Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
باب العفة
النساء يجلسن حولي؟ قال: إذا جلسن فقل لا حول ولا قوة إلا بالله فـ ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُ
[٢٥٠/٣ - ٢٥١]
عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠].
- عن أبي عبد الله نفطويه قال:
منه الحياء وخوف الله والحذر
كم قد خلوت بمن أهوى فيمنعني
منه الفكاهة والتحديث والنظر
كم قد خلوت بمن أهوى فيقنعني
وليس لي في حرام منهم وطر
أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم
لا خير في لذة من بعدها سقر
كذلك الحب لا إتيان معصية
[١٦١/٦ ]
- عن الأصمعي قال: قلت لأعرابي حدثني عن ليلتك مع فلانة. قال: نعم،
خلوت بها والقمر يرينيها، فلما غاب أرتنيه. قلت: فما كان بينكما؟ قال: أقرب ما
أحل الله مما حرم الإشارة لغير ما بأس، والدنو لغير إمساس، ولعمري لئن كانت
الأيام طالت بعدها لقد كانت قصيرة معها، وحسبك بالحب.
[٢٨١/٦ ]
- عن أبي عبد الله بن المحاملي قال: صليت صلاة العيد يوم فطر في جامع
المدينة، فلما انصرفت قلت في نفسي: أدخل على داود بن علي أهنيه، وكان ينزل
قطيعة الربيع. قال: فجئته وقرعت عليه الباب، فأذن لي فدخلت عليه، وإذا بين يديه
طبق فيه أوراق هندبا وغصارة فيها نخلة، وهو يأكل فهنيته وتعجبت من حاله،
ورأيت أن جميع ما نحن فيه من الدنيا ليس بشيء فخرجت من عنده، ودخلت على
رجل من مجندي القطيعة يعرف بالجرجاني، فلما علم بمجيئي إليه خرج إلي حاسر
الرأس حافي القدمين، وقال لي: ما عنى القاضي أيده الله؟ فقلت: مهم. قال: وما
هو؟ قلت: في جوارك داود بن علي، ومكانه من العلم، وأنت فكثير البر والرغبة في
الخير تغفل عنه، وحدثته بما رأيت، فقال لي: داود شرس الخلق أعلم القاضي أني
وجهت إليه البارحة ألف درهم مع غلامي ليستعين بها في بعض أموره، فردها مع
الغلام، وقال للغلام: قل له: بأي عين رأيتني، وما الذي بلغك من حاجتي وخلتي
حتى وجهت إلي بهذا. قال: فتعجبت من ذلك، فقلت له: هات الدراهم، فإني
أحملها إليه أنا، فدعا بها ودفعها إلي، ثم قال: يا غلام ناولني الكيس الآخر،
فجاءه بكيس فوزن ألفاً أخرى، فقال: تيك لنا، وهذه لموضع القاضي وعنايته.
قال: فأخذت الألفين، وجئت إليه فقرعت بابه، وكلمني من وراء الباب، أو قال:
ما رد القاضي؟ قلت: حاجة أكلمك فيها، فدخلت وجلست ساعة، ثم أخرجت
الدراهم، وجعلتها بين يديه، فقال: هذا جزاء من ائتمنك على سره إنما بأمنة العلم

٥٢٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
أدخلتك إلي ارجع فلا حاجة لي فيما معك. قال المحاملي: فرجعت وقد صغرت
الدنيا في عيني، ودخلت على الجرجاني، فأخبرته بما كان فقال: أما أنا فقد
أخرجت هذه الدراهم الله تعالى لا ترجع في مالي هذا فليتول القاضي إخراجها في
أهل الستر والعفاف من المتجملين بالستر والصيانة على ما يراه، فقد أخرجتها عن
[٣٧١/٨]
قلبي .
- عن أبي يحيى صاعقة قال: قدم زكريا بن عدي ها هنا فكلموا له إنساناً،
وكان شغله في ضيعة، وأجرى عليه ثلاثين درهماً وكره أن يزيده فلا يذهب، فلما
كان بعد شهر قدم، فقلنا: ما حالك؟ فقال: ليس أراني أعمل بقدر ما آخذ
فاشتكت عينه، فأتاه إنسان بكحل، فقال: أنت ممن يسمع الحديث؟ قال: نعم،
فأبى أن يأخذه.
[٤٥٦/٨]
- عن محمد بن يزيد المبرد قال: دخل أعرابي على المنصور فكلمه بكلام أعجبه،
فقال له المنصور: سل حاجتك. قال: ما لي حاجة يا أمير المؤمنين، فأطال الله
عمرك، وأنعم على الرعية بدوام النعمة عليك. قال: ويحك سل حاجتك، فإنه لا
يمكنك الدخول علينا كلما أردت، ولا يمكننا أن نأمر لك كلما دخلت. قال: ولم
يا أمير المؤمنين، وأنا لا أستقصر عمرك، ولا أغتنم مالك، وإن العرب لتعلم في
مشارق الأرض ومغاربها أن مناجاتك شرف، وما لشريف عنك منحرف، وإن
إعطاءك لزين وما مسألتك بنقص ولا شين، فتمثل المنصور بقول الأعشى:
أبا قدامة إلا المجد والقنعا
فجربوه فما زادت تجاربهم
ثم قال: يا غلام أعطه ألف دينار.
[٥٨/١٠]
- عن ابن أبي بكر الحسن بن عبد الوهاب قال: كان أبي إذا وقعت منه قطعة
فأكثر لا يأخذها، ولا يأمر أحداً أن يأخذها. قال: فقلت له يوماً: يا أبت الساعة
سقطت منك هذه القطعة، فلم لا تأخذها؟ قال: قد رأيتها ولكني لا أعوِّد نفسي أخذ
شيء من الأرض كان لي أو لغيري.
[٢٦/١١]
- عن محمد بن جرير الطبري قال:
وأستغني فيستغني صديقي
إذا عسرت لم يعلم رفيقي
ورفقي في مطالبتي رفيق
حيائي حافظ لي ماء وجهي
لكنت إلى الغنى سهل الطريق
ولو أني سمحت ببذل وجهي
[١٦٥/٢]
- لما كان سنة سبع وثلاثين في جمادى عزله - أي القاضي الخلنجي - المتوكل

٥٢٣
باب العفو والصفح
وأمر أن يُكشف ليفضحه بسبب ما امتحن الناس في خلق القرآن، فأخبرني الطبري
محمد بن جرير قال: أقيم الخلنجي للناس سنة سبع وثلاثين ومائتين، قال طلحة
وأخبرني عمر بن الحسن قال: كُشِفَ الخلنجي فما انكشف عليه أنه أخذ حبة
واحدة.
[٧٤/١٠]
: باب العفو والصفح
- عن أبي الحسن محمد بن خلال البصري قال: إن القضاة والشهود بمدينة
السلام أدخلوا على المعتمد على الله للشهادة عليه في دين كان اقتراضه عند الإضافة
بالإنفاق على صاحب الزنج، فلما مثلوا بين يديه قرأ عليهم إسماعيل بن بلبل
الكتاب، ثم قال: إن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه يأمركم أن تشهدوا عليه بما في
هذا الكتاب، فشهد القوم حتى بلغ الكتاب إلى الجذوعي القاضي، فأخذه بيده وتقدم
إلى السرير، فقال: يا أمير المؤمنين أشهد عليك بما في هذا الكتاب؟ فقال: اشهد،
فقال: إنه لا يجوز أن أشهد أو تقول: نعم! أفأشهد عليك؟ قال: نعم! فشهد في
الكتاب ثم خرج. فقال المعتمد: من هذا؟ فقيل له الجذوعي البصري، فقال: وما
إليه؟ فقالوا: ليس إليه شيء، فقال: مثل هذا لا ينبغي أن يكون مصروفاً، فقلدوه
واسطاً، فقلده إسماعيل وانحدر. فاحتاج الموفق يوماً إلى مشاورة الحاكم فيما
يشاور في مثله، فقال استدعوا القاضي فحضر، وكان قصيراً له دبية طويلة فدخل في
بعض الممرات ومعه غلام له، فلقيه غلام كان للموفق وكان شديد التقدم عنده وكان
مخموراً أو سكران، فصادفه في مكان خال من الممر فوضع يده في دبيته حتى غاص
رأسه فيها وتركه ومضى، فجلس الجذوعي في مكانه وأقبل غلامه حتى فتقها وأخرج
رأسه منها، وثنى رداءه على رأسه، وعاد إلى داره. وأحضر الشهود، فأمرهم بتسلم
الديوان ورسل الموفق يترددون وقد سترت الحال عنه حتى قال بعض الشهود لبعض
الرسل الخبر، فعاد إلى الموفق فأخبره بذلك، فأحضر صاحب الشرطة وأمره بتجريد
الغلام وحمله إلى باب دار القاضي وضربه هناك ألف سوط، وكان والد هذا الغلام
من جلة القواد ومحله محل من ولوهم بالعصيان لأطاعه أكثر الجيش، فلم يقل شيئاً
وترجل القوّاد وصاروا إليه وقالوا: مرنا بأمرك، فقال: إن الأمير الموفق أشفق عليه
مني، فمشى القواد بأسرهم مع الغلام إلى باب الجذوعي فدخلوا إليه وضرعوا له
فأدخل صاحب الشرطة والغلام. فقال: لا تضربه، فقال: لا أقدم على خلاف
الموفق. فقال: إني أركب إليه وأزيل ذلك عنه، فركب فشفع له وصفح عنه. [٢٠٦/٣]

٥٢٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن سعيد بن المسيب قال: أصلحت بين علي وعثمان ثم لم يبرحا حتى استغفر
[٢١٩/٥]
كل واحد منهما لصاحبه.
- عن أبي عبيد الله قال: سمعت أمير المؤمنين المنصور يقول: الخليفة لا يُصلحه
إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى
الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلاً من ظلم من هو دونه. [٥٦/١٠]
- تكلم عبد الله بن عياش المنتوف بكلام أراد به مساءة عمر بن ذر فقام عمر، فدخل
منزله - وكان ابن عمه - فندم ابن عياش فأتى عمر، فقال: أتدخل الظالم؟ فقال: نعم
مغفوراً له، والله ما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه.
[١٥/١٠]
- عن بكر بن شاذان وأبي الفضل التميمي أنه جرى بينهما كلام، فبدرت من أبي
الفضل كلمة ثقلت على بكر وانصرف، ثم ندم التميمي فقصد أبا بكر بن يوسف
وقال له: قد كلمت بكراً بشيء جفا عليه وندمت على ذلك، وأريد أن تجمع بيني
وبينه، فقال له ابن يوسف: سوف نخرج لصلاة العصر فخرج بكر وجاء إلى ابن
يوسف والتميمي عنده فقال له التميمي: أسألك بالله أن تجعلني في حل، فقال بكر:
سبحان الله والله ما فارقتك حتى أحللتك، وانصرف فقال التميمي: قال لي والدي:
يا عبد الواحد احذر من أن تخاصم من إذا نمت كان منتبهاً .
[٧ /٩٧]
- عن مبارك بن فضالة قال: وفد ابن سوار في وفد من أهل البصرة إلى أبي
جعفر، فإنا لعنده ذات يوم، إذ أتي برجل فأمر بقتله، فقلت في نفسي: يقتل رجل
من المسلمين وأنا حاضر، فقلت: يا أمير المؤمنين ألا أحدثك حديثاً سمعته من
الحسن؟ قال: وما هو؟ قلت: حدثنا الحسن قال: قال رسول الله وقال : ((إذا كان يوم
القيامة جمع الناس في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، فيقوم
مناد من عند الله فيقول: ليقومن من له على الله يد فلا يقومن إلا من عفا))، فأقبل
عليَّ فقال: آلله لسمعته من الحسن؟ قال قلت: آلله لسمعته من الحسن، قال: خليا
عنه .
[٢١٢/١٣]
- عن أبي بكر بن أبي الأزهر قال: دعاني يوماً علي بن إبراهيم بن موسى كاتب
مسرور البلخي، فتشاغلت عن المضي إليه، فلما كان في اليوم الثاني بكرت إليه
معتذراً، فتلقاني في بعض داره، وهو يريد المضي إلى الحسن بن إسماعيل بن
إسحاق القاضي، فقال لي: انتظرني قليلاً فإني أريد دخول الحمام، فدخلت إلى
الموضع الذي يجلس فيه، وتقدم إلى غلمانه أن يغيبوا سرج الحمار ولجامه عني،
فإن طلبته قالوا: الحمار عري، ما ندري أين سرجه؟ وأقمت كذلك مرة أعذل

٥٢٥
=
باب العفو والصفح
الغلام، ومرة أهم بضربه، فلما انتصف النهار عرفت أنه في دعوة الحسن بن
إسماعيل، فكتبت إليه رقعة فيها :
وكريم الأخوال والأعمام
يا ابن قاضي القضاة والحكام
وتمَّت شرائع الإسلام
لك الود من جميع الأنام
وتعدى في سرجه واللجام
إلى الرفق صاغراً بالغلام
غير مُجد ومرة بالكلام
بأموري مزاول إرغامي
كأني محالف للصيام
أتراه يجيز منع الطعام
وإلا فلم رددت غلامي
يا ابن من بُيِّنت به سنن الدين
اقض بيني وبين خلك والمصفي
إنه كادني بأخذ حماري
ومنعت الخروج ظلماً وألجئت
مرة أثني عليه بضرب
وهو في كل حالة مستخف
وأشد الأمور أني قد جعت
فتراه أجاز أخذ حماري
كل ما نالني ففيه لي الذنب
وطلبت من يحمل الرقعة إليه فرأيت امرأة من دار القاضي إسماعيل بن إسحاق
تأنس بهم، فدفعت الرقعة إليها، وقلت: أوصليها إلى أبي علي ابن القاضي،
فأوصلتها إلى القاضي بنفسه، فقرأها وقلبها ووقع عليها بخطه: يا بني هذا الرجل
متظلم منكم فأنصفوه، وبعث بها إلى ابنه، فلما قرأها وجهوا إلي يسألوني المضي
إليهم، فوافى الرسول، وقد انصرفت فلم يلقني.
[٢٨٥/٧]
- كان رجل من دار عمر بن الخطاب لا يلقى ابن أبي دؤاد في محفل ولا وحده
إلا لعنه ودعا عليه، وابن أبي دؤاد لا يرد عليه شيئاً. قال محمد: فعرضت لذلك
الرجل حاجة إلى المعتصم، فسألني أن أرفع قصته إليه، فمطلته، وأتيت ابن أبي
دؤاد، فلما ألح علي أن أوصل قصته إليه، وندمت من مطلي، فدخلت ذات يوم على
أمير المؤمنين، وقصته معي، واغتنمت غيبة ابن أبي دؤاد رفعت قصته إليه، فهو
يقرأها إذ دخل ابن أبي دؤاد، والقصة في يد أمير المؤمنين يقرأها، فلما قرأها دفعها
إلى ابن أبي دؤاد، فلما نظر إليها، واسم الرجل في أولها قال: يا أمير المؤمنين
عمر بن الخطاب، يا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، يا أمير المؤمنين عمر بن
الخطاب، يا أمير المؤمنين ينبغي أن تقضي لولده كل حاجة له، فوقع له أمير
المؤمنين بقضاء الحاجة.
قال محمد بن عبد الملك: فخرجت والرجل جالس، فدفعت إليه القصة، وقلت:
تشكر لأبي عبد الله القاضي، فهو الذي أعتق قصتك، وسأل أمير المؤمنين في قضاء

٥٢٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
حاجتك. قال: فوقف ذلك الرجل حتى خرج ابن أبي دؤاد فجعل يدعو له، ويتشكر له،
فقال له: اذهب عافاك الله فإني إنما فعلت ذلك لعمر بن الخطاب لا لك.
[١٤٨/٤ ]
- عن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: خرج المهدي يوماً إلى الصيد فانقطع عن
خاصته، فدفع إلى أعرابي وهو يريد البول فقال: يا أعرابي احفظ علي فرسي حتى
أبول فسعى نحوه، وأخذ بركابه، فنزل المهدي، ودفع الفرس إليه، فأقبل الأعرابي
على السرج يقلع حليته، وفطن المهدي وقد أخذ حاجته، فقدم إليه فرسه، وجاءت
الخيل نحوه، وأحاطت به ونذر بها الأعرابي فولى هارباً، فأمر برده وخاف أن يكون
قد غمز به فقال: خذوا ما أخذنا منكم ودعونا نذهب إلى حرق الله وناره، فقال
المهدي وصاح به: تعال لا بأس عليك، فقال: ما تشاء جعلني الله فداء فرسك؟
فضحك من حضره وقالوا: ويلك هل رأيت إنساناً قط قال هذا؟ قال: فما أقول؟
قالوا: قل: جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين. قال: أو هذا أمير المؤمنين؟ قالوا:
نعم. قال: والله لئن أرضاه هذا مني ما يرضيني ذاك فيه، ولكن جعل الله جبريل
وميكائيل فداءه، وجعلني فداءهما، فضحك المهدي واستطابه، وأمر له بعشرة آلاف
درهم، فأخذها وانصرف.
[٣٩٨/٥]
- عن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: تحول المنصور إلى مدينة السلام، واستتم
بناءها سنة ست وأربعين ثم كتب إلى أهل المدينة: أن يوفدوا عليه خطباءهم
وشعرائهم فكان فيمن وفد عليه إبراهيم بن هرمة، قال: فلم تكن في الدنيا خطبة
أبغض إلي من خطبة تقربني منه، واجتمع الخطباء والشعراء من كل مدينة وعلى
المنصور ستر يرى الناس من ورائه ولا يرونه، وأبو الخصيب حاجبه قائم يقول: يا
أمير المؤمنين هذا فلان الخطيب، فيقول: اخطب، ويقول: هذا فلان الشاعر،
فيقول: أنشد حتى كنت آخر من بقي، فقال: يا أمير المؤمنين: هذا ابن هرمة،
فسمعته يقول: لا مرحباً ولا أهلاً ولا أنعم الله به عيناً، فقلت: إنا لله وإنا إليه
راجعون ذهبت والله نفسي، ثم رجعت إلى نفسي، فقلت: يا نفس هذا موقف، إن
لم تشتدي فيه هلكت، فقال أبو الخصيب أنشد: فأنشدته:
وقرب للبين الخليط المزايل
سرى ثوبه عنك الصبي المتخايل
حتى انتهيت إلى قولي:
أذاكرها فيها عقاب ونائل
له لحظات في خفاء سريرة
وأما الذي حاولت بالثكل ثاكل
فأما الذي أمنته يأمن الردى
فقال: يا غلام ارفع عني الستر، فرفع فإذا وجهه كأنه فلقة قمر، ثم قال: تمم

=
٥٢٧
باب العفو والصفح
القصيدة فلما فرغت، قال: ادن فدنوت، ثم قال: اجلس، فجلست وبين يديه
مخصرة، فقال: يا إبراهيم قد بلغتني عنك أشياء لولا ذلك لفضلتك على نظرائك،
فأقر لي بذنوبك أعفها عنك، فقلت: هذا رجل فقيه عالم وإنما يريد أن يقتلني بحجة
تجب علي، فقلت: يا أمير المؤمنين كل ذنب بلغك مما عفوته عني فأنا مقر به،
فتناول المخصرة فضربني بها فقلت:
ألقى بواني زوره للمبرك
أصبر من ذي ضاغط عركرك
ثم ثنی فضربني فقلت:
قد أثر البطان فيه والحقب
أصبر من عود بجنبيه جلب
فقال: قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم وخلعة وألحقتك بنظرائك من طريح بن
إسماعيل ورؤبة بن العجاج، ولئن بلغني عنك أمر أكرهه لأقتلنك، قلت: نعم أنت
في حل وفي سعة من دمي إن بلغك أمر تكرهه، قال ابن هرمة: فأتيت المدينة فأتاني
رجل من الطالبيين، فسلم عليّ فقلت: تنح عني لا تشيط بدمي.
[١٢٨/٦ - ١٢٩ ]
- عن محمد بن إبراهيم بن خلاد قال: لما طال على إبراهيم بن شكلة الاختفاء،
وضجر كتب إلى المأمون: وليّ الثأر محكم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى،
ومن تناوله الاغترار بما مُد له من أسباب الرجاء أمن غادية الدهر على نفسه، وقد
جعل الله أمير المؤمنين فوق كل ذي عفو كما جعل كل ذي ذنب دونه، فإن عفا
فبفضله، وإن عاقب فبحقه، فوقع المأمون في قصته أمانه، وقال فيها: القدرة تذهب
الحفيظة، وكفى بالندم إنابة، وعفو الله أوسع من كل شيء، ولما دخل إبراهيم على
المأمون قال:
فدع عنك كثرة التأنيب
إن أكن مذنباً فحظي أخطأت
لما أتوه لا تثريب
قل كما قال يوسف لبني يعقوب
فقال: لا تثريب.
[٦ / ١٤٤]
- عن أبي حميد بن فروة قال: لما استقرت للمأمون الخلافة دعا إبراهيم بن
المهدي المعروف بابن شكلة فوقف بين يديه فقال: يا إبراهيم أنت المتوثب علينا
تدعي الخلافة؟ فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، أنت ولي الثأر، والمحكم في
القصاص، والعفو أقرب للتقوى، وقد جعلك الله فوق كل ذي عفو كما جعل كل
ذي ذنب دونك، فإن أخذت أخذت بحق، وإن عفوت عفوت بفضل، ولقد حضرت
أبي وهو جدك وأتى برجل وكان جرمه أعظم من جرمي فأمر بقتله، وعنده المبارك بن
فضالة، فقال المبارك: إن رأى أمير المؤمنين أن يستأني في أمر هذا الرجل حتى

٥٢٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
أحدثه بحديث سمعته من الحسن. قال: إيه يا مبارك، فقال: حدثنا الحسن بن
عمران بن الحصين أن رسول الله وسلم قال: ((إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان
العرش ألا ليقومن العافون من الخلفاء إلى أكرم الجزاء فلا يقوم إلا من عفا»، فقال
الخليفة: إيه يا مبارك قد قبلت الحديث بقبوله، وعفوت عنك ها هنا يا عم، ها هنا
[٦ /١٤٥ ]
يا عم.
- عن إسحاق الموصلي قال: كان في قلب محمد بن زبيدة علي شيء، فأهديت
إليه جارية ومعها هدية، فردها فكتبت إليه:
وكشفت أمرك لي فانكشف
هتكت الضمير برد اللطف
فهب للخلافة ما قد سلف
فإن كنت تحقد شيئاً مضى
فبالفضل يأخذ أهل الشرف
وجد لي بالعفو عن زلتي
فلم يفعل فكتبت إليه:
أتيت ذنباً عظيماً
فخذ بحقك أو لا
وأنت أعلم منه
فاصفح بفضلك عنه
[٣٤١/٦]
- عن أبي نواس قال:
بعفوك ربي كان عفوك أعظما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته
تجود وتعفو مِنَّة وتكرما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل
وكيف وقد أغوى صفيك آدما
ولولاك لم يغوَ بإبليس عابد
[٤٤٧/٧]
- عن حميد بن الصباح مولى المنصور قال: أراد المنصور أن يذرع الكرخ فقال
لي: احمل الذراع معك، فخرج وخرجت معه، ونسيت أن أحمل الذراع، فلما
صرنا بباب الشرقية قال لي: أين الذراع؟ فدهشت، وقلت: أنسيته يا أمير المؤمنين،
فضربني بالمقرعة، فشجني وسال الدم على وجهي، فلما رآني قال: أنت حر
لوجه الله. حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله وقال: ((من ضرب
[١٦٢/٨]
عبده في غیر حد حتی یسیل دمه فكفارته عتقه)).
- عن سمنون قال: إذا بسط الجليل غداً بساط المجد دخلت ذنوب الأولين
والآخرين في حواشيه، وإذا بدت عين من عيون الجود ألحقت المسيئين
بالمحسنین .
[٢٣٦/٩]

٥٢٩
باب العفو والصفح
- عن عبد الله بن الفرج قال: سلوا الله عفواً جميلاً وقال: فقلنا: يا أبا محمد أي
شيء العفو الجميل؟ قال: أن يأمر بك من الموقف، ولا يفتشك.
[٤١/١٠]
- عن قطن بن معاوية الغلابي قال: كنت ممن سارع إلى إبراهيم واجتهد معه،
فلما قتل طلبني أبو جعفر، واستخفيت فقبض أموالي ودوري، ولحقت بالبادية
فجاورت في بني نصر بن معاوية، ثم في بني كلاب، ثم في بني فزارة، ثم في بني
سليم ثم تنقلت في بلاد قيس أجاورهم حتى ضقت ذرعاً بالاستخفاء، فأزمعت على
القدوم على أبي جعفر والاعتراف له، فقدمت البصرة، فنزلت في طرف منها، ثم
أرسلت إلى أبي عمرو بن العلاء، وكان لي وداً فشاورته في الذي أزمعت عليه، فقبل
رأيي وقال: والله إذاً ليقتلنك، وإنك لتعين على نفسك، فلم ألتفت إليه، وشخصت
حتى قدمت بغداد، وقد بنى أبو جعفر مدينته ونزلها وليس من الناس أحد يركب فيها
ما خلا المهدي، فنزلت الخان ثم قلت لغلماني: أنا ذاهب إلى أمير المؤمنين،
فأمهلوا ثلاثاً فإن جئتكم، وإلا فانصرفوا، ومضيت حتى دخلت المدينة فجئت دار
الربيع، والناس ينتظرونه، وهو يومئذ داخل المدينة في الشارعة على قصر الذهب،
فلم ألبث أن خرج يمشي، فقام إليه الناس، وقمت معهم فسلمت عليه فرد علي،
وقال: من أنت؟ قلت: قطن بن معاوية. قال: انظر ما تقول. قلت: أنا هو، فأقبل
على مسودة معه، فقال: احتفظوا بهذا. قال: فلما حرست لحقتني ندامة وتذكرت
رأي أبي عمرو، فتأسفت عليه، ودخل الربيع فلم يطل حتى خرج بخصي، فأخذ
بيدي فأدخلني قصر الذهب، ثم أتى بيتاً حصيناً، فأدخلني فيه، ثم أغلق بابه،
وانطلق فاشتدت ندامتي وأيقنت بالبلاء، وخلوت بنفسي ألومها، فلما كانت الظهر
أتاني الخصي بماء فتوضأت وصليت، وأتاني بطعام فأخبرته أني صائم، فلما كانت
المغرب أتاني بماء فتوضأت وصليت، وأرخى علي الليل سدوله، فيئست من الحياة،
وسمعت أبواب المدينة تغلق وأقفالها تشدد، فامتنع مني النوم، فلما ذهب صدر
الليل أتاني الخصي، ففتح عني ومضى بي، فأدخلني صحن دار ثم أدناني من ستر
مسدول، فخرج علينا خادم، فأدخلنا فإذا أبو جعفر وحده والربيع قائم في ناحية
فأكب أبو جعفر هنيهة مطرقاً، ثم رفع رأسه، فقال: هيه. قلت: يا أمير المؤمنين أنا
قطن بن معاوية قد والله جهدت عليك جهدي، فعصيت أمرك، وواليت عدوك،
وحرصت على أن أسلبك ملكك، فإن عفوت فأهل ذاك أنت، وإن عاقبت فبأصغر
ذنوبي تقتلني. قال: فسكت هنيهة، ثم قال: هيه، فأعدت مقالتي، فقال: فإن أمير
المؤمنين قد عفا عنك. فقلت: يا أمير المؤمنين إني أصير من وراء بابك، فلا أصل

٥٣٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
إليك، وضياعي ودوري فهي مقبوضة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يردها فعل فدعا
بالدواة، ثم أمر خادماً فكتب بإملائه إلى عبد الملك بن أيوب النميري، وهو يومئذ
على البصرة إن أمير المؤمنين قد رضي عن قطن بن معاوية، ورد عليه ضياعه ودوره،
وجميع ما قبض له فاعلم ذلك، وانفذه إن شاء الله. قال: ثم ختم الكتاب، ودفعه
إليّ فخرجت من ساعتي لا أدري أين أذهب، فإذا الحرس بالباب، فجلست جانب
أحدهم أحدثه، فلم ألبث أن خرج علينا الربيع، فقال: أين الرجل الذي خرج آنفاً؟
فقمت إليه فقال: انطلق أيها الرجل فقد والله سلمت. انطلق بي إلى منزله فعشاني
وأفرشني فلما أصبحت ودعته، وأتيت غلماني فأرسلتهم يكترون لي فوجدوا صديقاً
لي من الدهاقين من أهل ميسان قد اكترى سفينة لنفسه، فحملني معه فقدمت على
عبد الملك بن أيوب بكتاب أبي جعفر فأقعدني عنده، فلم أقم حتى رد علي جميع
ما اصطفي لي.
[٥٨/١٠ - ٦٠]
- قال محمد بن الحسن المخزومي وغيره: إن عبد العزيز بن عبد الله كان ممن
أسر مع محمد بن عبد الله بن حسن، فلما قتل محمد حمل عبد العزيز إلى أمير
المؤمنين المنصور في حديد، فلما أدخل عليه قال له: ما رضيت أن خرجت علي
حتى خرجت معك بثلاثة أسياف من ولدك؟! فقال له عبد العزيز: يا أمير المؤمنين
صل رحمي، واعف عني، واحفظ فيّ عمر بن الخطاب. فقال: أفعل، فعفا عنه،
فقال له عبد الله بن الربيع المداني: يا أمير المؤمنين اضرب عنقه لا يطمع فيك
فتيان قريش، فقال له أمير المؤمنين المنصور: إذا قتلت هذا فعلى من أحب أن
أتأمَّر؟ !.
[٤٣٥/١٠]
باب العقل
- قال الحارث المحاسبي: لكل شيء جوهر، وجوهر الإنسان العقل، وجوهر
[٢١٣/٨]
العقل التوفيق.
- عن ابن المبارك قال: رأيت أبا حنيفة في طريق مكة وشوى لهم فصيل سمين،
فاشتهوا أن يأكلوه بخَلِّ فلم يجدوا شيئاً يصبون فيه الخل، فتحيروا فرأيت أبا حنيفة،
وقد حفر في الرمل حفرة وبسط عليها السفرة، وسكب الخل على ذلك الموضع،
فأكلوا الشواء بالخل، فقالوا له: تحسن كل شيء. قال: عليكم بالشكر، فإن هذا
شيء ألهمته لكم فضلاً من الله عليكم.
[٣٦٥/١٣]

٥٣١
باب العلم
باب العلم
* العلم وبيان منزلته:
- عن ابن عمر قال: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري، أو نحو
هذا .
[٢٣/٤]
- عن محمد بن السماك قال: كم من شيء إذا لم ينفع لم يضر، ولكن العلم إذا
لم ينفع ضر.
[٣٧٠/٥]
- عن سفيان قال: أول العبادة الصمت، ثم طلب العلم، ثم حفظه، ثم العمل
[٦/٦]
به، ثم نشره.
- عن إبراهيم الخواص قال: العلم كله في كلمتين: لا تتكلف ما كفيت، ولا
تضيع ما استكفيت.
[٨/٦]
- عن النظام قال: العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإذا أعطيته كلك
فأنت من إعطائه لك البعض على خطر.
[٦/ ٩٧]
- عن الحسن بن علي قال لبنيه وبني أخيه: يا بني وبني أخي تعلموا العلم فمن لم
[٣٩٩/٧]
يستطع منكم أن يحفظه، أو كما قال يرويه فليكتبه، وليضعه في بيته.
- قال أبو يوسف: العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، وأنت إذا
أعطيته كلك من إعطائه البعض على غرر.
[٢٤٩/١٤]
- عن كميل بن زياد النخعي قال: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
بالكوفة فخرجنا حتى انتهينا إلى الجبانة فلما أصحر تنفس الصعداء، ثم قال لي: يا
كميل بن زياد إن هذه القلوب أوعية، وخيرها أوعاها للعلم، احفظ عني ما أقول
لك: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل
ناعق یمیلون مع کل ربح لم یستضیئوا بنور العلم، ولم یلجأوا إلى رکن وثیق، یا
كميل بن زياد العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، المال
تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، يا كميل بن زياد محبة العالم دين يدان
تكسبه الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، ومنفعة المال تزول بزواله،
العلم حاكم، والمال محكوم عليه، يا كميل مات خُزان الأموال وهم أحياء،
والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، ألا إن
ههنا وأشار إلى صدره لعلماً جماً لو أصبت له حملة، بلى أصبت لقناً غير مأمون
[٣٧٩/٦]
يستعمل آلة الدين للدنيا .

٥٣٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- قال بكر بن عبد الله بن الشرود الصنعاني: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن
ربيعة الرأي بن أبي عبد الرحمن، فكنا نستزيده حديث ربيعة فقال لنا ذات يوم: ما
تصنعون بربيعة، هو نائم في ذاك الطاق، فأتينا ربيعة فأنبهناه، فقلنا له: أنت ربيعة بن
أبي عبد الرحمن؟ قال: بلى، قلنا: ربيعة بن فروخ، قال: بلى، قلنا: ربيعة الرأي؟
قال: بلى، قلنا: هذا الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: بلى، قلنا له: كيف
حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك؟ قال: أما علمتم أن مثقالاً من دولة، خير
من حمل علم.
[٨/ ٤٢٤]
* ممن يؤخذ العلم؟
- عن عبد الله قال: لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم عن علمائهم وكبرائهم
[٣٦٨/١]
وذوي أسنانهم، فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفلتهم فقد هلكوا.
* العلم سبب لرفعة المنزلة:
- عن عيسى بن علي بن عيسى الوزير قال لنفسه:
ومبقي قد حاز جهلاً وغيا
رب ميت قد صار بالعلم حياً
لا تعدوا الحياة في الجهل شيا
فاقتنوا العلم كي تنالوا خلوداً
[١٧٩/١١]
- عن أبي عبد الرحمن مؤذن المأمون قال:
أبوهم آدم والأم حواء
الناس في صور التمثال أكفاء
يفاخرون به فالطين والماء
فإن يكن منهم في أصله شرف
على الهدى لمن استهدى أدلَّاء
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم
والجاهلون لأهل العلم أعداء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه
[٣٩١/٤]
- عن أبي هفان قال: كان العتابي جالساً ذات يوم ينظر في كتاب فمر به بعض
جيرانه، فقال: أي شيء ينفع العلم والأدب من لا مال له، فقال العتابي:
ذا اللب ينظر في الآداب والحكم
يا قاتل الله أقواماً إذا ثقفوا
أنافع ذا من الإقتار والعدم
قالوا وليس بهم إلا نفاسته
لحاهم الله من علم ومن فهم
وليس يدرون أن الحظ ما حرموا
[٤٣٩/١١]

۵٣٣
باب العلم
- عن مبارك بن سعيد قال: رأيت عاصم بن أبي النجود يجيء إلى سفيان يستفتيه،
ويقول: يا سفيان أتيتنا صغيراً، وأتيناك كبيراً .
[١٦٣/٩]
- عن أبي الربيع النخاس قال: تلقيت هارون أمير المؤمنين فسألني عن علية
الهاشميين، ثم قال لي: ما فعل سيد الناس؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، ومن
سيد الناس عندك؟ - هكذا في الرواية والصواب: ومن سيد الناس غيرك؟ - قال:
[١٧٩/٩]
سيد الناس: سفيان بن عيينة.
- عن أبي إسحاق الحربي قال: كان هشيم رجلاً كان أبوه صاحب صحبنا يقال له
بشير فطلب ابنه هشيم الحديث فاشتهاه، وكان أبوه يمنعه، فكتب الحديث حتى
جالس أبا شيبة القاضي فكان يناظر أبا شيبة في الفقه، فمرض هشيم فقال أبو شيبة:
ما فعل ذلك الفتى الذي كان يجيء إلينا؟ قالوا: عليل. قال: فقال: قوموا بنا حتى
نعوده، فقام أهل المجلس جميعاً يعودونه حتى جاؤوا إلى منزل بشير، فدخلوا إلى
هشيم، فجاء رجل إلى بشير ويده في الصحناة، فقال: الحق ابنك قد جاء القاضي
إليه يعوده، فجاء بشير، والقاضي في داره، فلما خرج قال لابنه: يا بني قد كنت
أمنعك من طلب الحديث، فأما اليوم فلا، صار القاضي يجيء إلى بابي، متى أملت
[٨٧/١٤]
أنا هذا؟ !.
- كان المأمون قد وكل الفراء يلقن ابنيه النحو، فلما كان يوماً أراد الفراء أن
ينهض إلى بعض حوائجه فابتدرا إلى نعل الفراء يقدمانه له فتنازعا أيهما يقدمه، ثم
اصطلحا أن يقدم كل واحد منها فرداً فقدمها، وكان المأمون له على كل شيء
صاحب، فرفع ذلك إليه في الخبر فوجه إلى الفراء فاستدعاه، فلما دخل عليه قال
له: من أعز الناس؟ قال: ما أعرف أعز من أمير المؤمنين. قال: بلى، من إذا نهض
تقاتل على تقديم نعليه وليًّا عهد المسلمين حتى رضي كل واحد أن يقدم له فرداً.
قال: يا أمير المؤمنين لقد أردت منعهما عن ذلك، ولكن خشيت أن أدفعهما عن
مكرمة سبقا إليها، أو أكسر نفوسهما عن شريفة حرصا عليها، وقد يروى عن ابن
عباس أنه أمسك الحسن والحسين ركابيهما حين خرجا من عنده، فقال له بعض من
حضر: أتمسك لهذين الحدثين ركابيهما، وأنت أسن منهما؟ قال له: اسكت يا
جاهل، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل. قال له المأمون: لو منعتهما
عن ذلك لأوجعتك لوماً وعتباً، وألزمتك ذنباً، وما وضع ما فعلاه من شرفهما بل
رفع من قدرهما، وبيَّن عن جوهرهما، وقد ثبتت لي مخيلة الفراسة بفعلهما فليس
يكبر الرجل، وإن كان كبيراً، عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه ووالده ومعلمه العلم،

=
٥٣٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
وقد عوضتهما عما فعلاه عشرين ألف دينار، ولك عشرة آلاف درهم على حسن
[١٤ /١٥٠]
أدبك لهما .
- عن الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال: لما قرأت كتاب الرسالة على
الشافعي قال لي: من أي العرب أنت؟ فقلت: ما أنا بعربي، وما أنا إلا من قرية
يقال لها الزعفرانية. قال لي: فأنت سيد هذه القرية.
[٤٠٨/٧]
- عن ابن عيينة قال: رأيت الأعمش لبس فرواً مقلوباً وقباء يسيل خيوطه على
رجليه، ثم قال: أرأيتم لولا أني تعلمت العلم من كان يأتيني، لو كنت بقالاً كان
يقذرني الناس أن يشتروا مني.
[٦/٩]
- عن عيسى بن يونس قال: ما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند
الأعمش مع فقره وحاجته.
[٨/٩]
- عن الشرقي بن قطامي قال: دخلت على المنصور فقال: يا شرقي علام يؤتى
المرء؟ فقلت: أصلح الله الخليفة على معروف قد سلف، ومثله مؤتنف، أو قديم
[٢٧٨/٩]
شرف، أو علم مطرف.
- عن الصيمري قال: كان عند عبد الصمد جزء عن النجاد فأخذت من أبي بكر بن
البقال نسخة، ومضيت أنا وأبو يعلى بن المأمون إليه، فسلمنا عليه، وسألناه أن
يحضرنا في المسجد لنسمع الجزء منه، وسبقناه إلى المسجد فدخل وسلم وصلى
ركعتين، ثم جاء فجلس بين أيدينا فقلت له: إنما حضرنا لنسمع منك فإن رأيت أن
ترتفع إلى صدر المجلس، فقال: هذا ابن عم رسول الله، وأشار إلى ابن المأمون،
وأنت رجل من أهل العلم، وما كنت لارتفع عليكما في المجلس.
[٤٣/١١]
- عن أبي عبيد قال: كنا مع محمد بن الحسن، إذ أقبل الرشيد فقام إليه الناس
كلهم إلا محمد بن الحسن فإنه لم يقم، وكان الحسن بن زياد ثقيل القلب [ممتلئ
البطن] على محمد بن الحسن، فقام محمد بن الحسن، فجزع أصحابه له فأدخل
فأمهل، ثم خرج طيب النفس مسروراً فقال: قال لي: ما لك لم تقم مع الناس؟
قلت: كرهت أن أخرج عن الطبقة التي جعلتني فيها، إنك أهلتني للعلم فكرهت أن
أخرج منه إلى طبقة الخدمة التى هي خارجة منه، وإن ابن عمك وَ الر قال: ((من أحب
أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار))، وإنه إنما أراد بذلك العلماء، فمن
قام بحق الخدمة وإعزاز الملك فهو هيبة للعدو، ومن قعد اتبع السنة التي عنكم
أخذت فهو زين لكم. قال: صدقت يا محمد، ثم قال: إن عمر بن الخطاب صالح
بني تغلب على أن لا ينصِّروا أبنائهم، وقد نصَّروا أبناءهم وحلت بذلك دماؤهم فما

٥٣٥
باب العلم
ترى؟ قال: قلت: إن عمر أمرهم بذلك، وقد نصّروا أبنائهم بعد عمر، واحتمل ذلك
عثمان، وابن عمك، وكان من العلم ما لا خفاء به عليك، وجرت بذلك السنن،
فهذا صلح من الخلفاء بعده ولا شيء يلحقك في ذلك، وقد كشفت لك العلم
ورأيك أعلا. قال: لكنا نجريه على ما أجروه إن شاء الله، إن الله أمر نبيه بالمشورة
فكان يشاور في أمره، ثم يأتيه جبريل [عليّ ** ] بتوفيق الله، ولكن عليك بالدعاء لمن
ولاه الله أمرك ومر أصحابك بذلك، وقد أمرت لك بشيء تفرقه على أصحابك،
فخرج له مال كثير ففرقه.
[٢ /١٧٣ - ١٧٤]
- عن أبي صالح بن محمد البغدادي قال: كان ببغداد شاعران أحدهما صاحب
حديث، والآخر معتزلي، فاجتاز بي المعتزلي يوماً فقال لي: يا بني كم تكتب؟
يذهب بصرك، ويحدودب ظهرك، وتزدار قبرك، ثم أخذ كتابي، وكتب عليه:
والتشاغل بالعلوم
إن القراءة والتفقه
والمهانة والهموم
أصل المذلة والإضافة
قال: ثم ذهب وجاء الآخر، فقرأ هذين البيتين، فقال: كذب عدو نفسه بل يرتفع
ذكرك، وينتشر علمك، ويبقى اسمك مع اسم رسول الله إلى يوم القيامة، ثم كتب
هذین البیتین :
والكتابة والدراسة
إن التشاغل بالدفاتر
والرياسة والسياسة
أصل التقية والتزهد
[٣٢٣/٩]
* العلم باب من أبواب الرزق:
- عن إسماعيل الخطبي قال: وجَّهَ إلي الراضي بالله ليلة عيد فطر، فحملت إليه
راكباً بغلة، ودخلت عليه، وهو جالس في الشموع قال لي: يا إسماعيل إني قد
عزمت في غد على الصلاة بالناس في المصلى، فما الذي أقول إذا انتهيت في
الخطبة إلى الدعاء لنفسي؟ قال: فأطرقت ساعة، ثم قلت: يقول أمير المؤمنين: رب
أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، وأن أعمل صالح ترضاه،
وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين. فقال لي: حسبك، ثم أمرني بالانصراف
وأتبعني بخادم فدفع إلي خريطة فيها أربعمائة دينار، وكانت الدنانير خمسمائة، فأخذ
الخادم منها لنفسه مائة دينار.
[٣٠٥/٦ - ٣٠٦]

٥٣٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
زكاة العلم:
- عن أبي الحسين الحسن بن عمرو الشيعي المروزي قال: إن بشراً وجاء إليه
أصحاب الحديث يوماً وأنا حاضر فقال لهم بشر: ما هذا الذي أرى معكم قد
أظهر تموه؟ قالوا: يا أبا نصر نطلب هذه العلوم لعل الله ينفع بها يوماً. قال: قد
علمتم أنه يجب عليكم فيها زكاة كما يجب على أحدكم إذا ملك مائتي درهم خمسة
دراهم، فكذلك يجب على أحدكم إذا سمع مائتي حديث أن يعمل منها بخمسة
أحاديث، وإلا فانظروا إيش يكون هذا عليكم غداً.
[٦٩/٧]
- عن ابن العميا عن أبيه قال: وفدت إلى معاوية فاستنسبني فانتسبت له فعرفني
فقال: إن المعرفة نسب من الأنساب، ارفع حوائجك قبح الله معرفة لا تنفع. [٢٠٥/٢]
* أهمية تطبيق المعلوم على الواقع:
- عن الأصمعي قال: دخلت أنا وأبو عبيدة على الفضل بن الربيع فقال: يا
أصمعي كم كتابك في الخيل؟ قال: قلت: جلد. قال: فسأل أبا عبيدة عن ذلك،
فقال خمسون جلداً. قال: فأمر بإحضار الكتابين. قال: ثم أمر بإحضار فرس فقال
لأبي عبيدة: اقرأ كتابك حرفاً حرفاً وضع يدك على موضع موضع، فقال أبو عبيدة:
ليس أنا بيطار إنما ذا شيء أخذته وسمعته من العرب وألفته، فقال لي: يا أصمعي
قم فضع يدك على موضع موضع من الفرس، فقمت فحسرت عن ذراعي وساقي، ثم
وثبت فأخذت بأذني الفرس، ثم وضعت يدي على ناصيته، فجعلت أقبض منه بشيء
شيء، فأقول هذا اسمه كذا، وأنشد فيه حتى بلغت حافره. قال: فأمر لي بالفرس،
[٤١٥/١٠]
فكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة ركبت الفرس وأتيته.
* علم العلل:
- قال عبد الرحمن سمعت أبي يقول: جرى بيني وبين أبي زرعة يوماً تمييز
الحديث ومعرفته، فجعل يذكر أحاديث ويذكر عللها، وكذلك كنت أذكر أحاديث
خطأ وعللها وخطأ الشيوخ. فقال لي: يا أبا حاتم قلّ من يفهم هذا، ما أعز هذا،
إذا رفعت هذا من واحد واثنين فما أقل من تجد من يحسن هذا، وربما أشك في
شيء أو يتخالجني شيء في حديث فإلى أن ألتقي معك لا أجد من يشفيني منه. قال
أبي: وكذلك كان أمري.
[٧٦/٢]
متفرقات :
- عن إبراهيم الحربي قال: ما أخذت على علم قط أجراً إلا مرة واحدة، فإني

٥٣٧
باب العمل الصالح
وقفت على بقال فوزنت له قيراطاً إلا فلساً فسألني عن مسألة فأجبته، فقال للغلام:
أعطه بقيراط، ولا تنقصه شيئاً فزادني فلساً.
[٣٤/٦]
- قال إبراهيم الهاشمي: كان مع المعتصم غلام في الكُتَّاب يتعلم معه فمات
الغلام فقال له الرشيد: يا محمد مات غلامك. قال: نعم يا سيدي واستراح من
الكُتَّاب. قال الرشيد: وإن الكُتَّاب ليبلغ منك هذا المبلغ؟! دعوه إلى حيث انتهى،
لا تعلموه شيئاً، قال: فكان يكتب كتاباً ضعيفاً، ويقرأ قراءة ضعيفة.
[٣٤٣/٣]
- كان معز الدولة قد قّد شرطة بغداد غلاماً مملوكاً تركياً يعرف بخواجا، فبلغ أبا
عمر الخبر وكان يملي كتاب الياقوتة، فلما جاؤوه قال اكتبوا: ياقوتة خواجا،
الخواج في أصل لغة العرب الجوع ثم فرّع على هذا باباً وأملاه؛ فاستعظم الناس
ذلك من كذبه وتتبعوه، فقال لي أبو علي الحاتمي وهو من بعض أصحابه: أخرجنا
في أمالي الحامض عن ثعلب عن ابن الأعرابي؛ الخواج الجوع، وهو أخبرني هذا
[٣٥٧/٢ - ٣٥٨]
الخبر.
- عن أبي سعيد الحداد قال: استفهمت عبد الرحمن بن مهدي يوماً، وقال لي:
كم تستفهم؟ فقلت له: إن لكل شيء رجحان ورجحان الحديث الاستفهام، فضحك
[١٣٩/٤]
عبد الرحمن.
- عن أبي سعيد أحمد بن داود الحداد قال لي: كم تكتب الحديث؟ قال: أخرج
من جرعاء، وأدخل ساجة.
[١٣٩/٤]
- عن الحسين بن منصور الحلّاج قال: علم الأولين والآخرين مرجعه إلى أربع
كلمات: حب الجليل، وبغض القليل، واتباع التنزيل، وخوف التحويل. [١١٤/٨ _ ١١٥]
- قال عمرو - بن عثمان المكي -: إن العلم قائد، والخوف سائق، والنفس حرون
بين ذلك، جموح خداعة، رواغة، فاحذرها وراعها بسياسة العلم وسقها بتهديد
الخوف، یتم لك ما ترید.
[٢٢٤/١٢]
باب العمل الصالح
- عن أبي سعيد الخراز قال: ومن ظن أنه بغير بذل الجهد يصل فمُتعن. [٤/ ٢٧٧]
- عن الزبير بن العوام قال: من استطاع منكم أن يكون له خبئ من عمل صالح
[١٧٩/٨]
فليفعل.
- أكل سفيان ليلة فشبع فقال: إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله، فقام
حتى أصبح.
[١٥٨/٩]

٥٣٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي محفوظ معروف بن الفيرزان الكرخي قال: امش ميلاً صل جماعة،
امش ميلين صل الجمعة، امش ثلاثة أميال عد مريضاً، امش أربعة أميال شيّع
جنازة، امش خمسة أميال شيّع حاجاً أو معتمراً، امش ستة أميال شيّع غازياً في
سبيل الله، امش سبعة أميال تصدق بصدقة من رجل إلى رجل، امش ثمانية أميال
أصلح بين الناس، امش تسعة أميال صل رحماً وقرابة، امش عشرة أميال في حاجة
عيالك، امش أحد عشر ميلاً في معونة أخيك، امش بريداً - والبريد اثنا عشر ميلاً -
زر أخاً في الله رَك .
[١٦٢/١١]
- عن علي بن عبيدة الريحاني قال: لولا لهب من الحرص ينشأ في القلوب، ولا
يملك الاعتبار إطفاء توقده ما كان في الدنيا عوض من يوم يضيع فيها يمكن فيه
[١٨/١٢ - ١٩ ]
العمل الصالح.
- عن عمرو بن قيس الملائي قال: إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به، ولو مرة
تکن من أهله.
[١٦٥/١٢]
- عن عيسى ابن مريم ظلّل قال: من تعلَّم، ثم عمل يدعى عظيماً في ملكوت
السماء .
[١٨٧/١١]
- عن أبي عبيد قال: سمعني عبد الله بن إدريس أتلهف على بعض الشيوخ فقال
لي: يا أبا عبيد مهما فاتك من العلم فلا يفوتك العمل عنه.
[٤٠٩/١٢]
[١٣٧/٢]
- عن يحيى بن معاذ قال: إنما ينشطون إليه على قدر منازلهم لديه.
[٢٣١/٢]
- عن الحسن قال: أنذركم سوف أقوم، سوف أصلي، سوف أصوم.
- عن أبي عبد الرحمن قال: جمعت مع حذيفة بالمدائن فسمعته يقول: إن الله
تعالى يقول: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] ألا وإن القمر انشق على عهد
رسول الله ◌َ، وإن الساعة اقتربت، ألا إن المضمار اليوم والسبق غداً. قال: فقلت
لأبي: غداً تجري الخيل. قال: إنك لغافل حتى سمعته يقول: السابق من سبق إلى
[٢٠٢/١]
الجنة.
- عن مجاهد قال: إن الله تعالى ليصلح بصلاح العبد ولده وولد ولده. [٢٧٤/١]
- عن حجاج بن محمد قال: كتب إليّ أبو خالد الأحمر: واعلم أن الصدِّيقين
كانوا يستحيون من الله أن يكونوا اليوم في منزلة أمس.
[٢٩٦/١]
- قال محمد بن نصر: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: كل شيء من
الخير بادر فيه. قال: وشاورته في الخروج إلى الثغر فقال لي: بادر بادر. [٣١٥/٣]
- حكى بعض أصحابه أن أبا جعفر هارون الرشيد كان يصلي في كل يوم مائة

٥٣٩
باب العلماء
ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا أن يعرض له علة، وكان يتصدق في كل يوم من صلب
ماله بألف درهم، وكان إذا حج أحج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحج
أحج في كل سنة ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الظاهرة، وكان يقتفي أخلاق
المنصور، ويعمل بها إلا في العطايا والجوائز فإنه كان أسنى الناس عطية ابتداء
وسؤالاً، وكان لا يضيع عنده ولا عارفه، وكان لا يؤخر عطاء اليوم إلى عطاء غد،
وكان يحب الفقه والفقهاء ويميل إلى العلماء، ويحب الشعر والشعراء، ويعظم في
صدره الأدب والأدباء، وكان يكره المراء في الدين والجدال، ويقول: إنه لخليق أن
لا ينتج خيراً، وكان يصغي إلى المديح ويحبه، ويجزل عليه العطاء لا سيما إذا كان
من شاعر فصيح مجید.
[٦/١٤]
باب العلماء
* من هو العالم؟
- عن أبي موسى الأنصاري قال: سألت سفيان بن عيينة فحدثنا عن ابن جريج عن
أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً قال: قال رسول الله وَله: (يوشك
أن يضرب الرجل أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجد عالماً أعلم من عالم المدينة»،
قال أبو موسى الأنصاري: فقلت لسفيان: أكان ابن جريج يقول: نرى أنه مالك بن
أنس؟ فقال: إنما العالم من يخشى الله، ولا نعلم أحداً كان أخشى الله من العمري
- يعني عبد الله بن عبد العزيز العمري -.
[٣٧٦/٦]
* المقياس في العالِم سعة العلم لا العمر:
- عن الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي يفتي، وله خمس عشرة سنة، وكان
[٦٤/٢]
يحيي الليل إلى أن مات.
- قال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف
الفريابي وما في وجهه شعرة، فقلت: ابن كم كنت؟ قال: كنت ابن سبع عشرة سنة.
[١٥/٢]
- قال الحميدي بن عبد الله سمعت مسلم بن خالد الزنجي ـ ومَرّ على الشافعي
وهو يفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة - فقال: يا أبا عبد الله أفت فقد آن لك أن
[٦٤/٢]
تفتي .
- عن محمد بن إسماعيل قال: قال لي محمد بن سلام: انظر في كتبي فما
وجدت فيها من خطأ فاضرب عليه، كي لا أرويه، ففعلت ذلك، وكان محمد بن

٥٤٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى. وفي
الأحاديث الضعيفة: لم يرض الفتى، فقال له بعض أصحابه: من هذا الفتى؟ فقال:
[٢٤/٢]
هو الذي ليس مثله، محمد بن إسماعيل.
- عن حاشد بن إسماعيل قال: رأيت إسحاق بن راهويه جالساً على السرير
ومحمد بن إسماعيل معه، فأنكر عليه محمد بن إسماعيل شيئاً، فرجع إلى قول
محمد. وقال إسحاق بن راهويه: يا معشر أصحاب الحديث انظروا إلى هذا
الشاب، واكتبوا عنه فإنه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن لاحتاج إليه الناس
لمعرفته بالحدیث وفقهه.
[٢٧/٢]
- عن أبي مسلم صالح بن أحمد قال: ألقى أبو إسحاق فريضة فلم يصنعوا فيها
شيئاً، فقال: لو كان الغلام الثوري فصلها الساعة إذ أقبل سفيان فقال له: ما تقول
في كذا وكذا؟ قال سفيان: أنت حدثتنا عن علي بكذا وكذا، والأعمش حدثنا عن
ابن مسعود بكذا، وفلان حدثنا فيها بكذا. قال أبو إسحاق: كيف ترون من ساعة
فصلها ألا تكونون مثله.
[١٦٢/٩]
- عن حماد بن زيد قال: قدم علينا جرير بن حازم من المدينة فأتيناه فسلمنا عليه
فما برحنا حتى تذاكرنا الحديث، فقال في بعض ما يقول: حدثنا قيس بن سعد عن
الحجاج بن أرطأة، فلبثنا ما شاء الله، فقدم علينا الحجاج ابن ثلاثين أو إحدى
وثلاثين فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان رأيت عنده مطراً
الوراق، وداود بن أبي هند، ويونس بن عبيد جثاة على أرجلهم يقولون له: يا أبا
أرطأة ما تقول في كذا؟ يا أبا أرطأة ما تقول في كذا؟.
[٢٣١/٨]
مكانة العلماء :
- عن أبي معاوية - محمد بن خازم الضرير - قال: أكلت مع هارون الرشيد أمير
المؤمنين طعاماً يوماً من الأيام فصب على يدي رجل لا أعرفه، فقال هارون
الرشيد: يا أبا معاوية تدري من يصب على يديك؟ قلت: لا، قال: أنا، قلت: أنت
يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم إجلالاً للعلم.
[٨/١٤]
- عن أبي بكر الخلال قال: خرج أبو بكر المروذي إلى الغزو فشيعه الناس إلى
سامراء، فجعل يردهم فلا يرجعون. قال: فحزروا فإذا هم بسامراء سوى من رجع
نحو خمسين ألف إنسان، فقيل له: يا أبا بكر احمد الله فهذا علم قد نشر لك،
قال: فبكى، ثم قال: ليس هذا العلم لي، وإنما هذا علم أحمد بن حنبل. [٤٢٤/٤]