Indexed OCR Text

Pages 141-160

فيه لسكناه، وأحمد بن حنبل بعدم تمحيص الرواية وعدم الغوص فيها وإن كثرت
رواياته إلخ.
فهذا التواتر الذي رفع به إمامه فوق متناول النقد؛ وفوق درجات العصمة، وأنه
أوحد الأمة وقدوة الأئمة، هذا التواتر هل كان يعرفه من أَرَّخَ أبا حنيفة؛ كالبخاري
في تواريخه الثلاثة وضعفائه، ومحمد بن نصر المروزي في كتابه «قيام الليل والوتر)»،
وابن قتيبة في ((مشكل الحديث)) له. والترمذي في جامعه في باب الاشعار، والنسائي
في «ضعفائه ومتروكيه))، وابن الجارود في ((ضعفائه ومتروكيه))، والغزالي في ((منخوله))
أو ((مستصفاه)) إلى ابن عبد البر في ((انتقائه)).
ويتهم الكوثري الشيخ اليماني صاحب التنكيل بعداوته لأبي حنيفة من أجل
تكلُّمه على مغالطات الكوثري في تأكييه، وبيان تلبيساته في هذا الكتاب((١) ، وفات
الكوثري أنه إن صحت تهمته للشيخ اليماني بهذه العداوة، فهي من باب عدو عاقل
وهو خير من صديق جاهل، وحذف الشيخ اليماني متون أسانيد الخطيب عند كلامه
على رجالها هو من باب العقل والحزم، وترك الحكم الفصل في ذلك لَعلام الغيوب،
الذي يأجر مجتهدهم وإن أخطأ أجراً واحداً ومصيبهم أجرين، فان كلام معاصري
أبي حنيفة فيه ليس بأكثر ولا أشد مما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم من خلاف
أَدَّى إلى القتال بينهم، ومع هذا نعتقد أنهم جميعاً مجتهدون: إما مصيبون فلهم
أجران، أو بعضهم مخطىء مع الاجتهاد فله أجر، ولسنا في كل وقت وبدون حاجة
ضرورية إلی ذکر اختلافهم نذكره، وإن ذكرناه لم نغفل عن فضلهم وحسن بلائهم في
الإسلام وعذرهم فيما نظن أنهم أخطأوا فيه.
فكذلك مخالفوا أبي حنيفة وجارحوه والطاعنون عليه على حد تعبير ابن عبد البر،
هكذا يرى الشيخ اليماني ما جرى بين معاصري أبي حنيفة من الكلام فيه بسبب ما
علموه عنه أنهم في ذلك مجتهدون في النصح للاسلام إن أصابوا فلهم أجران؛ وإن
(١) إن نغمة اتهام كل من يرد خبراً نسب للإمام أبي حنيفة بالعداوة والبغضاء لهذا الإمام شِنْشنة
معروفة عن الكوثري وطغمته مع أن من يردّ فريه أو يدفع باطلاً يكون موالياً لهذا الإمام الجليل
أكثر من الذين يريدون أن يثبتوا له ما لم يثبت للأنبياء من الفضائل.
١٤١

أخطأوا فلهم أجر الاجتهاد، ويرفع عنهم وزر الخطأ، لذلك كف عن ذكر المنقول
عنهم في ذلك، لهذا ولعلمه بما جاء في الحديث الصحيح الذي فيه (إن الله يجمع
المؤمنين على قنطرة على الصراط قبل دخول الجنة، ويصفي ما بينهم من خلاف
وتبعات، يتبعها العفو والتسامح والصفا، ولا يدخلون الجنة إلا وقد نُقُوا وهُذِّبوا مما
کان بينهم) (١)الذلك سکت الشيخ اليماني عن ذكر ما كان من معاصري أبي حنيفة من
طعن أو جرح، فان كان الامام سفيان الثوري قد قال في أبي حنيفة أنه ضال مضل،
لما بلغه عنه من القول بخلق القرآن الذي يدافع الكوثري عنه فيه، اخترعه من فلسفة
دال ومدلول وحقيقة ومجاز مما يخرج منه أنه ليس لله تعالى بيننا كلام نسمعه من
القارىء أو نقرؤه في المصحف، وإنما ذلك دال ومجاز عن كلام الله تعالى، فاذا كان
الثوري لم يفهم هذه الفلسفة واشتد كلامه في أبي حنيفة مجتهداً في ذلك، أصاب أو
أخطأ، فهو مأجور على كلا الحالين، والموعد عند الله يوم القيامة وعلى قنطرة الصفاء
قبل دخول الجنة يصفى ما بينهما، واليماني أحسن كل الاحسان بالسكوت عن تلك
المتون التي هزت أعصاب الكوثري، فلم يشأ أن يهزها مراراً وتكراراً، أو يهز أعصاب
غيره بلا داع.
فاذا أراد محب أبي حنيفة - ولا أقول مجنونه على حد تعبير بعضهم - أن نذكر له هذه
المتون فسأذكرها له من تاريخ الخطيب بل من الانتقاء لحافظ المغرب ومحدث الأندلس
أبي عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى.
وليخلع عليَّ الكوثري ما شاء من ألقاب النذالة والبهت في كتاب يعرضه في سوق
الوراقين ويجود عليه بنفقات طبعه بعض أهل السخاء، ویکون لي من وراء ذلك ربح
صَرْفِ الكوثري عن الخوض في أعراض خيار خلق الله تعالى.
أما ما سيفيضه عليَّ الكوثري من سبابٍ وشتائم فهي رخيصة عندي في مقابل ما
أربحه من صرفه عن هذه الأعراض الطيبة، وأكتفي بمعرفة من يصلي ورائي مقتدين
بي في المسجد الحرام جمعة وعيداً وجماعة، ومعرفة من يخالطني في دروسي وأحوالي.
A
(١) أخرجه البخاري في ((المظالم)) من صحيحه.
١٤٢

يكفيني ذلك كله ولا أحتاج أن أقول مع ذلك متمثلاً بقول الأول:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص
فهي الشهادة ليّ بأني كامل(١)
وأتمثل بقول الآخر:
إذا رضيت عني كرامُ عشيرتي
فلا زالَ غضباناً عليَّ لئامُها
وسأشرع في نقل ما أريد نقله من كتاب ابن عبد البر للغرض الذي شرحت آنفاً،
مع إيماني بأن ما جرى من معاصري أبي حنيفة ومنه ليس بأشد مما جرى بين
الصحابة، والكل مؤمنون وخلافهم عن اجتهاد يؤجر فيه أجرين والمخطىء أجراً
واحداً إن شاء الله تعالى. ولا نکابر کالكوثري فندعي توتراً لا واقع له، ليكذب به
الواقع الذي كاد يتواتر.
قال ابن عبد البر حافظ المغرب: ونبدأ بما طعن عليه، لرده بما أَصَّلَهُ لنفسه في
الفقه. ورد بذلك أخبار الآحاد الثقات، إذا لم يكن في كتاب الله تعالى، وما أجمعت
الأمة عليه، دليل على ذلك الخبر، وسماه: الخبر الشاذ وطرحه، وكان مع ذلك لا
يرى الطاعات وأعمال البر من الإيمان، فعابه بذلك أهل الحديث إهـ.
فهذا كلام ابن عبد البر في أبي حنيفة، ورأيه فيه: أنه ردّ أخبار الثقات بما أصله
لنفسه لا تابعاً في ذلك لأحد من السلف في اشتراط دلالة الكتاب والاجماع، ولا
مستنداً في هذا الرد إلى معارضة كتاب أو صحيح من السنة أو إجماع إلخ. أقول
معارضة ولا أقول باشتراط دليل من الكتاب لما يقبله من أخبار الثقات، فيطرح منها
بزعمه ما لا دليل عليه بفهمه ويسميه شاذاً، فمن ذا الذي شرط في خبر الثقات هذا
الشرط الباطل من سلف الأمة وأئمتها سوى أبي حنيفة فيما يقبله ويرفضه؟
(١) البيت للمتنبي من قصيدته التي مطلعها: لك يا منازل في القلوب منازل ...
١٤٣

ويا ليت شعري هل كان أبو حنيفة أعلم وأهدى من أهل قباء من الصحابة؟ (-)
الذين تحولوا في صلاتهم عن قبلة كانوا عليها متيقنين بها، لما أخبرهم مبر ثقة أنه صلى
مع رسول الله إلى الكعبة، فتحولوا كما هم ولا أدري هل كان عمال الزكاة الذين
يذهبون لجبايتها وجمعها من سائر القبائل معهم إجماع أو دلالة من كتاب الله على أنهم
رسُل رسول الله بَّه إليهم لأخذ زكاة أموالهم، ومن امتنع منهم عن أدائها إليهم كان
يرسل إليه النبي ◌َّليه من يؤدبه ويخضعه لأدائها وإلا قاتله. فأين الكتاب والاجماع
الذي مع هؤلاء العمال سوى صدقهم وأمانتهم؟، وعامله بخییر لما بعث إليه النبي
وسلم من يتسلم منه شيئاً من التمر بأمارة (١) يعرفها الوكيل فلم يحتج مع هذا إلى دلالة
كتاب أو اجماع، وهكذا رُسُلُ رسول الله إلى القبائل والملوك هرقل وكسرى والمقوقس
والنجاشي، يذهب إليهم رسول واحد معه رسالة رسول الله ورسله ويلقيها إليه من غير
دلالة من کتاب ولا إجماع، تشهد له أنه رسولُ رسول الله ێ سوى صدقه وثقته،
إلى آخر ما طفحت به السّنة والسيرة وعمل الصحابة والتابعين، فتبين من هذا أنه
أَصَّل له أصلا انفرد به عن سائر المسلمين. فلماذا؟ ألا يغضب الثوري وابن عيينة
ومالك من ذلك وحق لهم أن يغضبوا. وأما عدم جعله الطاعات وأعمال البر من
الايمان فالذين جعلوها من الايمان أفقه بمعرفة نصوص الكتاب والسنة من أبي حنيفة
خصوصاً وهم صحابة رسول الله صل﴿ وتابعوهم باحسان وأعرف الناس بدينهم كمالك
والثوري وابن عيينة والشافعي وأحمد ومت سلك سبيلهم، وهم أبعد الناس عن
الاعتزال والخروج والحرورية عن بينة وعلم وبصيرة، فليسوا منحازين إلى الاعتزال
ولا الخروج، والحرورية كما رماهم بذلك محب أبي حنيفة أو مجنونه انهم إذا جعلوا العمل
من الايمان كانوا منحازين إلى الاعتزال والخروج شاعرين أو غير شاعرين.
وكذب مجنون أبي حنيفة وافترى، فما منهم منحاز إلى الاعتزال والخوارج وإنما قالوا
اتباعاً للكتاب والسنة والفطرة السليمة والعقل من أن إيمان السكير العربيد لا أن
یکون کایمان جبريل وميكائيل إلخ. ولا ان ايمان آخر من يخرج من النار يكون كايمان
الرسل وأولي العزم، حاشا ذا عقل أن يقول بهذا.
(١) العلامة والإشارة.
١٤٤

قال ابن عبد البر: كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة لرده
كثيراً من أخبار الآحاد العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع
عليه، ويقول: الطاعات من الصلاة وغيرها، لا تسمى إيماناً، وكل من قال من أهل
السنة: الإيمان قول وعمل، ينكرون قوله ويبدِّعونه بذلك، وكان مع ذلك محسوداً.
لفهمه وفطنته اهـ.
(قلت) وليست الفطنة والفهم مما يبدع بهما صاحبهما عند أهل السنة إذا جرى
صاحبهما على قواعد السنة، ولم يشذ عن جادة الصواب من الكتاب والسنة. فترى
ابن عبد البر أثبت تبديع أهل السنة لأبي حنيفة وانكارهم لقوله، وأما قوله: إنه كان
مع ذلك محسوداً، فنرجىء معرفة أشخاص الحاسدين له، إلى أن نلقى ابن عبد البر
يوم القيامة فنسأله: من هم؟ هل هم مالك والثوري وابن عيينة والشافعي وأحمد
والبخاري !! أو من هم؟
قال ابن البر: ونذكر في هذا الكتاب مِنْ ذمه، والثناء عليه ما يقف فيه الناظر على
حاله. عصمنا الله وكفانا الحاسدين آمين رب العالمين (نقول معك: آمين رب
العالمين) .
قال: فممن طعن عليه وجرحه أو عبد الله محمد ابن اسماعيل البخاري، فقال في
كتابه في ((الضعفاء والمتروكين)): أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي. قال نعيم بن
حماد، نا يحيى بن سعيد، ومعاذ بن معاذ، سمعا سفيان الثوري، قال: استتيب أبو
حنيفة من الكفر مرتين. وقال نعيم الفزاري: كنت عند سفيان بن عيينة فجاء نعي
أبي حنيفة، فقال: لعنه الله، إن كان (كاد) يهدم الاسلام عروة عروة، وما ولد في
الاسلام مولود شر منه. هذا ما ذكره البخاري اهـ كلام ابن عبد البر(١).
(١) يوسف بن عبد الله القرطبي المالكي أبو عمر من كبار حفاظ الحديث، صاحب الرحلات
الطويلة والمؤلفات الكثيرة. وكان يقال له: حافظ المغرب ولد سنة ٣٦٨ في قرطبة. وكانت
وفاته سنة ٤٦٣ بـ ((شاطبة)) وقد تَخَّلَ الكوثري في الإعتراض عليه لأنه قدم الإمام مالك
والإمام الشافعي على الإمام أبي حنيفة في كتابه ((الإنتقاء)) أضف إلى ما يضمره من عداوة لكل
من خدم الحديث النبوي.
١٤٥

وليتحفنا الكوثري بِعَدِّه الثوريَّ وابن عيينه، ويحيى القطان، ومعاذ العنبريَ ونعيم
ابن حمادَ والبخاري وابن عبد البر، في عداد الحاسدين لأبي حنيفة، أما نحن فنصبر إلى
أن يجمعهم الله يوم القيامة على قنطرة القصاص فيقتص لمظلومهم من ظالمه، وأما في
الدنيا فنقول: رحم الله الجميع وتجاوز عن سيئاتهم وأخطائهم ﴿ربنا اغفر لنا ولإخْوانِنَا
الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعلْ في قلوبنا غِلًّ للذين آمنوا رَبَّنَا إنك رؤوفٌ رحيمٌ﴾(١)
ونقول: ﴿تلك أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لها ما كَسَبَتْ ولكم ما كسبتم ولا تُسْتَلُونَ عَمَّا كانوا
يَعْمَلُون﴾ (٢).
.وقال ابن عبد البر: وقد نقل عن مالك رحمه الله تعالى أنه قال في أبي حنيفة ما ذكر
عن سفيان: شر مولود في الاسلام، وأنه لو خرج على هذه الأمة بالسيف كان أهون.
قال عبد البر: وروي عنه - أي عن مالك - أنه سئل عن قول عمر: بالعراق الداء
العضال فقال: أبو حنيفة.
قال ابن عبد البر: رَوَى ذلك كله عن مالك أهلُ الحديث، وأما أصحاب مالك
من أهل الرأي فلم يرووا من ذلك شيئاً عن مالك اهـ.
وابن عبد البر يعلم أن سكوت الساكت ليس حجة على رواية الرواي، وأن
الحديث من أصحاب مالك، كابن وهب(2)، ويحيى بن يحيى [النيسابوريا(٤) والقعنبي (٥)،
(١) سورة الحشر: ١٠.
(٢) سورة البقرة: ١٣٤ .
(٣) هو عبد الله بن وهب ابن مسلم. ولد بمصر سنة ١٢٥ روى عن نحو ٤٠٠ شيخ من كبار
المحدثين بمصر والحجاز والعراق وقد وثقه الامام أحمد ويحيى بن معين، وسماه الامام مالك:
الفقيه. وكان من أهل الصلاح والخوف من الله. وكانت وفاته بمصر سنة ١٩٧ وقد طعن به
الكوثري وجعله من الرواة البعيدين عن الفقه غير المميزين .. فتأمل.
(٤) هو الامام الجليل يحيى بن يحيى بن بكر التميمي النيسابوري ممن روى عنه البخاري ومسلم
وجمع غفير بل لم يرو مسلم الموطأ إلا عنه. وقال الامام أحمد بن حنبل: ما اخرجت نيسابور
تعد ابن المبارك مثل يحيى بن يحيى، وكان من أهل الورع الشديد. وكان يقول: من قال:
القرآن مخلوق فهو كافر.
(٥) هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب المدني سكن البصرة وكانت وفاته بمكة سنة ٢٢١.
١٤٦

والتنيسي، ويحي القطان وغيرهم من رجال الكتب الستة الذين رووا عن مالك هم
أوثق من أصحاب الرأي من أصحابه فكيف سكت أهل الرأي ولم يخالفوا المحدثين
إلا بسكوتهم؟
قال ابن عبد البر: وقال ابن الجارود في كتابه: في ((الضعفاء والمتروكين: النعمان
ابن ثابت أبو حنيفة: جُلَّ حديثه وَهْمٌ، وقد اختلف في إسلامه)). قال ابن عبد البر:
وهذا ومثله لا يخفى على من أحسن النظر والتأمل فيه.
أقول: (١) نعم التشكيك في اسلام رجل من أهل القبلة ليس من قواعد الاسلام.
فلنا ظاهر أهل القبلة، وباطنهم الى الله، وننكر ما يخالف الصراط السوي منهم،
ونبين وجه الدين والسنة لمن خالفها، ولا نقول فيه: إنه الإمام الأعظم، ولا أنه قدوة
الأئمة، ومقتدى الأمة، ولم ينتفع بأحد ما انتفع به إلخ، هذا الغلو السمج.
ونعتبر بما قال ابن الجارود: إن جل حديثه وهم(٢) فلم يكن له من معرفة صحيح
الحدیث ما يرد به الزائد الى الناقص، ویتحکم في صحاح الأحاديث بالرد، بدعوى
عدم دليل عليها من الكتاب والسنة، كما زعمه له الزاعمون.
قال عبد البر بسنده الى أحمد بن حنبل، عن عبد الرحمن ابن مهدي: سألت
سفيان - يعني الثوري - عن حديث عاصم، في المرتدة، فقال: أما عن ثقة فلا. قال
ابن أبي خيثمة: وكان أبو حنيفة يروي حديث المرتدة عن عاصم الأحوال اهـ. ولا
يحضرني الآن هذا الحديث فمن عرفه فليتكرم به مشكوراً!
وبسنده الی و کیع قال سمعت أبا حنيفة قال: سمعت عطاء، إن کان سمعہ ـ فدعوى
أبي حنيفة السماع من عطاء موضع شك عند وكيع؛ فليستح من ادعى له سماع
ثلاثين من الصحابة - من هذه المهاترة.
(١) القائل: هو المؤلف الشيخ عبد الرزاق حمزة.
(٢) ولابن الجارود سلف من أئمة الحديث في هذه الجملة؛ فراجع ((سلسلة الأحاديث الضعيفة))
للشيخ ناصر الدين الألباني (٤ /٧٨، ٨٦/٥) و(ص - ٥) من رسالة التوضيح للأستاذ زهير
الشاويش. التي قدم بها ((شرح العقيدة الطحاوية)).
١٤٧

قال ابن عبد البر: وذكر الساجي في كتاب ((العلل)) أنه - يعني أبا حنيفة - استتيب
في خلق القرآن فتاب، والساجي كان ينافس أصحاب أبي حنيفة.
أقول: والعتب عليك يا ابن عبد البر ان كنت ترى منافسته لهم تحمله على الكذب
على إمامهم، ثم تملاء كتابك بالنقل عنه، أو لعلّك أردت بذلك تأشيرة المرور فقط
عند مجانين أبي حنيفة، قال ابن عبد البر: وذكر الساجي عن أبي السائب عن وكيع
"ابن الجراح قال: وجدت أبا حنيفة خالف مائتي حديث عن رسول الله بَّر، (قلت)
لعله خالفها إلى الرأي الحسن، وهل الدين إلا الرأي الحسن؟ وبما أصله؛ من
عَرْضِهَا على الكتاب والاجماع، وان شَذَّ بذلك عن صراط الصحابة والتابعين.
ومن طريق الساجي، عن محمد بن نوح المدائني، عن معلى بن أسد، قلت لابن
المبارك: كان الناس يقولون انك تذهب إلى قول أبي حنيفة، قال: ليس كل ما يقول
الناسُ يصيبون فيه، قد كنا نأتيه زمانا ونحن لا نعرفه، فلما عرفناه تركناه. (قلت)
فهذا ابن المبارك شيخ شيوخ الجماعة ترك أبا حنيفة بعد معرفته به. وبسند ابن عبد
البر إلى أحمد بن زهير: كان أبي يقرأ علينا في أصل كتابه حديث أهل الكوفة، وإذا مر
بأحاديث عن أبي حنيفة لم يقرأها علينا، فهذا زهير بن معاوية شيخ شيوخ الجماعة
يترك أبا حنيفة وأحاديثه، لماذا؟ وبسند ابن عبد البر إلى سفيان بن عيينة قال: كان أبو
حنيفة يضرب بحديث رسول الله ﴿﴿ الأمثال فيرده بعلمه، حدثته عن رسول الله
وَليه: ((البيعان بالخيار)) فقال أبو حنيفة: أرأيتم إن كانوا في سفينة كيف يفترقون؟ هل
سمعتم بشرّ من هذا؟ اهـ والحديث بالتثنية. والمثل المضروب لرده بالجمع، ولا بأس
بذلك عند من يقول: ولو ضربه (بأبا قبيس). قلت: ولمن يدافع عن حديث رسول
اللهِ وَلّ أن يقول: إفتراق كل شيء بحسبه، والسفينة لها مقدم ومؤخر وظهر وبطن،
وجانب أيمن وأيسر ولها جوانب، ومن السفن ما هو كالمدينة، وذكروا منها ما على
ظهره سباق خيل ومطبعة صحيفة أخبار.
ولو عاش أبو حنيفة حتى رأى الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، التي هي مدن
متحركة على ظهر البحر يضيع فيها الانسان لسعتها وتعدد طبقاتها وغرفها، لعله كان
١٤٨

لا يقول: كيف يفترقان؟ وإن كان الحديث ليس على شرطه من دلالة الكتاب
والاجماع عليه!
قال ابن البر. وذكر الساجي عن أبي حاتم الرازي عن العباس بن عبد العظيم
العنبري عن محمد ابن يونس قال: إنما استتيب أبو حنيفة لأنه قال: القرآن مخلوق،
واستتابه عيسى بن موسى اهـ. فليكذّب الكوثري الخطيب وليصدق ابن عبد البر أو ".
لیکذبه مع الخطيب.
وبسنده إلى أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري (وليس بوضاع كما افتراه عليه
الكوثري) قال أبو عوانة: سمعت أبا حنيفة سئل عن الاشربة - يعني الانبذة
المسكرة - فما سئل عن شيء إلا قال حلال، فسئل عن السكر فقال: حلال. فقلت:
يا هؤلاء إنها زلة عالم فلا تأخذوا عنه. اهـ. وسيدافع مجنون أبي حنيفة عنه أن الخمر
المحرمة إنما هي من العنب فقط، وإن كانت المدينة لا تعرف خمر العنب عند ما نزل
تحريم الخمر، وإنما كان خمرهم من البسر والرطب كما في حديث أنس وغيره.
وأسند ابن عبد البر عن محمد بن جرير الطبري بسنده الى الحكم بن واقد: رأيت
أبا حنيفة يفتي من أول النهار الى أن يعلى النهار، فلما خف عنه الناس دنوت منه
فقلت: يا أبا حنيفة لو أن أبا بكر وعمر في مجلسنا، ثم ورد عليهما ما ورد عليك من
هذه المسائل المشكلة لكفّا عن بعض الجواب ووقفا عنه، فنظر إليه وقال: أمحموم
أنت؟ يعني مبرسما اهـ ص ١٤٧ .
فليردَّ أبي حنيفة ما في هذه الحكاية من علم طريف في السند والمتن، وهل تؤيد
حكاية السائل الخرساني حامل المائة الف مسألة، وهل استغراب الحكم بن واقد من
جرأة أبي حنيفة من نوع استغراب ابن عيينة للجرأة على الفتوى فيما لا يعقل من
المسائل، أو ذلك لون آخر، وعلى كل حال فهي مادة ليكتب عها مجنون أبي حنيفة،
ونرجو منه عذراً لابن عبد البر في إخراجها وليكن غير حسد الحكم بن واقد إو غيره
من أحد رواتها، وفيهم امام المفسرين والمحدثين ابن جرير رحمه الله تعالى.
وبسند ابن عبد البرص ١٤٨ الى أبي أسامة حماد بن أسامة قال: مَرَّ قوم على رقبة -
لعله ابن مصقلة - فقال: من أين جئتم؟ قالوا: من عند أبي حنيفة، فقال: يكفيكم
من رأيه ما مضغتم، وترجعون الى أهليكم بغير ثقة اهـ.
١٤٩

نقول الرقبة: لعلك لم تذق لذة الرأي الحسن، والعقلية الجبارة، التي عند قدوة
الأئمة، ومقتدى الأمة، فسميت ما سمعوا من رأيه مضغاً كمضغ العلك. وإنما
الغريب رجوعهم عنه بغير ثقة، فهل كنت يا رقبة حاسداً للإمام الأعظم؟ أم كنت
ناصحاً، والعجب أن يسكت هؤلاء الراجعون عن أبي حنيفة على كلام رقبة في أبي
حنيفة، وما مضغوه من رأيه ورجوعهم منه بغير ثقة، فلم يعارضوا رقبة ولم یسکتوه،
ولم يؤلفوا فيه كتأنيب الكوثري، ولكن ما سكت عنه هؤلاء الراجعون من مجلس أبي
حنيفة، لا يمكن أن يسكت عنه مجنون أبي حنيفة، بل سترى الطرائف والظرائف منه
في رقبة ومن دونه من رجال السند، حتى أحمد بن زهير، اللهم سلمه من لسانه
وقلمه، واحفظ عرضه طاهراً من ولوغ الوالغين.
قال ابن عبد البر ص ١٤٨. بسنده الى ابن عيينة، قال: مر رجل بمسعر بن كدام
فقال: أين تريد؟ قال: أريد أبا حنيفة. قال: يكفيك من رأيه ما مضغت، وترجع
إلى أهلك بغير ثقة.
والمناقشة مع مسعر بن كدام كالمناقشة مع رقبة، أنه لم يذق طعم الرأي الحسن، ولم
يعرف تلك العقلية الجبارة، فسمى سماعها مضغاً، ولكن العجب أن يكون الامام
الأعظم وقدوة الأئمة، ومقتدى الامة، عنده غير ثقة، سنرى ونسمع ما لم نر ولم
نسمع، فلنتمهل حتى نرى تأنيباً جديداً، أو طبعة أخرى لتأنيب الأول يضم فيها ابن
عبد البر خصما آخر لأصحاب العقول الجبارة، فضلا عن مسعر بن كدام، ورقبة،
والثوري، وابن عيينة.
قال ابن عبد البرص ١٥٠: وذكر الساجي عن بندار ومحمد بن المقرى عن معاذ
ابن معاذ العنبري عن سفيان الثوري قال: استتيب أبو حنيفة مرتين. اهـ
ولعل الثوري ذلك الامام الزاهد الورع التقي المحدث كان حاسداً للامام الأعظم
ذي العقلية الجبارة، والرأى الحسن قدوة الأئمة ومقتدى الأمة الذي لم ينتفع
بأصحاب أحد ما انتفع الناس بأصحابه(١)، فنتركهم إلى قنطرة القصاص قبل دخول
(١) ان هذا الاطلاق من الكوثري يشمل أصحاب رسول الله صلاته. كما يشمل أصحاب الصحابة
والتابعين فهل يريد القول: ان الناس انتفعوا باصحاب أبي حنيفة أكثر من انتفاعهم بمن نقل =
١٥٠

الجنة ونقول: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غَلّ
للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾(١) ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما
كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون﴾(٢)
وذكر ص ١٥١: عن أبي عبد الرحمن المقرىء قال: دعاني أبو حنيفة إلى الإرجاء
غير مرة فلم أجبه. اهـ. وحسنا فعل أبو عبد الرحمن المقرىء إذا وقف مع سواد أهل
السُّنة، والجماعة في الايمان ولم يقل: إن إيمان السكير كايمان جبيريل وميكائيل.
وذكر ابن عبد البر ص ١٥١ : عن أحمد بن سنان القطان قال: سمعت علي بن
عاصم قال: قلت لأبي حنيفة: حديث ابراهيم عن علقمة عن ابن مسعود: أن النبي
وَّ صلى خمسا - أي سهواً - فأخذ أبو حنيفة شيئاً من الأرض ورمى به، وقال: إن
كان جلس في الرابعة مقدار التشهد، وإلا فلا تساوي صلاته هذه - أي القشة التي
أخذها من الأرض.
ولا ندري ما هو الأصل الذي أصله أبو حنيفة رحمه الله تعالى في ردّ صلاة رسول الله
وَيّ والاستدراك عليه وتصحيح ما يراه منها صحيحاً، وإبطال ما يراه منها باطلا، لا
نعرف لذلك أصلا، إلا أن يكون ذلك هو الرأي الحسن، وحاشاه يقول ذلك(٣) في
العبادات، وأحسن الظن به، أنه لم يصدق حديث ابراهيم عن علقمة عن ابن
مسعود، غير أن التعبير الأبعد عن الايهام أن يقول: لعل ذلك لم يصح عن النبي
﴿َ، فان صح فسمعاً وطاعة ﴿إنما كانَ قَوْلَ المؤمنين إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورسولِهِ لَيَحْكُمَ
بينهم أن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وأولئك هُمُ المفلحون﴾(٤) وحينئذ يكون طعناً في صدق
= علم النبي ﴿ !! او ان انتفاعهم باصحاب عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن
مسعود، وعائشة رضي الله عنهم کان اقل من انتفاعهم بآراء اصحاب النعمان !! إن كان هذا
مقصود الكوثري فسبحانك اللهم. هذا بهتان عظيم.
(١) سورة الحشر: ١٠.
(٢) سورة البقرة: ١٣٤.
(٣) ان استغراب الشيخ عبد الرزاق حمزة أن يقول الامام ابو حنيفة مثل هذا في غاية الانصاف
والتماس العذر جزاه الله كل خير.
(٤) سورة النور: ٥١.
١٥١

ابراهيم أو علقمة أو ابن مسعود، وذلك كله أهون من تخطئة رسول الله والخير التي هي كفر
بالاجماع.
وأسند ابن عبد البر ص ١٥١: عن بشر بن المفضل قال: قلت لأبي حنيفة: نافع
عن ابن عمر أن النبي: وسلم قال: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار)) قال: هذا
رجز؟! فقلت: قتادة عن أنس، أن يهودياً رض رأس جارية بين حجرين فرضَّ النبي
رأسه بين حجرين، فقال: هذا هذيان.
وعسى أن يكون بشر بن المفضل قد وهم في هذا النقل عن أبي حنيفة أو عَمِّنْ دونه
فلا يقع في قلوبنا عن مسلم أن يقول مثل هذا، وأحسن محامله أن يكون شكاً في رواة
الحديث، والعتب على ابن عبد البر أن يسكت على مثل هذا بعد روايته في كتاب كَتَبَهُ
في فضائل الأئمة ومنهم أبو حنيفة !!
وأسند ابن عبد البرص ١٣٢ عن عبد الله بن عثمان قال: سمعت عبد الله بن
المبارك يقول: كان أبو حنيفة قديماً، أدرك الشعبي والنخعي وغيرهما من الأكابر،
وكان بصيراً بالرأي يسلم له فيه، ولكنه كان تهيما(١) في الحديث. اهـ وإذن لم يعترف
له ابن المبارك بادراك صحابي واحد، فأقدم ما عنده الشعبي والنخعي.
والذي في النسخة تهيما في الحديث أي متهما فيه، والذي أحفظه فيما نقله محمد بن
نصر المروزي يتيما في الحديث، أي قليل البضاعة فيه، وهذه أهون من ذلك، وأیا
كان ابن المبارك لا يعترف لأبي حنيفة بعلم الحديث إلا يُتما أو اتهاما فيه، لا أنه امام
فيه يرد ما شاء منه بما أصل لنفسه من أصول أو فطنة أو ذكاء، وإنما هي الجرأة التي
انفرد بها عن الأئمة.
(١) هذا ما يقوله الامام العابد المجاهد عبد الله المبارك عن منزلة الامام أبي حنيفة في الحديث.
فما هو رد الذين يجعلون ابن المبارك من تلاميذ أبي حنيفة، بل ويعدونه من مفاخر مذهبه تجاه هذه
الشهادة منه عليه. وما أظن أن أبا غدة سيكون موقفه إلا العداء الشديد لابن المبارك لشهادته
هذه في الامام أبي حنيفة ولألحقه بمن طعن فيهم من الأئمة.
(٢) أخرجه الترمذي بنحوه وقال: والموقوف أصح.
١٥٢

وأسند ابن البر ص ١٥٧ من طريق أبي يعقوب المكي عن عثمان بن زائدة قال:
کنت عند أبي حنيفة فقال له: ما قولك في الشرب في قدح أو کأس في بعض جوانبها
فضة؟ فقال: لا بأس به، فقال عثمان: فقلت له: ما الحجة في ذلك؟ فقال: أما ورد
النهي عن الشرب في إناء الفضة والذهب، فما كان غير الذهب والفضة فلا بأس بما
كان فيهما منهما، ثم قال: يا عثمان ما تقول في رجل مرّ على نهر وقد أصابه عطش
وليس معه اناء فاغترف الماء من النهر فشربه بكفه وفي أصبعه خاتم - أي فضة -
فقلت: لا بأس بذلك. قال: كذلك. قال عثمان: فما رأيت أحضر جواباً منه.
ونحن بدورنا نحمد الله تعالى على التحلل من هذا القياس من تلك العقلية الجبارة
قياس جواز الشرب في إناء مضبب بذهب أو فضة قد تكون الضبة أكثر حجم الأناء،
وأظهره وأكثره على جواز الشرب باليد فيها الخاتم، واقل الناس تفكيراً يدرك الفرق
بين يد فيها خاتم فضة يأكل ويشرب بها، إن ذلك ليس استعمالا لآنية فضة، وبين اناء
ضبب أو خلط فيه الذهب بغيره سبكا، وليتهنَّ الذين يشربون ويأكلون في أواني
الذهب والفضة بما أضيف سبكا إليها من نحاس قليل للصلابة والقوة أنهم يستعملون
ما يباح، كالاغتراف بيد فيها خاتم فضة، أما من ليس لهم هذه العقول الجبارة
فيحمدون الله تعالى على نعمته عليهم بعدم هذه العقول الجبارة التي أباحت لهم هذه
الأواني المنهي عنها.
وأسند ص ١٥٤: عن المذكور بسنده إلى علي بن المديني يقول: حدثت أن رجلا
من القواد تزوج امرأة سراً فولدت منه، ثم جحدها، فحاكمته إلى ابن أبي ليلى، فقال
لها: هات بينة على النكاح، فقالت : إنما تزوجني على أن الله عز وجل الولي،
والشاهدان الملكان، فقال لها: اذهبي وطردها فأتت المرأة أبا حنيفة مستغيثة، فذكرت
له، فقال: لها ارجعي إلى ابن أبي ليلى فقولي له: إني قد وجدت بينة، فاذا هو دعا به
ليشهد عليه، قولي: أصلح الله القاضي، يقول هو كافر بالولي والشاهدين، فقال له
ابن أبي ليلى ذلك فنكل ولم يستطع أن يقول ذلك، وأقر بالتزويج (التزوج) فألزمه
المهر وألحق به الولد اهـ
أقول: إذا تجاوزنا ما صيغت به الحكاية للاشادة بذكاء أبي حنيفة وفطنته وإنقاذه
١٥٣

لحرج الموقف، ونفع هذه الخدن الموطؤوة سراً بلا ولي ولا شهود ولا مهر حتى حملت
ووضعت. إذا تجاوزنا عن هذا كله فالعجب من تصوير الحكاية بحيث يخفى على
قاضي الكوفة ابن أبي ليلى أن النكاح باطل ولو اعترف به الواطىء المتخذ خِدْناً الخلوه
من ولي وشاهدين شرطتها الأحاديث وظاهر القرآن، كحديث: (لا نكاح إلا بولي
وشاهدي عدل)(١)، (والسلطان ولي من لا ولى له)(٢)، وحديث: (البغي أو العاهر هي
التي تزوج نفسها)(٣)، وحديث: (البكر تُستأذن والأيم تُستأمر)(٤) وقول الله تعالى:
﴿و إذا طلقتم النساء فِبَلَغْنَ أجلهنَّ فلا تَعْضُلُوهُنَّ أن ينكحن أَزْوَاجَهُنَّ إذا تَرَاضَوُا
بَيْنَهُمْ بِاْلَعْرُوفِ﴾ (٥) فخاطب الأولياء بالنهي عن العضل لأنهم هم الذين بيدهم أمر
إبرام النكاح وعقده.
وما أدري ماذا كانت فائدة هذه الحيلة إذا كان الواطىء المخادن لبقاً فأجاب
القاضي: اني أومن بالله وملائكته، ولكن الله تعالى لم يشرع نكاحاً ليس فيه وليّ ولا
شهود من الآدميين وجحد وطء المرأة، أفما كان عليها الرجم أو على الأقل التعزير.
ثم الذين يقولون بمقتضى هذه الحكاية هل لنا أن يسألهم عن الفرق بين هذا
النكاح المدعى صحته، وبين سفاح المخادنة السري وما يسمى في هذا العصر بخادمة
السرير (كمريره) وقصة الخليعة انجريد السويدية وولادتها ولداً من سفاح ومن عشيق
طلياني اعترف بولدها منه، وأمثالها كثير، وكثير لا يحصى، تذكره الصحف الناشرة للخلاعة
عن الأفرنج ومن سار على منهجهم في الفسوق والفجور. هل هناك فرق ديني من
كتاب أو سنة بين هذه الأنواع من الفسق والفجور والمخادنة، وبين هذا النكاح الذي
صورته الحكاية صحيحاً عن أبي حنيفة وألزم به القاضي بزعمه، وساقوا حكايته
(١) رواه البيهقي بإسنادٍ صحيح كما قال الذهبي فيما نقله المناوي في ((فيض القدير)) و ((التيسير
لشرح الجامع الصغير)) و((صحيح الجامع الصغير)) ٧٤٣٣.
(٢) هو طرف من حديث أوّله: ((أيما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليّها ... )) أخرجه أحمد وأبو داود
وغيرهما، وحسَّنه الترمذي؛ وصَحّحهُ ابن حبّان كما قال المناوي.
(٣) أخرجه الترمذي بنحوه وقال: والموقوف أصح.
(٤) رواه مسلم انظر ((مختصر مسلم)) رقم ٨٠٢.
(٥) سورة البقرة: ٢٣٢ .
١٥٤
٠٠

لاثبات عبقرية أبي حنيفة(١)
وأسند ابن عبد البر ص ١٥٧ إلى حكام بن سلم قيل لأبي حنيفة ان العزرمي يقول:
(«سافرت عائشة مع غير محرم)) فقال أبو حنيفة: وما يدري العزرمي ما هذا؟ كانت
عائشة أم المؤمنين كلهم، فكانت من كل الناس ذات محرم اهـ
ولا أدري هل كان العزرمي يلتزم جميع لوازم الأمومة من خلوة وكشف زينة
وتوارث، أم يقتصر بها على الحرمة، حرمة الزواج بها المنصوصة في القرآن، والاحترام
والمودة فقط. وما لنا نسأل العزرمي، وإنما نسأل مصور الحكاية هل هذه الأمومة
حرمت أخوات أمهات المؤمنين وبناتهن على المؤمنين، وأجازت لهن الخلوة وكشف
الزينة على المؤمنين، فضلا عن قسمة ما يملكنه تعد موتهن على أبنائهن المؤمنين الخ .
أما سفر عائشة رضي الله عنها بغير محرم فلها عند الله عذر وتأويل نتركه لها. ولها
عندنا من الحسنات ما يغطي ذلك.
وأسند ص ١٥٨: عن زفر بن الهذيل قال: اجتمع أبو حنيفة، وابن أبي ليلى
وجماعة من العلماء في وليمة لقوم، فأتوهم بطيب في مدهن فضة، فأبوا أن يستعملوه
لحال المدهن، فأخذه أبو حنيفة وسلته بأصبعه وجعله في كفه، ثم تطيب به. وقال
لهم: ألم تعلموا أن أنس بن مالك أُتي بخبيص في جام فضة فقلبه على رغيف ثم
أکله! فتعجبوا من فطنته وعقله؛ اهـ.
وعجبي من مصور الحكاية أن يفوته أن أخذ أبي حنيفة للمدهن وسلت الطيب
منه، هو استعمال للمدهن الفضة واقرار هذا الاستعمال، فاذا قصد بها ذکر ذكاء أبي
حنيفة، فقد حطه في الفهم والورع من حيث لا يشعر، فتناول آنية فضة وإخراج ما
فيها، هو استعمال لا يخفى على من دون أبي حنيفة.
(١) وفساد هذا الرأي ادركه احد كبار المتعصبة للاحناف في هذا العصر فقد استفتى بحالة مماثلة
جرت في اوربة فأفتى بفساد دعوى الزواج، ومنع إلحاق الولد. فهل فعل ذلك اجتهاداً منه مع
مخالفته لابي حنيفة؟ ام فعله بناء على انه من الامور الحادثة التي لم يعرفها الأئمة مثل: ((التأمين،
والعقود التجارية، وانواع الربا)) الخ. اللهم احفظ ديننا وعقولنا.
١٥٥

وأما استشهاده بقصة أنس فانا نطلب ممنْ وقف عليها مسندة في غير هذه الحكاية
أن يتحفنا بها، لكن لا من طريق ابن الثلجي، ولا الحسن اللؤلؤي وأمثالهما، ولا أن
تكون بسند فيه أبو حنيفة لأنها ادعيت لذكائه، فالتهمة فيها ظاهرة.
وأسند ابن عبد البرص ١٥٩: إلى حمزة بن عبد الله الخزاعي: أن أبا حنيفة هرب من
بيعة المنصور (مع) جماعة من الفقهاء، قال أبو حنيفة: لي فيهم أسوة، فخرج مع
أولئك الفقهاء، فلما دخلوا على المنصور أقبل على أبي حنيفة وحده من بينهم، فقال له:
أنت صاحب حيل، فالله شاهد عليك، أنك بايعتني صادقاً من قلبك، قال: الله
يشهد عليّ حتى تقوم الساعة، قال: حسبك. فلما خرج أبو حنيفة قال له أصحابه:
حكمت على نفسك ببيعته حتى تقوم الساعة، قال: إنما عنيت حتى تقوم الساعة من
مجلسك إلى بول أو غائط أو حاجة أو حتى يقوم من مجلسه ذلك. اهـ
والعجب لحاكي الحكاية أن يخفى عليه حديث: ((يمينك على ما يصدقك عليه
خصمك»(١) لعله لا يصدق به، وإن کان في الصحیح ۔ صحيح مسلم - لأنه ليس على
شرط أصحاب العقلية الجبارة، فلعله عندهم شاذ أو مرفوض بالرأي الحسن
والأصول التي أصلها صاحب العقلية الجبارة.
فأبو جعفر المنصور فهم من عهد أبي حنيفة، واشهاد الله عليه التأييد من قوله:
(حتى تقوم الساعة) وهو الفهم المتبادر من أمثال هذا التعبير، وأبو حنيفة قصد إلى
فهم بعيد خفي لا يدل عليه سياق ولا قرينة ولا شاهد حال.
وبعد فلو فتحنا هذا الباب من التلاعب بالألفاظ والكنايات الخفية لما استقام
للناس عهد ولا عقد ولاخْتَلَتْ معاملاتهم وعقودهم ولم يبق اطمئنان ولا ثقة بعهد ولا
عقد ولا قسم، وخذ ما شئت من الفوضى ومرج العهود ما شئت في ذلك، ولو خرج
(١) بل ان ثبتت عن الامام أبي حنيفة بطريق صحيح فنقبل بها، لان هذا الامام من أهل الصدق
والامانة، وضعفة من جهة حفظه فهو المعتمد .. وهذا لا يقدح في إمامته. بل الذي يقدح في
امامته التعصب البغيض له حيث يعطي فوق قدرة البشر. وانظر تفصيل ذلك في ((التوضيح))
الذي قدم به شرح العقيدة الطحاوية الشيخ زهير الشاويش.
.
١٥٦

أبو حنيفة على أبي جعفر المنصور بناء على ما أخفاه في قلبه من تقییده بيعته بمجلسه إلى أن
يقوم لبول أو غائط، وظفر به المنصور بعد خروجه عليه وصلبه - منفذاً فيه حكم
الخوارج - لما كان ملاماً عند الله تعالى، لأنه عاقب خارجاً ناكثاً ببيعته أعطاها مع
القسم، واشهاد الله تعالى على أبديتها بكلام فهم منه المنصور ذلك، وفهم منه
الحاضرون ذلك؛ ولو استشهد المنصور الحاضرين لشهدوا انه بايعه بيعة أبدية ولا
ينفع أبا حنيفة - لا عند الله ولا عند الناس - أنه قصد بقوله: (حتى تقوم الساعة) قيام
المنصور لبول أو غائط من مجلسه ذلك لأنه قَصْد خفي مستتر لا تدل عليه العبارة ولا
شواهد الحال ولا قرينة صارفة عن الظاهر المتبادر الذي فهمه المنصور والحاضرون معه
في المجلس، والذي يفهمه كل ذي فهم مستقيم لم ينحرف عن الجادة بهذه الحيل.
وحديث: (في المعاريض غنية للبيب عن الكذب)(١) لا يدخل في نطاقه العهود
والمواثيق والأيمان والعقود والخصومات، لأنه في باب الأخبار إبعاداً للكذب عنها
بالمعاريض، لا في باب الانشاء للعقود والعهود، وإلا فقل في فساد العقود والمعاملات
ما شئت إذا اعتبرنا هذه الحيلة السخيفة وذلك التلاعب الصبياني وذلك التحريف
المکشوف.(٢)
وإذا سألنا أصحاب العقول الجبارة عن متعاقديْن على إيجار بستان أو مزرعة عشر
سنين مثلا، وبعد ذلك اختلفوا، فقال المؤجر: أردت بعشر سنين أي جدبة قاحلة،
ولكنا الآن في أعوام خصبة هاطلة. وقال المستأجر: بل عقدت معك على عشر سنين
ظرفاً للإيجار تقدر بالأيام والأسابيع والشهور، ولم نرد منها صفتها من خصب أو
جدب، فهل تحكمون للمؤجر الملتوي بنية لا دليل عليها، أم للمستأجر المتمسك
بدلالة الكلام وعرفه وظاهره وما يفهمه الناس في أمثال هذه العقود؟
(١) رواه البخاري في ((الأدب المفرد))، والبيهقي وقال: الصحيح موقوف.
(٢) ولم يأخذ بعض الناس من الامام أبي حنيفة غير ذلك !! واما ورعه وتقواه فقد تركوه لغيرهم
واما هم فلهم الحق في التحايل على الخلق والتلبيس عليهم، ونكث البيعة، وفتح الباب
للخوارج والمنحرفين، وقولهم بجواز بيعتين في وقت واحد .. الخ هذا الهراء فانا لله وانا اليه
راجعون.
١٥٧

وكذلك لو تعاقد الولى والزوج بلفظ: ((أنكحتك بنتي أو أختي)) وقال الآخر:
قبلت. ثم اختلفا، فقال الولي: أردت ((بأنكحتك)) من تناكحت الأشجار تمايل
بعضها إلى بعض. ((وبأختي)) في الاسلام أو الانسانية، فأميلك اليها أو أميلها إليك
مرة على وجه المداعبة والتحل من العقد، وقال الآخر: فهمت من النكاح ما يعرفه
الناس جميعاً من عقد زوجية تحل بها المعاشرة والتمتع والاستيلاد والتوارث الخ ما
يبيحه عقد الزواج والنكاح.
فهل يحكم ذوو العقول الجبارة الالتواء الولي أو الصراحة المتزوج وهكذا؟ ولقد
أذكرتني هذه العقلية الجبارة ما استسخفه الغزالي في إحيائه مما نقل عن أهل الحيل أن
أحدهم يهب مائة لزوجته أو غيرها قبل الحول بيوم ثم يسترده منها بعده بيوم فتسقط
عنه الزكاة التي قاتل الصديق مانعيها، فهذا السخف والتلاعب بدين الله تعالى الذي
نفَّر الناس من هذا الهزء فأنكروا ديناً يجىء بهذا التلاعب، وليتهم لا تبلغهم هذه
الحكاية عن أبي حنيفة مع المنصور، أوليتهم إذا بلغتهم يكذبونها ولا يصدقون أن
ينسب لإمام من المسلمين متبوع فيهم أن يصدر منه مثل هذا الهراء.
كما أذكرني الاحتيال على استعمال مدهن الفضة بحيلة صبيانية ما كنت سمعته عن
حضور رهط من العلماء إلى مجلس بعض الخديوبين أمير مصر أنهم زاروهُ وِصُبَّتْ لهم
القهوة في فناجين تحمل على ظروف ذهبية، فلما اعترض على من شرب منهم في ذلك
أجاب أنه كان يرفع الفنجان الصيني بأصبعيه عن ظرفه الذهبي، فلم يكن بذلك
مستعملا لآنية الذهب.
فليت هذا التخلص يعرض على شاشة بيضاء لرواية هزلية مسلية للأطفال
والنساء، لا عبقرية علم نحرير يتقي الله تعالى في امتثال أوامره في تحريم أواني الذهب
والفضة، فلا يحتال عليها بأمثال هذه المضحكات.
هذا وستجد في الكتاب المذكور (انتقاء ابن عبد البر) مناقشات لقتادة وعطاء، ولما
نقل عن ابن عباس استدراكا عليه رأيت الإعراض عنها خيراً من الاشتغال بها،
وعناء مناقشتها، فالوقت أنفس من ذلك كله، والزمن يخطو خُطىَّ سريعة ونحن نيام
أو أموات.
١٥٨

وقال الامام محمد بن نصر المروزي في كتابه «قيام الليل» في باب ذکر الوتر بثلاث
عن الصحابة والتابعين ص ١٢٣: طبعه عبد التواب الملتاني رحمه الله بالهند بعد ما
ذكر الروايات في ذلك عن الصحابة والتابعين؛ ثم قال: وزعم النعمان - يعني أبا
حنيفة ــ ان الوتر بثلاث ركعات لا يجوز أن يزاد على ذلك ولا ينقص منه، فمن أَوْتَر
بواحدة فوتره فاسد، والواجب عليه أن يعيد الوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن،
فان سلم في الركعتين بطل وتره، وزعم أنه ليس للمسافر أن يوتر على دابته، لأن
الوتر عنده فريضة، وزعم أن من نسي الوتر فذكره في صلاة الغداة - أي الصبح -
بطلت صلاته وعليه أن يخرج منها فيوتر ثم يستأنف الصلاة، وقوله هذا خلاف
للأخبار الثابته عن رسول الله وَ ل﴿ وأصحابه، وخلاف لما أجمع عليه أهل العلم، وإنما
أتى من قلة معرفته بالأخبار وقلة مجالسته للعلماء.
سمعت إسحاق بن ابراهيم - يعني ابن راهويه شيخ الجماعة - يقول: قال ابن
المبارك: كان أبو حنيفة يتيما في الحديث (أي بخلاف رواية ابن عبد البر تهيما من
التهمة) حدثني علي بن سعيد النسوي، قال سمعت أحمد بن حنبل يقول: هؤلاء
أصحاب أبي حنيفة ليس لهم بصر بالحديث ما هو إلا الجرأة. قال محمد بن نصر
فاحتج له بعض من يتعصب له ليموِّه على أهل الغباوة والجهل الخ ما ساق من
المناقشة إلى أن قال: ولم نجد في شيء من الأخبار أنه رَّر قصى الوتر، قال: وزعم
النعمان - يعني أبا حنيفة - في كتابه أن النبي رَّ قضى الوتر في اليوم الذي نام فيه عن الفجر
حتی طلعت الشمس ، فزعم أنه أوتر قبل أن يصلي ركعتي الفجر ،ثم صلى الركعتين، وهذالا
يعرف في شيء من الأخبار. اهـ ما إردت نقله ولا أريد أن أعلق عليه.
قد فرغنا مما أحوجنا إلى كتابته محب جاهل غالى في رجل من المسلمين نظن به الخير
وأنه لا يحب هذا الغلو الممقوت فيه، وأنه قدم على الله تعالى هو وخصومه يحكم بينهم
﴿تلك أمة قد خلت لها ماكسبت ولكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ولا تُسْئَلُون عما كانوا يعملون﴾(١)
(١) سورة البقرة: ١٣٤.
١٥٩

وليس علينا إلا الاهتداء بهديهم والدعاء لهم بالغفران والرحمة، وأدعو الله تعالى بهذا
الدعاء المأثور: ((اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل ﴿فاطر السموات والأرض عالم
الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون﴾ (١)، اهدني لما اختلف فيه
من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم))
ويقول الله تعالى عن خيار عباده المؤمنين: ﴿ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا
ربنا إنك رؤوف رحيم﴾((٢) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على نبينا محمد النبي الأميّ خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه
وسلم الى يوم الدين.
(١) سورة الزُّمُر: ٤٦.
(٢) سورة الحشر: ١٠.
١٦٠