Indexed OCR Text
Pages 281-300
ولا غالبهم قدرية، بل غالبهم غير قدرية كما يأتي في ترجمة طلق بن حبيب، وعلى فرض أن الرجل قدري فلم يكن داعية والمخالفة في المذهب لا تخدش في الرواية كما مر في القواعد . والله الموفق . ٤ - إبراهيم بن راشد الآدمي. في (تاريخ بغداد) (( ٤٠٦/١٣)) (( ... إبراهيم ابن راشد الآدمي قال: سمعت أبا ربيعة فهد بن عوف ... )) قال الأستاذ (ص ١٢٩): ((المتهم عند ابن عدي كما ذكره الذهبي)). أقول: تعقبه ابن حجر في (اللسان) قال: ((لم أر في (كامل بن عدي) ترجمته)) وقد قال ابن أبي حاتم: ((صدوق)) وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: ((كان من جلساء يحيى بن معين)) وفي ترجمة علي بن صالح الأنماطي من (الميزان) حديث ساقه الذهبي من طريق أبي نُعَيم الأصبهاني ((أنا عمر بن شاهين ثنا أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني ثنا إبراهيم بن راشد الآدمي ثنا علي بن صالح الأنماطي ... )) استنكره الذهبي وقال: ((المتهم بوضعه علي فإن الرواة ثقات سواه)) تعقبه ابن حجر في (اللسان) بأن علياً ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: ((مستقيم الحديث)) قال ابن حجر: ((وينظر فيمن دون صاحب الترجمة)) أقول: أخاف أن يكون هذا من بلايا الإجازة فإن أبا نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ربما تكون له إجازة عامة من شيخ، ثم يسمع الشيء ويرويه رجل عن ذاك الشيخ فيرويه أو نعيم عن الشيخ نفسه بلفظ ((أخبرنا)) على اصطلاحه في الإجازة: كما يأتي شرحه في ترجمته، فيكون البلاء في هذا الحديث من الرجل الذي بين أبي نعيم وابن شاهين ويبرأ غيره . والله أعلم . ٥ - إبراهيم بن سعيد الجوهري. راجع (الطليعة) (ص ٦٦ - ٩٨) قال الأستاذ في: (الترحيب) (ص ٥٠): ((لا يتصور من مثل ابن الشاعر أن يقع فيه من غير أن یتکرر ذلك منه)». أقول: أما كلمة حجاج فلا تقتضي إلا مرة واحدة، وأما قول ابن خراش: ٢٨١ (( وكان حجاج يقع فيه)) فإن عني تلك الكلمة فقد بان حالها، وإن عناها وغيرها فالوقيعة في الإنسان معناها مطلق الذم كأن يكون قال مرة تلك الكلمة وقال مرة (( لم يكن بالذكي)) وقال أخرى ((مغرم بالكتابة عن كل أحد ليقال مكثر)) ونحو ذلك من الكلمات التي لا توجب جرحاً . ثم مال الأستاذ إلى الانصاف فذكر أنه يجب الذب عن إبراهيم بن سعيد، ولكنه جعل الحمل على عبد الرحمن بن حراش، وستأتي ترجمته . ٦ - إبراهيم بن شماس. في (تاريخ بغداد) ((٤١٤/١٣))" ... إبراهيم بن شماس يقول: كنت مع ابن المبارك في الثغر فقال: لئن رجعت لأخرجن أبا حنيفة من كتبي)) وفيه بعد ذلك (( ... إبراهيم بن شماس يقول: سمعت ابن المبارك يقول: اضربوا على حديث أبي حنيفة)) قال الاستاذ (ص ١٥٠): ((ابراهيم بن شماس ذلك المتعبد الغازي ... على علو طبقته لم يخرج عنه أحد من أصحاب الاصول الستة .... بطل مغوار متعبد متعصب .... ملء إهابه التعصب على زهده)). أقول: أما العبادة والزهد والجهاد والبطولة فنعم، وأما التعصب فإنما وصفه به بعض من لم يدركه وهو الإدريسي الذي ولد بعد ابراهيم بأكثر من مائة سنة وإنما قال: ((كان شجاعاً بطلا ثقة ثبتاً متعصباً لأهل السنة)). فأما الذين أدركوه فإنما وصفوه بالسنة، قال الإمام أحمد: ((كان صاحب سنة)) وقال أحمد بن سيار: ((كان صاحب سنة وجماعة، كتب العلم، وجالس الناس، ورأيت إسحاق بن إبراهيم [ ابن راهويه] يعظم من شأنه ويحرضنا على الكتابة عنه)) . وممن روى عنه الإمام أحمد وأبو زرعة والبخاري في غير (الصحيح)، وأحمد لا يروي إلا عن ثقة عنده كما يأتي في ترجمة محمد بن أعْيَن، وأبو زرعة من عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) (ج ٢ ص ٤١٦) والبخاري نحو ذلك كما يأتي في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن؛ ووثقه الدارقطني وابن ٢٨٢ حبان وغيرهما، وتحريض ابن راهويه على الكتابة عنه يدل على مكانته في الصدق والثبت، وقال ابن حبان في (الثقات): ((كان متقنا ... سمعت عمر بن محمد البحيري يقول سمعت محمد بن سهل بن عسكر يقول: سمعت إبراهيم بن شماس يقول: رأيت ابن المبارك يقرأ كتاباً على الناس في الثغر فلما مر على ذكر أبي حنيفة قال اضربوا عليه، وهو آخر كتاب قرأ على الناس ثم مات)). فأما عدم إخراج البخاري عنه في (صحيحه) فكأنه إنما لقيه مرة فإن ابراهيم كان دائباً في الجهاد فلم يسمع منه البخاري ما يحتاج إلى اخراجه في (الصحيح)، وقد أدرك البخاري من هو أكبر من إبراهيم وأعلى إسناداً، وكم من ثقة ثبت لم يتفق أن يخرج عنه البخاري في (صحيحه) وأخرج عمن هو دونه بكثير ؛ فأما بقية الستة فأبو داود ولد سنة ٣٠٢ فقد أدرك إبراهيم فإن إبراهيم استشهد سنة ٢٢٠ ولكن لعله لم يلقه وإنما روى في مسائل مالك عن رجل عنه على ما يظهر من (التهذيب)، وقد سمع أبو داود جماعة ممن هو أكبر وأعلى إسناداً من إبراهيم؛ ومسلم ولد سنة ٢٠٤ والباقون بعد ذلك، وجامعو الكتب الستة يتحرون علوّ الإسناد والاختصار ولا ينزلون إلا لحاجة والرواية عن إبراهيم قليلة لاشتغاله بالجهاد ولأنه لم يعمر حتى يحتاج إليه، وقد روى عنه من هو أجل من أصحاب الكتب الستة كما مر؛ وقد ساق الأستاذ في تعليقه على شروط الأئمة كلاماً طويلاً فيه ما فيه، وقال في أواخره: ((ومن ظن أن ثقات الرواة هم رواة الستة فقط فقد ظن باطلاً وجرد الحافظ العلامة قاسم بن قطلو بغا الثقات من غير رجال الستة في مؤلف حافل یبلغ أربع مجلدات)). فأما المخالفة في المذهب والتعصب للسنة فلا يخدش في الرواية كما مر في القواعد . بقي أن الاستاذ قال بعد ما تقدم: ((ويقضي على مختلفات الخصوم في هذا الكتاب كثرة رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة في (المسانيد السبعة عشر) له ... فأنّى تصح رواية ضرب ابن المبارك على حديث أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام ٢٨٣ يسيرة )). أقول: الاستاذ يتذرع بهذا إلى الطعن في جماعة من الثقات الأثبات، إبراهيم وغيره كما يأتي في تراجمهم، وذلك يضطرنا إلى مناقشته هنا فأقول: المسانيد السبعة عشر لأبي حنيفة منها ما جامعه مجروح، وما كان جامعه ثقة ففي أسانيده إلى ابن المبارك مجروح أو أكثر، وما عساه يصح إلى ابن المبارك لا يصح حمله على أنه مما حدث به ابن المبارك قديماً، فإنه لا يلزم من تركه الرواية عن أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام يسيرة أن لا يروي الناس عنه ما سمعوه قبل ذلك ولا سيما الذين لم يحضروا أمره بالضرب أو لم يعلموا به، والله المستعان . ٧ - ابراهيم بن أبي الليث في (تاريخ بغداد) ((٤١٧/١٣)) (( ... إبراهيم بن أبي الليث قال: سمعت الأشجعي غير مرة ... )) قال الاستاذ (ص ١٦٠) (( .... عنه يقول ابن معين لو اختلف إليه ثمانون كلهم مثل منصور بن المعتمر ما كان إلا كذباً. وكذبه غير واحد )). أقول: ترجمة إبراهيم هذا في (تاريخ بغداد) (ج ٦ ص ١٩١) فأما هذه الكلمة التي ذكرها الاستاذ فإنما رواها الخطيب من طريق أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز وترجمة ابن محرز هذا في (تاريخ بغداد) (ج ٥ ص ٨٣) ليس فيها تعريف بحاله وإنما فيها (( يروي عن يحيى بن معين حدث عنه جعفر بن درستويه بن المرزبان الفارسي)) وكلمة ابن الدورقي المذكورة في (اللسان) و(التعجيل) هي في قصة طويلة رواها الخطيب من طريق أبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي الحافظ، والأزدي اتهموه، ونحتاج إلى الاعتذار عن ابن حجر في جزمه بها مع أنها من طريق الأزدي؛ وما في ((اللسان)) تبعاً لأصله أن ابن معين قال في إبراهيم: ((ثقة لكنه أحمق)) إنما رواها الخطيب من طريق بكر بن سهل عن عبد الخالق بن منصور عن ابن معين، وبكر بن سهل هذا إن كان هو الدمياطي المترجم في (الميزان) و(اللسان) كما بنيت عليه في (الطليعة) (ص ٧٨) وتأتي الإشارة إليه في ترجمة ٢٨٤ الحسن بن الربيع ففيه كلام شديد وعقبها الخطيب بقوله: (( وهذا القول من يحيى في توثيقه كان قديماً ثم أساء القول فيه بعد وذمه ذماً شديداً )). والذي يتلخص من مجموع كلامهم أنهم لم ينقموا عليه شيئاً في سيرته، وأنه كانت عنده أصول الأشجعي التي لا شك فيها، وكان يذكر أنه سمعها من الأشجعي إلا مواضع كان يعترف أنه لم يسمعها فقصده الأئمة أحمد ويحيى وابن المديني وغيرهم يسمعون منه كتب الأشجعي فكانوا يسمعون منه، ثم حدث بأحاديث عن هشيم وشريك وغيرهما من حفظه فاستنكروا من روايته عن أولئك الشيوخ أحاديث تفرد بها عنهم، وكان عندهم أنها مما تفرد به غير أولئك الشيوخ منها حديث رواه عن هشيم عن يعلى بن عطاء، وكان عندهم أنه من أفراد حماد بن سلمة عن يعلى، فتوقف فيه أحمد لهذا الحديث حتى بان له أن غير حماد قد حدث به؛ وعذره أحمد في بقية الأحاديث، وأما ابن معين فشدد عليه وتبعه جماعة، واختلف عن ابن المديني فقيل لم يزل يحدث عنه حتى مات وقيل بل كف بأخَرَةٍ . وقال أبو حاتم: (( كان أحمد يجمل القول فيه، وكان يحيى بن معين يحمل عليه وعبيد الله القواريري ( وهو ثقة عندهم من رجال الصحيحين) أحب إليّ منه)) وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال أبو داود عن ابن معين: ((أفسد نفسه في خمسة أحاديث)) فذكرها قال ابن حجر في (التعجيل): ((وهذا عندي أعدل الأقوال فيه )» . أقول: قد ظهرت عدالة الرجل أولاً ثم عرضت تلك الأحاديث فاختلفوا فيها فمنهم من عذره ومنهم من رماه بسرقتها فالذي ينبغي التوقف عن سائر ما رواه عن غير الأشجعي. وقبول ما رواه عن الأشجعي، فإن ذلك من أصول الأشجعي باعترافهم جميعاً ولم ينكروا منها شيئاً، وأحسب أن رواية الإمام أحمد وابنه عبد الله عن إبراهيم، إنما هي مما رواه من كتب الأشجعي، وقد يكون هذا رأي الأستاذ الكوثري فقد احتج (ص ٩٩): حدثنا ... قال: حدثني إبراهيم بن أبي الليث قال: حدثني الأشجعي ... )) فأما روايته هنا فهي عن الأشجعي لكنها حكاية لا ٢٨٥ يظهر أنها كانت من أصول الأشجعي. والله أعلم . ٨ - ابراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر أبو إسحاق الفزاري . في (تاريخ بغداد) ((٣٧٣/١٣)) (( ... سمعت أبا اسحاق الفزاري يقول سمعت أبا حنيفة يقول: إيمان أبي بكر الصديق وإيمان ابليس واحد، قال إبليس: يا رب وقال أبو بكر الصديق: يا رب ... )) قال الأستاذ (ص ٤٠) ((الفزاري كان يطلق لسانه في أبي حنيفة ويعاديه من جهة أنه كان أفتى أخاه على مؤازرة ابراهيم القائم في عهد المنصور فقتل في الحرب .... وحكم شهادة العدو في مذهب الشافعي ... معروف ... ويقول ابن سعد في (الطبقات الكبرى): كان كثير الغلط في حديثه، ويقول ابن قتيبة في (المعارف) أنه كان كثير الغلط في حديثه ومثله في ( فهرست محمد بن إسحاق النديم) لكن ذلاقة لسانه في أبي حنيفة وأصحابه نفعته في رواج رواياته بين أصحاب الأغراض .... مع أن الواجب فيمن كان كثير الخطأ في حديثه الاعراض عن انفراداته .... )) وقال الاستاذ (ص ٧١): (( سامح الله أبا اسحاق الفزاري كأنه فقد اتزانه من فقد أخيه فأصبح يطلق لسانه في فقيه الملة في كل مجلس ومحفل حتى في مجلس الرشيد كما تجد ذلك في (تقدمة الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم .... وغاية ما فعل أبو حنيفة أن أفتى أخاه بما أراه الله حين استفتاه))، وقال الاستاذ (ص ٧٣): ((إنما شأنه في السير والمغازي ولم يكن ابن سعد يرضاه فيها، ويذكره بكثرة الغلط، وابن سعد ذلك الامام الكبير في السير والمغازي .... )) وقال (ص ٧٧): (( قال ابن سعد في الفزاري: كان ثقة فاضلاً صاحب سنة وغزو كثير الخطأ في حدیثه )). أقول: مدار كلام الأستاذ في أبي إسحاق على أمرين: ٢٨٦ الأول: قوله: إنه كان يعادي أبا حنيفة لافتائه أخاه بالخروج فخرج فقتل . الثاني: كثرة الخطأ، فأما العداوة فيحاول الأستاذ أن يجعلها عداوة دنيوية لأجل الفتوى مع أن ذكر الفتوى لم يقع إلا في رواية ذكرت في (تاريخ بغداد) (٣٨٤/١٣) في سندها يزيد بن يوسف الشامي فتكلم الاستاذ فيها (ص ٧٠): قال (( يزيد بن يوسف الشامي يقول ابن معين فيه: ليس بثقة، ويقول النسائي: متروك )». والكلام فيه أكثر من ذلك حتى قال ابن شاهين في الضعفاء: ((قال ابن معين: كان كذاباً)) وقال ابن حبان: ((كان سيء الحفظ كثير الوهم يرفع المراسيل ويسند الموقوف ولا يفهم فلما كثر ذلك منه سقط الاحتجاج بأفراده)). فهذه الرواية ساقطة، والثابت رواية أخرى في (تاريخ بغداد) (٣٨٤/١٣) فيها عن أبي اسحاق: ((قتل أخي مع إبراهيم الفاطمي بالبصرة فركبت لأنظر في تركته، فلقيت أبا حنيفة فقال لي من أين أقبلت؟ وأين أردت؟ فأخبرته أن أقبلت من المصيصة وأردت أخاً لي قتل مع إبراهيم، فقال أبو حنيفة: لو أنك قتلت مع أخيك كان خيراً لك من المكان الذي جئت منه ... )). وهناك رواية ثالثة في (تقدمة الجرح والتعديل) هي التي وقع فيها ما أشار إليه الأستاذ من إطلاق اللسان وفي إسنادها نظر، ولا ذكر فيها للفتوى، ولو صحت لكانت أدل على عدم الفتوى، فالحاصل أن الثابت أن أبا اسحاق بلغه قتل أخيه مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الخارج على المنصور فقدم فلقي أبا حنيفة، فسأله أبو حنيفة فأجابه أنه جاء من المصيصة - الثغر الذي كان أبو اسحاق يرابط فيه لجهاد الروم ودفعهم عن بلاد الإسلام - فقال أبو حنيفة: ((لو أنك قتلت مع أخيك كان خيراً لك من المكان الذي جئت منه)). ومن المعلوم أن أبا إسحاق حبس نفسه غالب عمره على المرابطة في الثغر والتعرض للشهادة صباح مساء فلم يكن ليغمه قتل أخيه إلا لكونه في فتنة، ولا لينقم على من رضي بقتل أخيه إلا لرضاه بما يراهُ ٢٨٧ فتنة، ولا ليستعظم قول من قال له: ((لو أنك قتلت مع أخيك .... )) إلا لما فيه من تفضيل قتال المسلمين في غير كنهه عنده على الرباط والجهاد ودفع الكفار عن بلاد الإسلام، فهذا وغيره مما يوجد في الروايات الأخرى، منها الرواية التي تقدمت أول الترجمة ،هو الذي أحفظ أبا إسحاق على أبي حنيفة فإن بلغ ذلك أن يسمى عداوة فهي عداوة دينية لا ترد بها الرواية بإجماعهم كما تقدم في القواعد، وسواء أكان الصواب استحسان الخروج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن وتفضيله على الجهاد والرباط كما رأى أبو حنيفة أم خلافه كما كان يعتقده أبو إسحاق، فإن أبا إسحاق إما مصيب مشكور وإما مخطيء مأجور، ولا بأس بالاشارة إلى وجهتي النظر: كان أبو حنيفة يستحب أو يوجب الخروج على خلفاء بني العباس لما ظهر منهم من الظلم ويرى قتالهم خيراً من قتال الكفار، وأبو اسحاق ينكر ذلك، وكان أهل العلم مختلفين في ذلك فمن كان يرى الخروج يراه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق، ومن كان يكرهه يرى أنه شق لعصا المسلمين وتفريق لكلمتهم وتشتيت لجماعتهم وتمزيق لوحدتهم وشغل لهم بقتل بعضهم بعضاً، فَتَهِنُ قوتهم وتقوى شوكة عدوهم وتتعطل ثغورهم، فيستولي عليها الكفار ويقتلون من فيها من المسلمين ويذلونهم وقد يستحكم التنازع بين المسلمين فتكون نتيجة الفشل المخزي لهم جميعاً . وقد جرب المسلمون الخروج فلم يروا منه إلا الشر، خرج الناس على عثمان يرون أنهم إنما يريدون الحق، ثم خرج أهل الجمل يرى رؤساؤهم ومعظمهم أنهم إنما يطلبون الحق فكانت ثمرة ذلك، بعد اللتيا والتي، أن انقطعت خلافة النبوة وتأسست دولة بني أمية، ثم اضطر الحسين بن علي إلى ما اضطر إليه فكانت تلك المأساة، ثم خرج أهل المدينة فكانت وقعة الحرة، ثم خرج القراء مع ابن الأشعث فماذا كان؟ ثم كانت قضية زيد بن علي وعرض عليه الروافض أن ينصروه على أن يتبرأ من أبي بكر وعمر فأبى فخذلوه، فكان ما كان، ثم خرجوا مع بني العباس ٢٨٨ فنشأت دولتهم التي رأى أبو حنيفة الخروج عليها، واحتشد الروافض مع إبراهيم الذي رأى أبو حنيفة الخروج معه، ولو كتب له النصر لاستولى الروافض على دولته، فيعود أبو حنيفة يفتي بوجوب الخروج عليهم! هذا والنصوص التي يحتج بها المانعون من الخروج والمجيزون له معروفة، والمحققون يجمعون بين ذلك بأنه إذا غلب على الظن أن ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخف جداً مما يغلب على الظن أنه يندفع به جاز الخروج وإلاّ فلا؛ وهذا النظر قد يختلف فيه المجتهدان، وأَوْلاهما بالصواب من اعتبر بالتاريخ وكان كثير المخالطة للناس والمباشرة للحروب والمعرفة بأحوال الثغور، وهكذا كان أبو إسحاق . وأما حال أبي إسحاق في الرواية فنبدأ بتلك الكلمة: ((كثير الخطأ في حديثه)) هذه الكلمة نقلها الأستاذ عن ابن سعد وابن قتيبة وابن النديم، فأقول: ابن قتيبة وابن النديم لا شأن لهما بمعرفة الرواية والخطأ والصواب فيها وأحوال الرواة ومراتبهم، وإنما فن ابن قتيبة معرفة اللغة والغريب والأدب، وابن النديم رافضي وراق، فنه معرفة أسماء الكتب التي كان يتجر فيها، وإنما أخذا تلك الكلمة من ابن سعد . وابن سعد هو محمد بن سعد بن منيع كاتب الواقدي، روى الخطيب في ترجمته أن مصعباً الزبيري قال لابن معين: ((حدثنا ابن سعد الكاتب بكذا وكذا )» فقال ابن معين: ((كذب)) واعتذر الخطيب عن هذه الكلمة وقال: ((محمد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه .. )) وقال أبو حاتم: ((يصدق)) ووفاة ابن سعد سنة ٢٣٠ فقد أدركه أصحاب الكتب الستة إدراكاً واضحاً وهو مقيم ببغداد حيث كانوا يترددون، وهو مكثر من الحديث والشيوخ وعنده فوائد كثيرة ومع ذلك لم يخرجوا عنه شيئاً إلا أن أبا داود روى عن أحمد بن عبيد وستأتي ترجمته عن ابن سعد عن أبي الوليد الطيالسي أنه قال: ((يقولون قبيصة بن وقاص له صحبة)) وهذه الحكاية ليست بحديث ولا أثر ولا ترفع حكماً ولا تضعه، والأستاذ كثيراً ما يتشبث ٢٨٩ في التليين بعدم إخراج أصحاب الكتب الستة للرجل مع ظهور العذر كما تقدم في ترجمة ابراهيم بن شماس، فأما ابن سعد فلا مظنة للعذر إلا أنهم رغبوا عنه، وأظن الأستاذ أول من منح ابن سعد لقب: ((الإمام)) ولم يقتصر عليه بل قال: ((الامام الكبير )) وتغاضى الأستاذ عن قول ابن سعد في أبي حنيفة فإنه ذكره في موضعین من (الطبقات) (ج ٦ ص ٢٥٦) و(ج ٧ قسم ٢ ص ٦٧) وقال في كلا الموضعين: ((وكان ضعيفاً في الحديث)) ولم يقرن هذه الكلمة بشيء مما قرن به كلمته في أبي إسحاق فلم يقل: ((ثقة))، ولا ((فاضل))، ولا ((صاحب سنة)) !. ومع ذلك فليس ابن سعد في معرفة الحديث ونقده ومعرفة درجات رجاله في حد أن يقبل منه تليين من ثبته غيره على أنه في أكثر كلامه إنما يتابع شيخه الواقدي، والواقدي تالف، وفي (مقدمة الفتح) في ترجمة عبد الرحمن بن شريح: (( شذ ابن سعد فقال: منكر الحديث، ولم يلتفت أحد الى ابن سعد في هذا فإن مادته من الواقدي في الغالب والواقدي ليس بمعتمد)). وفيها في ترجمة محارب بن دثار : ((قال ابن سعد: لا يحتجون به، قلت: بل احتج به الأئمة كلهم ... ولكن ابن سعد يقلد الواقدي)). وفيها في ترجمة نافع بن عمر الجمحي: ((قد قدمنا أن تضعيف ابن سعد فيه نظر لاعتماده على الواقدي )) . وقد رد الأستاذ (ص١٦٨) قول إمام النقاد علي بن المديني في أبي حنيفة: ((روى خمسين حديثاً أخطأ فيها)) فقال الأستاذ: ((لم يذكر وجه تخطئته في الحديث حتى يحتاج الى الجواب وهو على كل حال جرح غير مفسر)) وذكر (ص ١٥٨) قول ابن أبي داود: ((إن أبا حنيفة أخطأ في نصف أحاديثه)) فقال الأستاذ: (( فلا نشتغل بالرد على هذا الكلام المرسل منه جزافاً من غير أن يبين ما هو خطأه وفي أي حديث كان ذلك الخطأ، وذكر الاستاذ (ص ٩٠) قول ابن حبان في أبي حنيفة: ٢٩٠ . ((كان أجل في نفسه من أن يكذب، ولكن لم يكن الحديث شأنه، فكان يروي فيخطىء من حيث لا يعلم، ويقلب الاسناد من حيث لا يفهم، حدث بمقدار مائتي حديث أصاب منها في أربعة أحاديث، والباقية إما قلب اسنادها أو غير متنها)). فأجاب الأستاذ جواباً إجمالياً يأتي مع النظر فيه في ترجمة ابن حبان ان شاء الله، يدفع الأستاذ هذه النصوص وأضعافها بأنها لم تفسر، ويتشبث في الغض من أبي إسحاق بتلك الفخارة النيئة ((كثير الخطأ في حديثه)) محاولاً أن ينطح بها ذلك الجبل الشامخ، وإذ قد تحطمت تلك الفخارة على رأس حاملها فلنذكر تقريظ الأئمة لأبي إسحاق(١) . أما ثقته فقال ابن معين: ((ثقة ثقة))، وقال أبو حاتم: ((الثقة المأمون الامام))، وقال النسائي: ((ثقة مأمون أحد الأئمة)) ووثقه جماعة غير هؤلاء واحتج به الشيخان في ( الصحيحين) وبقية الستة والناس . وأما فقهه فقال ابن المبارك: ((ما رأيت رجلاً أفقه من أبي إسحاق الفزاري)) وقال عبد الله ابن داود الخُرَبي: ((لقول أبي إسحاق أحب إلي من قول إبراهيم النخعي )) . وأثنى عليه آخرون في الفقه . وأما معرفته بالسِّرِ فقال ابن عيينة: ((ما ينبغي أن يكون رجل أبصر بالسير (وفي نسخة: بالسنن) منه)) (٢) وقال الخليلي: (( أبو إسحاق يقتدى به وهو صاحب ( كتاب السير) نظر فيه الشافعي وأملى كتاباً على ترتيبه ورضيه )). وقال الحميدي: ((قال لي الشافعي: لم يصنف أحد في السير مثله)). وأما إمامته وفضله فقال سفيان بن عيينة: ((كان إماماً)) وقال أيضاً: (( والله ما (١) من ((تقدمة الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم و((تذكرة الحفاظ)) للذهبي ((تهذيب التهذيب )) . (٢) انظر ((تفسير سفيان بن عيينة)) جمع وتحقيق احمد صالح محايري. طبع المكتب الاسلامي. فقد قال عنه: ((كان إماماً)). زهير. ٢٩١ رأيت أحداً أقدمه عليه)) وقال الفضيل بن عياض: ((ربما اشتقت إلى المصيصة وما بي فضل الرباط (١) بل لأرى أبا إسحاق)) وقال أبو داود الطيالسي: ((مات أبو إسحاق الفزاري وليس على وجه الأرض أفضل منه)) وقال عبد الرحمن بن مهدي: (( إذا رأيت شامياً يحب الأوزاعي وأبا إسحاق فاطمئن إليه، كانا إمامَين في السنة)) وقال أبو أسامة: (( سمعت فضيل بن عياض يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم والى جنبه فرجة، فذهبت لأجلس، فقال: هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري)) والثناء على أبي إسحاق كثير، وفي هذا كفاية. فهؤلاء الأئمة ونظراؤهم الراضون عن أبي إسحاق والموافقون والمثنون عليه هم الذين سماهم الأستاذ فيما تقدم من عبارته ((أصحاب الأغراض)) وقال الأستاذ (ص٦٦) في شأن أبي إسحاق: ((حاله في علمه كما علمت وأنما وقعت ذلاقة لسانه في الوقوع في الناس موقع الإعجاب عند كثير ممن يحبون الوقوع في خصومهم بألسنة أناس آخرين فرفعوه الى غير مرتبته ! . أقول: إذا كان هؤلاء ساخطين على أبي حنيفة هذا السخط الذي يصوره الأستاذ فليت شعري من بقي غيرهم من أئمة الدين يسوغ أن يقال إنه راضٍ عن أبي حنيفة؟ وهل بقي إلا كسير وعوير، وثالث ما فيه خير ؟! وقال الأستاذ (ص ٧٧): ((قال الحافظ (؟) ابن أبي العوام: حدثني ... سمعت إسماعيل بن داود يقول: كان عبد الله بن المبارك يذكر عن أبي حنيفة فكانوا إذا اجتمعوا بالثغر - يعني المصيصة - لم يحدث ابن المبارك عن أبي حنيفة بشيء ولا يذكر أبو إسحاق الفزاري أبا حنيفة بسوء حتى يخرج ابن المبارك)) . أقول: إن صحت هذه الحكاية فإنما تدل على أدب كل من الإمامين مع صاحبه وحسن اعتقاده فيه، ولو كان ابن المبارك يرى أن أبا إسحاق يكذب على أبي حنيفة ويحكي عنه ما لم يكن ويتكلم فيه بالهوى ما ساغ لابن المبارك أن يسكت . (١) ((كانت المصيصة من ثغور المرابطة تجاه الروم، وعدم الرغبة في فضل المرابطة لانها لم تكن مفروضة عليه، وانما من فروض الكفاية. زهير. ٢٩٢ وإن تعجب فعجب ما في التعليق على (صفحة ٣٨٧ من المجلد ١٣) من (تاريخ بغداد)، ونص ذلك: (( أبو إسحاق الفزاري منكر الحديث وهذان الخبران من مناكيره)) أما إني لا أكاد أصدق أن مثل هذا يقع في مصر تحت سمع الأزهر وبصره، وقريب من هذا ما يأتي في ترجمة صالح بن أحمد فإن القضية التي كشفت عنها في (الطليعة) (ص ١٢) يعتذر عنها الأستاذ في (الترحيب) بأنه قد سبقته إليها اللجنة الأزهرية . والله المستعان . ٩ - إبراهيم بن محمد بن يحي أبو إسحاق المزْكِيّ النيسابوري. في (تاريخ بغداد) (٣٨٥/١٣) ((أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي النيسابوري حدثنا محمد بن المسيب .. )) قال الأستاذ (ص ٧١) ((لم يكن البرقاني يرضاه، وتفصيل أحواله عند الخطيب)) . أقول قال الخطيب في (التاريخ) (١٦٨/٦): (( ... وكان ثقة ثبتاً مكثراً مواصلاً للحج ... وكان عند البرقاني عنه سفط أو سفطان ولم يخرج عنه في (صحيحه) شيئاً فسألته عن ذلك فقال: حديثه كثير الغرائب وفي نفسي منه شيء فلذلك لم أرو عنه في (الصحيح). فلما حصلت بنيسابور في رحلتي إليها سألت أهلها ... فأثنوا عليه أحسن الثناء وذكروه أجمل الذكر، ثم لما رجعت الى بغداد ذكرت ذلك للبرقاني فقال قد أخرجت في (الصحيح) أحاديث كثيرة بنزول، وأعلم أنها عندي بعلو عن أبي إسحاق المزكي إلا أني لا أقدر على إخراجها لكبر السن وضعف البصر وتغذر وقوفي على خطي لدقته - أو كما قال)) أقول: فزال ما كان في نفس البرقاني من المزكي وعاد فرضيه، وكانت نيسابور في ذاك العصر دار الحديث، وحكى الخطيب عن الحاكم قال: ((كان إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي من العباد المجتهدين ... عقد له الإملاء بنيسابور سنة ٣٣٦ وهو أسود الرأس واللحية وزكَّى في تلك السنة، وكنا نعدُّ في مجلسه أربعة عشر محدثاً منهم أبو العباس الأصم، وأبو عبد الله بن الأخرم، وأبو عبد الله الصفار، ومحمد بن صالح وأقرانهم)). وكثرة الغرائب إنما تضر الراوي في أحد حالين: ٢٩٣ الأولى: أن يكون مع غرابتها منكرة عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة. الثانية : أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب . ففي الحال الأولى تكون تبعة النكارة على الراوي نفسه لظهور براءة من فوقه عنها، وفي الحال الثانية يقال من أين له هذه الغرائب الكثيرة مع قلة طلبه؟ فيتهم بسرقة الحديث كما قال ابن نمير في أبي هشام الرفاعي: ((كان أضعفنا طلباً وأكثرنا غرائب)). وحفاظ نيسابور كانوا يعرفون صاحبهم بكثرة الطلب والحرص عليه وطول الرحلة وكثرة الحديث، ولازم ذلك كثرة الغرائب، وعرفوه مع ذلك بالأمانة والفضل والثبت فلم يشكوا فيه، وهم أعرف به ولذلك رجع البرقاني الى قولهم. ١٠ - إبراهيم بن يعقوب أبو إسحاق الجُوزَجاني. قال الأستاذ (ص ١١٥) في كتاب (الجرح والتعديل): أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني فيما كتب إلي: عن أبي عبد الرحمن المقري قال: كان أبو حنيفة يحدثنا فإذا فرغ من الحديث قال: هذا الذي سمعتم كله ريح وأباطيل، ثم قال: أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني فيا كتب إلي: حدثني إسحاق بن راهويه قال: سمعت جريراً يقول: قال محمد بن جابر اليمامي: سرق أبو حنيفة كتب حماد مني)) ثم قال الأستاذ: ((وابن أبي حاتم من أعرف الناس أن الجوزجاني منحرف عن أهل الكوفة حتى استقر قول أهل النقد فيه على أنه لا يقبل له قول في أهل الكوفة، وكان ناصبياً خبيثاً حريزي المذهب، أخرجت جارية له فروجة لتذبحها فلم تجد من يذبحها فقال: سبحان الله فروجة لا يوجد من يذبحها وعليّ يذبح في ضحوة نيفاً وعشرين ألف مسلم. فمثل هذا الخبيث يصدقه ذلك التقي في أبي حنيفة)). أقول: أما الحكاية الأولى فقد عرف عن أبي حنيفة أنه يترك العمل بكثير من الأحاديث كما يأتي في قسم الفقهيات إن شاء الله تعالى، والحنفية، ومنهم الأستاذ، يعتذرون عن ذلك بما هو معروف، وأما تركه العمل بكثير من الآثار عن الصحابة والتابعين فواضح، فأي مانع أن يحدث بأشياء من ذلك ثم يقول تلك الكلمة؟ وأما ٤ ٢٩ الحكاية الثانية فيأتي النظر فيها في ترجمة محمد بن جابر إن شاء الله تعالى . وأما الجوزجاني فحافظ كبير متقن عارف وثقه تلميذه النسائي جامع ((خصائص علي)) وقائل تلك الكلمات في معاوية، ووثقه آخرون، فأما ميل الجوزجاني الى النصب فقال ابن حبان في (الثقات): ((كان حريزي المذهب ولم يكن بداعية وكان صلباً في السنة ... إلا أنه من صلابته ربما كان يتعدى طوره)) وقال ابن عدي ((كان شديد الميل الى مذهب أهل دمشق في الميل على علي)). وليس في هذا ما يبين درجته في الميل، فأما قصة الفروجة فقال ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)): ((قال السلمي عن الدار قطني بعد أن ذكر توثيقه: لكن فيه انحراف عن علي، اجتمع على بابه أصحاب الحديث فأخرجت جارية له فروجة ... )) فالسلمي هو محمد بن الحسين النيسابوري ترجمته في (لسان الميزان) (ج ٥ ص ١٤٠) تكلموا فيه حتى رموه بوضع الحديث، والدار قطني إنما ولد بعد وفاة الجوزجاني ببضع وأربعين سنة، وإنما سمع الحكاية على ما في معجم البلدان (جوزجانان) من عبدالله بن أحمد بن عدّبس ولابن عدّبس ترجمة في (تاريخ بغداد) (ج٩ ص٣٨٤) و(تهذيب تاريخ ابن عساكر) (ج ٧ ص٢٨٨) ليس فيهما ما يبين حاله فهو مجهول الحال فلا تقوم بخبره حجة، وفوق ذلك فتلك الكلمة ليست بالصريحة في البغض فقد يقولها من يرى أن فعل علي عليه السلام كان خلاف الأولى أو أنه اجتهد فأخطأ، وفي (تهذيب التهذيب) (ج ١٠ ص ٣٩١) عن ميمون بن مهران قال: (( كنت أفضل علياً على عثمان فقال عمر بن عبد العزيز: أيهما أحب إليك رجل أسرع في المال أو رجل أسرع في كذا - يعني الدماء؟ قال: فرجعت وقلت: لا أعود))، وهذا بين في أن عمر بن عبد العزيز وميمون بن مهران كانا يريان فعل عليّ خلاف الأولى أو خطأ في الاجتهاد، ولا يعد مثل هذا نصباً إذ لا يستلزم البغض بل لا ينافي الحب، وقد كره كثير من أهل العلم معاملة أبي بكر الصديق لمانعي الزكاة معاملة المرتدين ورأوا أنه أخطأ، وهم مع ذلك يحبونه ويفضلونه . ٢٩٥ فأما حط الجوزجاني على أهل الكوفة فخاص بمن كان شيعياً يبغض بعض الصحابة أو يكون ممن يظن به ذلك، وليس أبو حنيفة كذلك، ثم قد تقدم في القاعدة الرابعة من قسم القواعد النظر في حط الجوزجاني على الشيعة واتضح أنه لا يجاوز الحد وليس فيه ما يسوغ اتهامه بتعمد الحكم بالباطل، أو يخدش في روايته ما فيه غض منهم أو طعن فيهم، وتوثيق أهل العلم له يدفع ذلك البتة كما تقدم في القواعد . والله الموفق . ١١ - أحمد بن إبراهيم. راجع (الطليعة) (ص ٣١ - ٣٢). وقع في (الطليعة) (ص٣١): ((وذكر سماعه من شريك)) اعترضها الأستاذ في (الترحيب) بأنه ليس في (تهذيب التهذيب) ذكر ذلك، وصدق الأستاذ وقع الوهم في (الطليعة) لسبب الاختصار وصواب العبارة هكذا: ((ذكر الخطيب سماعه من شريك وذكر المزي في (التهذيب) شريكاً في شيوخه)). ثم ذكر الأستاذ أنه لا يحتج بالخطيب فيما هو متهم فيه، وأقول: قد تقدم في القواعد الكلام في التهمة، والخطيب حجة على كل حال، على أن نص الخطيب على سماع أحمد بن ابراهيم من شريك إنما وقع في ترجمة أحمد بن ابراهيم حيث لا عين لذكر أبي حنيفة ولا أثر، وبين تلك الترجمة وترجمة أبي حنيفة تسعة مجلدات، والخطيب لا يعلم الغيب، ولو علمه لنص على السماع عند تلك الحكاية نفسها، وكأن همّ الأستاذ في (الترحيب) أن يقال: قد أجاب، لا أن يقال: لعله قد أصاب! ١٢ - احمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبو بكر القطيعي. في (تاريخ بغداد) (٤١١/١٣) ((أخبرنا بشرى بن عبد الله الرومي تَنا أحمد بن جعفر بن حمدان ... )) قال الأستاذ (ص ١٤١): ((مختلط فاحش الاختلاط .... )) أقول: قضية الاختلاط ذكرها الخطيب في (التاريخ) (ج ٤ ص ٧٣) قال: ((حُدِثت عن أبي الحسن ابن الفرت .... )) وذكرها الذهبي في (الميزان) عن ابن الصلاح قال: ((اختل في آخر عمره حتى كان لا يعرف شيئاً مما يقرأ عليه، ذكر هذا أبو الحسن ابن الفرات)) والظاهر أن ابن الصلاح إنما أخذ ذلك مما ذكره الخطيب، ٢٩٦ ولا ندري من حدث الخطيب، ومع الجهالة به لا تثبت القصة لكن ابن حجر شدها بأن الخطيب حكى في ترجمة أحمد بن أحمد السِّيبي أنه قال: ((قدمت بغداد وأبو بكر بن مالك حي .... فقال لنا ابن الفرضي: لا تذهبوا الى ابن مالك فإنه قد ضعف واختل ومنعت ابني السماع منه)) وهذه الحكاية في (التاريخ) (ج ٤ ص ٤) لكن ليس فيها ما في تلك المنقطعة مما يقتضي فحش الاختلاط، وقد قال الذهبي في (الميزان) بعد ذكر الحكاية الأولى: ((فهذا القول غلو وإسراف)). أقول: ويدل على أنه غلو وإسراف أن المشاهير من أئمة النقد في ذلك العصر. كالدار قطني والحاكم والبرقاني لم يذكروا اختلاطاً ولا تغيراً . وقد غمزه بعضهم بشيء آخر قال الخطيب: (( كان بعض كتبه غرق فاستحدث نسخها من كتاب لم يكن فيه سماعه فغمزه الناس إلاأنا لم نر أحداً امتنع من الرواية عنه ولا ترك الاحتجاج به، وقد روى عنه من المتقدمين الدارقطني وابن شاهين .... سمعت أبا بكر البرقاني سئل عن ابن مالك فقال: كان شيخاً صالحاً .... ثم غرقت قطعة من كتبه بعد ذلك فنسخها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه فغمزوه لأجل ذلك وإلا فهو ثقة))، قال الخطيب: ((وحدثني البرقاني قال: كنت شديد التنقير عن حال ابن مالك حتى ثبت عندي أنه صدوق لا يشك في سماعه وإنما كان فيه بله، فلما غرقت ((القطيعة)) (١) بالماء الأسود غرق شيء من كتبه فنسخ بدل ما غرق من كتاب لم یکن فيه سماعه)) . أقول: أجاب ابن الجوزي في (المنتظم) (ج ٧ ص ٩٣) عن هذا بقوله: ((مثل هذا لا یطعن به علیه لأنه يجوز أن تكون تلك الكتب قد قرئت علیه وعورض بها أصله، وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني وابن شاهين والبرقاني وأبي نعيم والحاكم)). (١) هي محال ببغداد أقطعها المنصور أناساً من الأعيان ليعمروها ويسكنوها، وهي قطيعة اسحاق الأرزق وأم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور، كما في القاموس، وإليها ینسب المترجم .ان. ٢٩٧ أقول: وقال الحاكم ((ثقة مأمون))، ونسخه ما غرق من کتبه من کتاب لیس عليه سماعه يحتمل ما قال ابن الجوزي ويحتمل أن يكون ذاك الكتاب كان أصل ثقة آخر كان رفيقه في السماع فعرف مطابقته لأصله والمدار على الثقة بصحة النسخة، وقد ثبت أن الرجل في نفسه ثقة مأمون، وتلك الحكاية تحتمل ما لا ينافي ذلك فكان هو الظاهر، ولا أدري متى كان غرق القطيعة بالماء الأسود، وقد فتشت أخبار السنين في (المنتظم) فلم أره ذكر غرقاً بالماء الأسود وإنما ذكر أنه في شهر رمضان سنة ٣٦٧ غرق بعض المحال منها قطيعة أم جعفر، فإن كان ذلك هو المراد فإنما كان قبل وفاة القطيعي بنحو سنة واحدة، وقد سمع الناس منه الكتب كلها قبل ذلك مراراً وأخذت منها عدة نسخ، والذين ذكروا الاستنساخ لم يذكروا أنه روى مما استنسخه ولو علموا ذلك لذكروه لأنه أبين في التليين وأبلغ في التحذير، وليس من لازم الاستنساخ أن يروي عما استنسخه ولا أن يعزم على ذلك، وكأنهم إنما ذكروا ذلك في حياته لاحتمال أن يروي بعد ذلك عما استنسخه، وقد قال الخطيب في (الكفاية) (ص ١٠٩): ((ومذاهب النقاد للرجال غامضة دقيقة وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز فتوقف عن الاحتجاج بخبره وإن لم يكن الذي سمعه موجباً لرد الحديث ولا مسقطاً للعدالة، ويرى السامع أن ما فعله هو الأولى رجاء إن كان الراوي حياً أن يحمله على التحفظ وضبط نفسه عن الغميزة، وإن كان ميتاً أن ينزله من نقل عنه منزلته فلا يلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز؛ ومنهم من يرى أن من الإحتياط للدين إشاعة ما سمع من الأمر المكروه الذي لا يوجب إسقاط العدالة بانفراده حتى ينظر هل من أخوات ونظائر ... )) فلما ذكروا في حياة القطيعي أنه تغير وأنه استنسخ من كتاب ليس عليه سماعه كان هذا على وجه الاحتياط، ثم لما لم يذكروا في حياته ولا بعد موته أنه حدث بعد تغیر شدید أو حدث مما استنسخه من كتاب ليس عليه سماعه ولا استنكروا له رواية واحدة وأجمعوا على الاحتجاج به كما تقدم تبين بياناً واضحاً أنه لم يكن منه ما يخدش في الاحتجاج به . ٢٩٨ هذا وكتب الإمام أحمد كـ (المسند) و(الزهد)(١) كانت نسخها مشهورة متداولة قد رواها غير القطيعي وإنما اعتنوا بالقطيعي واشتهرت رواية الكتب من طريقه لعلو السند، ويأتي لهذا مزيد في ترجمة الحسن بن علي بن المذهب، والحمد لله الذي بنعمته يتم الصالحات. ١٣ - أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم، في (تاريخ بغداد) (٣٦٩/١٣): ((أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم قال: أملى علينا أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم الأبّار ... )) قال الأستاذ (ص٣٢): ((فابن رزق ... وأقل ما يقال في شيخه أنه متعصب أعمى البصيرة)). أقول: ترجمة بن سلم هذا في (التاريخ) (ج ٤ ص ٧١) وفيها: ((كان صالحاً ديناً مكثراً ثقة ثبتاً كتب عنه الدارقطني ثم نقل عن ابن أبي الفوارس قال: (( توفي أبو بكر بن سلم ... سنة ٣٦٦ وكان ثقة)). والخطيب يروي بهذا السند من مصنفات الأبار، وكذلك يروي عن الحسن بن الحسين بن دوما عن ابن سلم عن الأبار، فكل ما أسنده عن هذين عن ابن سلم عن الأبار فهو ثابت عن الأبار حتماً، لا شأن لهؤلاء الثلاثة ابن رزق وابن دوما وابن سلم فيه، فإن كانت تبعة فعلى الأبار وستأتي ترجمته . ١٤ - أحمد بن الحسن بن جنيدب أبو الحسن الترمذي الحافظ الرحال صاحب أحمد بن حنبل. في (تاريخ بغداد) (٤١٨/١٣): (( .... أحمد بن الحسن الترمذي قال سمعت أحمد بن حنبل يقول .... )) قال (١) إن تشكيك الكوثري في مسند أحمد وكتاب الزهد، التشكيك بالإمام عبد الله بن أحمد، يدل على غلبة الهوى، والغرض على العقل والعلم. وإلا فإن من هم من تلامذة الكوثري يعلمون أن صحيح الإمام البخاري غير متداول إلا من رواية الفربري لأسباب لا تخفى، وكذلك شهرة الرواية عن عبد الله بن أحمد، وعن القطيعي لها أسباب متعددة مثل البخاري. ومن هذه الأسباب: علو السند، أو التلمذة في بلد أو حسن ضبط راو، أو ... إلخ. وإلا فإن للبخاري والمسند رواة ورواة يزيد عددهم مئات المرات على رواة بعض كتب الفقه؟؟ زهير. ٢٩٩ الأستاذ (ص ١٦٣) (( وأحمد بن الحسن الترمذي من أصحاب أحمد، لا يقل تعصباً من عبد الله بن أحمد وإن روى عنه البخاري حديثاً واحداً في المغازي، وكم بين رجال البخاري من يؤخذ عنه شيء دون شيء)). أقول: هذا الرجل معروف بالحفظ والمعرفة أثنى عليه أبو حاتم وابن خزيمة وهما ممن روى عنه، وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) (ج ق ص ٤١٦) ولم يذكر بشيء من التعصب لكن كونه من أصحاب أحمد وروى عنه تلك الكلمة كاف عند الاستاذ لرميه بشدة التعصب وقد تقدم تحقيق حكم التعصب في القواعد؛ أما قلة رواية البخاري عنه فلأنه من أقرانه، والبخاري كغيره من الأئمة يتحرى علو الإسناد فلا يكاد يروي في (الصحيح) عمن هو أكبر منه بقليل فضلاً عن أقرانه، إلا ما أعوزه أن يجده عند من هو في طبقة كبار شيوخه؛ وإذا كان الرجل بحيث يؤخذ عنه الحديث في (الصحيح) فلأن تؤخذ عنه الحكايات أولى. ١٥ - أحمد بن الحسن بن خيرون. قال الأستاذ (ص ٣١): اتكلم الحافظ أبو الفضل بن طاهر في أحمد بن الحسن المعروف بابن خيرون الذي كان الخطيب سلم إليه كتبه فاحترقت تلك الكتب في بيت هذا الوصي وبينها نسخة الخطيب من (تاريخ بغداد) حتى روى الناس (تاريخ الخطيب) من نسخة ابن خيرون لا عن الخطيب، وَبَنوا فيها زيادات على ما كانوا سمعوه من الخطيب فقالوا: إن ابن خيرون هو الذي زادها حتى رمى أبو الفضل [ ابن طاهر] المقدسي ابن خيرون بكل سوء وإن لم يعجب ذلك الذهبي وقد نقل في (ميزان الاعتدل) عن ابن الجوزي أنه قال: سمعت مشايخنا يقولون إن الخطيب أوضى ابن خيرون أن يزيد وريقات في (تاريخه) وكان لا يحب أن تظهر منه في حياته، فبذلك تعلم أن الزيادة فيهلا شك فيها، لكن هناك رواية أنها كانت بوصية من الخطيب فتكون تبعة الزيادة على عاتق المؤلف نفسه، أو الزائد هو ابن خيرون فيسقط ابن خيرون من مرتبة أن يكون مقبول الرواية على رأي أبي الفضل [ابن طاهر] المقدسي ... ، ومن الغريب أن المثالب الشنيعة المتعلقة بأبي حنيفة في (تاريخ الخطيب) لم تذع إلا بعد أن تحنف ٣٠٠