغيير الألفاظ؟ قلت:
إن صح هذا استعمل أحمد (( كأن)) في التحقيق بدليل ما قبلها، وذلك خلاف
المعنى المتبادر منها، وليس في نقل ابن الجنيد ما يوجب صرفها عن أصل معناها
الذي تقدم بيانه. وإذا اشتبه الأمر في المنقول عن إمام، وجب الرجوع الى المنقول
عن غيره، وقد ذكرت في (الطليعة) توثيق الأئمة لمؤمل، وبذلك يرجح رجحاناً
ظاهراً أن ابن معين لم يضعفه . والله المستعان.
٢٥٥ - مهنأ بن يحيى. في (تاريخ بغداد) (٤١١/١٣) من طريق ((عبد الله
ابن أحمد بن حنبل حدثنا مهنا بن يحيى قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول ... )) قال
الاستاذ (ص ١٤٣): ((قال أبو الفتح الأزدي .... منكر الحديث، وتابعه
الخطيب)).
أقول: الأزدي نفسه متكلم فيه حتى رمي بالوضع، وقد رد ابن حجر في
مواضع من (مقدمة الفتح) جرحه وبين أنه لا يعتد به (١)، وقول الكوثري:
((وتابعه الخطيب)) باطل فقد روى ابن الآبنوسي عن الخطيب: ((كل من ذكرت فيه
أقاويل الناس من جرح أو تعديل فالتعويل على ما أخرت)) كما في (تذكرة
الحفاظ) (ج٣ ص٣١٥)، وههنا بدأ الخطيب في ترجمة مهنا بحكاية قول الأزدي
(١) قلت راجع ص ٢٥٦ تجد فيها مثالا على ذلك. ن.
٧٢٤

ثم أتبعها برواية السلمي عن الدارقطني: ((ثقة نبيل))، ثم ذكر مكانة مهنأ عند أحمد
وثناء أصحابه عليه، فعلم بذلك أن التعويل عنده على التوثيق. وبهذا يعلم ما في
عبارة ابن الجوزي في (المنتظم) (ج ٨ ص٣٦٨) في تجنياته على الخطيب: ((ذكر
مهنأ بن يحيى وكان من كبار أصحاب أحمد وذكر عن الدارقني أنه قال: مهنأ ثقة
نبيل، وحكى بعد (!) ذلك عن أبي الفتح الأزدي ... وهو يعلم أن الأزدي
مطعون فيه عند الكل ... فلا يستحبي الخطيب أن يقابل قول الدارقطني في مهنا
بقول هذا ثم لا يتكلم عليه؟ هذا ينبىء عن عصبية وقلة دين )).
اقول: عفا الله عنك يا أبا الفرج، ما أرى الباعث لك على التجني على الخطيب
إلا ما قدمته في ترجمته، وعليك في كلامك هذا مؤاخذات:
الأولى: أن الموجود في (تاريخ الخطيب) تعقيب كلمة الأزدي بحكاية السلمي
عن الدارقطني كما مر.
الثالثة: أنك إذ ذكرت ماقيل في الأزدي كان ينبغي أن تذكر ماقيل في السلمي
حاکي التوثيق عن الدارقطني وقد ذکرت ترجمته في (المنتظم) (ج٨ ص٦) وفيها
قول محمد بن يوسف القطان: ((كان أبو عبد الرحمن غير ثقة ولم يكن سمع من
الأصم إلا شيئاً يسيراً فلما مات الحاكم أبو عبد الله ابن البيّع حدث عن الأصم
بـ (تاريخ يحيى بن معين) وبأشياء كثيرة سواها، وكان يضع للصوفية الأحاديث)).
ولم تتعقب هذا ولا ذكرت ما يخالفه .
الرابعة : أن الأزدي ذكر متمسكه، فلا يسوغ رد قوله إلا ببيان سقوط حجته .
الخامسة: أنك بعد التسامح بما تقدم لم يكن ينبغي لك [أن] تقول: ((عصبية
وقلة دين)) محاذرة على الأقل أن يشاحك مشاح فيردّ ذلك عليك.
أما متمسك الأزدي فهو أن مهنأ روى عن زيد بن أبي الزرقاء عن سفيان
الثوري عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن جابر حديثا في
٧٢٥
.

الجمعة، ولا يعلم رواه أحد غيره عن زيد بن أبي الزرقاء، ولا عن غيره عن سفيان
الثوري، فلا يعرف عن الثوري إلا بهذا الاسناد. وإنما يعرف من رواية عبد الله بن
محمد العدوي التميمي رواه عن علي بن زيد، والعدوي طعنوا فيه، وقال وكيع:
((يضع الحديث))، وحكى ابن عبد البر عن جماعة أهل العلم بالحديث أنهم يقولون:
إن هذا الحديث من وضعه؟ كذا في ترجمة العدوي من (التهذيب) وفي ترجمة مهنا
من (اللسان) عن ابن عبد البر: ((لهذا الحديث طرق ليس فيها ما يقوم به حجة إلا
أن مجموعها يدل على بطلان قول من حمل على العدوي أو على مهنأ بن يحيى)). فلو
كان ابن الجوزي نظر في هذا الحديث وحقق لكان أولى به مما صُنع، وعلى كل
حال فغاية ما في الباب أن يكون مهنأ أخطأ في سند هذا الحديث، فكان ماذا؟!
وقد ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: (( کان من خيار الناس في حديث أحمد بن
حنبل وبشر الحافي مستقيم الحديث)). ويكفيه مكانته عند أحمد وثناء أصحابه عليه .
والله أعلم .
٢٥٦ - نصر بن محمد البغدادي. في (تاريخ بغداد) (٤١٩/١٣) من طريق
أبي الميمون عبد الرحمن بن عبد الله البجلي: ((سمعت نصر بن محمد البغدادي يقول
سمعت يحيى بن معين يقول: كان محمد بن الحسن كذاباً وكان جهمياً، وكان أبو
حنيفة جهمياً ولم يكن كذاباً)).
قال الأستاذ (ص ١٦٤): ((كانا والله بريئان (؟) من الكذب والتجهم، وقد
احتج الشافعي إمام الخطيب بمحمد بن الحسن. ووثقه علي ابن المديني أيضاً كما
جزم بذلك ابن الجوزي في (المنتظم) وابن حجر في (تعجيل المنفعة) مع أن ابن
المديني أقرب من ابن معين الى النيل من أصحاب أبي حنيفة، والدارقطني عل
تعصبه البالغ يقول في (غرائب مالك) ... وابن معين من أبرأ الناس من أن
يكذب عليهما وهو الذي يقول: إني سمعت (الجامع الصغير) من محمد بن الحسن،
وليس هو ممن يتفقه على الكذابين في نظره .... نعم لو كان ... أو كل من ينزه
الله سبحانه عن مشابهة المخلوق وعن حلول الحوادث فيه، أو حلوله في الحوادث
٧٢٦

جهمياً كما هو مصطلح الحشوية، لكان كذاباً وجهمياً كل من يفهم ما يقول وينزه
الله سبحانه عن لوازم الجسمية ... فلا يكون الخبر إلا مكذوباً على ابن معين ولو
رواه ألف شخص من أمثال نصر بن محمد البغدادي. ومن الغريب أنه إذا روى ألف
راوٍ عن ابن معين أن الشافعي ليس بثقة مثلاً تعد هذه الرواية عنه كاذبة بخلاف ما
إذا كانت الرواية عنه في أبي حنيفة أو أحد أصحابه ... نعم سبق أن كذب أبو
يوسف محمداً في مسائل عزاها إليه، ولما بلغ الخبر محمداً قال: كلا ولكن الشيخ
نسي. ثم تبين أن قول محمد هو الصواب ... قاتل الله التعصب ما أفضحه
لصاحبه )» .
أقول: لا توجد في (تاريخ بغداد) ولا غيره ترجمة باسم ((نصر بن محمد
البغدادي)) وإعراض الاستاذ عن أن يشير الى هذا فيقول ((مجهول)) أو نحوه الى
الطريق التي سلكها يدّل أنه قد عرف أن لفظ ((نصر)) تحريف وأن الصواب
((مضر)) ولمضر بن محمد البغدادي ترجمة في (تاريخ بغداد) (ج ١٣ ص ٢٦١)
وفيها أنه يروي عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما، وأن الدارقطني قال
فيه: (( ثقة )) .
فأما الشافعي فلا نعلمه احتج بشيء ينفرد به محمد بن الحسن حتى يصح أن يقال:
إنه احتج به، ومع ذلك فلو وثق الشافعي محمداً لما دل ذلك على بطلان النقل عن ابن
معين فقد كان الشافعي يوثق إبراهيم بن أبي يحيى الذي كذبه الجمهور، ثم استقر
الاتفاق على قولهم.
وأما توثيق ابن المديني فإنما ذلك حكاية حكاها ابنه عبد الله عنه أنه قال:
((صدوق)) وقد طعن الأستاذ في رواية عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه مطلقاً كما
تقدم في ترجمته، واستهان بقولهم ((صدوق)) وكذب من قيلت فيه كما تقدم في
ترجمة علي بن جرير الباوردي. وأما زعم الأستاذ أن ابن المديني أقرب من ابن معين
الى النيل من أصحاب أبي حنيفة ففيه نظر إذ قد يكون ثناؤه أمام مسايرته للجهمية
٧٢٧

الحنفية كما تقدم في ترجمته، وقد يستدل على ذلك أن نيل ابن معين ثابت وابن
المديني أقرب منه الى ذلك كما قال الأستاذ فكيف يثبت عنه خلافه؟ والتحقيق أنه
لا منافاة، والاختلاف في مثل هذا كثير .
وأما كلمة الدارقطني فقد مر البحث فيها في ترجمته، ثم الكلام في ذلك
كالكلام في كلمة ابن المديني، وأما ما ذكره الأستاذ أن ابن معين قال: ((سمعت
( الجامع الصغير) من محمد بن الحسن)) فلا منافاة، بل قد يكون سماعه (للجامع) في
مبتدأ أمره ثم تبين له ماتبين، وفي ترجمة محمد بن كثير القرشي من (التهذيب): ((قال
إبراهيم بن الجنيد: قلت لابن معين محمد بن كثير الکوفي ؟ قال: ما كان به بأس،
قلت: إنه روى ... قال ... فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذاب، وإلا
فاني قد رأيت حديث الشيخ مستقيماً)). وقد ذكر الأستاذ تكذيب أبي يوسف لمحمد،
والظاهر أنه كان قبل ذلك عنده حسن الحال ثم طرأ ما اقتضى أن يكذبه، ومع هذا
كله فلم ينفرد هذا الرجل بما رواه عن ابن معين فقد قال العقيلي (( حدثنا أحمد بن
محمد بن صدقة قال: سمعت العباس الدوري يقول: سمعت يحيى بن معين يقول:
جهمي كذاب)) هكذا في ترجمة محمد بن الحسن من (لسان الميزان)(١) وروى محمد
ابن سعيد العوفي عن ابن معين أنه رمى محمداً بالكذب وقد تقدمت ترجمة العوفي ،
وفيها بيان اضطراب الأستاذ احتج به حيث خالفه جماعة، وطعن في روايته حيث
وافقه جماعة! وقال ابن أبي مريم عن ابن معين في محمد بن الحسن (( ليس بشيء، ولا
يكتب حديثه)). وقال المفضل الغلابي ومعاوية بن صالح عن ابن معين (( حسن
اللؤلؤي ومحمد بن الحسن ضعيفان)) ولم يأت عن ابن معين ما يخالف نقل هؤلاء
الجماعة، فأما قضية ( الجامع الصغير) فقد مر ما فيها .
وأما قضية التجهم فقد اعترف الأستاذ باصطلاح أهل السنة الذين سماهم
((الحشوية)) وهو وجميع أهل العلم يعلمون أن يحيى بن معين كان من أهل ذاك
الاصطلاح، واعترف الاستاذ بأن أبا حنيفة ومحمد بن الحسن جهميان بذاك المعنى،
(١) قلت: وكذا هو في ((الضعفاء)) للعقيلي (ص ٣٧٦) والسند صحيح، وابن صدقه
حافظ متقن له ترجمة في ((التاريخ)» (٤٠/٥ - ٤١) و((تذكرة الحفاظ)) (٢٨٠/٢
- ٢٨١) .ن.
٧٢٨

وبذلك ثبتت رواية مضر بن محمد البغدادي، أما ما فيها من نسبة الجهمية فباعتراف
الاستاذ، وأما ما فيها من التكذيب فبالحجة الواضحة، فبقي قوله: ((فلا يكون
الخبر إلا مكذوباً على ابن معين ولو رواه ألف شخص من أمثال نصر بن محمد
البغدادي))! من باب قول العامة ((عنزولو طارت)).
وقوله: ((من الغريب أنه لو روى ألف راوٍ .... )) تقدم النظر فيه في ترجمة
الشافعي فليراجعها القارىء وليوازن بينها وبين رواية مضر ليتبين له أن الكوثري
لا يقنع بأن يساوي الذرة بالجبل، بل يحاول أن يجعل ذرة في عظم جبل ويجعل جبلاً
في صغر ذرة! ولعل الأستاذ يضج من قضية نصر ومضر. فأقول: هون عليك يا
أستاذ وخذ اعترافي أو شهادتي بأن نصراً غير مضر، فهل ينفعك ذلك شيئاً ؟
هذا كله مناقشة للأستاذ في تكذيبه الرواة عن ابن معين، وما تشبث به في
ذلك. فأما محمد بن الحسن فهو أجل وأفضل مما يتراءى هنا، ولتحقيق ذلك موضع
آخر.
٢٥٧ - النضر بن محمد المروزي. في (تاريخ بغداد) (٤٠١/١٣) من طريق
عبد الرحيم بن منيب (( حدثنا النضر بن محمد قال: كنا نختلف إلى أبي حنيفة وشامي
معنا، فلما أراد الخروج جاء ليودعه فقال: يا شامي، تحمل هذا الكلام الى الشام؟
فقال: نعم، قال: تحمل شراً)). قال الأستاذ (ص ١١٨): ((ضعفه البخاري في
( كتابه الصغير) لكن وثقه النسائي، وهو من فقهاء أصحاب أبي حنيفة ومن
المكثرين عنه، فبالنظر الى حاله يريد بقوله هذا على تقدير ثبوته عنه التنكيت على
أهل الشام)) .
أقول: إنما قال البخاري: ((فيه ضعف))، وكذا قال الساجي، وقال الحاكم أبو
أحمد: ((ليس بالقوي))، وقال النسائي والدارقطني: ((ثقة))، وذكره ابن حبان في
(الثقات)، وقال ابن سعد: ((كان مقدماً في العلم والفقه والعقل والفضل، وكان
صديقاً لابن المبارك، وكان من أصحاب أبي حنيفة))، وهذا يقتضي أنه لم يكن
٧٢٩

يتابع أبا حنيفة في كل شيء، فهو مقبول. وليس هو المخاطب للشامي كما قد
يوهمه كلام الأستاذ، وإنما المخاطب للشامي بما ذكر أبو حنيفة نفسه كما هو
صريح الرواية، واحتمال أن يكون أبو حنيفة إنما أراد التنكيت لا يخفى حاله .
٢٥٨ - نعيم بن حماد. ذكر الأستاذ (ص ٤٩) عن (الأسماء والصفات) للبيهقي
رواية من طريقه: ((سمعت نوح بن أبي مريم أبا عصمة يقول: كنا عند أبي حنيفة
أول ما ظهر جهم وجاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهماً ... ))، وفي (تاريخ
بغداد) (٣٩٦/١٣) من طريقه. ((قال سفيان: ما وضع في الإسلام من الشر ما
وضع أبو حنيفة إلا فلان - لرجل صلب)). قال الأستاذ (ص ٤٩): ((معروف
باختلاق مثالب ضد أبي حنيفة، وكلام أهل الجرح فيه واسع الذيل، وذكره غیر
واحد من كبار علماء أصول الدين في عداد المجسمة بل القائلين باللحم والدم. وقال
الأستاذ (ص ١٠٧): ((له ثلاثة عشر كتاباً في الرد على من يسميهم: الجهمية، ودعا
إليها العجلي فأعرض عنها ... ولا شك أنه كان وضاع مثالب كما يقول أبو الفتح
الأزدي وأبو بشر الدولابي وغيرهما، وكم أتعب أهل النقد بمناكيره، ويوجد من
روى عنه من الأجلَّة رغبة في علو السند، ولا يرفع ذلك من شأنه إن لم يضع من
شأن الراوي، ومن حاول الدفاع عنه يتسع عليه الخرق)) .
أقول: نعيم من أخيار الأمة وأعلام الأئمة وشهداء السنة ما كفى الجهمية الحنفية
أن اضطهدوه في حياته إذ حاولوا إكراهه على أن يعترف بخلق القرآن فأبى
فخلدوه في السجن مثقلاً بالحديد حتى مات، فجُر بحديده فألقي في حفرة ولم يكفَّن
ولم يصل عليه - صلت عليه الملائكة - حتى تتبعوه بعد موته بالتضليل والتكذيب
على أنه لم يجرؤ منهم على تكذيبه أحد قبل الأستاذ، إلا أن أحدهم وهو الدولابي
ركب لذلك مطية الكذب فقال: ((وقال غيره ... )).
أما عقيدته فعقيدة أئمة السنة المخلدة في كتاب الله عز وجل، وأما الذين كان
يسميهم (( الجهمية)) فكان أئمة المسلمين في زمانه وقبله وبعده يسمونهم هذا الإسم،
٧٣٠

وأما إِعراض العجلي عن كتبه فلم يعرض عنها مخالفة لنعيم ولا رغبة عن الأخذ عنه
وهو ممن وثق نعيماً كما يأتي، وإنما كان العجلي مستغرقاً في الحديث فلم يجب أن
يتشاغل بالنظر في أقوال المبتدعة والرد عليها إِشفاقاً على نفسه من أن يعلق به بعض
أوضارها .
وأما كلام أئمة الجرح والتعديل فيه فهم بين موثق له مطلقاً، ومُثْنٍ عليه ملين،
لما ينفرد به مما هو مظنة الخطأ، بحجة أنه كان لكثرة ما سمع من الحديث ربما يشبه
عليه فيخطىء، وقد روى عنه البخاري في (صحيحه) وروى له بقية الستة بواسطة
إلا النسائي(١) لا رغبة في علو السند كما يزعم الأستاذ فقد أدركوا كثيراً من
أقرانه وممن هو أكبر منه، ولكن علماً بصدقه وأمانته، وأن ما نسب الى الوهم فيه
لیس بكثير في کثرة ما روى .
فأما الدولابي فهو محمد بن أحمد بن حماد له ترجمة في (الميزان) و(اللسان) قال
ابن يونس: ((من أهل الصنعة حسن التصنيف وكان يضعف)) وقال الدارقطني:
((تكلموا فيه لما تبين من أمره الأخير)» وذكر ابن عدي قول الدولابي في معبد
الجهني الذي روى أبو حنيفة عن منصور بن زازان عن الحسن عنه، أنه معبد بن
هوذة الذي ذكره البخاري في (تاريخه). قال ابن عدي: ((هذا الذي قاله غير
صحيح، وذلك أن معبد بن هوذة أنصاري فكيف يكون جهنيا؟ ومعبد الجهني
معروف ليس بصحابي، وما حمل الدولابي على ذلك إلا ميله لمذهبه)). وقال ابن
عدي أيضاً: ((ابن حماد متهم فيما قاله في نعيم بن حماد لصلابته في أهل الرأي)). وفي
ترجمة نعيم من (مقدمة الفتح) بعد الإشارة الى حكاية الدولابي (( وتعقب ذلك ابن
عدي بأن الدولابي كان متعصباً عليه لأنه كان شديداً على أهل الرأي. وهذا هو
(١) قلت: لم يحتج به الشيخان، اما البخاري فاخرج له مقرونا كما في خاتمة ((الترغيب))
للمنذري، وترجمة نعيم من ((التهذيب)) واما مسلم، فاخرج له في مقدمة ((صحيحه))
كما يشعر بذلك رمزهم له بـ(( مق)). ن.
٧٣١

الصواب)) وقال في (التهذيب): ((حاشى الدولابي أن يُتَّهم، وإنما الشأن في شيخه
الذي نقل ذلك عنه فإنه مجهول متهم » .
أقول: لا أرى الدولابي يبرأ من عهدة ذاك النقل المريب فإن ابن عدي قال كما
في (التهذيب): ((قال لنا ابن حماد - يعني الدولابي - نعيم يروي عن ابن المبارك
قال النسائي: ضعيف، وقال غيره: كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات في
ثلب أبي حنيفة كلها كذب. قال ابن عدي وابن حماد متهم ... )) فلا يحتمل أن
يكون الدولابي سمع تلك الكلمة ممن يعتد بقوله وإلا لصرح به وصرخ به صراخاً .
فإن كان سمعها ممن لا يعتد به فلم يكن له أن يحكيها على هذا الوجه بل كان عليه
أن يعرض عنها لعدم الاعتداد بقائلها، أو على الأقل أن يصرح باسمه. وإن كان لم
يسمعها من أحد وإنما اختلق ذلك فأمره أسوأ، وإن كان كنى بقوله: ((غيره)) عن
نفسه كأنه أراد ((وقلت أنا)) فالأمر في هذا أخف، وقد عرف تعصب الدولابي على
نعيم، فلا يقبل قوله فيه بلا حجة مع شذوذه عن أئمة الحديث الذين لا يكاد هو
يذكر معهم .
وأما أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي فهو نفسه على يدي عدل! وترجمته في
(تاريخ بغداد) و(الميزان) و(اللسان) تبين ذلك، مع أنه إنما نقل كلام الدولابي
وإن لم يصرح باسمه، والدليل على ذلك توافق العبارتين، أما عبارة الدولابي فقد
مرت، وأما عبارة الأزدي فقال: ((قالوا كان يضع الحديث في تقوية السنة
وحكايات مزورة في ثلب أبي حنيفة كلها كذب)».
أما كلام الأئمة فقال الإمام أحمد: ((لقد كان من الثقات)) وقال العجلي:
((ثقة))، وقال أبو حاتم مع تشدده: ((صدوق)) وروى عنه البخاري في (صحيحه)
كما مر وأخرج له بقية الستة إلا النسائي، وصح عن ابن معين من أوجهٍ أنه قال:
((ثقة))، وروى عنه، وجاء عنه أنه مع ثنائه عليه لينه في الرواية، وأتم ذلك رواية
علي بن حسين بن حبان وفيها عن ابن معين ((نعيم بن حماد صدوق ثقة رجل صالح،
٧٣٢

أنا أعرف الناس به، كان رفيقي بالبصرة ... إلا أنه كان يتوهم الشيء فيخطىء
فيه، وأما هو فكان من أهل الصدق)). وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: سمعت
النسائي يذكر فضل نعيم بن حماد وتقدمه في العلم والمعرفة والسنن، ثم قيل له في
قبول حديثه؟ فقال: قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين بأحاديث كثيرة فصار في
حد من لا يحتج به)). وهذا يدل أن ما روي عن النسائي أنه قال مرة: ((ليس بثقة))
إنما أراد بها أنه ليس في حد أن يحتج به، وهب أن النسائي شدد فكلام الأكثر
أرجح ولا سيما ابن معين، لكمال معرفته ولكونه رافق نعيماً وجالسه وسمع منه
وخبره حتى قال كما تقدم: ((أنا أعرف الناس به)). وقد أورد له ابن عدي أحاديث
انتقدت عليه ثم قال: (( وعامة ما أنكر عليه هو الذي ذكرته وأرجو أن يكون باقي
حديثه مستقيماً)). وقال ابن حجر في (التهذيب): ((أما نعيم فقد ثبتت عدالته
وصدقه ولكن في حديثه أوهام معروفة وقد قال فيه الدارقطني: إمام في السنة كثير
الوهم. وقال أبو أحمد الحاكم: ربما يخالف في بعض حديثه. وقد مضى أن ابن عدي
تتبع ماوهم فيه، فهذا فصل القول فيه)) .
وإنما أوقع نعيماً فيما وقع فيه من الأوهام أنه سمع فأكثر جداً من الثقات ومن
الضعفاء، قال أحمد بن ثابت أبو يحيى ((سمعت أحمد ويحيى بن معين يقولان: نعيم
معروف بالطلب)) ثم ذمه بأنه يروي عن غير الثقات. وفي (الميزان) عن ابن معين:
(( نعيم بن حماد .... كتب عن روح بن عبادة خمسين ألف حديث)). هذا ما سمعه
من رجل واحد ليس هو بأشهر شيوخه فما ظنك بمجموع ما عنده على كثرة
شيوخه؟ وقال صالح بن محمد ((كان نعيم يحدث من حفظه وعنده مناكير كثيرة لا
يتابع عليها)) فلكثرة حديث نعيم عن الثقات وعن الضعفاء واعتماده على حفظه كان
ربما اشتبه عليه ما سمعه من بعض الضعفاء بما سمع من بعض الثقات فيظن أنه سمع
الأول بسند الثاني فيرويه كذلك. ولو لم يخطىء وروى كما سمع لتبين أنه إن كان
هناك نكارة فالحمل فيها على من فوقه .
وقد تقدم أن ابن عدي تتبع ما انتقد على نعيم، وذكر الذهبي في (الميزان)
٧٣٣

ثمانية أحاديث وكأنها أشد ما انتقد على نعيم، وما عداها فالأمر فيه قريب، ولا
بأس أن أسوقها هنا وأنظر فيها على مقدار فهمي . وأسأل الله التوفيق .
الحديث الأول: أخرجه الحاكم في (المستدرك) (ج ٤ ص ٤٣٠) (( ... نعيم بن
حماد ثنا عيسى بن يونس عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن
أبيه عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ◌ّله: (( ستفترق أمتي
على بضع وسبعين فرقة أعظمها فرقة قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحرمون
الحلال، ويحللون الحرام)) قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين)).
أقول: هذا الحديث أشد ما أنكر على نعيم. أنكره ابن معين ووثق نعيماً وقال:
((شُبِّه له)) وقال دحيم: ((هذا حديث صفوان بن عمرو، حديث معاوية)) يعني أن
إسناده مقلوب، ولهذا الحديث شواهد مرفوعة وموقوفة في (المستدرك) (ج ١
ص١٢٨) و(سنن الدارمي) (ج ١ ص٦٥) وغيرهما(١). وقد تابع نعيماً على
روايته عن عيسى بن يونس جماعة منهم ثلاثة أقوياء سويد بن سعيد الحدثاني،
وعبد الله بن جعفر الرقي، والحكم بن المبارك الخواستي، وسويد من رجال مسلم إلا
أنه كان في آخر عمره يقبل التلقين لكن في ترجمته ما يدل أنه كان إذا نبه على
خطئه. رجع، وقد روجع في هذا الحديث فثبت على أنه سمعه من عيسى بن
يونس. والرقي موثق إلا أنه نسب الى الاختلاط بأخرة، لكن ذكر ابن حبان أن
اختلاطه لم يكن فاحشاً، وراوي هذا الحديث عنه ثقة وهو الذي أخبر بأنه اختلط،
فقد يقال لو علم أنه اختلط اختلاطاً شديداً وكان إنما سمع منه هذا الحديث عند
(١) قلت: فيما اشار اليه المؤلف رحمه الله نظر، فان الذي في ((المستدرك)) عدة احاديث في
تفرق الامة الى ثلاث وسبعين فرقة، وهي صحيحة كما بينته في غير هذا الموضع،
لكن ليس في شيء منها ذكر القياس والتحريم والتحليل، وهو بيت القصيد - كما يقال
- في حديث نعيم - والذي عند الدارمي اثر عن ابن مسعود، وعن غيره من التابعين في
ذم قوم يقيسون الامر برأيهم. وفي اعتبار مثل هذا مع وقفه وقصوره عن الشهادة
الكاملة شاهداً لحديث نعيم المرفوع نظ ظاهر عندي . فليتأمل .
٧٣٤

اختلاطه، لكان الظاهر أن لا يرويه عنه إلا مقروناً ببيان أنه إنما سمعه منه بعد
الإختلاط . والخواستي وثقه ابن حبان وابن منده وابن السمعاني، وقال ابن عدي في
ترجمة سويد ((يقال أنه لا بأس به)) لكنه عده عند ذكر هذا الحديث في ترجمة أحمد
ابن عبد الرحمن بن وهب فيمن سرق هذا الحديث من نعيم. وذكر الذهبي في
(الميزان) متابعة هؤلاء الثلاثة لنعيم ثم قال: ((قلت هؤلاء الأربعة لا يجوز في العادة
أن يتفقوا على باطل، فإن كان خطأ، فمن عيسى بن يونس)). والله أعلم (١).
الحديث الثاني: قال ابن جرير في تفسير سورة ((سبأ)): ((حدثني زكريا بن أبان
المصري قال: ثنا نعيم قال: ثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن
ابن أبي زكريا عن رجاء بن حَيْوَة عن النّوَّاس بن سمعان قال: قال رسول الله
عَ له: إذا أراد الله أن يوحي بالأمر أخذت السموات منه رجفة - أو قال:
رعدة - شديدة خوف أمر الله، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا
لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبراءيل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد ثم
يمر جبرائيل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبراءيل،
فيقول جبراءيل: قال الحق وهو العلي الكبير، قال: فيقولون كلهم مثل ما قال
جبراءيل، فينتهي جبراءيل بالوحي حيث امره الله )).
· سئل عنه دحيم فقال: لا أصل له .
أقول: المتن غير منكر، وله شواهد، ففي (صحيح البخاري) من حديث أبي
هريرة مرفوعاً ((إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة
أجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزَّع عن
قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال:
قال: الحقَّ وهو العلي الكبير ... )) هكذا في تفسير سورة ((سبأ))، وأخرجه
البخاري أيضاً في ((التوحيد)) وذكر معه ((قال مسروق عن ابن مسعود: إذا تكلم
الله بالوحي سمع أهل السموات شيئاً فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا
(١) انظر ((الاحكام الكبرى)) بتحقيقي رقم (١٤٤).
٧٣٥

أنه الحق من ربكم ونادوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق)) وذكر ابن حجر في
(الفتح) طرق حديث ابن مسعود وأنه جاء من عدة أوجه مرفوعاً وفي بعض طرقه
(( ... فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل فُزِّعَ
عن قلوبهم، قال ويقولون: يا جبريل ماذا قال ربكم؟ قال: فيقول الحق، قال:
فينادون الحقّ الحق)) وراجع تفسير سورة ((سبأ)) من (تفسير ابن جرير)، وراجع
(الفتح) في تفسير سورة ((سبأ)) وفي ((التوحيد)) فالنكارة في السند فقط، وقد
يقال: نعيم مكثر جداً، وكان يتتبع هذا الضرب من الأحاديث، والوليد مكثر جداً
تفرد بأحاديث كثيرة فيحتمل هذا الحديث لنعيم، فإن كان هناك خطأ فقد مر
وجهه . والله أعلم .
الحديث الثالث في (تاريخ بغداد) (ج ١٣ ص٣١١) من طريق محمد بن
اسماعيل الترمذي (( حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن وهب حدثنا عمرو بن الحارث عن
سعيد بن أبي هلال عن مروان بن عثمان عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبيّ
أنها سمعت النبي ◌ّ يذكر أنه رأى ربه تعالى في المنام في أحسن صورة شاباً
موفراً رجلاه في خف علیه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب)).
أقول في (اللآلىء المصنوعة) (ج١ ص١٦) بعد ذكر حديث نعيم هذا: ((ولم
ينفرد بهذا الحديث فقد رواه جماعة عن ابن وهب قال الطبراني: حدثنا روح بن
الفرج حدثنا يحيى ابن بكيرح وحدثنا أحمد بن رشدين حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي
وأحمد بن صالح قالوا: حدثنا عبد الله بن وهب - فذكره بسنده ومتنه سواء)) ثم
ذكر حديث حماد بن سلمة بسنده الى ابن عباس مرفوعاً: ((رأيت ربي في صورة
شاب له وفرة)) وتصحيح أبي زرعة له وعدة متابعات وشواهد له. والطبراني وروح
ابن الفرج ويحيى بن بكير من الثقات، وفي يحي كلام يسير لا يضره، وهو من
رجال (الصحيحين). ويحيى بن سليمان وأحمد بن صالح ثقتان لكن الراوي عنهما
أحمد بن رشدین فیه کلام وقد وثقه مسلمة. وفي (تاریخ بغداد) من طريق محمد بن
أحمد ابن الحداد الفقيه أنه سمع النسائي يقول: (( ومن مروان بن عثمان حتى يصدق
على الله عز وجل؟!)) وهذا يشعر بأن النسائي عرف ثبوت الحديث عن ابن وهب
٧٣٦

بسنده فلم يحمل على نعيم ولا يحيى بن بكير وإنما ترقى الى مروان بن عثمان ومروان
ضعفه أبو حاتم، وقال ابن حبان في ترجمة عمارة بن عامر: ((حديثاً منكراً، لم يسمع
عمارة من أم الطفيل)) فأعله بالانقطاع. وعلى كل حال فقد ظهرت براءة نعيم من
عهدة هذا الحديث.
الحديث الرابع: قال الترمذي في أواخر (( کتاب الفتن)) من (جامعہ): ( حدثنا
إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني حدثنا نعيم بن حماد حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي
الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ◌َ ◌ّه قال: إنكم في زمان من ترك منكم
عشر ما أمر به هلك، ثم يأتي زمان من عمل منكم بعشر ما أمر به نجا . قال أبو
عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث نعيم بن حماد عن سفيان بن
عیینة، قال: وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد )).
أقول: حديث أبي ذر في (مسند أحمد) (ج ٥ ص١٥٥) و(التاريخ الكبير)
للبخاري (ج ١ قسم ٢ ص ٣٧١).
فكأنه وقع لنعيم حديث أبي ذر أو أبي سعيد بسند، وحديث آخر عن سفيان بن
عيينة بسنده فاشتبه عليه الحديثان، فظن أنه سمع ذاك المتن بهذا السند . والله أعلم .
الحديث الخامس والسادس في (الميزان): ((ومنها حديثه عن ابن المبارك وعبدة
عن عبيد الله عن نافع عن أبي هريرة أن رسول الله عَّ له كان يكبر في العيدين سبعاً
في الأولى، وخمساً في الثانية، والمحفوظ أنه موقوف)) وفيه ((نعيم عن الدَّراوَرْدِي
عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً، قال: لا تقل أهريق الماء ولكن قل
أبول. والصواب أنه موقوف)».
أقول: إن ثبت رجحان الوقف فيهما فالأمر هين ومثل هذا الخطأ لم يكد يسلم
منه أحد كما ترى في كتب العلل. وقد اغتفر أكثر من ذلك لمن لا يساوي نعيما في
کثرة الحدیث ولا ینصفه .
٧٣٧

الحديث السابع والثامن في (الميزان): ((بقية عن ثور عن خالد بن معدان عن
واثلة بن الأسقع مرفوعاً: المتعبد بلا فقه كالحمار في الطاحونة. وبه قال: تغطية
الرأس بالنهار فقه، وبالليل ريبة. لم يروهما عن بقية سواه)).
أقول: بقية بن الوليد بحر لا ساحل له كان يأخذ عن كل من دب ودرج
ويدلس فالتفرد عنه ليس بالمنكر ولا سيما لمثل نعيم .
فهذه هي الأحاديث التي ذكرت في (الميزان) في ترجمة نعيم وقضية ذلك أنها
أشد ما انتقد عليه، ومن تدبر ذلك وعلم كثرة حديث نعيم وشيوخه، وأنه كان
يحدث من حفظه، وكان قد طالع كتب العلل جزم بأن نعيماً مظلوم، وأن حقه أن
يحتج به ولو انفرد، إلا أنه يجب التوقف عما ينكر مما ينفرد به، فإن غيره من
الثقات المتفق عليهم قد تفردوا وغلطوا، هذا الوليد بن مسلم يقول أبو داود:
((روى عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل، منها أربعة عن نافع))، ولذلك
نظائر. فأما الاحتجاج به فيا توبع عليه فواضح جداً، وكذلك ما يرويه من كلام
مشايخه أنفسهم، إلا أنه قد يحتمل أن يروي بعض ذلك بالمعنى فيتفق أن يقع فيا
رواه لفظ أبلغ مما سمعه وكلمة أشد، فإذا كان للفظ الذي حكاه متابعة أو شاهد
اندفع هذا الإحتمال والله أعلم (١) .
٢٥٩ - الوضاح بن عبد الله أبو عوانة أحد الأئمة. راجع (الطليعة) (ص ٤٣
و ٤٦ و٥٣ و٥٩ و١٠٦ و١٠٨) والعبارة التي نقلتها (ص ٥٧) عن (الثقات)
وجدتها كذلك في نسخة أخرى من (الثقات) جيدة في المكتبة السعيدية بحيدر
أباد، وما ذكرته في الموضع الأخير رأيت ما يتعلق به في ترجمة أبي عوانة من
(تاريخ جرجان) لحمزة بن يوسف السهمي قال: ((سمعت أبا بكر الإسماعيلي
(١) نوح بن أبي مريم. تقدم له ذكر في ترجمة نعيم لما رواه البيهقي عن نعيم عنه وكما قال
الاستاذ (( كلام أهل الجرح فيه معلوم)).
٧٣٨

وعبد الله بن عدي الحافظ يقولان: أبو عوانة اسمه الوضاح وهو من سبي جرجان
سكن البصرة وهو مولى يزيد بن عطاء الواسطي مات سنة سبعين ومائة)).
وتعقب الأستاذ في (الترحيب) (ص ٤١) ما ذكرته في (الطليعة)
(ص٥٣ - ٥٥) أن علي بن عاصم إنما قال: ((وضاح)) لا ((وضاع)) فذكر
الأستاذ أن قولي في دائرة الاحتمال، قال: ((لكن قول علي بن عاصم في جرير بن
عبد الحميد: ذاك الصبي - وفي شعبة: ذاك المسكين - يبعد احتمال ذكر اسم أبي
عوانة على أن الغالب في اسمه: الوضاح - باللام، بل يكون علي بن عاصم
أسرف في رميه أبا عوانة بالوضع والكذب)».
أقول: ليس في هذا ما يدفع الحق فقد ذكرت في (الطليعة) من القرائن ما هو
أقوى من هذا بكثير، بل ليس لهذا قوة البتة، فإن من المعروف أن ذكر الرجل
بكنيته إِكرام له، وكان أبو عوانة مشهوراً بكنيته لا يكاد يذكر إلا بها فنص علي
ابن عاصم على اسمه تأكيداً لاحتقاره، رداً على مخاطبه الذي ذكره بلفظ ((أبو
عوانة)) كأنه قال: ((ليس بأهل أن يذكر بكنيته وإنما ينبغي أن يذكر اسمه)) ولهذا
الغرض نفسه قال: ((وضاح)) بترك اللام، لأن في الاتيان باللام تفخياً للاسم ينافي
غرضه، ولم يتفق له مثل هذا في شعبة وجرير لأنهما معروفان باسميهما، ولا تدخل
عليهما اللام فاعتاض عن ذلك بأن ترك التلفظ باسميهما، على أن في ترجمة أبي عوانة
من (تاريخ البخاري) («وضاح)) بدون لام، وأكثر ما يذكر أبو عوانةٌ بكنيته،
فالغلبة التي زعمها الأستاذ ليست بحيث يسوغ الاعتداد بها، ولا أرى الأمر إلا
أوضح من هذا، ولولا غلبة الهوى على الأستاذ الكوثري لما كابر، والذي أوقع
مصحح (تهذيب التهذيب) في الغلط مع قرب الشكل أنه لم يكن ممارساً للفن،
وترجمة أبي عوانة متأخرة عن ترجمة علي بن عاصم التي ذكرت فيها تلك العبارة،
وذكر أبي عوانة فيما قبل ذلك إنما يقع بكنيته، وقد عرف ذاك المصحح أن من
ألفاظ المحدثين ((وضاع)) فمشي عليه الخطأ كما مشى عليه مثله وأبعد منه في
مواضع كثيرة من الكتاب يعرفها الأستاذ وغيره .
٧٣٩

٢٦٠ - الوليد بن مسلم. في (تاريخ بغداد) (٤٠٠/١٣) من طريق أبي معمر
((حدثنا الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك بن أنس: أيتكلم برأي أبي حنيفة عندكم؟
قلت: نعم، قال: ما ينبغي لبلدكم أن تسكن)) ومن وجه آخر عن أبي معمر: ((عن
الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك بن أنس: أيذكر أبو حنيفة ببلدكم؟ قلت: نعم،
قال: ما ينبغي لبلدكم أن تسكن)) .
قال الأستاذ (ص ١١٤): ((ينسبه ابن عدي الى التدليس الفاحش)).
أقول: قد علم الأستاذ أن التدليس ليس بجرح، وإنما يذكر صاحبه به ليعرف
فلا يقضي على ما جاء عنه بالعنعنة أنه متصل ما لم يتبين ذلك من وجه آخر، وقد
صرح الوليد هنا بالسماع غاية التصريح فلا مدخل للتدليس هنا البتة .
٢٦١ - هشام بن عروة بن الزبير بن العوام. تقدم ما يتعلق به في الفصل
الثالث أوائل الكتاب. وقال الأستاذ في حاشية (ص ٩٨) من (التأنيب): « ....
على أن ما يؤخذ به هشام بعد رحيله الى العراق أمور تتعلق بالضبط في التحقيق
وإلا فمالك أخرج عنه في (الموطأ))).
أقول: في (تهذيب التهذيب): ((قال أبو الحسن بن القطان: تغير قبل موته، ولم
نَّ له في ذلك سلفاً)). وقال الذهبي في (الميزان): ((هشام بن عروة أحد الأعلام،
حجة، إمام، لكن في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبداً ... وتغير الرجل تغيراً
قليلاً ولم يبق حفظه كهو في حال الشباب فنسي بعض حفظه أو وهم ... ولما قدم
العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم في غضون ذلك يسير أحاديث لم
يجودها، ومثل ذلك يقع لمالك ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فدع عنك الخبط،
وذر خلط الأئمة الثقات بالضعفاء والمختلطين فهو شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله
عزاءنا فيك يا ابن القطان!)).
أقول: أما النسيان فلا يلزم منه خلل في الضبط لأن غايته أنه كان أولاً يحفظ
أحادیث فحدث بها ثم نسيها فلم يحدث بها .
٧٤٠