Indexed OCR Text
Pages 561-580
٠٠ يكونون رضوه في رأيه ولا يدرون ما حاله في الحديث، كما رضي أهل المغرب أصبغ بن خليل وقد مرت ترجمته، وقد كان يمكن الأستاذ أن يقول: ذكروا أن أبا زرعة الرازي كذّبه ولا ندري ما الذي اعتمده في تكذيبه، وكلام أبي حاتم يعطي أن بشاراً صدوق إلا أنه مضطرب الحديث، ويقوي ذلك رضا حنفية خراسان به والتصديق يقدم على التكذيب المبهم. والله أعلم. لكن الاستاذ لا يرى لأئمة السنة حقاً ولا حرمة، ولا يرقب فيهم إلاَّ ولا ذمة، لا يرعى تقوى ولا تقية، ولا يرى أن في أهل الحق بقية، فيدع للصلح بقية، فلندعه يصرح أو يكني، وعلى أهلها براقش تجني! ١٥٣ - عبيد الله بن محمد بن حمدان أبو عبد الله ابن بطة العكبري، في (تاريخ بغداد) (٤١٣/١٣) عنه: ((حدثنا محمد بن أيوب بن المعافى البزاز قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: وضع أبو حنيفة أشياء في العلم مضغ الماء أحسن منها، وعرضت يوماً شيئاً من مسائله على أحمد بن حنبل فجعل يتعجب منها، ثم قال: كأنه هو يبتدىء الاسلام)) قال الأستاذ (ص ١٤٨): ((من أجلاد الحشوية له مقام عندهم إلا أنه لا يساوي فلساً، وهو الذي روى حديث ابن مسعود ( كلم الله تعالى موسى عليه السلام يوم كلمه وعليه جبة صوف، وكساء صوف، ونعلان من جلد حمار غير ذكي) فزاد فيه: (فقال: من ذا العبراني الذي يكلمني من الشجرة؟ قال: أنا الله). والتهمة لاصقة به لا محالة لانفراده بتلك الزيادة كما يظهر من طرق الحديث في (لسان الميزان) وغيره، وما فعل ذلك إلا ليلقي في روع السامع أن كلام الله تعالى من قبيل كلام البشر بحيث يلتبس على السامع كلامه تعالى بكلام غيره؛ تعالى الله عن مزاعم المشبهة في إثبات الحرف والصوت له تعالى. وكتبه من شر الكتب وله طامات)). أقول: أما ذاك الحديث فيظهر أن ابن بطة لم يذكر تلك الزيادة على أنها من الحديث، وإنما ذكرها على جهة الاستنباط والتفسير أخذاً من الحديث ومن قول الله تبارك وتعالى في شأن موسى: ﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئء اْوادي الأيمن في ٥٦١ البُقْعِةِ المباركة مِنَّ الشَّجرة أَنْ يا موسى إِنّي أَنا رَبُّ العالمين﴾ القصص - ٣٠ - وقوله عز وجل ﴿فلما أتاها نُودِيّ يا موسى إِنِي أَنا رَبُّك فَاخْلَعْ نَعَلَيْك﴾ طه - ١١ - ١٢، وقوله سبحانه ﴿فلما جاءها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ في النّارِ وَمَنْ حَولها وَسْبحان الله ربِّ العالمين. يا موسى إنه أَنا الله العزيز الحكيم﴾ النمل - ٨ - ٩، وابن بطة كغيره من أئمة السنة بحق يعتقدون أن الله تبارك وتعالى يتكلم بحرف وصوت، وقد نقل بعض الحنفية اتفاق الأشاعرة والماتريدية على أن الله تبارك وتعالى كلم موسى بحرف وصوت كما نقلته في قسم الاعتقاديات، وذكر الحنفية في كتابهم المنسوب إلى أبي حنيفة باسم (الفقه الأكبر) ما لفظه: ((وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى)) قال المغنيساوي في شرحه: ((والله تعالى قادر أن يكلم المخلوق من الجهات أو الجهة الواحدة بلا آلة ويسمعه بالآلة كالحرف والصوت لاحتياجه إليها في فهمه كلامه الأزلي فإنه على ذلك قدير لأنه على كل شيء قدير)). و كما يحتاج موسى الى الحرف والصوت يحتاج الى أن يكون بلغته وان يكون على وجه يأنس به، فعلى كل حال قد دل الكتاب والسنة كالآيات المتقدمة وسياق الحديث على أن الله تعالى كلم موسى بحرف وصوت، وظهر بما تقدم أنه كلمه بلسانه العبراني على الوجه الذي يأنس به، ودات الآية الثالثة على أن موسى سمع الكلام فقال في نفسه إن لم يقل بلسانه: (( من ذا العبراني الذي يكلمني من الشجرة)) فأجيب بقول الله تعالى: ﴿إنه أنا اللهُ العزيزُ الحكيم﴾(١) فذكر ابن بطة ذلك على وجه الاستنباط والتفسير، واعتمد في رفع الالتباس على قرينة حالية مع علمه بأن الحديث مشهور (٢)، فجاء من بعده فتوهم أنه ذكر ذاك الكلام على أنه جزء (١) الاصل (إني) بدل ( إنه) والآية في سورة النمل، ٩. (٢) قلت: الحديث المشهور اصطلاحاً يشمل الصحيح والضعيف وما لا اصل له، فليس في وصف الحديث بالشهرة، يعطي انه حديث ثابت، وهذا الحديث نفسه الذي رواه ابن بطة وزاد فيه ما زاده لا يثبت من أصله. فقد قال فيه الامام أحمد: ((منكر ليس لـ ٥٦٢ من الحديث. ولابن بطة أسوة فيمن اتفق له مثل ذلك من الصحابة وغيرهم كقول ابن مسعود مع حديث الطيرة ((ومامنا إِلاَّ)) ومع حديث التشهد ((إذا قلت هذا .... )) ومع حديث آخر ((ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار)) وأمثال هذا كثير، قد افردت بالتأليف كما تراه في الكلام على قسم المدرج من (تدريب الراوي) وغيره. قول الأستاذ: ((تعالى الله عن مزاعم المشبهة في إِثبات الحرف والصوت له تعالى)). جوابه: بل تعالى الله عن العجز والكذب، وتفصيل هذا في قسم الاعتقاديات. قوله: ((وكتبه من شر الكتب)). جوابه: بل شر الكتب ما تضمن تكذيب خبر الله تعالى وخبر رسوله كذلك. قوله: ((وله طامات)). إن كان يريد ما يتعلق بالعقائد فقد علم جوابه مما مر، وإن أراد ما يتعلق بالرواية فدونك النظر فيه : ذكر الخطيب في (تاريخه) ابن بطة وحكى أشياء انتقدت عليه في الرواية فتعقبه ابن الجوزي في (المنتظم) وأنحى باللائمة على الخطيب. قال الخطيب في أول الترجمة: (( كان أحد الفقهاء على مذهب أحمد بن حنبل .... أخبرني الحسن بن شهاب بن الحسن العكبري (بها) حدثنا عبيد الله بن محمد بن حمدان ابن بطة حدثنا أبو القاسم بصحيح)). وضعفه ايضاً العقيلي وابن عدي وغيرهما، وذكروا انه تفرد به حميد الأعرج، وهو ضعيف جداً، كما بينته في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (١٢٤٠)، فلو أن ابن بطة كان من علماء هذا الشأن لكان الأولى به ان يبين ضعف الحديث كما فعل إمامه، بدل أن يزيد فيه تلك الزيادة التي جرأت عليه الكوثري وغيره من ذوي الأهواء، فاتهموه ظلماً بالوضع. والله المستعان . ٥٦٣ حفص بن عمر بن الخليل بأردبيل حدثنا رجاء بن مرجى بسمرقند .... )) ثم حكى عن عبد الواحد بن علي بن برهان وقد مرت ترجمته ((قال: لم أر في شيوخ أصحاب الحديث ولا في غيرهم أحسن هيئة من ابن بطة)) ثم حكى عن أبي حامد أحمد بن محمد الدلوي وهو أشعري ((قال: لما رجع أبو عبد الله ابن بطة من الرحلة لازم بيته أربعين سنة فلم ير خارجاً منه في سوق ولا رئي مفطراً إلا في يوم الأضحى والفطر، وكان أمّاراً بالمعروف ولم يبلغه خبر منكر إِلا غيّره - أو كما قال)) وفي أواخر الترجمة ((أخبرنا العتيقي قال سنة ٣٨٧ فيها توفى بعكبرا أبو عبد الله ابن بطة في المحرم وكان شيخاً صالحاً مستجاب الدعوة)). وذكر الخطيب أموراً انتقدت على ابن بطة فيما يتعلق بالرواية. الأول: أنه روى عن حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجی ( کتاب السنن) له فذكر الخطيب أن أباذر عبد بن أحمد الهروي كتب إليه من مكة أنه سمع نصر الأندلسي قال: وكان يحفظ ويفهم فذكر قصة حاصلها أنه سمع من ابن بطة ( كتاب السنن) لرجاء بن مرجى من ابن بطة عن الأردبيلي عن رجاء فذكر ذلك للدارقطني، فقال: (( هذا محال دخل رجاء بن مرجى بغداد سنة أربعين ودخل حفص بن عمر الأردبيلي سنة سبعين ومائتين فكيف سمع منه؟)) وذكر الخطيب عن ابن برهان قصة حاصلها أن ابن بطة ورد بغداد فحدث عن حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجى بـ ( كتاب السنن) قال: ((فأنكر ذلك أبو الحسن الدارقطني وزعم أن حفصاً ليس عنده عن رجاء وأنه يصغر عن السماع منه، فأبردوا بريداً الى (أردبيل) وكان ابن حفص بن عمر حياً هناك وكتبوا إليه يستخبرونه عن هذا الكتاب، فعاد جوابه بأن أباه لم يرو عن رجاء بن مرجى ولا رآه قط وأن مولده كان بعد موته بسنين)) قال ابن برهان: ((فتتبع ابن بطة النسخ التي كتبت عنه وغير الرواية وجعلها عن ابن الراجيان عن (فتح بن) شحرف (١) عن رجاء. أجاب ابن الجوزي بأن أبا ذر أشعري وأن ابن برهان مبتدع على ما تقدم في (١) كذا الاصل بالحاء المهملة، وفي ((التاريخ)) (٣٧/١٠) بالمعجمة. ٥٦٤ ترجمتیهما ، ولا يخفى سقوط هذا الجواب فإن أبادر ثقة كما مر، وابن برهان يدل سياقه للحكاية على أنه صادق فيها، ورواية ابن بطة عن الأردبيلي عن رجاء ثابتة كما تقدم أن الخطيب روى عن الحسن بن شهاب عن ابن بطة بهذا السند والحسن ابن شهاب حنبلي ثقة، ورجاء توفي ببغداد وكان قد أقام بها آخر عمره مدة والأردبيلي توفي سنة ٣٣٩ وبين وفاتيهما تسعون سنة يضاف إليها مدة إقامة رجاء ببغداد آخر عمره لأن الأردبيلي إنما سمع منه إن كان سمع بسمرقند على ما رواه الخطيب عن الحسن بن شهاب، وأضف الى ذلك مقدار سن الأردبيلي الذي مكنه أن یرحل من بلده الی سمرقند حیث سمع رجاء، وهذان المقداران یمکن حزرهما بعشرين أو ثلاثين سنة تضاف الى التسعين التي بين الوفاتين، وعلى هذا يكون الأردبيلي بلغ من العمر مائة وبضع عشرة سنة على الأقل فيكون مولده قريباً من سنة ٢٢٠ على الأقل وهذا باطل حتماً وبيانه أن عادة الذهبي في (تذكرة الحفاظ) أن يذكر من مشايخ الرجل أقدمهم وإنما قال في ترجمة الأردبيلي: ((سمع أبا حاتم الرازي ويحيى بن أبي طالب وعبد الملك بن محمد الرقاشي وابراهيم بن ديزيل)) وهؤلاء كلهم ماتوا بعد سنة ٢٧٤ فهل رحل الأردبيلي وسمع سنة ٢٣٠ فسمع من رجاء بسمرقند ثم رقد بعد ذلك أربعين سنة ثم استيقظ فسمع من الذين سماهم الذهبي؟ فالوهم لازم لابن بطة حتماً وسببه أنه ساح في أول عمره فكان يسمع ولا يكتب ولم يكن يؤمل أن يحتاج آخر عمره الى أن يروي الحديث ولهذا لم تكن له أصول، وفي (لسان الميزان): ((قال أبوذر الهروي: جهدت على أن يخرج لي شيئاً من الأصول فلم يفعل، فزهدت فيه)) وبعد رجوعه من سياحته انقطع في بيته مدة ثم احتاج الناس الى أن يسمعوا منه فكان يتذكر ويروي على حسب ظنه فَيَهِم، وكأنه سمع (سنن رجاء بن مرجى) من الأردبيلي عن رجل فتوهم بآخره أن الأردبيلي رواها عن رجاء نفسه، وقد رجع ابن بطة عن هذا السند لما تبين له أنه وهم. والله أعلم. الأمر الثاني: ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: ((قال لي الحسن بن شهاب ٥٦٥ سألت أبا عبد الله ابن بطة: أسمعت من البغوي حديث علي بن الجعد ؟ فقال: لا )) قال ابن برهان: ((وكنت قد رأيت في كتب ابن بطة نسخة بحديث علي بن الجعد قد حككها وكتب بخطه سماعه عليها)). أقول: تفرد بهذا ابن برهان ولم يَرْوِ ابن بطة حديث علي بن الجعد عن البغوي، وابن برهان لا يقبل منه ما تفرد به، ولعله وهم كأن كان الخط غير خط ابن بطة فاشتبه على ابن برهان، وكأن يكون ابن بطة إنما كتب ((هذا الكتاب من مسموعاتي)) أو نحو ذلك يعني أنه سمعه من غير البغوي فوهم ابن برهان. الثالث: ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: ((وروى ابن بطة عن أحمد بن سلمان النجاد عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي نحواً من مائة وخمسين حديثاً فأنكر ذلك عليه علي بن محمد بن ينال وأساء القول فيه وقال: إن النجاد لم يسمع من العطاردي شيئاً حتى همت العامة أن توقع بابن ينال واختفى. قال: وكان ابن بطة قد خرج تلك الأحاديث في تصانيفه فتتبعها وضرب على أكثرها وبقي بقيتها على حاله)). أقول: قد مر الكلام في ابن برهان ولكن دخول الوهم عليه في هذا بعيد والنجاد يقال إنه ولد سنة ٢٥٣ وسمع من الحسن بن مكرم المتوفى سنة ٢٧٤ ورحل إلى البصرة وسمع بها من أبي داود المتوفى سنة ٢٧٥ ووفاة العطاردي سنة ٢٧٢ فلا مانع من أن يكون النجاد سمع من العطاردي فإِن قبلنا ما حكاه ابن برهان عن ابن ينال فلا مانع من أن يكون للنجاد إجازة من العطاردي ولابن بطة إجازة من النجاد فروى ابن بطة تلك الأحاديث بحق الاجازة فكان ماذا ؟ فأما حكه لبعضها فلعله وجدها أو ما يغني عنها عنده بالسماع من وجه آخر فحك ما رواه بالإجازة وأثبت السماع. الرابع: قال الخطيب: ((حدثني أحمد بن الحسن بن خيرون قال: رأيت كتاب ابن بطة بـ (معجم البغوي) في نسخة كانت لغيره وقد حكك اسم صاحبها و کتب اسمه عليها)) وفي ((لسان الميزان)) عن ابن عساكر قال: ((وقد أراني شيخنا أبو ٥٦٦ . القاسم السمرقندي بعض نسخة ابن بطة بـ (معجم البغوي) فوجدت سماعه فيه مصلحاً بعد الحك كما حكاه الخطيب عن ابن خيرون)). أجاب ابن الجوزي بقوله: ((أتراه إِذا حصلت للإِنسان نسخة فحك اسم صاحبها وكتب سماع نفسه وهي سماعه أن يوجب هذا طعنا؟)). أقول: هذا بمقتضى العادة يدل أنه لم يكن لابن بطة أصل بسماعه (المعجم) من البغوي فإنه لو كان له أصل به لكان اسمه كتب وقت السماع فإن كان سمع في ذاك الأصل مع آخر فإنه يكتب سماعهما معاً فما الحاجة الى الحك ثم الكتابة مرة أخرى؟ وقد قال الخطيب: ((قال لي أبو القاسم الأزهري: ابن بطة ضعيف ضعيف ليس بحجة، عندي عنه (معجم البغوي) ولا أخرج عنه في الصحيح شيئاً. قلت له: كيف كان كتابه بـ (المعجم) فقال: لم نر له أصلاً وإنما دفع إلينا نسخة طرية بخط ابن شهاب فنسخنا منها وقرأنا عليه)). وتقدم عن أبي ذر الهروي أنه جهد أن يخرج له ابن بطة شيئاً من أصوله فلم يفعل؛ وذكر ابن بطة فيما رواه ابن الجوزي قصة سماعه (المعجم) من البغوي وفيها: ((ثم قرأنا عليه (المعجم) في نفر خاص في مدة عشرة أيام أو أقل أو أكثر وذلك في سنة خمس عشرة أو ست عشرة)) والظاهر أنه لو كان أصل سماعه عنده لكان التاريخ مقيداً فيه فلا يحتاج الى الشك؛ فأما قول ابن الجوزي: ((قرأت بخط أبي القاسم ابن الفراء ... قابلت أصلُ ابن بطة (المعجم) فرأيت سماعه في كل جزء إلا أني لم أر الجزء الثالث أصلاً))؛ فذاك هو السماع الملحق الذي ذكره ابن خيرون وابن عساكر. فالذي يتحصل أنه لم يكن عند ابن بطة أصل سماعه بـ (المعجم) فإما أن يكون كان له أصل فضاع أو تلف، وإما أن يكون سمع في نسخة لغيره لم تصر إِليه، وكأنه ظفر بنسخة أخرى وثق بصحتها فتسمح في الرواية عنها. والله أعلم. الخامس: ذكر الخطيب عن أبي القاسم التنوخي عن أبي عبد الله بن بكير قال: (( ابن بطة لم يسمع (المعجم) من البغوي، وذلك أن البغوي حدث به دفعتين، ٥,٦٧ الأولى منها قبل سنة ثلثمائة (قبل مولد ابن بطة) في مجلس عام، والأخرى بعد سنة ثلثمائة في مجلس خاص لعلي بن عيسى (الوزير) وأولاده)) قال الخطيب: ((وفي هذا القول نظر لأن محمد بن عبد الله بن الشخير قد روى عن البغوي (المعجم) وكان سماعه بعد الثلثمائة بسنين عدة، ولعل ابن بكير أراد بالمرتين قبل سنة عشر وثلثمائة وبعدها ... ومما يدل على ذلك أن أبا حفص ابن شاهين كان من المكثرين عن البغوي وكذلك أبو عمر بن حَيَّوَيه وابن شاذان ولم يكن عند أحد منهم (المعجم) فهذا يدل على أن رواية العامة كانت قبل العشر بسنين عدة)). أجاب ابن الجوزي بأن التنوخي كان معتزلياً يميل الى الرفض. أقول: هو صدوق، ولكن قد دل ما ذكره الخطيب أن سماع ابن الشخير كان بعد الثلثمائة بسنين عدة على أن البغوي حدث بـ (المعجم) دفعة ثالثة ولعلها كانت لنفر خاص فلم يقف عليها ابن بكير ولم يحضرها ابن شاهين وابن حيويه وابن شاذان، وقد تكون هناك دفعة رابعة خاصة أيضاً. وقد ذكر ابن بطة فيما رواه ابن الجوزي قصة حاصلها أن أباه بعثه وهو صغير مع شريك له من أهل بغداد فأدخله على البغوي واسترضوه أن يحدثهم بـ (المعجم) في نفر خاص، قال: ((ثم قرأنا عليه المعجم ... )) إلى آخر ما تقدم آنفاً؛ وفي القصة: ((وأذكره وقد قال: حدثنا اسحاق ابن اسماعيل الطالقاني سنة ٢٤٤، فقال المستملي خذوا، هذا قبل أن يولد كل محدث على وجه الأرض، وسمعت المستملي وهو أبو عبد الله بن مهران يقول له: من ذكرت يا ثلث الإسلام)) والظاهر أن هذا كان في مجلس عام حدث فيه البغوي بأحاديث غير المعجم الذي اختص به ابن بطة ومن معه، ويشهد لذلك أن ابن بطة قد روى عن البغوي أحاديث ليست في (المعجم) كما يأتي. والله أعلم. السادس: قال الخطيب: شاهدت عند حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق نسخة بكتاب محمد بن عزيز في (غريب القرآن) وعليها سماع ابن السُّوسَنجرْدي من ابن بطة عن ابن عزيز فسألت حمزة عن ذلك؟ فأنكر أن يكون ابن بطة سمع الكتاب من ابن عزيز، وقال: ادعى سماعه ورواه)). ٥٦٨ أقول: ليس هناك ما يدفع دعواه فقد أدرك ابن عزيز إدراكاً بيناً. السابع: قال الخطيب: ((قلت: وكذلك ادعى سماع كتب أبي محمد بن قتيبة ورواها عن شيخ سماه: ابن أبي مريم. وزعم أنه دَيْنَوَري حدثه عن ابن قتيبة. وابن أبي مريم هذا لا يعرفه أحد من أهل العلم ولا ذكره سوى ابن بطة. والله أعلم)). أقول: كأن ابن بطة لقي في سياحته رجلاً دينورياً ذكر له أنه سمع كتب ابن قتيبة ويكون هذا الدينوري سياحاً لم يتصد للرواية وإنما اتفق أن لقيه ابن بطة في سياحته. الثامن: ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: (( قال لي محمد بن أبي الفوارس: روى ابن بطة عن البغوي عن مصعب بن عبد الله عن مالك عن الزهري عن أنس عن النبي عَّه قال: طلب العلم فريضة على كل مسلم)). قال الخطيب: ((قلت: هذا الحديث باطل من حديث مالك ومن حديث مصعب ومن حديث البغوي عن مصعب، وهو موضوع بهذا الاسناد، والحمل فيه على ابن بطة)) (١). أقول: تقدم أن ابن برهان ليس بعمدة، ولعله سمع من أبي الفوارس يقول: بلغني عن ابن بطة، أو نحو ذلك؛ ولو روى ابن بطة هذا الحديث لكان الظاهر أن يشتهر عنه وينتشر. ولو صح عنه لحمل على الوهم، فإنه سمع من البغوي، وهو صغير ولم يكن له أصول، إنما كان يحمل على حفظه فيهم، فيحتمل أن يكون سمع الحديث من البغوي بسند آخر وسمع منه حديثاً أو أكثر بهذا السند فوهم (٢). التاسع: قال الخطيب: ((حدثني أحمد بن محمد العتيقي بلفظه من أصل كتابه وكتبه لي بخطه قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن حمدان الفقيه (ابن بطة) بعكبرا (١) قلت: قال الذهبي في (سير النبلاء) (٢٨٠/١٠) عقب عبارة الخطيب هذه: ((قلت: أفحش العبارة، وحاشى الرجل من التعمد، لكنه غلط، ودخل عليه اسناد في اسناد)». ن. (٢) قلت: وهو الذي جزم به الحافظ الذهبي كما تقدم آنفاً . ن. ٥٦٩ حدثنا عبدالله بن محمد البغوي حدثنا مصعب بن عبدالله الزبيري حدثنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبدالله بن عمرو قال: سمعت رسول الله عَ ◌ّه يقول: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً)) الحديث، وهذا الحديث أيضاً باطل من رواية البغوي عن مصعب، ولم أره عن مصعب عن مالك أصلاً، والله أعلم )). أقول: الحديث في (الصحيحين) وغيرهما من رواية جماعة عن مالك، ولا يبعد أن يكون عند مصعب أيضاً فلا يرويه عنه إلا البغوي، لكن يبعد جداً أن يكون الحديث كان عند البغوي من هذا الوجه العالي فلا يرويه عنه إلا ابن بطة الذي حمل إليه وهو صغير ولم يطل مقامه عنده، فالحكم بوهم ابن بطة في هذا واضح (١). ولنعم ما قال الذهبي في (الميزان). ((إمام ذو أوهام ... ومع قلة اتقان ابن بطة في الرواية كان إماماً في السنة، إماماً في الفقه، صاحب أحوال وإجابة ودعوة رضي (٢) الله عنه)) (٢). وعليك أن لا تقصر نظرك على هذه الأمور فترى في اجتماعها واستضعافك لبعض الأجوبة ما يحملك على سوء الظن بابن بطة، بل ينبغي لك أن تنظر أيضاً الى حاله في نفسه، وقدم قول ابن برهان المعتزلي نفسه: (( لم أر في شيوخ أصحاب الحديث ولا غيرهم أحسن هيئة من ابن بطة ))؛ وقول أبي حامد الدلوي الأشعري: (( ... ولا رئي مفطراً إلا في يوم الأضحى والفطر (٣)، وكان أمَّاراً بالمعروف، لم يبلغه خبر منكر إلا غيره)). وقول العتيقي: (( ... كان شيخاً صالحاً مستجاب الدعوة)). وقال أبو الفتح بن القواس: ((ذكرت لأبي سعد الاسماعيلي ابن بطة وعلمه وزهده، فخرج إليه، فلما عاد قال: هو فوق الوصف)). وقال ابن الجوزي في (١) قلت: ولذلك قال الذهبي عقب الحديث من (الميزان): ((وهو بهذا الاسناد باطل)). ن (٢) وقال في (السير): ((قلت: لابن بطة مع فضله أوهام وغلط)). وقال في (العلو للعلي الغفار) (ص ١٤١) طبع الأنصار: ((صدوق في نفسه، تكلموا في اتقانه)). (٣) قلت: هذا صوم الدهر فلا یشرع، لحديث (( لا صام ولا أفطر)) فلا يمدح به! ن ٥٧٠ (المنتظم) (ج ٧ ص ١٦٤): ((أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي عن أبي محمد الحسن ابن علي الجوهري قال: سمعت أخي عبد الله الحسين بن علي يقول: رأيت النبي معَ ◌ّه في المنام فقلت: يا رسول الله قد اختلفت علينا المذاهب فبمن نقتدي؟ فقال لي: عليك بأبي عبد الله ابن بطة. فلما أصبحت لبست ثيابي وأصعدت الى عكبرا فدخلت إليه، فلما رآني تبسم وقال: صدق رسول الله، صدق رسول الله، صدق رسول الله، يقولها ثلاثاً)). فالذي يتحصل أن ابن بطة مع علمه وزهده وفضله وصلاحه البارع كثير الوهم في الرواية فلا يتهم بما ينافي ما تواتر من صلاحه ولا يحتج بما ينفرد بروايته، ولا يشنع على الخطيب فيما صنعه وفاء بواجب فنّه وإظهاراً لمقتضى نظره، والله الموفق. ١٥٤ - عبيدة الخراساني. في (تاريخ بغداد) (٢٥٧/١٤): ((أبو داود سليمان ابن الأشعت ثنا عبدة بن عبد الله الخراساني قال: قال رجل لابن المبارك ... )). قال الأستاذ (ص ١٧٨): (( ... من لا يجوز الاحتجاج به ومن هو غير ثقة مثل ... وعبيدة الخراساني ... )). أقول: في الرواة عن ابن المبارك ((عتبة بن عبد الله)) و((عبدة بن سليمان)) وكلاهما مروزيان، ومرو من خراسان، وهما ثقتان فإن كان هذا غيرهما فقد تقدم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم أن أبا داود لا يروي إلا عن ثقة (١). ١٥٥ - عثمان بن أحمد أبو عمرو بن السماك الدقاق. في (تاريخ بغداد) (٣٨٩/١٣) من طريقه ((حدثنا حنبل بن إسحاق ... )) مرت الحكاية في ترجمة حنبل. قال الأستاذ (ص ٨٤): ((المغموز عند الذهبي برواية الفاضحات)). أقول: عبارة الذهبي في (الميزان): (( صدوق في نفسه لكن روايته لتلك البلايا (١) قلت: ليس في كتب الرجال ((عبيدة الخراساني)) فقول الكوثري فيه: ((لا يجوز الاحتجاج به)) أو ((غير ثقة)) من عندياته! والذي في سند الخطيب ((عبدة بن عبدالله الخراساني)) وهذا ايضا ليس له ذكر في الكتب، كما يشير اليه كلام المصنف. ن. ٥٧١ عن الطيور كوصية أبي هريرة، فالآفة من بعده (يعني في سياق السند) أما هو فوثقه الدارقطني وينبغي أن يغمز ابن السماك بروايته لهذه الفضائح))؛ قال ابن حجر في (اللسان): ((لو فتح المؤلف على نفسه ذكر من روى خبراً كذباً آفته من غيره ما سلم معه سوى القليل من المتقدمين فضلاً عن المتأخرين، وإني لكثير التألم من ذكره لهذا الرجل الثقة في هذا الكتاب بغير مستند وقد عظمه الدارقطني ووصفه بكثرة الكتابة والجد في الطلب، وأطراه جداً، وقال الحاكم في (المستدرك) حدثنا أبو عمرو ابن السماك الزاهد حقاً ... )) وأقول: نعم ينبغي أن يغمز بما يناسب حاله، فلا يركن الى ما يرويه بدون النظر في رجاله كما يركن الى ما يرويه يحيى بن سعيد القطان مثلاً، وأنت إذا نظرت الى سنده في هذه الحكاية وجدتهم ثقات. ١٥٦ - عثمان بن سعيد الدارمي الحافظ. في (تاريخ بغداد) (٣٢٤/١٣) من طريقه: (( سمعت محبوب بن موسى يقول: سمعت ابن أسباط يقول: ولد أبو حنيفة وأبوه نصراني)). قال الاستاذ (ص١٦): ((صاحب (النقض) مجسم مكشوف الأمر يعادي أئمة التنزيه، ويصرح بإثبات القيام والقعود والحركة والثقل والاستقرار المكاني والحد ونحو ذلك لله تعالى، ومثله يكون جاهلاً بالله سبحانه، بعيداً عن أن تقبل روايته)). أقول: كان الدارمي من أئمة السنة الذين يصدقون الله تعالى في كل ما أخبر به عن نفسه ويصدقون رسوله في كل ما أخبر به عن ربه بدون تكييف ومع إثبات أنه سبحانه ليس كمثله شيء، وذلك هو الإيمان وإن سماه المكذبون جهلاً وتجسياً (١)، (١) اقول: لا شك في حفظ الدارمي وامامته في السنة. ولكن يبدو من كتابه ((الرد على المريسي)) انه مغال في الاثبات، فقد ذكر فيه ما عزاه الكوثري اليه من القعود والحركة والثقل ونحوه. وذلك مما لم يرد به حديث صحيح، وصفاته تعالى توقيفية فلا تثبت له صفة، بطريق اللزوم مثلا، كأن يقال: يلزم من ثبوت مجيئه تعالى ونزوله ثبوت الحركة، فان هذا ان صح بالنسبة للمخلوق، فاللّه ليس كمثله شيء فتأمل . ن ٥٧٢ وقد بسطت الكلام في قسم الاعتقاديات، ومر في القواعد أن مثل هذا الاعتقاد ليس مما يقدح في الرواية، وكذلك مر فيها ما يتعلق بما يرويه الرجل مما فيه غض من مخالفه في الاعتقاد أو المذهب، وهذه الحكاية منقطعة لأن يوسف بن أسباط أصغر من أبي حنيفة بأربعين سنة، ولا ندري ممن سمعها . ١٥٧ - علي بن أحمد أبو الحسن المعروف بابن طيبة الرزاز، في (تاريخ بغداد) (٣٨٥/١٣) ((أخبرني علي بن أحمد الرزاز أخبرنا علي بن محمد بن سعيد الموصلي قال: حدثنا الحسن بن الوضاح المؤدب .... )) فذكر حكاية قد جاءت من غير هذا الوجه. قال الأستاذ (ص ٧٢): ((كان له ابن أدخل في أصوله تسميعات طرية على ما حكاه الخطيب فكيف يعول الآن على روايته)). أقول: قال الخطيب في ترجمة الرزاز: شاهدت أنا جزءاً من أصول الرزاز بخط أبيه ... ثم رأيته قد غُير فيه بعد وقت ... وكان الرزاز مع هذا كثير السماع كثير الشيوخ وإلى الصدق ما هو)) فهذه الحكاية مما رآه الخطيب في أصول الرزاز الموثوق بها كما هو معروف من تحري الخطيب وتثبته. ١٥٨ - علي بن إسحاق بن عيسى بن زاطيا. في (تاريخ بغداد) (٣٨١/١٣) من طريقه)) ((حدثنا أبو معمر القطيعي .... )) قال الأستاذ: (ص ٦٣): ((لم يكن بالمحمود كما أقر به الخطيب)). أقول: حكى الخطيب هذه الكلمة عن ابن المنادي، وهذه الكلمة تشعر بأنه محمود في الجملة كما مر نظيره في ترجمة الحسن بن الصباح فإن عدت جرحاً فهو غير مفسر وقد قال ابن السني: ((لا بأس به)). ١٥٩ - علي بن جرير الباوردي في (تاريخ بغداد) (٤١٣/١٣) من طريق محمد بن الملهب السرخسي حدثنا علي بن حرير قال: كنت في الكوفة فقدمت البصرة وبها ابن المبارك فقال لي: كيف تركت الناس؟ قال قلت تركت بالكوفة قوماً يزعمون أن أبا حنيفة أعلم من رسول الله عَّهِ ... )) ومن طريق محمد، ابن أبي عتاب الأعْيّن (( حدثنا علي بن جرير الأبيوردي قال: قدمت على ابن ٥٧٣ المبارك فقال له رجل: إن رجلين تماريا عندنا في مسألة فقال أحدهما: قال أبو حنيفة، وقال الآخر: قال رسول الله عَ لّهِ، قال الأول: كان أبو حنيفة أعلم بالقضاء ... )) قال الاستاذ (ص ١٤٨): ((لا نجد لعلي بن جرير رواية مطلقا عن ابن المبارك في غير هذين الخبرين، وعلي بن جرير البارودي هذا زائغ لم يستطع ابن حاتم أن يذكر شيخاً له ولا رواياً عنه، وجعله بمنزلة من يكتب حديثه وينظر فيه - روايةً عن أبيه - لا في عداد من يحتج به ونحن قد نظرنا فيه فوجدناه باهتا ... )). أقول: ذكره ابن حبان في (الثقات) قال: ((علي بن جرير من أهل (أبيورد) يروي عن حماد بن سلمة وابن المبارك وكان يخضب لحيته ، روى عنه أحمد بن سيار. سمعت محمد بن محمود بن عدي يقول: سمعت (محمد بن عبدالله) بن قهزاز يقول: سمعت علي بن جرير يقول: قلت لابن المبارك: رجل يزعم أن أبا حنيفة أعلم بالقضاء من رسول اللّه عَ ◌ّه. فقال عبد الله: هذا كفر. قلت: يا أبا عبد الرحمن بك نفذ الكفر، قالوا: رويت فروى الناس. قال: ابتليت به. ودمعت عيناه)). فقد روى علي بن جرير عن إمامين، وروى عنه أربعة من الثقات ، وفي ترجمة عمر بن صبح من (التهذيب) ((قالوا البخاري في (التاريخ الأوسط): حدثني يحي اليشكري عن علي بن جرير ... )) فهذا خامس. وقال أبو حاتم: ((صدق)) ولم يكن ليقول ذلك حتى يعرفه كما ينبغي، وأبو حاتم معروف بالتشدد، قد لا تقل كلمة ((صدوق )) منه عن كلمة ((ثقة)) من غيره، فانك لا تكاد تجده أطلق كلمة ((صدوق)) في رجل إلا وتجد غيره قد وثقه هذا هو الغالب، ثم ذكره ابن حبان في (الثقات) وأورد له تلك الحكاية التي يستنكرها الأستاذ ، ولا يضره بعد ذلك أن لا يعرفه ابن أبي حاتم، وما أكثر الذين لم يعرفهم وقد عرفهم غيره، فأما قول الأستاذ ((فوجدناه باهتا)) فأطال في محاولة توجيهه بما أشعر أنه يمتنع أن يقول مسلم أن أبا حنيفة أعلم بالقضاء من النبي ◌َ له، فإن أقدم جاهل على ذلك امتنع أن لا يرفع إلى الحاكم ليقيم عليه حكم الشرع. ٥٧٤ فأقول: أما امتناع القول، فإن كان المراد أن قائل ذلك لا يبقى مسلماً فهذا لا يدفع هذه الحكاية، وإن كان المراد امتناع أن يقول ذلك إنسان ينتحل الاسلام فهذا لا وجه له، فقد غلا كثير من منتحلي الإسلام في أفراد فادعوا لهم العصمة أو النبوة أو الألوهية، وذلك معروف مشهور. وقد حكيت عن أبي حنيفة كلمات لا يبعد أن يسمعها بعض جهلة معظميه فيتوهم ان الأحكام التي مردها الى القضاة بمنزلة الرأي في مصالح الدنيا كتدبير الحروب والمعايش. وقد قال الله تبارك وتعالى لرسوله: (وشاوِرْهُم في الأمْر)(١) وجاء عنه عَ لّ أنه قال: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم))(٢) وأنه ربما كان يرى الرأي في تدبير الحرب فيخبره بعض أصحابه بأن غيره أولى فيرجع إلى قوله، فمن تلك الكلمات ما حكى عنه في تلقيه من يذكر له حديثاً يخالف قوله بمثل (( من أصحابي من يبول قلتين، هذا حديث خرافة، لا آخذ به، دعنا من هذا، هذا رجز، هذا سجع، هذیان، حك هذا بذنب خنزير)) وما عزي اليه من قوله: ((لو أدركني النبي (وفي رواية: رسول اللّه) عَ لِّ لأخذ بكثير من قولي ) زاد في روایة( وهل الدين الا الرأي الحسن؟)) وقد ذكرها الأستاذ (ص ٧٥ و٨٥). وهذه الكلمة قد يكون أريد بها أن كثيراً مما أقوله باجتهادي موافق للحق فلو كنت في عهد النبي معَ ◌ّم لعلم صحة كثير من قولي وصوبه وحكم بما يوافقه كما يُروى من موافقات عمر أنه قد كان يرى الرأي أو يقول القول فينزل القرآن بموافقته، فأما قوله: ((وهل الدين إلا الرأي الحسن)) فالرأي الحسن حقا هو المطابق للحكمة الحقة حق المطابقة وكذلك الدين مطابق للحكمة الحقة حق المطابقة فالرأي الحسن حقاً لا يخالف الدين ولا يخالفه الدين. وقد زعم بعضهم أن أبا حنيفة إنما قال: ((لو أدركني البتّي ... )) فصحف بعضهم فقال: ((النبي)) ثم رواها بعضهم بالمعنى فقال: ((رسول اللّه)) وجرى الأستاذ على هذا ولا بأس بالنظر فيه، قال الأستاذ: ((وأما أصل الحكاية ... )) فذكر طرفاً مما في (مناقب أبي حنيفة) للموفق المكي (ج ٢ ص ١٠١ - ١٠٩) والرواية هناك من طريق عبدالله محمد بن يعقوب الحارثي (١) آل عمران (١٥٩). (٢) قلت: أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث عائشة وأنس رضي الله عنهما . ن. ٥٧٥ قال: (( حدثني أبو طالب سعيد بن محمد البرذعي في مسجد أبي الحسن الكوفي ببغداد حدثني أبو جعفر ... الطحاوي أبنا بكار بن قتيبة أبنا هلال بن يحي الرأي البصري سمعت يوسف بن خالد السمتي قال: اختلفت إلى عثمان البتي فقيه أهل البصرة وكان يذهب مذهب الحسن وابن سيرين ومذهب البصريين فأخذت من مذاهبهم وناظرت عليها ثم استأذنته في الخروج إلى الكوفة ... فأذن لي فلما قدمت الكوفة ... فإذا أنا بكهل قد أقبل ... وخلفه غلام اشبه الناس به ... فتوسمت أنه أبو حنيفة ... فقال: كنت من المختلفة إلى البتي؟ قلت: نعم، قال: لو أدركني البتّي لترك كثيراً من قوله ... )) إلى أن قال يوسف: (( كنت أختلف إلى أبي حنيفة فكنت أمر بنادي قوم فمن كثرة مروري بهم صاروا لي أصدقاء ثم انقرضوا فصار أولادهم لي أصدقاء ثم استأذنت بالخروج إلى البصرة ... )) وفي القصة عجائب، وقد ذكر الأستاذ البتّي والسمتيَّ (في ص ١١٣) قال: ((عثمان بن مسلم البتي هو فقيه البصرة توفي سنة ١٤٣ كما سبق وكانت تجري بينه وبين أبي حنيفة مراسلات ... وكان يوسف بن خالد السمتي بعد أن تفقه على أبي حنيفة رجع إلى البصرة وأخذ يجابه البتي وأصحابه ... حتى ثاروا ضده ... ولكن لماحل زفر بالبصرة جرى على الحكمة في مناظرتهم ... )) يشير الاستاذ إلى ما في كتاب ابن أبي العوام عن الطحاوي بسنده كما في (لسان الميزان) (ج ٢ ص ٤٧٧) ((قدم زفر بن الهذيل البصرة فكان يأتي حلقة عثمان البتي ... )) فلم يلبث أن تحولت الحلقة إليه وبقي عثمان البتي وحده)) فقد اتضح أن البتي أدرك أبا حنيفة، ويقول الأستاذ أنه كانت تجري بينهما مراسلات، وصرحت القصة نفسها ان البتي كان حياً يرزق حين لقي يوسف السمتي أبا حنيفة وقال له أبو حنيفة كما تزعم القصة: ((لو أدركني البتي ... )) ويعلم من كلام الأستاذ أن البتي عاش بعد ذلك إلى ان أكمل السمتي تفقهه ورجع الى البصرة ثم إلى أن أظهر إخفاق السمتي وورد زفر البصرة فليتدبر القارىء هل يقول أبو حنيفة والبتي حي يرزق يراسله ويكاتبه: ((لو أدركني البتي ... ))؟ ثم ليحزر ما أقل ما يحتمل بحسب العادة أن يكون عمر السمتي حين استأذن البتي وذلك بعد اختلاف السمتي إليه وأخذه من ٥٧٦ مذاهبهم ومناظرته عليها ؟ ثم ليحزر ما عسى أن يكون عمر أبي حنيفة وعمر ولده حماد حين رآهما السمتي؟ والقصة تقول: ((فإذا أنا بكهل قد أقبل ... وخلفه غلام أشبه الناس به، ثم تصرح بعد ذلك بأن الكهل أبو حنيفة وأن الغلام ابنه حماد. ثم ليحزر ما عسى ان تكون مدة عكوف السمتي على الأخذ من أبي حنيفة والقصة تقول: ((أمر بنادي قوم فمن كثرة مروري بهم صاروا لي أصدقاء ثم انقرضوا فصار اولادهم لي اصدقاء ثم استأذنت ... )) فكم المدة إلى ان استأذن في العود إلى البصرة واحتفل له أبو حنيفة بتلك الوصية الطويلة العريضة؟ ثم ليحزر ما عسى أن تكون مدة بقاء السمتي بالبصرة حتى تبين إخفاقه إلى أن ورد زفر فسحر أهل البصرة وبقي البتي وحده؟ ثم ليعرض النتائج على الحقائق التاريخية. مولد السمتي سنة ٣٣٠ كما في (طبقات ابن سعد) (ج ٧ قسم ٢ ص ٤٧)، أو بعد ذلك بسنتين على ما في (التهذيب) عن ابن سعد، ومولد أبي حنيفة سنة ثمانين على الأصح وسنة سبعين أو ستين على رأي الاستاذ كما تقدم في ترجمة أحمد بن محمد الصلت، ومولد حماد حول سنة ١٠٠ على ما يظهر وعلى رأي الاستاذ مولد حماد قبل مولد مالك، ومالك ولد سنة ثلاث وتسعين وقيل قبل ذلك، ووفاة البتي سنة ١٤٣ كما تقدم. والقصة تقول: أن السمتي الذي ولد سنة عشرين ومائة أو سنة اثنتين وعشرين ومائة كان يختلف إلى البتي ويأخذ من مذاهبهم حتى صار يناظر عليها ثم قدم الكوفة فلقي الأعمش وجرت بينهما محاورة ثم لقي أبا حنيفة وجرت بينهما محاورة، فلنفرض أن ذلك كان وعمر السمتي دون عشرين سنة فليكن حول سنة أربعين ومائة وعمر أبي حنيفة حينئذ على قولنا ستون سنة وعلى رأي الاستاذ سبعون أو ثمانون. وعمر حماد على ما يظهر أربعون سنة وعلى رأي الاستاذ خمسون سنة، لكن القصة ذكرتهما بقولها: ((فإذا أنا بكهل قد أقبل ... وخلفه غلام اشبه الناس به )) !! ثم لا أدري كم نفرض بقاء السمتي مع أبي حنيفة وهي مدة كان اولاً يمر بقوم فصاروا له أصدقاء ثم انقرضوا فصار أبناؤهم له اصدقاء ثم رجع إلى البصرة فوجد البتي حياً إلى آخر ما ذكر الاستاذ، وقد علمت متى توفي البتي !! وأدع البقية إلى القارىء وان أحب فليراجع القصة ليزداد بصيرة، والأستاذ عافانا الله وإياه يعمد إلى أمور نسبتها إلى هذه نسبة الخيال إلى ٥٧٧ الحقيقة فيرد بها روايات الثقات الاثبات ومنها ما يروى من وجهين أو اكثر ومنها ما هو متواتر على الحقيقة. فأما هذه الحكاية فتفرد بها الحارثي وهو تالف مرمي بالوضع راجع ترجمته في (لسان الميزان) (ج ٣ ص ٣٤٨) - وشيخه لا يذكر إلا في هذه الحكاية وقد ذكره صاحب (الجواهر المضيئة في تراجم الحنفية) ( ص ٢٤٩) بما يؤخذ من هذه الحكاية فقط فإما أن يكون اسماً اختلقه الحارثي، واما ان يكون رجلا مغموراً هلك فاختلق الحارثي هذه الحكاية ونسبها اليه فان القصة تدل على اطلاع وتفيهق وهذه صفة الحارثي يمتنع أن يكون شيخه بهذه الصفة ثم لا يذكر إلا في هذه الحكاية، فاما الطحاوي فبرىء منها حتماً ولو كان عنده شيء منها لما فات ابن أبي العوام، والظاهر أن الحارثي سمع ما حكى عن أبي حنيفة من قوله: (( لو أدركني النبي ... )) فحاول ان يعالجها فوقع فيما وقع فيه، وكأن الاستاذ شعر بذلك فحاول التأويل فزعم أن معنى قول أبي حنيفة ((لأخذ بكثير من قولي)) لأخذني أي للامني ووخني ! ولا يخفى حال هذا التأويل، على انه ناقضه بما أجاب به عن قوله: ((وهل الدين الا الرأي الحسن)) فزعم ان كلمة ((الدين)) محرفة عن ((أرى)) وان الأصل ((وهل أرى إلا الرأي الحسن)) ولنقتصر على هذا القدر. فأما امتناع ان يقول قائل: ((أبو حنيفة اعلم ... )) ولا يرفع إلى الحاكم ليقيم عليه حكم الشرع، فانما يتجه إذا قاله على رؤوس الأشهاد، وليس فيما رواه علي بن جرير ما يقتضي ذلك . وقد مر علي بن جرير بالكوفة غريباً فإذا سمع رجلا يقول ذلك ولم يكن هناك جمع كثير رأى انه لا فائدة في الذهاب إلى القاضي اذ لعله لو قال للقائل تعال معي الى القاضي امتنع، فان ذهب علي الى القاضي قال له القاضي: ومن القائل؟ فلا يعرفه، فان عرفه فلعل القائل يجحد ، بل لعلهم يعكسون القضية على ذاك الغريب ويؤذونه! بقي ما وقع ما اختلاف الفاظ الحكاية. فأقول: ذاك من جهة الرواية بالمعنى ومثله كثير، وفي (صحيح مسلم) في أحاديث لا تقضي الحائض الصلاة، من طريق ((يزيد الرشك عن معاذة أن امرأة سألت عائشة ... )) ومن طريق ((عاصم عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت ... )) ٥٧٨ ولهذا نظائر، فاما قول الاستاذ في علي بن جرير)) زائغ. السفيه. الخبيث. النذل. الخبيث)). فحسابها إلى الله عز وجل. ١٦٠ - علي بن زيد الفرائضي. في (تاريخ بغداد) (٣٩٨/١٣) من طريقه قال: ((حدثنا علي بن صدقة قال: سمعت محمد بن كثير قال: سمعت الاوزاعي ... )) قال الاستاذ (ص ١١١): ((تكلموا فيه)). أقول : كذا قال ابن يونس ولمي بين من المتكلم ولا ما هو الكلام، وقد قال مسلمة ابن قاسم: ((ثقة))، والتوثيق، مقدم على مثل هذا الجرح كما لا يخفى. ١٦١ - علي بن صدقة تقدمت الاشارة الى روايته في الذي قبله، قال الاستاذ (ص ١١١): ((كثير الإغراب)). أقول: ((ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: ((يغرب)). وابن حبان قد يقول مثل هذا لمن يستغرب له حديثاً واحداً أو زيادة في حديث فقول الاستاذ: ((كثير الإغراب)) من تصرفاته، والحكاية التي ذكرها الخطيب بهذا السند معروفة جاءت من عدة طرق. ١٦٢ - علي بن عاصم. في (تاريخ بغداد) (٣٨٧/١٣) عنه قال: حدَّثْنا أبا حنيفة بحديث عن النبي ◌َ ◌ٍّ. فقال: لا آخذ به. فقلت: عن النبي ◌َّ . قال: لا آخذ به)) قال الاستاذ (ص ٧٨): ((ابو حنيفة كغيره من أهل العلم في عدم الأخذ بحديث علي بن عاصم الذي يكتبه الوراقون ويحدث هو به دون سماع ولا مقابلة بأصل صحيح، والكلام فيه طويل الذيل في كتب الضعفاء فتباً لمن يقيم نفسه مقام الرسول ◌َّ ◌ُلٍّ ويجعل الرد عليه رداً على المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وأبو حنيفة الذي يقول: لعن الّه من يخالف رسول اللّه عَ لّم به أكرمنا الله وبهد استنفذنا كما في (الانتقاء) لابن عبد البر (ص ١٤١) كيف يخالف حديثاً صح عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ومن زعم فقد أبعد في البهت نسأل اللّه الصون)). أقول: اما ما في (الانتقاء) فطرف من حكاية ردها الاستاذ نفسه (ص ٩٤)؛ ٥٧٩ وقال في حاكيها داود بن المحبر ((متروك باتفاق)) فكيف يستند إليها هنا جازماً بقوله ((الذي يقول))؟ وظاهر قول علي بن عاصم ((حدثنا أبا حنيفة ... )) أنه وافقه غيره على التحديث، وهبه لم يوافقه أحد أفما كان ينبغي ان يجيبه أبو حنيفة بقوله: ((من روى هذا معك))؟ أو نحو ذلك، وهبه علم تفرده، أفما كان الاولى أن يجيبه بقوله: ((لم يثبت عندي)) أو نحو ذلك، بل لو قال له: ((لا اثق بروايتك)) لكان أولى من قوله: ((لا آخذ به)). فأما علي بن عاصم فالذي يظهر من مجموع كلامهم فيه أنه خلط في أول أمره ثم تحسنت حاله، وبقي كثرة الغلط والوهم، فما حدث به اخيراً ولم يكن مظنة الغلط فهو جید . ١٦٣ - علي بن عبدالله ابن المديني، تقدم في ترجمة ابراهيم بن بشار الرمادي متابعة ابن المديني له في حكايته عن ابن عيينة، أشار الاستاذ (ص ٨٣) الى ذلك ثم قال: لو فكر ابن المديني في مسايرته لابن أبي دُواد ... وسعى في اعداد الجواب ... لكان أحسن له، ونحسب انه لم يعد ولن يعد ... )). وفي (تاريخ بغداد) (٤٢٠/١٣) من طريق عبدالله بن علي بن المديني أنه سأل أباه عن ابي حنيفة؟ (( فضعفه جداً، وقال: لو كان بين يدي ما سألته عن شيء، وروى خمسين حديثاً اخطأ فيها)) قال الاستاذ (ص ١٦٨): ((إن كان ابن المديني كما نهش الخطيب عرضه في (٤٥٩/١١) وابن الجوازي في (مناقب احمد) لا يكون لكلامه قيمة )) ثم اشار الاستاذ الى ان ابن المديني تناقض قال: (( ينافي ما ذكره ابو الفتح الازدي في ( كتاب الضعفاء) وحيث قال: قال علي ابن المديني ابو حنيفة روى عنه ... وهو ثقة لا بأس به)) ثم قال الاستاذ: ((نسأل الله السلامة)) وفي (تاريخ بغداد) (٤٢٣/١٣) عنه: ((قال لي بشر بن ابي الأزهر النيسابوري رأيت في المنام ... )) قال الاستاذ (ص ١٧٠): (( ليس بقليل ما ذكره الخطيب عن ابن المديني في (تاريخه) ومن جملة ذلك صلته الوثيقة بأحمد بن ابي دُواد في محنة أهل الحديث ... وقد ترك ابو زرعة وأحمد الرواية عنه بعد المحنة، وبشر بن [أبي] الأزهر من اخص أصحاب أبي ٥٨٠