Indexed OCR Text
Pages 181-200
= ١٨١ باب تربية الأبناء ومعه سراج الخادم، فأقعده عند أبي عبد الصمد مؤدب أولاد الرشيد، فقال سراج للشافعي: يا أبا عبد الله هؤلاء أولاد أمير المؤمنين، وهذا مؤدبهم، فلو أوصيته بهم. فأقبل على أبي عبد الصمد فقال له: ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحك نفسك، فإن أعينهم معقودة بفيك، فالحسن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تركته، علمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه، فيملوا، ولا تتركهم فيهجروه، ثم روِّهم من الشعر أعفه، ومن الحديث أشرفه، ولا تخرجنَّهم من علم إلى غيره حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للسمع. [١٨٧/٣] - عن سعيد بن تركان قال: صحبت أنا وأخي علي يعقوب بن الوليد بعد صحبته الجنيد، فما عظم في قلوبنا أحد، ولا تجاوز حد الجنيد لأنه كان مؤدبنا تأديب شفقة، والآخرون كانوا يؤدبونا تأديب رياضة، وإظهار أستاذية. [١٠٨/٩] - عبد الله بن أبي داود: رحل به أبوه من سجستان يطوف به شرقاً وغرباً، وسمَّعه من علماء ذلك الوقت. [٤٦٤/٩] - عن أبي مسهر قال: عرامة (١) الصبي في صغره زيادة في عقله في كبره. [٧٣/١١] - عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف قال: حدثني مشيخة أهل المدينة أن فروخاً أبا عبد الرحمن أبو ربيعة خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية غازياً، وربيعة حمل في بطن أمه، وخلف عند زوجته أم ربيعة ثلاثين ألف دينار، فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة، وهو راكب فرساً في يده رمح، فنزل عن فرسه، ثم دفع الباب برمحه، فخرج ربيعة فقال له: يا عدو الله أتهجم على منزلي؟ فقال: لا، وقال فروخ: يا عدو الله أنت رجل دخلت على حرمتي، فتواثبا، وتلبب كل واحد منهما بصاحبه حتى اجتمع الجيران: فبلغ مالك بن أنس، والمشيخة، فأتوا يعينون ربيعة فجعل ربيعة يقول: والله لا فارقتك إلا عند السلطان، وجعل فروخ يقول: والله لا فارقتك إلا بالسلطان، وأنت مع امرأتي، وكثر الضجيج، فلما بصروا بمالك سكت الناس كلهم، فقال مالك: أيها الشيخ لك سعة في غير هذه الدار، فقال الشيخ: هي داري، وأنا فروخ مولى بني فلان، فسمعت امرأته كلامه، فخرجت فقالت: هذا زوجي، وهذا ابني الذي خلفته، وأنا حامل به، فاعتنقا جميعاً، وبكيا فدخل فروخ (١) عرامة: عَرِمِ الصبيُّ علينا، أشر وبطر ومرح. القاموس (عرم). ١٨٢ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد المنزل وقال: هذا ابني، قالت: نعم، قال: فأخرجي المال الذي لي عندك، وهذه معي أربعة آلاف دينار، فقالت: المال قد دفنته، وأنا أخرجه بعد أيام، فخرج ربيعة إلى المسجد، وجلس في حلقته، وأتاه مالك بن أنس، والحسن بن زيد، وابن أبي علي اللهبي، والمساحقي، وأشراف أهل المدينة، وأحدق الناس به فقالت امرأته: اخرج صل في مسجد الرسول وَل9، فخرج فصلى فنظر إلى حلقة وافرة، فأتاه فوقف عليه، ففرجوا له قليلاً، ونكس ربيعة رأسه يوهمه أنه لم يره، وعليه طويلة فشك فيه أبو عبد الرحمن، فقال: من هذا الرجل؟ فقالوا له: هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فقال أبو عبد الرحمن: لقد رفع الله ابني، فرجع إلى منزله، فقال لوالدته: لقد رأيت ولدك في حالة ما رأيت أحداً من أهل العلم والفقه عليها، فقالت أمه: أيما أحب إليك ثلاثون ألف دينار، أو هذا الذي هو فيه من الجاه؟ قال: لا والله إلا هذا، قالت: فإني فد أنفقت المال كله عليه، قال: فوالله ما ضيعته. [٤٢١/٨ - ٤٢٢] - عن أبي محمد اليزيدي قال: كنت أؤدب المأمون - وهو في حجر سعيد الجوهري - قال: فأتيته يوماً، وهو داخل فوجهت إليه بعض خدمه يعلمه بمكاني فأبطأ علي، ثم وجهت إليه آخر فأبطأ، فقلت لسعيد: إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة وتأخر، قال: أجل ومع هذا إنه فارقك يعرم على خدمه، ويلقون منه أذى شديداً، فقوِّمه بالأدب، فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر، قال: فإنه ليدلك عينه من البكاء إذ قيل هذا جعفر بن يحيى قد أقبل، فأخذ منديلاً فمسح عينيه من البكاء، وجمع ثيابه، وقام إلى فراشه، فقعد عليها متربعاً، ثم قال: ليدخل فدخل فقمت عن المجلس وخفت أن يشكوني إليه، فألقى منه ما أكره، قال: فأقبل عليه بوجهه وحديثه حتى أضحكه، وضحك إليه، فلما هم بالحركة دعا بدابته، وأمر غلمانه فسعوا بين يديه، ثم سأل عني، فجئت فقال: خذ علي ما بقي من جزئي، فقلت: أيها الأمير أطال الله بقاءك لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى، ولو فعلت ذلك لتنكر لي، فقال: أتراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذه؟ فكيف بجعفر بن يحيى حتى أطلعه؟ إني أحتاج إلى أدب إذاً يغفر الله لك بعد ظنك، ووجيب قلبك، خذ في أمرك فقد خطر ببالك ما لا تراه أبداً، ولو عدت في كل يوم [١٨٤/١٠ - ١٨٥ ] مائة مرة. - عن محمد بن السري قال: حضر في يوم من الأيام بني لي صغير، فأظهر من الميل إليه والمحبة له ما يكثر من ذلك، فقال له بعض الحاضرين: أتحبه أيها الشيخ؟ فقال متمثلاً : ١٨٣ باب تربية الأبناء أحبه حبَّ الشحيح ماله قد كان ذاق الفقر ثم ناله [٣٢٠/٥] - كان لإبراهيم الحربي ابن وكان له إحدى عشرة سنة قد حفظ القرآن، ولقنه من الفقه شيئاً كثيراً، قال: فمات فجئت أعزيه، قال: فقال لي: كنت أشتهي موت ابني هذا، قال: قلت: يا أبا إسحاق أنت عالم الدنيا تقول مثل هذا في صبي قد أنجب، ولقنته الحديث، والفقه! قال: نعم رأيت في النوم كأن القيامة قد قامت، وكأن صبياناً بأيديهم قلال فيها ماء يستقبلون الناس يسقونهم، وكأن الیوم یوم حار شديد حره، قال: فقلت لأحدهم: اسقني من هذا الماء، قال: فنظر إلي، وقال: ليس أنت أبي، فقلت: فإيش أنتم؟ قال: فقال: نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا، وخلفنا آباءنا نستقبلهم، فنسقيهم الماء، قال: فلهذا تمنيت موته. [٣٧/٦] - قال عمر بن هارون: ألقيت من حديثي سبعين ألفاً: لأبي جزي عشرين ألفاً، ولعثمان البري كذا وكذا ألفاً، فقلت له: يا أبا غسان ما كان حاله؟ قال: قال بهز: أرى يحيى بن سعيد حسده، قال: أكثر عن ابن جريج من لزم رجلاً اثني عشرة سنة لا يريد أن يكثر عنه! قال أبو غسان: وبلغني أن أمه كانت تعينه على [١٨٧/١١] الکتاب. - عن علي بن عاصم بن صهيب قال: دفع إلي أبي مائة ألف درهم، وقال: اذهب فلا أرى لك وجهاً إلا بمائة ألف حديث. [٤٤٧/١١] - عن أبي الفتح أحمد بن علي بن هارون بن يحيى بن المنجم قال: حدثني أبي قال: كنت وأنا صبي لا أقيم الراء في كلامي، وأجعلها غيناً، وكانت سني إذ ذاك أربع سنين، أو أقل أو أكثر، فدخل أبو طالب المفضل بن سلمة، أو أبو بكر الدمشقي - شك أبو الفتح - إلى أبي وأنا بحضرته، فتكلمت بشيء به راء فلثغت فيها، فقال له الرجل: يا سيدي لم تدع أبا الحسن يتكلم هكذا؟ فقال له: وما أصنع وهو ألثغ؟ فقال له - وأنا أسمع، وأحصل ما يجري وأضبطه -: إن اللثغة لا تصح مع سلامة الجارحة، وإنما هي عادة سوء تسبق إلى الصبي أول ما يتكلم بتحقيق الألفاظ أو سماعه شيئاً يحتذيه، فإن ترك على ما يستصحبه من ذلك مرن عليه فصار له طبعاً لا يمكنه التحول منه، وإن أخذ بتركه في أول نشوئه استقام لسانه، وزال عنه، وأنا أزيل هذا عن أبي الحسن، ولا أرضى فيه بتركك له عليه، ثم قال لي: أخرج لسانك، فأخرجته، فتأمله، فقال: الجارحة صحيحة، قل يا بني راء، واجعل لسانك في سقف حلقك، ففعلت فلم يستو لي، فما زال يرفق بي مرة، ويخشن علي ١٨٤ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد أخرى، وينقل لساني إلى موضع من فمي ويأمرني أن أقول فيه فإذا لم يستو نقل لساني إلى موضع آخر دفعات كثيرة في زمان طويل حتى قلت راء صحيحة في بعض تلك المواضع التي نقل إليها لساني، فطالبني بإعادتها، وألزمني ذلك حتى استقام لساني، وذهبت اللثغة، فأمر أن أطالب بهذا أبداً، ويتقدم به إلى معلمي ومن يحفظني، وأوخذ بالكلام به، ولا يتسمح لي بالغلط فيه، ففعل ذلك ومرنت عليه، وما لثغت إلى الآن. [١١٩/١٢] - عن محمد بن يوسف بن يعقوب قال: كان يذكر عن جده يعقوب حديثاً لقنه إياه وهو ابن أربع سنين، عن وهب بن جرير عن أبيه عن الحسن: ((لا بأس بالكحل للصائم». [٤٠٣/٣] - عن محمد بن سويد الطحان قال: كنا عند عاصم بن علي ومعنا أبو عبيد القاسم بن سلام، وإبراهيم بن أبي الليث، وذكر جماعة، وأحمد بن حنبل يضرب ذلك اليوم، فجعل عاصم يقول: ألا رجل يقوم معي فنأتي هذا الرجل، فنكلمه؟ قال: فما يجيبه أحد، فقال إبراهيم بن أبي الليث: يا أبا الحسين أنا أقوم، فصاح: يا غلام خُفِّي، فقال له إبراهيم: يا أبا الحسين أبلغ إلى بناتي، فأوصيهم وأجد بهم عهداً، قال: فظننا أنه ذهب يتكفن ويتحنط، ثم جاء فقال عاصم: يا غلام خُفِّي، فقال: يا أبا الحسين إني ذهبت إلى بناتي، فبكين، قال: وجاء كتاب بنتي عاصم بن واسط: يا أبانا إنه بلغنا أن هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل، فضربه بالسوط على أن يقول القرآن مخلوق فاتق الله ولا تجبه إن سألك، فوالله لأن يأتينا نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك قلت. [٢٤٨/١٢ - ٢٤٩] - عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة أن أبا حنيفة حين حذق حماد ابنه وهب للمعلم خمسمائة درهم. [٣٦١/١٣] باب الثبات على الحق - عن علي بن المديني قال: إن الله أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة. [٤١٨/٤] - قال المأمون لأبي مسهر: يا أبا مسهر، والله لأحبسنك في أقصى عملي، أو تقول: القرآن مخلوق، تريد تعمل للسفياني؟ فقال أبو مسهر: يا أمير المؤمنين، القرآن كلام الله غير مخلوق. [٧٢/١١] - عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: لما أن جاءت المحنة إلى الكوفة، قال لي ١٨٥ باب الثبات على الحق أحمد بن يونس: ألق أبا نعيم، فقل له، فلقيت أبا نعيم فقلت له، فقال: إنما هو ضرب الأسياط، قال ابن أبي شيبة: فقلت له: ذهب حديثنا عن هذا الشيخ، فقيل لأبي نعيم، فقال: أدركت ثلاثمائة شيخ كلهم يقولون: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وإنما قال هذا قوم من أهل البدع كانوا يقولون: لا بأس أن ترمى الجمار بالزجاج، ثم أخذ زره، فقطعه، ثم قال: رأسي أهون عليّ من زري. [٣٤٩/١٢] - قال الخطيب: كان المأمون كتب - وهو بالرقة - إلى إسحاق بن إبراهيم صاحب الشرطة ببغداد بحمل أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح إليه، بسبب المحنة، فأخرجا من بغداد على بعير متزاملين، ثم إن محمد بن نوح أدركه المرض في طريقه. [٣٢٣/٣] - عن أبي عبد الله قال: ما رأيت أحداً على حداثة سنه، وقلة علمه أقوَم بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون الله قد ختم له بخير، قال لي ذات يوم وأنا معه خلوين: يا أبا عبد الله! الله الله إنك لست مثلي، أنت رجل يُقتدى بك، وقد مد هذا الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق الله، واثبت لأمر الله، أو نحو هذا من الكلام، قال أبو عبد الله: فعجبت من تقويته لي، وموعظته إياي !! ثم قال أبو عبد الله: انظر بما ختم له! فلم يزل ابن نوح كذلك، ومرض حتى صار إلى بعض الطريق فمات. قال أبو عبد الله: فصليت عليه ودفنته. [٣٢٣/٣] أظنه قال بعانة. - عن الربيع بن سليمان قال: كنت عند الشافعي أنا، والمزني، وأبو يعقوب البويطي، فنظر إلينا، فقال لي: أنت تموت في الحديث، وقال للمزني: هذا لو ناظره الشيطان قطعه، أو جد له، وقال للبويطي: أنت تموت في الحديث، قال الربيع: فدخلت على البويطي أيام المحنة، فرأيته مقيداً إلى أنصاف ساقيه مغلولة يده [٣٠١/١٤] إلى عنقه. - عن الربيع بن سليمان قال: رأيت البويطي على بغل في عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلاً، وهو يقول: إنما خلق الله الخلق بكُن، فإذا كانت كن مخلوقة، فكانت مخلوقاً، خلق مخلوقاً، فوالله لأموتن في حديدي هذا حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أدخلت إليه لأصدقنه - يعني الواثق -. [٣٠٢/١٤] - عن حنبل بن إسحاق قال: حضرت أبا عبد الله أحمد ويحيى بن معين عند عفان بعد ما دعاه إسحاق بن إبراهيم للمحنة، وكان أول من امتحن من الناس عفان فسأله يحيى بن معين من الغد بعد ما امتحن، وأبو عبد الله حاضر، ونحن معه فقال له ١٨٦ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد يحيى: يا أبا عثمان أخبرنا بما قال لك إسحاق بن إبراهيم، وما رددت عليه؟ فقال عفان ليحيى: يا أبا زكريا لم أسود وجهك، ولا وجوه أصحابك - يعني بذلك، إني لم أجب - فقال له: كيف كان؟ قال: دعاني إسحاق بن إبراهيم، فلما دخلت عليه قرأ علي الكتاب الذي كتب به المأمون من أرض الجزيرة من الرقة فإذا فيه امتحن عفان، وادعه إلى أن يقول القرآن كذا وكذا، فإن قال ذلك، فأقره على أمره، وإن لم يجبك إلى ما كتبت به إليك فاقطع عنه الذي يجرى عليه، وكان المأمون يجري على عفان خمسمائة درهم كل شهر. قال عفان: فلما قرأ الكتاب. قال لي إسحاق بن إبراهيم: ما تقول؟ قال عفان: فقرأت عليه: ﴿قُلّ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ﴿ اللَّهُ الصََّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢] حتى ختمتها، فقلت: مخلوق هذا! فقال لي إسحاق بن إبراهيم: يا شيخ إن أمير المؤمنين يقول: إنك إن لم تجبه إلى الذي يدعوك إليه يقطع عنك ما يجرى عليك، وإن قطع عنك أمير المؤمنين قطعنا عنك نحن أيضاً، فقلت له: يقول الله تعالى: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، قال: فسكت عني إسحاق، وانصرفت، فُسِّر بذلك أبو عبد الله ويحيى، ومن حضر من أصحابنا. [٢٧٠/١٢ - ٢٧١] - لما دعي عفان - بن مسلم الصفار - للمحنة كنت آخذ بلجام حماره، فلما حضر عرض عليه القول، فامتنع أن يجيب فقيل له: يحبس عطاؤك. قال: وكان يعطى في كل شهر ألف درهم، فقال: ﴿وَفِ التَّمَاءِ رِزْقْكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] قال: فلما رجع إلى داره عذلوه نساؤه، ومن في داره - قال: وكان في داره نحو أربعين إنساناً - قال: فدق عليه داق الباب، فدخل عليه رجل شبهته بسمَّان أو زيات، ومعه كيس فيه ألف درهم، فقال: يا أبا عثمان ثبتك الله كما ثبت الدين، وهذا في كل شهر. [٢٧١/١٢] باب الثقة بالله - قال حاتم الأصم: خرجت في سفر، ومعي زاد، فنفد زادي في وسط البرية، فكأن قلبي في البرية والحضر واحداً. [٢٤٤/٨] - عن عمرو بن عثمان المكي قال: ثلاثة أشياء من صفات الأولياء: الرجوع إلى الله [٢٢٣/١٢] في كل شيء، والفقر إلى الله في كل شيء، والثقة بالله في كل شيء. - جاء رجل إلى حاتم الأصم فقال: يا أبا عبد الرحمن أي شيء رأس الزهد، ووسط الزهد، وآخر الزهد؟ فقال: رأس الزهد الثقة بالله، ووسطه الصبر، وآخره الإخلاص. [٢٤٥/٨] ١٨٧ باب ثلاثيات باب ثلاثيات - عن ابن عمر قال: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري، أو نحو [٢٣/٤] هذا . - عن الحسن قال: لم يبق من العيش إلا ثلاث: أخ لك تصيب من عشرته خيراً؛ فإن زغت عن الطريق قومك، وكفاف من عيش ليس لأحد عليك فيه تبعة، وصلاة في جمع تكفي سهوها، وتستوجب أجرها . [٩٩/٦] - عن الحسن قال: يجب للعالم ثلاث خصال: تخصه بالتحية، وتعمه بالسلام مع الجماعة، ولا تقول: حدثنا فلان، تقول: حدثنا أبو فلان، وإذا قرأ فملَّ لا [٧ /٤١٣] تضجر . - عن حسين بن فهم قال: أشهد عليَّ يا بني أني متى فعلت خلة من ثلاث خلال فأنا مجنون: إن شهدت عند الحاكم، أو حدثت العوام، أو قبلت الوديعة. [٩٢/٨] - قال عمرو بن العاص: انتهى عجبي عند ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه، والرجل يرى في عين أخيه القذاة؛ فيعيبها، ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبه، والرجل يكون في دابته الصَّعَرَ(١) فيقومها جهده، ويكون في نفسه الصعر فلا يقوّم نفسه ! . [١٠٦/٨] - عن حارث(٢) المحاسبي قال: ثلاثة أشياء عزيزة، أو معدومة: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن الخلق مع الديانة، وحسن الإخاء مع الأمانة. [٢١٢/٨] - عن أبي عبد الله الخواص - وكان من علية أصحاب حاتم - قال: لما دخل حاتم بغداد اجتمع إليه أهل بغداد، فقالوا له: يا أبا عبد الرحمن أنت رجل عجمي، وليس يكلمك أحد إلا قطعته لأي معنى، فقال حاتم: معي ثلاث خصال بها أظهر على خصمي، قالوا: أي شيء هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن له إذا أخطأ، وأحفظ نفسي لا تتجاهل عليه، فبلغ ذلك أحمد بن محمد بن حنبل، فقال: [٢٤٢/٨] سبحان الله ما أعقله من رجل؟ !!. - عن أبي جعفر الهروي قال: كنت مع حاتم كر، وقد أراد الحج، فلما وصل إلى بغداد قال لي: يا أبا جعفر أحب أن ألقى أحمد بن حنبل، فسألنا عن منزله، (١) الصعر: ميل في الوجه أو في أحد الشقين، وداء في البعير يلوي عنقه منه، والتصعر إمالة الخد عن الناس كبراً. عن القاموس. (٢) كذا في الأصل، والمعروف: الحارث. ١٨٨ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد ومضينا إليه، فطرقت عليه الباب، فلما خرج قلت: يا أبا عبد الله أخوك حاتم، قال: فسلم عليه، ورحب به، وقال له بعد بشاشته به: أخبرني يا حاتم، فيم التخلص من الناس؟ قال: يا أحمد في ثلاث خصال، قال: وما هي؟ قال: أن تعطيهم مالك، ولا تأخذ من مالهم شيئاً، قال: وتقضي حقوقهم، ولا تستقضي أحداً منهم حقاً لك، قال: وتحتمل مكروههم، ولا تكره أحداً على شيء، قال فأطرق أحمد ينكت بأصبعه على الأرض، ثم رفع رأسه، ثم قال: يا حاتم إنها لشديدة، فقال له حاتم: وليتك تسلم، وليتك تسلم، وليتك تسلم. [٢٤٢/٨] - عن أبي شميط بن عجلان قال: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا المقرب، ورجل ابتكر عمره بالذنوب، وطول الغفلة، ثم رجع بتوبة، فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته، ثم لم يزل فيه حتى خرج من الدنيا، فهذا صاحب شمال. [٣٤/١٠] - عن عبد الله بن محمد البافي قال: إلا وأسلمنه إلى الأجل ثلاثة ما اجتمعن في رجل وكلها سائق على عجل ذل اغتراب وفاقـة وهوى أنصفت رفهتهم عن العذل يا عاذل العاشقين إنك لو عن شغل العاذلين في شغل فإنهم لو عرفت صورتهم [١٠ /١٤٠ ] - عن عمرو بن عثمان المكي قال: ثلاثة أشياء من صفات الأولياء: الرجوع إلى الله في كل شيء، والفقر إلى الله في كل شيء، والثقة بالله في كل شيء. [٢٢٣/١٢] - جمع الحسن بن علي رؤوس أصحابه في قصر المدائن، فقال: يا أهل العراق لو لم تذهل نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت: بقتلكم أبي، ومطعنكم بغلتي، وانتهابكم ثقلي، أو قال: ردائي عن عاتقي، وإنكم قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت، وإني قد بايعت معاوية، فاسمعوا له، وأطيعوا. قال: ثم نزل، فدخل القصر. [١٣٩/١] - قال الأصمعي: أحسن الدنيا ثلاثة: نهر الأُبُلَّة، وغوطة دمشق، ومنتزه سمرقند، وقال: حشوش الدنيا ثلاثة: عمان، وأردبيل، وهيت. [٤٨/٢] - قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الطبري: رأيت ثلاثة يتقدمون ثلاثة أصناف من أبناء جنسهم فلا يزاحمهم أحد: أبو عبد الله الحسين بن أحمد الموسوي يتقدم = ١٨٩ باب الجار الطالبيين فلا يزاحمه أحد، وأبو عبد الله محمد بن موسى يتقدم العباسيين فلا يزاحمه أحد، وأبو بكر الكفاني يتقدم الشهود، فلا يزاحمه أحد. [٢ /٤٠٤ - ٤٠٥] ـ وسئل أبو جعفر القصاب ما بال أصحابك محرومين من الناس؟ قال: لثلاث خصال: إحداها: أن الله تعالى لا يرضى ما في أيديهم، ولو رضي لهم ما لهم لترك ما لأنفسهم عليهم، والثانية: أن الله تعالى لا يرضى أن يجعل حسناتهم في صحائفهم ولو رضي لهم لخلطهم بهم، الثالثة: أنهم قوم لم يسيروا إلا إلى الله تعالى، فمنعهم كل شيء سواه وأفردهم به. [٦٢/٣] - عن ابن عباس قال: قال لي العباس: يا بني، إنى أرى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يدينك، ويقربك، ويختصك، ويشاورك دون ناس من أصحاب النبي ◌َلآ، فاحفظ عني ثلاثاً: ألَّا تفشي له سراً، ولا يجربن عليك كذباً، ولا تغتابن عنده أحداً، قال الشعبي فقلت: يا أبا عباس، كل واحدة من هذه خير من ألف، قال: ومن عشرة آلاف. [٩١/٣ - ٩٢] - مر إبراهيم بن أدهم بسفيان الثوري - وهو قاعد مع أصحابه - قال سفيان لإبراهيم: تعال حتى أقرأ عليك علمي، قال: إني مشغول بثلاث عن طلب العلم، قال: فما هذه الثلاث؟ قال: إني مشغول بالشكر لما أنعم عليَّ، وبالاستغفار لما سلف من ذنوبي، وبالاستعداد للموت. قال سفيان: ثلاث، وأي ثلاث !. [٢١٩/٣] - عن يحيى بن معاذ قال: الكيِّس من فيه ثلاث خصال: من بادر بعمله، وسوَّف بأمله، واستعد لأجله. [٢١٠/١٤] باب الجار - عن أبي محمد الزهري قال: كانت بيني وبين أبي العباس ثعلب مودة وكِيدة، وكنت أستشيره في أموري، فجئته يوماً أشاوره في الانتقال من محلة إلى أخرى لتأذيي بالجوار، فقال لي: يا أبا محمد، العرب تقول: صبرك على أذى من تعرف خير لك من استحداث ما لا تعرف. [٢٠٦/٥] - عن سلمة بن عقار قال: كنت عند ابن إدريس، فوجه بابنه إلى البقال يشتري له حاجة، فأبطأ، ثم جاء، فقال له: يا بني ما بطأك؟ قال: مضيت إلى السوق، قال: لم لم تشتر من هذا البقال الذي معنا في السكة؟ قال: هذا يغلي علينا، قال: اشتر منه، وإن أغلى عليك، فإنما جاورنا لينتفع. [٤١٨/٩] - لما رجع أبو العباس عبد الله بن طاهر من الشام ارتفع فوق سطح قصره، فنظر ١٩٠ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد إلى دخان مرتفع في جواره، فقال لعمرويه: ما هذا الدخان؟ فقال: أظن القوم يخبزون! فقال: ويحتاج جيراننا أن يتكلفوا ذلك، ثم دعا حاجبه، فقال: امض، ومعك كاتب، فأحص جيراننا ممن لا يقطعهم عنا شارع، قال: فمضى، فأحصاهم، فبلغ عدد صغيرهم وكبيرهم أربعة آلاف نفس، فأمر لكل واحد منهم في كل يوم بمنوين خبزاً، ومناً لحم، ومن التوابل في كل شهر عشرة دراهم، والكسوة في الشتاء مائة وخمسين درهماً، وفي الصيف مائة درهم، وكان ذلك دأبه مدة مقامه ببغداد، فلما خرج انقطعت الوظائف إلا الكسوة ما عاش أبو العباس. [٤٨٦/٩] - عن عبد الله بن رجاء الغداني قال: كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنَّه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل لحماً فطبخه، أو سمكة فيشويها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غنى بصوت، وهو يقول: ليوم كريهة وسداد ثغر أضاعوني وأي فتى أضاعوا فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يسمع جلبته، وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته، فسأل عنه، فقيل: أخذه العسس منذ ليال، وهو محبوس، فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد، وركب بغلته، واستأذن على الأمير، قال الأمير: إيذنوا له، واقبلوا به راكباً، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، ففعل، ولم يزل الأمير يوسع له من مجلسه، وقال: ما حاجتك؟ قال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ليال يأمر الأمير بتخليته، فقال: نعم، وكل من أخذه بتلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو حنيفة والإسكافي يمشي وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه فقال: يا فتى أضعناك؟ قال: لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيراً عن حرمة الجوار، ورعاية الحق، وتاب الرجل، ولم يعد إلى ما كان. [٣٦٣/١٣] - عن جعفر بن محمد بن نصير الخلدي قال: سمعت محمد بن عثمان بن أبى شيبة وقد قال له قوم غرباء من أصحاب هذا الحديث: يا أبا جعفر نحن قوم غرباء، فزدنا، فقال: لكم حق ولجيراني حقوق، هؤلاء - يعني من حوله من أهل بغداد - إن مرضت عادوني، وإن مت حضروني، وإن مروا بقبري ترحموا علي، وأنتم تفارقوني، ولا أعلم ما يكون منكم. [٤٢/٣] - عن محمد بن العلي بن الحسن قال: أراد جار لأبي حمزة السكري أن يبيع داره، قال: فقيل له: بكم؟ قال: بألفين ثمن الدار، وألفين جوار أبي حمزة. قال: فبلغ ذلك أبا حمزه فوجه إليه بأربعة آلاف، وقال: خذ هذه، ولا تبع دارك. [٢٦٨/٣] ١٩١ باب الجدل والمراء * باب الجن باب الجدل والمراء - عن حماد بن زيد قال: جلس عمرو بن عبيد، وشبيب بن شيبة ليلة يتخاصمون إلى طلوع الفجر، قال: فما صلوا ليلتئذ ركعتين، قال: وجعل عمرو يقول: هيه أبا [٢٧٧/٩] معمر، هيه أبا معمر. - عن أبي عاصم قال: قال رجل لأبي حنيفة متى يحرم الطعام على الصائم؟ قال: إذا طلع الفجر، قال: فقال له سائل: فإن طلع نصف الليل! قال: فقال له أبو حنيفة: قم يا أعرج. [٣٥٢/١٣] باب الجمعة 8= - عن ابن عباس قال: قال لي عمر: ما حبسك عن الصلاة؟ قلت: لما أن سمعت الأذان توضأت ثم أقبلت، قال عمر: الوضوء أيضاً! ما بهذا أمرنا. قال فما تركت الغسل يوم الجمعة بعد. [٢٤٩/١] - عن كعب قال: لأغتسلن يوم الجمعة ولو كأساً بدينار. [٢٦٢/١] - عن عائشة قالت: كان الناس عمال أنفسهم، فكانوا يروحون إلى الجمعة بهيأتهم، فكان يقال لهم: لو اغتسلتم. [١٦١/٢] - عن مهدي بن إبراهيم قال: كنت أرى مالك بن أنس يغير ثيابه يوم الجمعة حتى نعله . [٢١٠/٣] - كان زيد بن صوحان يقوم الليل، ويصوم النهار، وإذا كانت ليلة الجمعة أحياها، فإن كان ليكرهها إذا جاءت مما كان يلقى فيها ... [٤٣٩/٨] - عن أبي يوسف قال: كان الحجاج بن أرطأة لا يشهد جمعة ولا جماعة يقول: أكره مزاحمة الأنذال. [٢٣٣/٨] باب الجن - عن يحيى بن معين - وذكر الأثرم - فقال: أحد أبويه جني. [١١٠/٥] - قال أحمد بن نصر الخزاعي: رأيت مصاباً قد وقع، فقرأت في أذنه، فكلمتني الجنية من جوفه فقالت: يا أبا عبد الله، بالله دعني أخنقه، فإنه يقول: القرآن مخلوق . [١٧٥/٥] - عن محمد بن عبد الله بن علائة أنه كان يقال له قاضي الجن، وذلك أن بئراً كانت بين حران، وحصن مسلمة، فكان من يشرب منها خبطته الجن، قال: فوقف عليها، فقال: أيها الجن، إنا قد قضينا بينكم وبين الإنس، فلهم النهار ولكم الليل، قال: فكان الرجل إذا استسقى منها بالنهار لم يصبه شيء. [٣٨٩/٥] ١٩٢ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد - عن أبي مسلم الكجي قال: خرجت يوماً في حاجة لي سحراً، فغرني القمر، وكان يوماً بارداً وإذا الحمَّام قد فتح، فقلت: أدخل إلى الحمام قبل مضي في حاجتي، فقلت للحمامي: يا حمامي أدَخَل حمامك أحد؟ فقال: لا، فدخلت الحمام، فساعة فتحت الباب قال لي قائل: أبو مسلم أسلم تسلم، ثم أنشأ يقول: وإما على نقمة تدفع لك الحمد إما على نعمة وتسمع من حيث لا يسمع تشاء فتفعل ما شئته قال: فبادرت، وخرجت، وأنا جزع، فقلت للحمامي: أليس زعمت أنه ليس في الحمام أحد؟ فقال لي: هل سمعت شيئاً؟ فأخبرته بما كان، فقال لي: ذاك جني يتراءى لنا في كل حسن، وينشدنا الشعر، فقلت: هل عندك من شعره شيء؟ فقال لي: نعم، وأنشدني: كم تمادى وتكسب الذنب جهلا أيها المذنب المفرط مهلاً سمج وهو يحسن الصنع فعلا كم وكم تسخط الجليل بفعل أرضي عنه من على العرش أم لا كيف تهدا جفون من ليس يدري [١٢٢/٦ ] - عن أبي حفص ابن أخت بشر بن الحارث قال: كنت أسمع الجن تنوح على خالي في البيت الذي كان يكون فيه، غير مرة سمعت الجن تنوح عليه. [٧٩/٧] - عن جعفر بن محمد الفريابي قال: انصرفت من مجلس عبيد الله بن معاذ بالبصرة، فإذا بحلقة، وجماعة من الناس قيام، فنظرت فإذا شاب مجنون، فقيل لي: يا فتى تؤذن في أذنه، فقلت: أمسكوا يديه ورجليه، وأذنت في أذنه، فلما بلغت أشهد أن محمداً رسول الله قال لي على لسان المجنون بصوت سمعه الحاضرون: من بشوم محمد مكوا، يعني: أنا أنصرف، ولا تذكر محمداً. [٢٠١/٧] - عن أبي العباس الرزاز قال: قال لي بعض أصحابنا: قلت لأبي العباس بن عطاء: ما تقول في الحسين بن منصور؟ فقال: ذاك مخدوم من الجن، قال: فلما كان بعد سنة سألته عنه، فقال: ذاك من حق، فقلتُ: قد سألتك عنه قبل هذا، فقلتَ: مخدوم من الجن، وأنت الآن تقول هذا! فقال: نعم ليس كل من صحبنا يبقى معنا، فيمكننا أن نشرفه على الأحوال، وسألت عنه وأنت في بدء أمرك، وأما [١٢٠/٨] الآن، وقد تأكد الحال بيننا، فالأمر فيه ما سمعت. - عن طاهر بن أحمد التستري قال: تعجبت من أمر الحلاج، فلم أزل أتتبع، وأطلب الحيل، وأتعلم النيرنجات لأقف على ما هو عليه، فدخلت عليه يوماً من = ١٩٣ باب الجنائز الأيام، وسلمت، وجلست ساعة، ثم قال لي: يا طاهر لا تتعن، فإن الذي تراه، وتسمعه من فعل الأشخاص لا من فعلي، لا تظن أنه كرامة، أو شعوذة، فصح عندي أنه کما يقول. [١٢٦/٨] باب الجنائز - عن عبد الرحمن بن أبزى قال: بينما نحن في جنازة وعليٍّ خلفها آخذ بيدي، وأبو بكر وعمر أمامها، فقال علي: إنهما ليعلمان أن فضل من يمشي خلفها على من يمشي أمامها، كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده، ولكنهما سهلان [٣٨٩/٩ - ٣٩٠] يسهلان للناس. - قال عبد الله بن الفرج: سلوا الله عفواً جميلاً، قال: فقلنا: يا أبا محمد أي [٤١/١٠] شيء العفو الجميل؟ قال: أن يأمر بك من الموقف، ولا يفتشك. - عن موسى بن عبد الله بن يزيد قال: إن علياً صلى على أبي قتادة، فكبر عليه سبعاً، وكان بدرياً. [١٦١/١] - عن علي أنه غسل النبي وَّر، فعصر بطنه في الوسطى، فلم يخرج شيئاً، فقال: [٢٦٩/٢] بأبي أنت وأمي، طيباً في الحياة، وطيباً في الموت. - عن أحمد بن حنبل قال: سئل ابن عيينة ما بال الناس يؤمرون في الجنازة بالسكوت؟ قال: لأنه حشر. [٣٦١/٣] جنائز أهل السنة والجماعة: - عن يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: رأيت أبا نصر التمار وعلي بن المديني في جنازة بشر بن الحارث يصيحان في الجنازة: هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة، وذلك أن بشر بن الحارث أخرجت جنازته بعد صلاة الصبح، ولم يحصل في القبر إلا في الليل، وكان نهاراً صائفاً، والنهار فيه طول، ولم يستقر في القبر إلى [٧٩/٧ - ٨٠] العتمة . - قال أحمد بن كامل القاضي: اجتمع عليه - أي ابن جرير الطبري - من لا [١٦٦/٢] يحصيهم عدداً إلا الله، وصُلي على قبره عدة شهور ليلاً ونهاراً. - عن الوركاني قال: أسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس. [٤٢٣/٤] - عن بنان بن أحمد القصباني: أنه حضر جنازة أحمد بن حنبل مع من حضر، قال: فكانت الصفوف من الميدان إلى قنطرة ربع القطيعة، وحزر من حضرها من الرجال ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألف امرأة. [٤/ ٤٢٢] ١٩٤ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد - عن الوركاني قال: يوم مات أحمد بن حنبل وقع المأتم والنوح في أربعة [٤/ ٤٢٢] أصناف من الناس: المسلمين، واليهود، والنصارى، والمجوس. جنائز أهل البدع: - لما مات بشر بن غياث المريسي لم يشهد جنازته من أهل العلم والسنة أحد إلا عبيد الشونيزي، فلما رجع من جنازة المريسي أقبل عليه أهل السنة والجماعة قالوا: يا عدو الله تنتحل السنة والجماعة وتشهد جنازة المريسي! قال: أنظروني حتى أخبركم، ما شهدت جنازة رجوت فيها من الأجر ما رجوت في شهود جنازته، لما وضع في موضع الجنائز قمت في الصف فقلت: اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن برؤيتك في الآخرة، اللهم فاحجبه عن النظر إلى وجهك يوم ينظر إليك المؤمنون، اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن بعذاب القبر، اللهم فعذبه اليوم في قبره عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين، اللهم عبدك هذا كان ينكر الميزان، اللهم فخفف ميزانه يوم القيامة، اللهم عبدك هذا كان ينكر الشفاعة، اللهم فلا تشفع فيه أحداً من خلقك يوم القيامة. قال: فسكتوا عنه، وضحكوا . [٦٦/٧] * الوعظ عند القبور: - لما مات داود بن نصير الطائي جاء ابن السماك، فجلس على قبره، ثم قال: أيها الناس إن أهل الزهد في الدنيا تعجلوا الرواح على أبدانهم مع يسير الحساب غداً عليهم، وإن أهل الرغبة تعجلوا التعب على أبدانهم مع ثقل الحساب عليهم غداً، والزهادة راحة لصاحبها في الدنيا والآخرة، والرغبة تتعب صاحبها في الدنيا والآخرة. رحمك الله يا أبا سليمان ما كان أعجب شأنك! ألزمت نفسك الصبر حتى قومتها عليه، أجعتها وإنما تريد شبعها، وأظمأتها وإنما تريد ريها، أخشنت المطعم وإنما تريد أطيبه، وخشنت الملبس وإنما تريد لينه، يا أبا سليمان أما كنت تشتهي من الطعام طيبه، ومن الماء بارده، ومن اللباس لينه، بلى ولكنك أخرت ذلك لما بين يديك، فما أراك إلا قد ظفرت بما طلبت، وما إليه رغبت، فما أيسر ما صنعت، وأحقر ما فعلت في جنب ما أملت، فمن سمع بمثلك عزم عزمك، أو صبر صبرك، آنس ما تكون إذا كنت بالله خالياً، وأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس، سمعت الحديث وتركت الناس يحدثون، تفقهت في دين الله وتركتهم يفتون، لا تذلك المطامع، ولا ترغب إلى الناس في الصنائع، ولا تحسد الأخيار، ولا تعيب = ١٩٥ باب الجنايات * باب الجهاد الأشرار، ولا تقبل من السلطان عطية، ولا من الإخوان هدية، سجنت نفسك في بيتك، فلا محدث لك، ولا ستر على بابك، ولا قلة تبرد فيها ماءك، ولا قصعة تثرد فيها غذاءك وعشاءك، فلو رأيت جنازتك، وكثرة تابعك علمت أنه قد شرفك وكرمك، وألبسك رداء عملك، فلو لم يرغب عبد في الزهد في الدنيا إلا لمحبة هذا النشر الجميل، والتابع الكثير، لكان حقيقاً بالاجتهاد، فسبحان من لا يضيع مطيعاً، [٣٥٤/٨ _ ٣٥٥] ولا ينسى لأحد صنيعاً، وفرغ من دفنه، وقام الناس. باب الجنايات - عن مقاتل بن حيان قال: كتب عامل عمر بن عبد العزيز على الموصل إلى عمر: أن رجلاً أحرق كدساً له، فطارت شرارة فأحرقت بيادر الناس وأكداسهم. قال: فكتب إليه عمر: أنه بلغني أن رسول الله وَ لو قال: ((العجماء جبار، ألا وإن الجبار لا غرم فيه». [١٨٣/١١] باب الجنة - عن عبد الرحمن بن مهدي قال: رأيت سفيان الثوري في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: لم يكن إلا أن وضعت في اللحد حتى وقفت بين يدي الله تعالى، فحاسبني حساباً يسيراً، ثم أمر بي إلى الجنة، فبينما أنا أدور بين أشجارها وأنهارها، ولا أسمع حساً، ولا حركة، إذ سمعت قائلاً يقول: سفيان بن سعيد؟! فقلت: سفيان بن سعيد، قال: تحفظ أنك آثرت الله على هواك يوماً ما؟ قال: قلت: إي والله، فأخذني صواني النثار من جميع الجنة. [٤٣٨/٨] - رأى رجل في المنام أنه دخل الجنة قال: فرأيت الحسن وابن سيرين وإبراهيم وعدة، قال: فقلت: ما لي لا أرى سفيان الثوري معكم فقد كان يذكر؟ فقالوا: هيهات ذاك فوقنا، ما نراه إلا كما نرى الكوكب الدري. [١٧٤/٩] - عن فضيل بن عياض قال: تدرون لم حسنت الجنة؟ لأن عرش رب العالمين [٣١٢/٩] سقفها . باب الجهاد - قال محمد بن نصر: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: كل شيء من الخير بادر فيه. قال: وشاورته في الخروج إلى الثغر فقال لي: بادر بادر. [٣١٥/٣] - عن محمد بن عبد الله النيسابوري قال: لما وقع الاستنفار لطرسوس دخلت عليه - أي على أبي أحمد المعروف بحسينك - وهو يبكي، ويقول: قد دخل الطاغي ثغر ١٩٦ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد المسلمين طرسوس، وليس في الخزانة ذهب ولا فضة، ثم باع ضيعتين نفيستين من أجل ضياعه بخمسين ألف درهم، وأخرج عشرة من الغزاة المتطوعة الأجلاد بدلاً عن نفسه، وسمعته غير مرة يقول: اللهم إنك تعلم أني لا أدخر ما أدخره، ولا أقتني هذه الضياع إلا للاستغناء عن خلقك، والإحسان إلى أهل السنة، والمستورين. [٧٥/٨] - عن ربيعة بن ناجذ قال: خطبنا علي بالأنبار، فقال: يا أيها الناس إن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه شمله البلاء، وسيم الخسف، وديس بالصَّغار، والله إنه بلغني أن المرأة المسلمة كانت ينزع عنها رُعائها (١)، ويُكشف عن ذيلها، فما تمتنع، ثم انصرفوا موفورين، ولم يُكلموا ما على هذا فارقت رسول الله [٤٢٠/٨] - عن عبد الله بن محمد البغوي قال: ما رأيت بعد أحمد بن حنبل أفضل من زهير - بن محمد بن قمير - سمعته يقول: أشتهي لحماً من أربعين سنة، ولا آكله حتى أدخل الروم فآكله من مغانم الروم. [٤٨٥/٨] - عن أبي هريرة قال: وعدنا رسول الله -8* غزوة الهند، فإن أنا أدركتها أتعبت فيها نفسي، وقال: فإن استشهدت كنت أفضل الشهداء، وإن رجعت فأنا أبو هريرة. [١٤٥/١٠] - عن عمر بن حفص الصوفي قال: خرج ابن المبارك من بغداد يريد المصيصة، فصحبه الصوفية فقال لهم: أنتم لكم أنفس تحتشمون أن ينفق عليكم يا غلام هات الطست، فألقى على الطست منديلاً، ثم قال: يلقي كل رجل منكم تحت المنديل ما معه، قال: فجعل الرجل يلقي عشرة دراهم، والرجل يلقي عشرين، فأنفق عليهم إلى المصيصة، فلما بلغ المصيصة قال: هذه بلاد نفير، فنقسم ما بقي، فجعل يعطي الرجل عشرين ديناراً، فيقول: يا أبا عبد الرحمن، إنما أعطيت عشرين درهماً، [١٠/ ١٥٧] فيقول: وما تنكر أن يبارك الله للغازي في نفقته !. - عن عبدة بن سليمان المروزي قال: كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو، فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فقتله، ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى البراز، فخرج إليه، فطارده (١) كذا في الأصل، وهو غلط صوابه: (رعائها) بالثاء المثلثة الفوقية. قال في القاموس (رعث): الرُّعثة: القُرْط، جمع رِعاث. = ١٩٧ باب الجهاد ساعة، فطعنه فقتله، فازدحم إليه الناس، فكنت فيمن ازدحم إليه فإذا هو يلثم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه، فمددته، فإذا هو عبد الله بن المبارك، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا . [١٦٧/١٠] - عن محمد بن فضيل بن عياض قال: رأيت عبد الله بن المبارك في المنام، فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: الأمر الذي كنت فيه، قلت: الرباط والجهاد؟ قال: نعم، قلت: وأي شيء صنع بك؟ قال: غفر لي مغفرة ما بعدها مغفرة، وكلمتني امرأة من أهل الجنة، أو امرأة من الحور العين. [١٦٨/١٠] - عن أبي عبد الله قال: الذي كنا نخبر أن عيسى بن يونس كان سنة في الغزو، وسنة في الحج، وقد كان قدم إلى بغداد في شيء من أمر الحصون، فأُمر له بمال، فأبى أن يقبل. [١١ /١٥٤] - عن محمد بن أحمد بن البراء قال: الرشيد هارون بن المهدي، وكنيته أبو جعفر ولد بالري، وكان يحج سنة ويغزو سنة. [٦/١٤] - عن محمد بن أبي حاتم الوراق قال: كان أبو عبد الله - محمد بن إسماعيل البخاري - إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ أحياناً، فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة في كل ذلك يأخذ القدّاحة، فيوري ناراً بيده، ويسرج، ثم يخرج أحاديث، فيعلم عليها، ثم يضع رأسه، وكان يصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة يوتر بواحدة، وكان لا يوقظني في كل ما يقوم، فقلت له: إنك تحمل على نفسك كل هذا ولا توقظني؟ قال: أنت شاب، فلا أحب أن أفسد عليك نومك، ورأيته استلقى على قفاه يوماً، ونحن بفِرَبْر في تصنيف كتاب التفسير، وكان أتعب نفسه في ذلك اليوم في كثرة إخراج الحديث، فقلت له: يا أبا عبد الله سمعتك تقول يوماً: إني ما أتيت شيئاً بغير علم قط منذ عقلت، فأي علم في هذا الاستلقاء؟ فقال: أتعبنا أنفسنا في هذا اليوم، وهذا ثغر من الثغور خشيت أن يحدث حدث من أمر العدو، فأحببت أن أستريح، وآخذ أهبة ذلك، فإن غافصنا العدو كان بنا حراك. [١٣/٢] - عن العباس بن الفرج قال: كتب ملك الروم إلى المعتصم كتاباً يتهدده فيه، فأمر بجوابه، فلما قرئ عليه الجواب لم يرضه، قال للكاتب: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فقد قرأت كتابك، وسمعت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار. [٣٤٤/٣] - عن أبي معاوية الضرير قال: حدثنا هارون الرشيد بهذا الحديث يعني قول ١٩٨ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد النبي وسلم: ((وددت أن أُقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل))، فبكى هارون حتى انتحب، ثم قال: يا أبا معاوية ترى لي أن أغزو؟ قلت: يا أمير المؤمنين مكانك في الإسلام أكبر، ومقامك أعظم، ولكن ترسل الجيوش، قال أبو معاوية: وما ذكرت النبي بين يديه قط إلا قال: صلى الله على سيدي. [١٤/ ٧] باب الجوع - عن بشر قال: إن الجوع يصفي الفؤاد، ويميت الهوى، ويورث العلم [٤ / ٢٤٤] الدقيق. - عن بشر بن الحارث قال: من اشتهى أن يأكل الخبز بالملح فليس بجائع. [٢٤١/٥] - عن خالد الكاتب قال: أُرْتج عليَّ، وعلى دعبل، وآخر من الشعراء نصف بيت قلناه جميعاً، وهو قولنا: يا بديع الحسن، فقلنا: ليس إلا جعيفران الموسوس، فجئناه فقال: ما تبغون؟ قال خالد: جئناك في حاجة قال: لا تؤذوني فإني جائع، فبعثنا فاشترينا له خبزاً ومالحاً، وبطيخاً ورطباً، فأكل وشبع، ثم قال لنا: هاتوا حاجتكم، قلنا له: قد اختلفنا في بيت وهو: يا بديع الحسن حاشا فقال : لك من هجرِ بديعٍ فقال له دعبل: فزدني أنا بيتاً آخر، فقال: نعم. وبحسن الوجه عوَّذتك من سوء الصنيع فقال له الذي معنا: ولي أنا بيتاً آخر فقال: نعم. لي ذل الخضوع ومن النخوة يستعفيك فقمنا، وقلنا: نستودعك الله، فقال: انتظروا حتى أزودكم لي بيتاً آخر: لا يعب بعضك بعضاً كن جميلاً في الجميع [٧ /١٦٤] - عن الجنيد قال: كان - المحاسبي - كثير الضر، واجتاز بي يوماً، وأنا جالس على بابنا، فرأيت على وجهه زيادة الضر من الجوع، فقلت له: يا عم لو دخلت إلينا نلت من شيء عندنا، قال: أو تفعل؟ قلت: نعم، وتسرني بذلك وتبرني، فدخلت بين يديه، ودخل معي، وعمدت إلى بيت عمي، وكان أوسع من بيتنا لا يخلو من أطعمة فاخرة لا يكون مثلها في بيتنا سريعاً، فجئت بأنواع كثيرة من الطعام، فوضعته = ١٩٩ باب جوائز السلطان بين يديه، فمد يده، وأخذ لقمة، فرفعها إلى فيه، فرأيته يلوكها، ولا يزدردها، فوثب وخرج وما كلمني، فلما كان الغد لقيته، فقلت: يا عم سررتني، ثم نغصت عليَّ، قال: يا بني أما الفاقة، فكانت شديدة، وقد اجتهدت في أن أنال من الطعام الذي قدمته إلي، ولكن بيني وبين الله علامة إذا لم يكن الطعام مرضياً ارتفع إلى أنفي منه زفرة، فلم تقبله نفسي، فقد رميت تلك اللقمة في دهليزكم، وخرجت. [٢١٣/٨] - كان شبيب بن شيبة رجلاً شريفاً يفزع إليه أهل البصرة في حوائجهم، فكان يغدو في كل يوم ويركب، فإذا أراد أن يغدو أكل من الطعام شيئاً قد عرفه فنال منه ثم ركب، فقيل له: إنك تباكر الغداء، فقال: أجل أطفئ به فورة جوعي، وأقطع به خلوف فمي، وأبلغ به في قضاء حوائجي، فإني وجدت خلاء الجوف وشهوة الطعام، يقطعان الحكيم عن بلوغه في حاجته، ويحمله ذلك على التقصير فيما به إليه الحاجة، وإني رأيت النهم لا مروءة له، ورأيت الجوع داء من الداء، فخذ من الطعام ما يذهب عنك النهم، وتداوي به داء الجوع. [٢٧٥/٩ - ٢٧٦] - عن أبي سليمان عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي قال: مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع، وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، إن الجوع عنده في خزائن مدخرة، فلا يعطي إلا لمن أحب خاصة، ولئن أدع من عشائي لقمة أحب إليَّ من أن آكلها، وأقوم من أول الليل إلى آخره. [٢٥٠/١٠] باب جوائز السلطان - عن الأنصاري قال: ما أتيت سلطاناً قط إلا أنا كاره. [٤١١/٥] - قال الأزهري: يذكر أن بعض الوزراء دخل بغداد ففرق مالاً كثيراً على أهل العلم وكان ابن رزقويه ممن وجه إليه من ذلك المال فقبلوا كلهم سواه فإنه رده تورعاً وظلف(١) نفس. [٣٥٢/١] - عن أبي عثمان الرازي قال: جاء رجل من أصحاب المعتضد إلى إبراهيم الحربي بعشرة آلاف درهم من عند المعتضد يسأله عن أمر أمير المؤمنين تفرقة ذلك فرده، فانصرف الرسول ثم عاد فقال: إن أمير المؤمنين يسألك أن تفرقه في جيرانك، فقال: عافاك الله هذا مال لم نشغل أنفسنا بجمعه، فلا نشغلها بتفرقته، قل لأمير المؤمنين: إنْ تركتنا، وإلا تحولنا من جوارك. [٣٢/٦] (١) كذا في المطبوع. ٢٠٠ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد - عن محمد بن حسان قال: قال لي عمي: قدم محمد بن قحطبة الكوفي فقال: أحتاج إلى مؤدب يؤدب الأولاد حافظ لكتاب الله، عالم بسنة رسول الله، وبالآثار والفقه والنحو والشعر وأيام الناس، فقيل له: ما يجمع هذه الأشياء إلا داود الطائي، وكان محمد بن قحطبة ابن عم داود، فأرسل إليه يعرض ذلك عليه، ويسني له الأرزاق والفائدة، فأبى داود ذلك، فأرسل إليه بدرة عشرة آلاف درهم، وقال له: استعن بها على دهرك، فردها، فوجه إليه بدرتين مع غلامين له مملوكين، وقال لهما: إن قبل البدرتين فأنتما حران، فمضيا بهما إليه، فأبى أن يقبلهما، فقالا له: إن في قَبولهما عتق رقابنا، فقال لهما: إني أخاف أن يكون في قَبولهما وهَق رقبتي في النار، رداها إليه، وقولا له: يرده على من أخذهما منه أولى من أن يعطيني أنا . [٣٤٩/٨] - عن عبد الله العجلي قال: قدم هارون الكوفة، فكتب قوماً من القراء، وأمر لهم بألفين ألفين، فكان داود الطائي ممن كتب فيهم، ودعي باسمه أين داود؟ قالوا: داود يجيكم أرسلوها إليه! قال ابن السماك، وحماد بن أبي حنيفة: نحن نذهب بها إليه، قال ابن السماك لحماد في الطريق: إذا نحن أدخلناها عليه، فانثرها بين يديه، فإن للعين حظها، رجل ليس عنده شيء يؤمر له بألفي درهم يردها، فلما دخلوا عليه [٣٥٢/٨] نثروها بين يديه، فقال: شوه، إنما يفعل هذا بالصبيان، وأبى أن يقبلها . - عن مالك قال: لما قدم ربيعة بن أبي عبد الرحمن على أمير المؤمنين أبي العباس أمر له بجائزة، فأبى أن يقبلها، فأعطاه خمسة آلاف درهم يشتري بها جارية حين أبى أن يقبلها، فأبى أن يقبلها . [٤٢٥/٨] - عن جحظة قال: كنت بحضرة الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر، فاستؤذن عليه للزبير بن بكار حين قدم من الحجاز، فلما دخل عليه أكرمه وعظّمه، وقال له: لئن باعدت بيننا الأنساب لقد قربت بيننا الآداب، وإن أمير المؤمنين ذكرك، فاختارك لتأديب ولده، وأمر لك بعشرة آلاف درهم، وعشرة تخوت من الثياب، وعشرة أبغل تحمل عليها رحلك إلى حضرته بسر من رأى، فشكره على ذلك وقبله، فلما أراد توادعه(١) قال له: أيها الشيخ تزودنا حديثاً نذكرك به، فقال: أحدثك بما سمعت، أو بما شاهدت؟ قال: بل بما شاهدت، فقال: بينا أنا في مسيري هذا بين (١) في الأصل: توداعه.