Indexed OCR Text
Pages 701-720
الذهبي كما في (الميزان) (١). ٢٢٩ - محمد بن فليح بن سليمان. مرت الإشارة إلى حكايته في ترجمة سليمان بن فليح، قال الأستاذ ص ٦٢: ((يقول عنه ابن معين: إنه ليس بثقة)). أقول: روی أبه حاتم عن معاوية بن صالح عن ابن معین: «فلیح بن سلیمان ليس بثقة، ولا ابنه)). فسئل أبو حاتم فقال: ((ما به بأس، ليس بذاك القوي)) وقد اختلفت كلمات ابن معين في فليح قال مرة: ((ليس بالقوي ولا يحتج بحديثه، هو دون الدراوردي)) وقال مرة: ((ضعيف ما أقربه من أبي أويس)) وقال مرة: ((أبو أويس مثل فليح فيه ضعف)) وقال في أبي أويس: ((صالح ولكن حديثه ليس بذاك الجائز)) وقال مرة: ((صدوق وليس بحجة)). فهذا كله يدل أن قوله في الرواية الأولى: ((ليس بثقة)) إنما أراد أنه ليس بحيث يقال له ثقة وتزداد الوطأة خفة في قوله: ((ولا ابنه)) فإنها أخف من أن يقال في الابن: ((ليس بثقة)) ويتأكد ذلك بأن محمد بن فليح روى عنه البخاري في (الصحيح) والنسائي في (السنن) وقال الدارقطني: ((ثقة)) وذكره ابن حبان في (الثقات). ٢٣٠ - محمد بن كثير العبدي. في (تاريخ بغداد) (٤١٧/١٣) من طريق أبي أبي حاتم (( حدثني أبي قال سمعت محمد بن كثير العبدلي يقول: كنت عند سفيان الثوري فذكر حديثاً فقال رجل حدثني فلان بغير هذا، فقال: من هو؟ قال: أبو حنيفة. قال: احلتني على غير مليء)) قال الأستاذ (ص ١٦١): ((فيه يقول ابن معين: لا تكتبوا عنه، لم يكن بالثقة )). أقول: قال الإمام أحمد: ((ثقة، لقد مات على سنة)) وقال أبو حاتم مع تشدده: (١) محمد بن فضيل بن غزوان راجع (الطليعة) (ص ٤٧ - ٤٨) وابو هشام الرفاعي من رجال مسلم في (صحيحه). المؤلف. قلت: الرفاعي ليس له علاقة بما هنا، وانما بـ(( (الطليعة) . ن. ٧٠١ ((صدوق)) وأخرج له الشيخان في (الصحيحن) وبقية الستة، روى عنه أبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم، وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) (ج ٢ ص ٤١٦) وقال ابن حبان في (الثقات): ((كان تقياً فاضلاً)) وهذا كله يدل أن ابن معين إنما أراد بقوله: ((ليس بالثقة)) أنه ليس بالكامل في الثقة، فأما كلمة ((لا تكتبوا عنه)) فلم أجدها، نعم قال ابن الجنيد عن ابن معين: ((كان في حديثه ألفاظ، كأنه ضعفه)) قال: ((ثم سألته عنه فقال: لم يكن لسائل أن يكتب عنه)) وابن معين كغيره إذا لم يفسر الجرح وخالفه الأكثرون يرجح قولهم. ولهذه الحكاية عدة شواهد عند الخطيب وغيره . ٢٣١ - محمد بن كثير المصيصي. تقدمت روايته في ترجمة علي بن زيد الفرائضي. قال الأستاذ (ص ١١١): ((ضعفه أحمد جداً وقال أبو حاتم: لم يكن عندي ثقة )» .. أقول: القائل: ((لم يكن عندي ثقة)) هو أحمد أيضاً لا أبو حاتم، وقال أحمد عقبها: (( بلغني أنه قيل له كيف سمعت من معمر؟ قال: سمعت منه باليمن، بعث بها إليّ إنسان من اليمن)). فهذه حجة أحمد، حمل الحكاية على أن محمد بن كثير لم يسمع من معمر، وإنما بعث إليه إنسان بصحيفة من اليمن فيها أحاديث عن معمر فظن محمد بن كثير أن ذلك يقوم مقام السماع من معمر. وليس هذا بالبين إذ قد يكون مراده «سمعت منه باليمن وتركت أصلي باليمن ثم بعث به إلي)) فأما أبو حاتم فإنما قال: ((كان رجلاً صالحاً سكن المصيصة، وأصله من صنعاء اليمن، كان في حديثه بعض الإنكار، وقال أيضاً: ((سمعت الحسن بن الربيع يقول: محمد بن كثير اليوم أوثق الناس، وينبغي لمن يطلب الحديث لله تعالى أن يخرج إليه، كان يكتب عنه وأبو إسحاق الفزاري حي، وكان يعرف بالخير مذ كان)) وقال ابن الجنيد عن ابن معين: ((كان صدوقاً)) وقال عبيد بن محمد الكشوري عن ابن معين: ((ثقة)) وقال ابن سعد: ((كان ثقة ويذكرون أنه اختلط في أواخر عمره)) وقال ابن حبان في ٧٠٢ ٠ (الثقات): ((يخطىء ويغرب)) وقال أبو داود: ((لم يكن يفهم الحديث)). وقال أبو حاتم: (( دُفع إلى محمد بن كثير كتاب من حديثه عن الأوزاعي فكان يقول في كل حديث منها: ثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي))! وقال الذهبي: ((هذا تغفيل يسقط الراوي به )) . أقول: أما السقرط فلا، وقد انتقدوا عليه أحاديث ذكرها الذهبي في ( الميزان) . الأول: روى عن الثوري عن إسماعيل عن قيس عن جرير: أظنه - شك ابن كثير - فذكر حديثاً. قالوا: الصواب بالسند عن قيس عن دكين. وقد شك محمد ابن كثير وبين شكه وليس من شرط الثقة أن لا يشك . الثاني: حديث في قراءة (يس) رفعه محمد بن كثير وصوبوا أنه مرسل، وهذا خطأ هين يحتمل للمكثر . الثالث: حديث رواه عن الأوزاعي عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا وطىء أحدكم الأذى بخفيه ... )) رواه هكذا أبو داود من طريق محمد بن كثير، ورواه آخرون عن الأوزاعي قال: أُنبئت أن سعيد المقبري حدث عن أبيه ... )) وليس في هذا ما يقطع به بالوهم، فإن كان وهم فمثله يحتمل للمكثر لأن الأوزاعي مما يروي عن ابن عجلان عن سعيد المقبري . الرابع: أخرج الترمذي عن الحسن بن الصباح عن محمد بن كثير - زاد في بعض النسخ: العبدي (؟) - عن الأوزاعي عن قاعدة عن أنس قال: رأى النبي عّ لّ أبا بكر وعمر فقال: هذان سيدا كهول الجنة ... )) قال الترمذي: ((حسن غريب من هذا الوجه)) ثم اخرجه من حديث علي. وهذا الحديث ذكر في (الميزان) و(التهذيب) في ترجمة محمد بن كثير المصيصي وأنه أَنكِرِ عليه، ذكر لابن المديني فقال: (( كنت أشتهي أن أرى هذا الشيخ، فالآن لا أحب أن أره)) وأحسب أبا ٧٠٣ حاتم وابن حبان إنما أشارا إلى هذا الحديث إذ قال الأول: ((في حديثه بعض الإنكار)) وقال الثاني: ((يغرب)) والحديث مذكور من حديث علي رضي الله عنه، ووهم محمد بن كثير في إسناده لا يسقطه بل حقه أن يتقى ما يظهر أنه وهم فيه، ويحتج به فيما توبع عليه، وينظر فيما تفرد به، وليس بمنكر. والله أعلم . ٢٣٢ - محمد بن محمد بن سليمان الباغندي وأبوه. في (تاريخ بغداد) (٣٧١/١٣): ((أخبرني الحسن بن محمد الخلال حدثنا محمد بن العباس الخزاز - وأخبرنا محمد بن أحمد بن حسنون الرسي أخبرنا موسى بن عيسى بن عبدالله السراج - قالا حدثنا محمد بن محمد الباغندي حدثنا أبي قال: كنت عند عبدالله بن الزبير فأتاه كتاب أحمد بن حنبل: اكتب إلي بأشنع مسألة عن أبي حنيفة. فكتب إليه: حدثني الحارث بن عمير قال: سمعت أبا حنيفة يقول ... )). قال الأستاذ: (ص ٣٧): (( ... قال الدارقطني: كان كثير التدليس يحدث بما لم يسمع وربما سرق. ا هـ ... وكان إبراهيم بن الأصبهاني يكذبه، وكان الأب يكذب الابن، والابن الأب، وكثير من أهل النقد يصدقهما في تكذيب أحدهما الآخر ... ومن الدليل على بطلان الخبر من أساسه أن الحميدي مكي لم يجالس أصحاب أبي حنيفة ولا درس فقهه، وأحمد عراقي تفقه على أصحاب أبي حنيفة فمثل أحمد العراقي لا يسأل الحميدي المكي ... )). أقول: أما خبر تكذيب كل منهما الآخر، فرواه الخطيب عن أبي العلاء محمد بن علي الواسطي وقد تقدمت ترجمته عن عبدالله بن إبراهيم الزبيبي(١) قال: قال أبو بكر أحمد بن أبي الطيب المؤدب ... وأبو بكر هذا لم أظفر بترجمته، فإن صحت الحكاية فالظاهر أن الأب إنما أنكر على الابن شدة التدليس الذي صورته كذب ما يأتي، فأما كلمة الابن ففلتة لسان عند سورة غضب فلا يعتد بها، والأب ذكره ابن حبان في (الثقات) وحكى السلمي عن الدارقطني أنه قال: ((لا بأس به))، وقال الخطيب: ((مذكور بالضعف، ولا أعلم لأية علةٍ ضعف، فإن رواياته كلها مستقيمة (١) وقع في (التاريخ) ((الزينبي)) وهو تصحيف. ٧٠٤ ولا أعلم في حديثه منكراً)). أقول: لعل ابن أبي الفوارس إنما ضعفه لأنه قد يخطىء كما وقع في هذه الحكاية جعلها من رواية الحميدي عن الحارث بن عمير والصواب: الحميدي عن حمزة بن الحارث بن عمير عن أبيه كما قاله حنبل بن إسحاق . وأما الابن فقال الإسماعيلي: (( لا أتهمه ولكنه خبيث التدليس)) وقال ابن مظاهر: ((هذا رجل لا يكذب ولكن يحمله الشره على أن يقول حدثنا)). وروى الخطيب من طريق عمر بن الحسن بن علي وقد تقدمت ترجمته قال: ((سمعت أبا عبدالله محمد بن أحمد بن أبي خيثمة وذكر عنده أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، فقال: ثقة كثير الحديث لو كان بالموصل لخرجتم إليه ولكنه منطرح إليكم ولا تريدونه)) جزم الذهبي في (التذكرة) و(الميزان) وتبعه ابن حجر في (اللسان) بنسبة هذه الكلمة إلى محمد بن أحمد أبي خيثمة بناء على الوثوق بعمر بن الحسن وقد مرت ترجمته. وقال الحاكم عن ابن المظفر: ((الباغندي ثقة إمام لا ينكر منه إلا التدليس، والأئمة دلسوا)) وقال الخطيب: (( لم يثبت من أمر ابن الباغندي ما يعاب به سوى التدليس ورأيت كافة شيوخنا يحتجون بحديثه ويخرجونه في الصحيح)) وقال الذهبي بعد أن حكى كلمة ابن الأصبهاني: ((بل هو صدوق من بحور الحديث)) وقال ابن حجر في (طبقات المدلسين) (ص ١٥): ((مشهور بالتدليس مع الصدق والأمانة )) . أقول: هي قضية واحدة أطلق بعضهم أنها كذب، وبعضهم أنها تحديث بما لم يسمع، وبعضهم أنها تدليس خبيث. وهو أنه كان يطلق فيما أخذه من ثقة عن أبي بكر بن أبي شيبة مثلاً ((حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة))! وإذ قد عرف اصطلاحه في هذا فليس بكذب. وفي (فتح المغيث) (ص ٧٥) نظائر قال: ((كقول الحسن البصري خطبنا ابن عباس. و: خطبنا عتبة بن غزوان. وأراد أهل البصرة بلده فإنه لم يكن بها حين خطبَتِهما، ونحوه في قوله: ثنا أبو هريرة. وقول طاوس: قدم علينا معاذ اليمن. وأراد أهل بلده فإنه لم يدركه)) وقال: قبل ذلك: ((بل وصف به من ٧٠٥ صرح بالاخبار في الإِجازة كأبي نعيم والتحديث في الوجادة كاسحاق بن راشد الجزري وكذا فيما لم يسمعه كفطر بن خليفة ... وقال ابن عمار عن القطان: كان فطر صاحب ذي: سمعت، سمعت. يعني أنه يدلس فيما عداها)) ولا شبهة في جواز مثل هذا لغة إذا كانت هناك قرينة، وقد خاطب الله تعالى اليهود في عصر محمد عَ ليه بقوله: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ (١) الآيات وفيها: ﴿وَإِذْ قُلْتُم يا مُوسى﴾ (٢). وفي (الصحيح) عن السائب بن زيد: (( كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله عَ لٍّ ... )). قال ابن حجر في (الفتح): ((وفيه إِسناد القائل الفعل بصيغة الجمع التي يدخل هو فيها مجازاً ... لأن السائب كان صغيراً جداً ... فكأن مراده بقول: كنا، أي الصحابة)). وكثيراً ما يقع في أشعار العرب: ((قتلنا فلاناً)) وفعلنا وفعلنا، والفاعل غيره من قومه، فإذا كانت هناك قرينة تنفي الحقيقة أو تدافع ظهور الكلمة فيها خرجت عن الكذب، ومن القرينة أن يعرف عن الرجل أنه مما يستعمل هذا وإن لم تكن هناك قرينة خاصة، اتكالاً على هذه القرينة العامة وهي أنه مما يستعمل ذلك . وأما قول الدارقطني: ((ربما سرق)) فكأنه أراد بها أنه قد يقول: ((حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة)) مثلاً فيما لم يسمعه من أبي بكر ولا ممن سمعه من أبي بكر، وإنما وجده في كتاب رجل سمعه من أبي بكر، وكأن الدارقطني أخذ هذا من قصة حكاها عن ابن حنزابة وليست بالبينة في ذلك، وهب أن ذلك صح فالوجادة صحيحة من طرق التحمل فآل الأمر إلى التدليس، وقد دلت استقامة حديث الباغندي وخلوه عن المناكير على أنه كان لا يدلس إلا فيما لا شبهة في صحته عمن يسميه فلا يقول مثلاً: ((حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة)) إلا فيما يستيقن أن أبا بكر ابن أبي شيبة حدث به فهذا تحقيق حاله . أما قول الأستاذ: ((ومن الدليل على بطلان الخبر ... )) فليس بشيء لأن غالب (١) البقرة (٤٩). (٢) البقرة (٥٥). ٧٠٦ الكلمات المستشنعة من أبي حنيفة كانت منه إذ كان بمكة في أوائل أمره كما يعلم من تتبع الحكايات، وكان الحميدي تتبع ذلك وأصحاب أبي حنيفة الذين سمع منهم أحمد شيئاً في بدء أمره، وقد تقدم النظر في ذلك في ترجمته - كان أدبهم يمنعهم من الاخبار عن شيخهم بما يستشنع، ولا سيما إذا علموا أن ذلك كان في أول أمره، ثم رجع أو كف عنه. والله المستعان(١) . ٢٣٣ - محمد بن المظفر بن إبراهيم أبو الفتح الخياط . تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة محمد بن علي بن عطية. قال الاستاذ (ص ١٤٨): ((لا يعرفه أحد سوى الخطیب ولا روى عنه أحد سواه)). أقول: بنى هذه المجازفة على قول الخطيب في ترجمة هذا الرجل: (( كتبت عنه في سنة ٤١٣ وهو شيخ صدوق كان يسكن دار إسحاق، ولا أعلم كتب عنه أحد غيري )» . ويكفي هذا الرجل رواية الخطيب وتصديقه . ٢٣٤ - محمد بن معاوية الزيادي . تقدمت الاشارة إلى روايته في ترجمة زكريا بن يحيى الساجي. قال الأستاذ (ص ١٨): ((والزيادي ممن أعرض عنهم الأئمة الستة في أصولهم، وعادة ابن حبان في التوثيق معروفة)) . أقول: قد قدمنا مراراً أن كونهم لم يخرجوا للرجل ليس بدليل على وهنه عندهم ولا سيما من كان سنه قريباً من سنهم وكان مقلاً كهذا الرجل فإِنهم كغيرهم من أهل الحديث إنما يُعنون بعلو الاسناد ولا ينزلون إلا لضرورة، وقد روى النسائي عن هذا الرجل في (عمل اليوم والليلة) وقال في مشيخته: ((أرجو أن يكون صدوقاً، كتبت عنه شيئاً يسيراً)) وإنما قال ((أرجو ... )) لأنه إنما سمع منه شيئاً يسيراً ولم يتفرغ لاختباره لاشتغاله بالسعي وراء من هم أعلى منه إِسناداً ممن هم (١) محمد بن مسلمة. راجع (الطليعة) (ص ٥٤ - ٥٥). ٧٠٧ في طبقة شيوخ هذا الرجل، وقد قال مسلمة بن قاسم: ((ثقة صدوق)) وقال ابن حبان في (الثقات): ((كان صاحب حديث)). فدل هذا أنه قد عرفه حق معرفته وقد قدمنا في ترجمة ابن حبان أن مثل هذا من توثيقه توثيق مقبول، بل قد يكون أثبت من توثيق كثير من الأئمة، لأن ابن حبان كثيراً ما يتعنت في الذين يعرفهم، ولم يغمزه أحد . ٢٣٥ - محمد بن موسى البربري. في (تاريخ بغداد) (٣٧٤/١٣) من طريق يعقوب بن سفيان: ((حدثنا سليمان بن حرب)) ثم من طريق البربري هذا ((حدثنا ابن الغلابي عن سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد ... )) وقد تقدمت الحكاية مع بعض المتابعات في ترجمة طلق بن حبيب. قال الأستاذ (ص ٤٣): (( قال عنه الدارقطني إنه لم يكن بالقوي. ولم يكن يحفظ غير حديثين أحدهما موضوع عند الاکثرین)). أقول: كلمة الدارقطني تعطي أنه قوي في الجملة كما مر في ترجمة الحسن بن الصباح، وأما الحفظ فليس بشرط، كان علم الرجال في كتبه ومنها يروي، وذلك أثبت من الحفظ، والحديث الذي زعم الكوثري أنه موضوع، هو حديث الطير، وقد تقدمت الإشارة إليه في ترجمة عبدالله بن محمد بن عثمان ابن السقاء، وأهل الحديث يروونه قبل أن يخلق البربري بزمان طويل، فأي شيء عليه إذا رواه؟ فأما حفظه له فكأنه لأن الناس كانوا يكثرون من السؤال عنه. ومع هذا فقد توبع البربري في هذه الحكاية كما رأيت. ٢٣٦ - محمد بن ميمون أبو حمزة السكري. في (تاريخ بغداد) (٣٩٤/١٣) من طريق (( إسحاق بن راهويه حدثني أحمد بن النضر قال: سمعت أبا حمزة السكري يقول: سمعت أبا حنيفة ... )) قال الأستاذ (ص ٩٧): ((مختلط وإنما روى عنه من روی من أصحاب الصحاح قبل الاختلاط » . أقول: لم يختلط، وإنما قال النسائي: ((ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب ٧٠٨ عنه قبل ذلك فحديثه جيد، وإنما يخشى منه بعد عماه أن يحدث من حفظه بالأحاديث التي تطول أسانيدها وتشتبه فيخطىء، وليس ما هنا كذلك، فأما ذكر ابن القطان الفاسي له فيمن اختلط فلم يعرف له مستند غير كلام النسائي، وقد علمت أن ذلك ليس بالاختلاط الاصطلاحي . ٢٣٧ - محمد بن نصر بن مالك. في (تاريخ بغداد) (٤١٢/١٣): ((أخبرني الحسن بن أبي طالب أخبرنا محمد بن نصر بن مالك حدثنا أبو الحسن علي بن ابراهيم النجاد ... )) قال الأستاذ (ص ١٤٤): ((ذلك الكذاب صاحب التسميع الطري ... )) . أقول: قال الأزهري: ((حضرت عند محمد بن نصر بن مالك فوجدته على حالة عظيمة من الفقر والفاقة وعرض علي شيئاً من كتبه لأشتريه، ثم انصرفت من عنده وحضرت عند أبي الحسن ابن رزقويه فقال لي: ألا ترى ابن مالك؟ جاءني بقطعة من كتب أبي الدنيا قال اشترها مني فإِن فيها سماعك معي ... قال الأزهري: فنظرت في تلك الكتب وقد سمع فيها ابن مالك بخطه لابن رزقويه تسميعاً طرياً)) فهذا الرجل انما خلط بأخرة لعظم ما نزل به، والحكاية التي رواها الخطيب من طريقه راويها عنه من المتثبتين الذين كانت عادتهم أن لا يسمعوا من الرجل إلا من أصوله الموثوق بها(١) . ٢٣٨ - محمد بن يعلى زنبور. في (تاريخ بغداد) (٣٧٥/١٣) من طريقه: (( سمعت أبا حنيفة يقول: قدمت علينا امرأة جهم بن صفوان فأدبت نسائنا)). قال الأستاذ (ص ٤٨): ((قال البخاري عنه: ذاهب الحديث. و[ قال] النسائي: ليس بثقة. و[قال] أبو حاتم: متروك. و[قال] أحمد بن سنان: كان جهمياً. ومن المقرر عند أهل النقد أن رواية المبتدع لا تقبل فيما يؤيد به بدعته ... على أنه مات سنة ٢٠٤ فيصغر عن إدراك ما يمكن أن يتصور حدوثه في أواخر الدولة الأموية)) . (١) محمد بن يحيى ابن أبي عمر العدني. راجع ((الطليعة)) ص ٤٥ - ٤٦). ٧٠٩ أقول: قد وثقه أبو كريب وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: ((لا يجوز الاحتجاج به فيما خالف فيه الثقات)) والظاهر أنهم شددوا عليه لبدعته ورواية المبتدع قد تقدم النظر فيها في القواعد، وروايته هذه لها شواهد تدل أن للقصة أصلاً، والمنقول أنه توفي سنة ٢٠٥ ولم يحك أنه شاهد القصة حتى يقال: إنه يصغر عن إدراكها، إنما حكى قول أبي حنيفة وقد أدركه وسمع منه وروى عنه . ٢٣٩ - محمد بن يوسف الفريابي. في (تاريخ بغداد) (٤١٢/١٣) من طريقه ((كنا في مجلس سعيد بن عبدالعزيز بدمشق ... )) قال الأستاذ (ص ١٤٦): ((ذلك الرجل الصالح الذي سكن عسقلان مرابطاً ... وكان يأمر أهل الشعر بالاستثناء في كل شيء ... وكان بالغ العداء للمرجئة الذين لا يستثنون في الإيمان ... )). أقول: الإرجاء والاستثناء قد تعرضت لهما في قسم الاعتقاديات. والمخالفة في المذهب قد تقدم النظر فيها في القواعد واتضح أنها لا تقدح في الرواية كما لا ترد بها الشهادة، والفريابي ثقة ثبتٌ فاضل لا يتهمه إلا مخذول . ٢٤٠ - محمد بن يونس الجمال. في (تاريخ بغداد) (٤١٦/١٣) من طريقه (( سمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت شعبة يقول: كف من تراب خير من أبي حنيفة)). قال الاستاذ (ص ١٥٩): ((قال محمد بن الجهم هو عندي متهم، قالوا: كان له ابن يدخل عليه الأحاديث، وقال ابن عدي: ممن يسرق حديث الناس ... )). ٠ أقول: محمد بن الجهم هو السمري صدوق وليس من رجال هذا الشأن وقوله: ((قالوا كان له ابن ... )) لم يبين من القائل، وابن عدي إنما رماه بالسرقة لحديث واحد رواه عن ابن عيينة فذكر ابن عدي أنه حديث حسين الجعفي عن ابن عيينة يعني أنه معروف عندهم أنه تفرد به حسين الجعفي عن ابن عيينة فالحكم على الجمال بأنه لم يسمعه وإنما سرقه ليس بالبين، لكن لم أر من وثق الجمال فهو من يستشهد به في الجملة . والله أعلم. ٢٤١ - محمد بن يونس الكديمي مرت الاشارة إلى روايته في ترجمة ضرار بن صرد، قال الاستاذ (ص ٦٠): ((متكلم فيه راجع (ميزان الاعتدال))). ٧١٠ أقول: الكريمي ليس بعمدة وقد توبع على روايته المذكورة كما تقدم، ومر له ذكر في ترجمة سفيان الثوري. ٢٤٢ - محمود بن إسحاق بن محمود القواس. في (تاريخ بغداد) (٤١١/١٣) (( أخبرني محمد بن عبدالملك القرشي أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين الرازي حدثنا محمود بن إسحاق بن محمود القواس بخاري قال: سمعت أبا عمرو وحريث بن عبدالرحمن ... )) قال الأستاذ (ص ٤٢): ((لا نثق بالقواس وصاحبه)) .. أقول: إذا كان أهل العلم قد وثقوهما وثبتوهما ولم يتكلم أحد منهم فيهما فماذا ينفعك أن تقول: لا نثق بها؟ ومحمود هو صاحب الإمام أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري روى عنه ( جزء رفع اليدين) و( جزء القراءة خلف الامام) وهو آخر من روى عنه ببخارى كما في (مقدمة الفتح) والراوي عنه هو الحافظ البصير . ترجمته في (تذكرة الحفاظ) (ج ٣ ص ٢١٨) والحكاية تتعلق بالطلاق قبل النكاح وقد نظرت فيها في قسم الفقهيات . ٢٤٣ - مسدد بن قطن. في (تاريخ بغداد) (٤١٣/١٣) من طريق الحاكم (( سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانيء يقول: حدثنا مسدد بن قطن حدثنا محمد ابن أبي عتاب الأعْيَن حدثنا علي بن جرير الأبيوردي ... قال الأستاذ (ص ١٤٩): ((ليس بأحسن حالاً من أبيه السابق ذكره)). أقول: قد تقدمت ترجمة أبيه، والنظر فيما قيل فيه ولا شأن له بهذه الرواية، فأما مسدد فترجمته في (تاريخ نيسابور) وفيها كما في (مرعاة الجنان) و(الشذرات): ((كان مربي عصره والمقدم في الزهد والورع)) ولم يتكلم فيه أحد، وروايته هذه قد صحت عن علي بن جرير من عدة أوجه كما تقد في ترجمة علي بن جرير، وما فيها من ترك ابن المبارك الرواية عن أبي حنيفة بأخرة، قد ثبت من عدة وجوه أخرى(١) . (١) مسعود بن شيبة راجع (الطليعة) ص(٥٧ - ٥٨). وتقدم له ذكر في ترجمة الإمام محمد بن إدريس الشافعي . ٧١١ ٢٤٤ - مسلم بن أبي مسلم - في (تاريخ بغداد) (٣٨٥/١٣) من طريق (( الحسن بن الوضاح المؤدب حدثنا مسلم بن أبي مسلم الحرفي (؟) حدنا أبو إسحاق الفزاري ... )) قال الأستاذ (ص ٧٢): ((مسلم بن أبي مسلم عبد الرحمن الجرمي وثقه الخطيب لكن في (اللسان) أنه ربما يخطىء، وقال البيهقي غير قوي. وقال أبو الفتح الأزدي: حدث بأحاديث لا يتابع عليها )). أقول: ذكره ابن حبان في (الثقات): ((مسلم بن أبي مسلم الجرمي سكن بغداد يروي عن يزيد بن هارون ومخلد بن الحسين ثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة أربعين ومائتين)). وقد قدمنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه لمن قد عرفه من أثبت التوثيق، وقوله: ((ربما أخطأ)) لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه، فأما أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي، فليس في نفسه بعمدة حتى لقد اتهموه بوضع الحديث، ومع ذلك فليس من شرط الثقة أن يتابع في كل ما حدث به، وإنما شرطه أن لا يتفرد بالمناكير عن المشاهير فيكثر، والظاهر أن الأزدي إنما عنى الحديث الذي ذكره البيهقي وهو ما رواه مسلم هذا عن مخلد بن الحسين بن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً : لا يقل أحدكم زرعته، ولكن ليقل حرثته، قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قوله الله: ﴿أَفَرَأَيْتُم ما تَحْرْتُون أَأَنْتُم تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُون﴾ (١). وهذا الحديث أخرجه ابن جرير في تفسير سورة الواقعة عن أحمد بن الوليد القرشي عن مسلم وفي (اللسان) أن البيهقي أخرجه في (شعب الإيمان) من وجهين [ عنه] وقال إن مسلماً غير قوي(٢). ولعل ابن حبان إنما أشار بقوله ((ربما أخطأ)) إلى هذا الحديث حمله (١) الواقعة (٦٤). (٢) قلت: وكذلك قال في ((السنن الكبرى)) (١٣٨/٦) ومن طريق مسلم هذا أخرجه ابن حبان في «صحيحه)) (رقم ١١٣٥ - موارد) والطبراني في ((الاوسط)) (١/١٤٩/١ - زوائده) وقال: تفرد به مسلم)). قلت: وقد حسن له الحافظ في ((الفتح)) (٢٧٩/٣) حديثا آخر. ن. ٧١٢ على أن الصواب موقوف وأخطأ مسلم في رفعه، ومسلم مكثر في التفسير كما يعلم من (تفسير لابن جرير) فإِن ترجح خطؤه في هذا الحديث الواحد لم يضره ذلك إن شاء الله، وابن حبان والخطيب أعرف بالفن ودقائقه من البيهقي . ٢٤٥ - المسيب بن واضح. ذكر الأستاذ (ص ٧٥) رواية محبوب بن موسى عن يوسف بن أسباط ((قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله عَ لَّم - أو أدركته لأخذ بكثير من قولي)) ثم قال: ((وفي الطبعة الهندية والمخطوطة بدار الكتب المصرية زيادة سوق الخبر بسند آخر ... عن المسيب بن واضح عن يوسف بن أسباط إلى آخره)) ثم قال: ((يقول أبو حاتم عن المسيب بن واضح صدوق يخطىء كثيراً، فإذا قيل له لم يقبل. إهـ. ومثله يكون مردود الرواية، وقد ضعفه الدارقطني وابن الجوزي)). أقول: ذكر الخطيب في (الكفاية) (ص ١٤٣ - ١٤٧) ما يتعلق بخطأ الراوي وبعدم رجوعه، فذكروا أنه يرد رواية من كان الغالب عليه الغلط، ومن يغلط في حديث مجتمع عليه فينكر عليه فلا يرجع. ومعلوم من تصرفاتهم ومن مقتضى أدلتهم أن هذا حكم الغلط الفاحش الذي تعظم مفسدته فلا يدخل ما كان من قبيل اللحن الذي لا يفسد المعنى، ومن قبيل ما كان يقع من شعبة من الخطأ في الأسماء وما كان يقع من وكيع وأشباه ذلك، وكما وقع من مالك كان يقول في عمرو بن عثمان: ((عمر بن عثمان)) وفي معاوية بن الحكم ((عمر بن الحكم)) وفي أبي عبد الله الصنابجي ((عبدالله الصنابجي)) وقد جاء عن معن بن عيسى أنه ذكر ذلك لمالك فقال مالك: ((هكذا حفظنا وهكذا وقع في كتابي، ونحن نخطىء،ومن يسلم من الخطأ؟)) فلم يرجع مالك مع اعترافه باحتمال الخطأ، فكلمة أبي حاتم في المسيب لا تدل على أنه كان الغالب عليه، ولا أن خطأه كان فاحشاً، ولا أنه بين له في حديث اتفاق أهل العلم في تخطئته فلم يرجع. وقد قال أبو عروبة في المسيب: ((كان لا يحدث إلا بشيء يعرفه يقف عليه)) وهذا يشعر بأن غالب ما وقع منه من الخطأ ليس منه بل ممن فوقه، فكان يثبت على ما سمع قائلاً في نفسه: إن كان خطأ فهو ممن فوقي لا ٧١٣ مني. وفي (الميزان) و(اللسان) عن ابن عدي أنه ساق الأحاديث التي تنتقد على المسيب ثم قال: ((أرجو أن باقي حديثه مستقيم وهو ممن يكتب حديثه)) وذكر في (الميزان) أربعة أحاديث، إما أن تكون هي جميع ما ذكره ابن عدي(١)، وإما أن يكون الذهبي رأى الأمر فيما عداها محتملاً . الأول: رواه المسيب عن يوسف بن أسباط، ويوسف ربما أخطأ في الأسانيد . الثاني: حديث رواه ابن عدي عن الحسين بن إبراهيم السكوني - لم أقف على ترجمته - عن المسيب بسنده عن ابن عمر مرفوعاً أنه كره شم الطعام، وقال: إنما تشم السباع. وقد روى الطبراني في (الكبير) والبيهقي في (الشعب) كما في ( الجامع الصغير) من حديث أم سلمة مرفوعاً: ((لا تشموا الطعام كما تشمه السباع)). فلينظر في سنده ويقارن بسند حديث المسيب لعله يتبين وجه الغلط(٢). والثالث: ليس بالمنكر أراه، فإن كان فيه خطأ فيحتمل أن يكون من فوق . (١) قلت: بل جميع ما ذكره له ابن عدي في ((الكامل)) (ق ١/٣٩٢ - ٢) عشرة احاديث، ليس فيها الحديث الخامس الذي نقله المصنف رحمه اللّه تعالى عن ((اللسان)) وقال ابن عدي عقبها : (( وللمسيب حديث كثير عن شيوخه، وعامة ما خالف فيه الناس هو ما ذكرته، وارجو ان باقي حديثه مستقيم صالح، وهو ممن يكتب حديثه، وهذا الذي ذكرته لا یتعمده، بل کان یشتبه علیه، وهو لا بأس به)). ن. (٢) قلت: هذا لم يذكر له ابن عدي علة سوى التفرد، فقال عقبه: لا اعلم يرويه غير المسیب)) . وقد يخطر في بال البعض ان حديث أم سلمة قد يشهد له، والجواب: انه لا يصلح للشهادة لشدة ضعفه، قال المناوي في ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)): (( قال البيهقي عقب تخريجه: اسناده ضعيف. إهـ. فحذف المصنف ذلك من كلامه غير صواب. وقال الهيثمي عقب عزوه للطبراني. فيه عباد بن كثير الثقفي وكان كذابا متعمداً . هكذا جزم به )). ٧١٤ والله أعلم(١) . والرابع: قالوا: صوابه موقوف. وعلى هذا فإنما أخطأ في رفعه. وزاد في (اللسان) خامساً وهو من رواية المسيب عن يوسف بن أسباط. وقال ابن عدي: ((كان النسائي حسن الرأي فيه ويقول: الناس يؤذوننا فيه)). وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: ((وكان يخطىء)). وقال الدارقطني: ((فيه ضعف)) وسئل عبدان عن عبدالوهاب بن الضحاك والمسيب فقال: ((كلاهما سواء)) وهذا إسراف، عبدالوهاب كذاب، والمسيب صدوق، حده أن لا يحتج بما ينفرد به، والحكاية التي تكلم فيه الاستاذ من أجلها قد توبع عليها وليس من مظان الغلط. والله أعلم . وللمسيب روية في ترجمة أبي يوسف وقع فيها أن رجلاً قال لابن المبارك: ((مات أبو يوسف)) فقال ابن المبارك: ((مسكين ... )) قال الأستاذ (ص ١٨٧): ((ابن المبارك مات قبل أبي يوسف بسنة كاملة اتفاقاً ... هكذا يفضح الله البهاتين )) . أقول: كثيراً ما يشاع موت الرجل خطأ، وقد كان ابن المبارك شديداً على أبي يوسف لولايته القضاء، ومجالسته الخلفاء، وقد غضب ابن المبارك على إسماعيل بن إبراهيم ابن علية لولايته شيئاً خفيفاً وقال فيه تلك الأبيات السائرة، وإذا كان أبو حنيفة يفتي بالخروج على المنصور العباسي ويرى أنه أفضل من الرباط في قتال الروم (١) قلت: ما ذكره المؤلف من الاحتمال بعيد بل خطأ، لانه ليس فوقه غير ابي اسحاق الفزاري الثقة الحافظ. وانما المسيب نفسه اضطرب في اسناده، فمرة قال المسيب: ثنا أبو اسحاق الفزاري عن حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن ابي صالح عن أبي هريرة. ومرة قال: ثنا ابو اسحاق الفزاري ثنا سفيان الثوري عن عاصم به ، ولذلك قال ابن عدي عقبه : (( فسواء قال: عن الثوري، او عن حماد، كلاهما غير محفوظ)). قلت: ومتن هذا الاسناد: (( الشهيد من لو مات على فراشه دخل الجنة)). ٧١٥ كما تقدم في ترجمة إبراهيم بن محمد أبي إسحاق الفزاري، فليت شعري ماذا كان يقول في أبي يوسف لو أدرك ولايته القضاء ومجالسته الرشيد ؟ ٢٤٦ - مصعب بن خارجة بن مصعب. تقدمت روايته في ترجمة أحمد بن عبدالله أبو عبدالرحمن وفيها قوله: ((سمعت حماداً ... )). قال الأستاذ (ص ١٢٧): ((مجهول الصفة كما يقول أبو حاتم)). أقول: قد عرفه ابن حبان فقال في (الثقات): ((مصعب بن خارجة بن مصعب من أهل سرخس یروى عن حماد بن زيد وأبيه روى عنه أهل بلده مات سنة إحدى أو اثنتين ومائتين وكان على قضاء سرخس)) ونقل ابن حجر في (اللسان) بعض هذه العبارة وفيه أيضاً ((حماد بن زيد)) فقول الاستاذ: إن حماداً في الحكاية هو ابن سلمة فيه ما فيه(١) . ٢٤٧ - مطرف بن عبدالله بن مطرف بن سليمان بن يسار أبو مصعب اليساري الأصم. في (تاريخ بغداد) (٣٩٦/١٣) من طريق ((القاسم بن المغيرة الجوهري حدثنا مطرف أبو مصعب الاصم قال: سئل مالك بن أنس عن قول عمر في العراق: بها الداء العضال. قال: الهلكة في الدين، ومنهم أبو حنيفة)). ذكر الأستاذ (ص ١١٣) أن الصواب ((عن قول كعب لعمر)) لأنه كذلك في (الموطأ). ثم قال (ص ١١٤): ((قال ابن عدي يروي المناكير عن ابن أبي ذئب ومالك، ولذا فند هذه الرواية أبو الوليد الباجي ... )). أقول: فسر ابن عدي كلمته بأن ذكر أحاديث مناكير رواها ابن عدي عن أحمد بن داود بن عبدالغفار عن أبي مصعب فرد الذهبي وغيره على ابن عدي بأن الحمل في تلك الأحاديث على أحمد بن داود، وأحمد بن داود كذبه الدارقطني، ورماه العقيلي وابن طاهر بالوضع . (١) مضر بن محمد البغدادي - انظر ((نصر بن محمد البغدادي)). ٧١٦ أقول: قد وقع لابن عدي شبيه بهذا في غالب القطان، قال ابن حجر في (مقدمة الفتح): ((وأما ابن عدي فذكره في (الضعفاء) وأورد له أحاديث الحمل فيها على الراوي عنه عمر بن مختار البصري وهو من عجيب ما وقع لابن عدي، والكمال لله )) . ويظهر لي أن لابن عدي هنا عذراً ما، ففي ترجمة أحمد بن داود من (اللسان): ((قال أبو سعيد بن يونس: حدث عن أبي مصعب بحديث منكر، فسألته عنه فأخرجه من کتابه کما حدث به)» وفيه بعد ذلك، ذکر حديثه عن أبي مصعب عن عبدالله بن عمر عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: من رأى مبتلى فقال: الحمد لله، إلخ، قال: ((قال ابن عدي لما حدث أحمد بهذا الحديث عن مطرف: كانوا يتهمونه ... فظلموه لأنه قد رواه عن مطرف علي بن عمر وعباس الدوري والربيع ... )) فقد يكون الحديث الذي ذكره ابن يونس هو هذا الحديث: من رأى مبتلى. إلخ. رآه ابن عدي في أصل أحمد بن داود وعرف أن غيره قد رواه عن مطرف ورأى أن الحمل فيه على مطرف البتة فقاس بقية الاحاديث عليه، وقد يكون الحديث الذي ذكره ابن يونس غير هذا الحديث، ويكون ابن عدي رأى الاحاديث في أصل أحمد بن داود فاعتقد براءته منها للدليل الظاهر وهو ثبوتها في أصله فحملها كلها على مطرف، فإن كان الأمر على هذا الوجه الثاني فذاك الدليل وهو ثبوت الاحاديث في أصله يحتمل الخلل، ففي (لسان الميزان) (ج ١ ص ٢٥٣): ((أحمد بن محمد بن الأزهر ... قال ابن حبان: كان ممن يتعاطى حفظ الحديث ويجري مع أهل الصناعة فيه ولا يكاد يذكر له باب إلا وأغرب فيه عن الثقات ويأتي فيه عن الأثبات بما لا يتابع عليه، ذاكرته بأشياء كثيرة فأغرب عليّ فيها، فطاولته على الانبساط، فأخرج إلي أصول احاديث ... فأخرج إلي كتابه بأصل عتيق ... قال ابن حبان: فكأنه كان يعملها في صباه ... )). فهذا رجل روى أحاديث باطلة وأبرز أصله العتيق بها فإما أن يكون كان دجالاً من وقت طلبه، كان يسمع شيئاً ويكتب في أصله معه أشياء يعملها، وإما أن يكون كان معه وقت ٧١٧ طلبه بعض الدجالين، فكان يدخل عليه ما لم يسمع كما وقع لبعض المصريين مع خالد بن نجيح كما تراه في ترجمة عثمان بن صالح السهمي من (مقدمة الفتح). وفي ترجمة محمد بن غالب تمتام من (الميزان) أنه أنكر عليه حديث فجاء بأصله إلى إسماعيل القاضي فقال له إسماعيل: ((ربما وقع الخطأ للناس في الحداثة)). وفي (الكفاية) (ص ١١٨ - ١١٩) عن حسين ابن حبان: ((قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع وقال: ظننتها، فأما إِذا أنكرتموها علي فقد رجعت عنها، فقال: لا يكون صدوقاً أبداً ... فقلت ليحيى: ما يبرئه؟ قال: يخرج كتاباً عتيقاً فيه هذه الاحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق، فيكون شبه له وأخطأ كما يخطىء الناس فيرجع عنها)). فأنت ترى ابن معين لم يجعل ثبوتها في الأصل العتيق دليلاً على ثبوتها عمن رواها صاحب الاصل عنهم، بل حمله على أنه شبه له وأخطأ في أيام طلبه . إذا تقرر هذا فلعل الاحاديث التي ذكرها ابن عدي عن أحمد بن داود عن أبي مصعب رآها ابن عدي في أصل عتيق لأحمد بن داود فبنى على أن ذلك دليل ثبوتها عن أبي مصعب، وهذا الدليل لا يوثق به كما رأيت، لكن في البناء عليه عذر ما لابن عدي يخف به تعجب الذهبي إذ يقول: ((هذه أباطيل حاشاً مطرفاً من روايتها، وإنما البلاء من أحمد بن داود فكيف خفي هذا على ابن عدي؟!)). بقي حديث مطرف عن عبد الله بن عمر العمري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رفعه (( من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، لم يصبه ذلك البلاء)) فهذا رواه جماعة عن أبي مصعب وأخرجه الترمذي وقال: ((غريب من هذا الوجه)) وزاد في بعض النسخ ((حسن)) وأخرج قبل ذلك من طريق عمرو بن دينار مولى آل الزبير عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عمر - نحوه)) وعمرو بن دينار هذا متكلم فيه وعدوا هذا الحديث فيما أنكر عليه، وأحسب أن بعض الرواة سمع هذا وسمع حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من قال إذا أمسى ثلاث مرات: أعوذ بكلمات ٧١٨ الله التامات من شر ما خلق لم تضره حمة تلك الليلة)) فاشتبه عليه الحديثان فحسب الأول بسند الثاني فرواه كذلك، وقد يكون هذا الخطأ من مطرف وقد يكون من شيخه عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم فإنه لين حتى قال البخاري: ((ذاهب لا أروي عنه شيئاً)) فإن كان الخطأ من أبي مصعب فقد يخطىء على عبد الله بن عمر ما لا يخطىء عل مالك لمزید اختصاصه به . والأثر: ((إن بالعراق الداء العضال)) ثابت في (الموطأ) عن مالك، ومطرف يقول: ((سئل مالك)) فليس هنا مظنة الخطأ، ومطرف قال فيه أبو حاتم: (( مضطرب الحدیث صدوق)) ورجحه على إسماعيل بن أبي أويس، وقال ابن سعد والدارقطني: ((ثقة))، وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما مر مراراً، وروى عنه البخاري في (صحيحه). ٢٤٨ - معبد بن جمعة أبو شافع. تقدمت روايته في ترجمة القاسم بن عثمان، وتقدم هناك قول الأستاذ: (( كذبه أبو زرعة الكشي)) . أقول: هكذا وقع في (الميزان) و(اللسان)، وأبو زرعة الكشي هو محمد بن يوسف الجنيدي. قال حمزة السهمي في (تاریخ جرجان) في ترجمة معبد «حدثنا عنه جماعة سمعت أبا زرعة محمد بن يوسف الجنيدي يقول: كان أبو شافع اسمه واسم أبيه واسم جده غير ما ذكر، هو غير أسماءهم وكان ثقة في الحديث إلا أنه كان يشرب المسكر)). فكأن بعضهم استروح الى قوله: ((هو غير أسماءهم)) فعدها تكذيباً، وتبعه غيره بدون تحقيق، وتغيير الاسم ليس بكذب وقد غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسماء جماعة(١) وغير في بعضهم اسمه واسم أبيه، اللهم إلا أن يدعي الرجل أن اسمه لم يزل كذلك، وهذا يدفعه قول الكشي ((وكان ثقة في الحديث)). فأما شرب المسكر فقد تأول جماعة في ما عدا الخمر المتفق عليها فيشربون القدر الذي لا يسكرهم، ولم يعد أهل العلم ذلك قادحاً في العدالة، وإن ذم أكثرهم (١) انظر ((الاحاديث الصحيحة)) (٢٠٥ - ٢١٢)، ن .. ٧١٩ ذلك(١). فهذا هو الذي وقع من أبي شافع بدليل قول الكشي ((وكان ثقة في الحديث)). والله المستعان . ٢٤٩ - المفضل بن غسان الغلابي. في (تاريخ بغداد) (٤٢٠/١٣) عنه قال ((أبو حنيفة ضعيف)) قال الاستاذ (ص١٦٩): ((من المنحرفين عن أهل الكوفة مثل عمرو بن علي الفلاس البصري وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني الناصبي وحالهم يغني عن التعرض للأسانيد، على أن الجرح غير المفسر لا يؤثر في أي راوٍ فضلاً عمن ثبتت إمامته، وتواترت أمانته)). أقول: تقدمت ترجمة الجوزجاني وترجمة عمرو بن علي وبينا أن الجوزجاني شديد على الشيعة ولم تبلغ شدته بحمد الله عز وجل أن يخرج عن الحد، إنما يقول في الشيعي ((زائغ)) أو ((رديء المذهب)) أو نحو ذلك، وأبو حنيفة لم يشتهر بالتشيع، وعمرو بن علي والغلابي لا أعرفهما بانحراف، نعم هؤلاء كلهم مخالفون لأبي حنيفة في المذهب، والمخالفة لا تقتضي اطراح جرح المخالف البتة وقد قبل الناس من يحيى بن معين وغيره من الأثمة جرحهم لكثير من الرواة المخالفين لهم في المذهب، والجرح غير المفسر قد تقدم في القواعد البحث فيه وأن التحقيق أنه مقبول من أهله إلا أن يعارضه توثيق أثبت منه، وبالجملة فالذي يخشى من جرح المخالف ومن الجرح الذي لم يفسر هو الخطأ، فمتى تبين أو ترجح أنه خطأ لم يؤخذ به، والإمامة في الفقه لا تستلزم الثقة في الحديث، ولا يضر الحنفية أن يثبت أن أبا حنيفة ممن لا تقوم الحجة بما يتفرد بروايته، ولا تكاد توجد لهم مسألة يمكن أن يستدلوا عليها بشيء تفرد أبو حنيفة بروايته إلا وهم يستدلون عليها بأشياء أخرى، وقد استدل بعضهم على الشافعي بحديث أبي حنيفة عن عاصم في المرتدة، فلما رد عليه ذلك لم يكابر بل قال: ((إني إنما ذهبت في ترك قتل النساء الى القياس ... )) كما تقدم في ترجمة الشافعي. وكما أن الإنصاف يقضي أن لا يتخذ ما ثبت عن (١) انظر الترجمة (٧٣) وتعلقينا عليها ص ٤٣٩ ن. ٧٢٠