Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
باب التقدير
إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية، فقال له سائل: لم أجللته هذا الإجلال، وساعة
منك عند الناس أكثر منه؟ قال: ويحك لا تفعل، فوالله ما رأيته قط إلا توهمت أنه
سماوي، وأنا أرضي.
[٢٥١/٦]
- عن إسماعيل بن إسحاق القاضي أنه قال: دخل إلى عنده عبدون بن صاعد الوزير،
وكان نصرانياً، فقام له ورحب به، فرأى إنكار الشهود، ومن حضره، فلما خرج قال
لهم: قد علمت إنكاركم، وقد قال: ﴿لَا يَنْهَنَكُ اَللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخِجُوكُمُ
مِّن دِيَزِكُمْ﴾ الآية [الممتحنة: ٨]، وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا،
وبين المعتضد، وهذا من البر، فسكتت الجماعة لما أخبرهم.
[٢٩٠/٦]
- عن علي بن الجهم قال: وجه إليّ أمير المؤمنين المتوكل، فأتيته فقال: يا علي
رأيت النبي ول﴿ الساعة في المنام، فقمت إليه، فقال لي: تقوم إلي، وأنت خليفة؟!
فقلت: أبشر يا أمير المؤمنين أما قيامك إليه، فقيامك بالسنة، وقد عدك من الخلفاء،
[١٧٠/٧]
قال: فسر بذلك.
- عن الجريري قال: قدمت مكة، فبدأت بالجنيد لكيلا يتعنى إليَّ، فسلمت عليه،
ثم مضيت إلى المنزل، فلما صليت الصبح في المسجد، إذا أنا به خلفي في الصف،
[٧ /٢٤٤]
فقلت: إنما جئتك أمس لئلا تتعنى فقال: ذاك فضلك، وهذا حقك.
- عن محمد بن الحسن قال: بلغني أن بعض أصحاب محمد بن غالب جاءوه في
يوم وحل وطين فقال له: متى أشكر هاتين الرِّجلين اللتين تعبتا إليّ في مثل هذا اليوم
لتكسباني الثواب؟ ثم قام بنفسه، فاستقی به الماء، وغسل رجليه.
[١٤٣/٣]
- كان أبو زرعة الرازي لا يقوم لأحد، ولا يجلس أحداً في مكانه إلا ابن واره
فإني رأيته يفعل ذلك به.
[٢٥٩/٣]
- عن إسماعيل بن أحمد قال: كنت بسمرقند، فجلست يوماً للمظالم، وجلس
أخي إسحاق إلى جنبي، إذ دخل أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي، فقمت له
إجلالاً لعلمه، فلما خرج عاتبني أخي إسحاق. وقال: أنت والي خراسان يدخل
عليك رجل من رعيتك فتقوم إليه؟! وبهذا ذهاب السياسة! فبت تلك الليلة، وأنا
مقسم القلب بذلك، فرأيت النبي ( 18 في المنام، وكأني واقف مع أخي إسحاق، إذ
أقبل النبي والقر، فأخذ بعضدي فقال لي: ((يا إسماعيل ثبت ملكك، ومُلْكُ بنيك
بإجلالك لمحمد بن نصر))، ثم التفت إلى إسحاق فقال: ((ذهب ملك إسحاق وملك
بنیه باستخفافه بمحمد بن نصر)).
[٣١٨/٣]

١٦٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن علي بن أبي طالب قال: لا يؤتى الرجل إلا لخصلة من أربع خصال:
الشرف، أو لشكر معروف سلف، أو لأمر مؤتنف، أو لحديث يطرف.
[٣٧٨/٣]
- عن إسماعيل القاضي أنه قال: كان يحب الاجتماع مع إبراهيم الحربي، فقيل
لإبراهيم: لو لقيته؟ فقال: ما أقصد من له حاجب، فقيل ذلك لإسماعيل، فنحى
الحاجب عن بابه أياماً، فذكر ذلك لإبراهيم فقصده، فلما دخل تلقاه أبو عمر
محمد بن يوسف القاضي، وكان بين يدي إسماعيل قائماً، فلما نزع إبراهيم نعله،
أمر أبو عمر غلاماً له أن يرفع نعل إبراهيم في منديل معه، فلما طال المجلس بين
إبراهيم، وإسماعيل، وجرى بينهما من العلم ما تعجب منه الحاضرون، وأراد
إبراهيم القيام، نفذ أبو عمر إلى الغلام: أن يضع نعله بين يديه من حيث رآها
إبراهيم ملفوفة في المنديل، فقال - إبراهيم - لأبي عمر: رفع الله قدرك في الدنيا
والآخرة، فقيل: أدركتني دعوة الرجل الصالح إبراهيم فغفر لي.
[٤٠٤/٣]
- عن أبي بكر بن عياش قال: مات عمر بن سعيد - أخو سفيان - فأتيناه نعزيه،
فإذا المجلس غاص بأهله، وفيهم عبد الله بن إدريس، إذ أقبل أبو حنيفة في جماعة
معه، فلما رآه سفيان تحرك من مجلسه، ثم قام فاعتنقه، وأجلسه في موضعه، وقعد
بين يديه، قال أبو بكر: فاغتظت عليه، وقال: ابن إدريس ويحك، ألا ترى، فجلسنا
حتى تفرق الناس، فقلت لعبد الله بن إدريس: لا تقم حتى نعلم ما عنده في هذا،
فقلت: يا أبا عبد الله رأيتك اليوم فعلت شيئاً أنكرته، وأنكره أصحابنا عليك، قال:
وما هو؟ قلت: جاءك أبو حنيفة، فقمت إليه، وأجلسته في مجلسك، وصنعت به
صنيعاً بليغاً، وهذا عند أصحابنا منكر، فقال: وما أنكرت من ذاك؟! هذا رجل من
العلم بمكان فإن لم أقم لعلمه قمت لسنه، وإن لم أقم لسنه قمت لفقهه، وإن لم أقم
[٣٤١/١٣]
لفقهه قمت لورعه، فأحجمني فلم يكن عندي جواب.
- عن ابن المبارك قال: رأيت الحسن بن عمارة آخذاً بركاب أبي حنيفة وهو يقول:
والله ما أدركنا أحداً تكلم في الفقه أبلغ، ولا أصبر، ولا أحضر جواباً منك، وإنك
[٣٦٧/١٣]
لسيد من تكلم فيه في وقتك غير مدافع، وما يتكلمون فيك إلا حسداً.
- عن يحيى بن ضريس قال: شهدت سفيان، وأتاه رجل فقال له: ما تنقم على
أبي حنيفة؟ قال: وما له؟ قال: سمعته يقول: آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة
رسول الله، فإن لم أجد في كتاب الله، ولا سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه،
آخذ بقول من شئت منهم، وأدع من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول

=
١٦٣
باب التقوى
غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر، أو جاء إلى إبراهيم والشعبي، وابن سيرين، والحسن،
وعطاء، وسعيد بن المسيب، وعدَّد رجالاً؛ فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا،
قال: فسكت سفيان طويلاً، ثم قال كلمات برأيه ما بقي في المجلس أحد إلا كتبه:
نسمع الشديد من الحديث فنخافه، ونسمع اللين فنرجوه، ولا نحاسب الأحياء، ولا
نقضي على الأموات، نسلم ما سمعنا، ونكل ما لم نعلم إلى عالمه، ونتهم رأينا
[٣٦٨/١٣]
لرأیھم.
- قال أبو عمر الخفاف: لو دخل محمد بن إسماعيل البخاري من هذا الباب
لملئت منه رعباً، يعني أني لا أقدر أن أحدث بین یدیه.
[٢٨/٢]
باب التقوى 8=
- عن ثعلب قال:
إذا أنت لم تلبس لباساً من التقى تقلَّبت عرياناً وإن كنت كاسيا
[٢٠٦/٥]
- قال أبو نواس:
سيق إليه المتجر الرابح
من اتقى الله فذاك الذي
[٧ /٤٤١]
- عن إسحاق بن إبراهيم البغوي قال: قرأت على قبر أبي العتاهية:
إسمعي ثم عي وعي
أُذن حَيٍّ تسمّعي
فاحذري مثل مـصرعي
أنا رهن بمضجعي
ثم فـارقـت مـجمعي
عشت تسعين حجة
فخذي منه أو دعـي
ليس زاد سوى التقى
[٢٦٠/٦]
- عن إسماعيل بن السندي قال: سألت بشر بن الحارث عن حديث، فقال:
اتق الله، فإن كنت تريده للدنيا، فلا ترده، وإن كنت تريده للآخرة، فقد
[٧١/٧]
سمعت .
- قال أبو العتاهية:
وحبك للدنيا هو الذل والعدم
ألا إنما التقوى هي العز والكرم
إذا صحح التقوى وإن حاك أو حَجَمْ
وليس على عبد تقيٍّ نقيصة
[٢٥٨/٦ - ٢٥٩ ]

١٦٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي الربيع الأعرج قال: دخلت على داود الطائي ببيته بعد المغرب ..
قلت: أوصني. قال: صم الدنيا، واجعل إفطارك فيها الموت، وفر من الناس فرارك
من السبع، وصاحب أهل التقوى إن صحبت، فإنهم أقل مؤنة، وأحسن معونة، ولا
تدع الجماعة. حسبك هذا إن عملت به.
[٣٥٠/٨ - ٣٥١]
باب التهنئة
- عن إسحاق بن عيسى عن أبيه: أنه دخل في أول النهار من يوم عرفة على أبي
العباس، وهو في مدينته بالأنبار، قال إسحاق: قال أبي: وكنت قد تخلفت عنه أياماً
لم أركب إليه فيها، فعاتبني على تخلفي عنه، فأعلمته: أني كنت أصوم منذ أول يوم
من أيام العشر، فقبل عذري، وقال لي: أنا في يومي هذا صائم، فأقم عندي
لتقضيني فيه بمحادثتك إياي ما فاتني في الأيام التي تخلفت عني فيها، ثم تختم ذلك
بإفطارك عندي، فأعلمته: أني أفعل ذلك، وأقمت إلى أن تبينت النعاس في عينيه قد
غلب عليه، فنهضت عنه، واستمر به النوم فملت بين القائلة في داره وبين القائلة في
داري، فمالت نفسي إلى الانصراف إلى منزلي، لأقيل في الموضع الذي اعتدت
القائلة فيه، فصرت إلى منزلي، وقلت إلى وقت الزوال، ثم ركبت إلى دار أمير
المؤمنين، فوافيت إلى باب الرحبة الخارج، فإذا برجل دحداح حسن الوجه مؤتزر
بإزار مترد بآخر، فسلم عليَّ فقال: هنأ الله أمير المؤمنين هذه النعمة وكل نعمة،
البشرى أنا وافد أهل السند أتيت أمير المؤمنين بسمعهم وطاعتهم وبيعتهم، فما
تمالكت سروراً إلى أن حمدت الله على توفيقه لي للانصراف رغبة في أن أبشر أمير
المؤمنين بهذه البشرى، فما توسطت الرحبة حتى وافى رجل في مثل لونه، وهيئته،
وقريب الصورة من صورته، فسلم عليَّ كما سلم عليَّ الآخر، وهنأني بمثل تهنئته،
وذكر أنه وافد أهل إفريقية أتى أمير المؤمنين بسمعهم وطاعتهم، فتضاعف سروري
وأكثرت من حمدي على ما وفقني له من الانصراف، ثم دخلت الدار، فسألت عن
أمير المؤمنين، فأخبرت أنه في موضع كان يتهيأ فيه للصلاة، وکان یکون فيه سواكه،
وتسريح لحيته، فدخلت إليه، وهو يسرح لحيته، فأبتدأت بتهنئته، وأعلمته أني رأيت
ببابه رجلين: أحدهما وافد أهل السند، فوقع عليه زمع، وقال: الآخر وافد أهل
إفريقية بسمعهم وطاعتهم، فقلت: نعم، فسقط المشط من يده، ثم قال: سبحان الله
كل شيء بائد سواه، نُعيت والله نفسي:
حدثني إبراهيم الإمام عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب عن

١٦٥
باب التهنئة
علي بن أبي طالب عن رسول الله وهو أنه يقدم علي في يوم واحد في مدينتي هذه
وافدان: وافد السند، والآخر وافد إفريقية بسمعهم، وطاعتهم، وبيعتهم، فلا يمضي
بعد ذلك ثلاثة أيام حتى أموت وقد أتاني الوافدان، فأعظم الله أجرك يا عم في ابن
أخيك، فقلت له: كلا يا أمير المؤمنين إن شاء الله، فقال: بلى إن شاء الله، لئن
كانت الدنيا حبيبة إلي فصحة الرواية عن رسول الله وَ ر أحب إلي منها، والله ما
كذبت، ولا كُذبت، ثم نهض، وقال لي: لا ترم من مكانك حتى أخرج إليك، فما
غاب حيناً حتى أذن المؤذنون بصلاة الظهر، فخرج إلي خادم له، فأمرني بالخروج
إلى المسجد، والصلاة بالناس، ففعلت ذلك، ورجعت إلى موضعي حتى أذن
المؤذنون بصلاة العصر، فخرج إلي الخادم، فأمرني بالصلاة بالناس، والرجوع إلى
موضعي، ففعلت ثم أذن المؤذنون بصلاة المغرب، فخرج الخادم إلي، فأمرني بمثل
ما كان أمرني به في صلاة الظهر، والعصر، ففعلت ذلك، ثم عدت إلى مكاني، ثم
أذن المؤذنون بصلاة العشاء، فخرج إلي الخادم، فأمرني بمثل ما كان يأمرني به،
ففعلت مثل ما كنت أفعل، ولم أزل مقيماً بمكاني إلى أن مر الليل، ووجبت صلاته،
فقمت، فتنفلت حتى فرغت من صلاة الليل، والوتر إلا بقية بقيت من القنوت،
فخرج عند ذلك، ومعه كتاب، فدفعه إلي حين سلمت، فإذا هو معنون مختوم من
عند عبد الله أمير المؤمنين إلى الرسول، والأولياء، وجميع المسلمين، وقال: يا عم
اركب في غد، فصل بالناس في المصلى، وانحر، وأخبر بعلة أمير المؤمنين، وأكثر
لزومك داره، فإذا قضى نحبه فاكتم وفاته حتى يقرأ هذا الكتاب على الناس، وتأخذ
عليهم البيعة للمسمى في هذا الكتاب، فإذا أخذتها، واستحلفت الناس عليها
بمؤكدات الأيمان، فانع إليهم أمير المؤمنين وجهزه، وتول الصلاة عليه، ثم انصرف
في حفظ الله، وتأهب لركوبك.
فقلت: يا أمير المؤمنين هل وجدت علة؟ قال: يا عم وأي علة هي أقوى
وأصدق من الخبر الصادق عن رسول الله وَ ل18؟ فأخذت الكتاب، ونهضت، فما
مشيت إلا خطى حتى هتف بي، فأمرني بالرجوع فرجعت، وقال لي: الله قد ألبسك
كمالاً أكره أن يحطك الناس فيه، وكتابي الذي في يدك مختوم، وسيقول من يحسدك
على ما جرى على يديك من هذا الأمر الجليل: أنك إنما وفيت للمسمى في هذا
الكتاب لأن الكتاب كان مختوماً، وقد رأى أمير المؤمنين أن يدفع إليك خاتمه ليقطع
بذلك ألسنة الحسدة عنك، فخذ الخاتم، فوالله لتفيَنَّ للمسمى في هذا الكتاب،
وليليَنَّ الخلافة ما كذَبت، ولا كُذِّبت، وانصرف، وتأهبت للركوب، فركبت، وركب

١٦٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
معي الناس حتى صليت بأهل العسكر، ونحرت وانصرفت إليه، فسألته عن خبره،
فقال: خبر ما به الموت لا محالة، فقلت: يا أمير المؤمنين هل وجدت شيئاً، فأنكر
علي قولي، وكشر في وجهي، وقال: يا سبحان الله، أقول لك إن رسول الله وَلايقوم
قال: إنه يموت، فتسألني عما أجد لا تعد لمثل هذا الذي كان منك، ثم دخلت إليه
عشية يوم العيد، وكان من أحسن من عاينته عيناي وجهاً فرأيته في تلك العشية، وقد
حدثت في وجهه وردية لم أكن أعهدها، فزادت وجهه كمالاً، ثم بصرت بإحدى
وجنتيه في الحمرة حبة مثل حبة الخردل بيضاء، فارتبت بها، ثم صوبت بطرفي إلى
الوجنة الأخرى، فوجدت فيها حبة أخرى، ثم أعدت نظري إلى الوجنة التي عاينتها
بدياً، فرأيت الحبة قد صارت اثنتين، ثم لم أزل أرى الحب يزداد حتى رأيت في كل
جانب من وجنتيه مقدار الدينار حباً أبيض صغاراً، فانصرفت، وهو على هذه الحال.
وغلَّست غداة اليوم الثاني من أيام التشريق، فوجدته قد هجر، وذهبت عنه
معرفتي، ومعرفة غيري، فرحت إليه بالعشي، فوجدته قد صار مثل الزق المنفوخ،
وتوفي في اليوم الثالث من أيام التشريق، فسجيته كما أمرني، وخرجت إلى الناس،
وقرأت عليهم الكتاب، وكان فيه من عبد الله أمير المؤمنين إلى الرسول والأولياء،
وجماعة المسلمين سلام عليكم أما بعد: فقد قلد أمير المؤمنين الخلافة عليكم بعد
وفاته أخاه، فاسمعوا له، وأطيعوا، وقد قلد الخلافة من بعد، عبد الله عيسى بن
موسى - إن كان - قال إسحاق بن عيسى: قال لي أبي: ما نزلت عن المنبر حتى وقع
الاختلاف بين الناس فيما كتب أمير المؤمنين في عيسى بن موسى - إن كان - فقال
قوم: أراد بقوله لها موضعاً، وقال آخرون أراد بقوله: إن كان هذا لا يكون، ثم
أخذت البيعة على الناس، وجهزته، وصليت عليه، ودفنته في اليوم الثالث عشر من
[٥٠/١٠ _ ٥٣]
ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة.
- لما ولد جعفر بن المأمون المعروف بابن بخة دخل المهنؤون على المأمون،
فهنوه بصنوف من التهاني، وكان فيمن دخل العباس بن الأحنف، فمثل قائماً بين
یدیه، ثم أنشأ يقول:
حتى يريك ابنك هذا جدّاً
مدَّ لك الله الحياة مدّاً
كأنه أنت إذا تبدا
ثم يُفدى مثل ما تفدى
مؤزراً بمجده مردّى
أشبه منك قامة وقَدّاً
فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم.
[١٨٩/١٠، ١٩٠]

١٦٧
باب التواضع
=& باب التواضع
- عن أسلم قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى الشام فاستيقظنا به ليلة وقد
رحل رحالنا وهو يرحل لنفسه وهو يقول:
والبس له القميص واعتم
لا يأخذ الليل عليك بالهَمّ
واخدم الأقوام حتى تخدم
وكن شريك رافع وأسلم
[٣٣٣/٦]
قال: قلت: رحمك الله يا أمير المؤمنين لو أيقظتنا كفيناك.
- عن الحسين بن إسماعيل المحاملي قال: رأيت داود بن علي يصلي، فما رأيت
مسلماً يشبهه في حسن تواضعه.
[٣٧١/٨]
- عن مالك عن ربيعة قال: قال لي حين أراد الخروج إلى العراق: إن سمعت
أني حدثتهم شيئاً، أو أفتيتهم، فلا تعدني شيئاً، قال: فكان كما قال. لما قدمها لزم
بيته، فلم يخرج إليهم، ولم يحدثهم بشيء حتى رجع.
[٤٢٥/٨]
- أمر عيسى بن موسى للقراء بصلة قال: فأتوا، وقد لبسوا، قال: وجاء الأعمش
وعليه ثياب قصار إلى أنصاف ساقيه، ورجل يقوده، فلما دخل الدار قال: ها هنا
ابن أبي ليلى، ها هنا ابن شبرمة أريحونا من هذه الحيطان الطوال؟ قال عيسى: ما
دخل علينا اليوم قارئ غير هذا عجلوا له.
[٧/٩ _٨]
- عن السري بن مغلس قال: غزوت راجلاً، فنزلنا خربة للروم، فألقيت نفسي
على ظهري، ورفعت رجلي على جدار، فإذا هاتف يهتف بي: يا سري بن مغلس،
هكذا تجلس العبيد بين يدي أربابها؟ !.
[١٨٨/٩]
- عن الفتح بن شخرف قال: رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في النوم،
أو فيما يرى النائم، فقلت له: يا أمير المؤمنين أوصني، فقال لي: ما أحسن تواضع
الأغنياء للفقراء، وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء، قال: فقلت له: زدني،
قال: فأومأ إلي بكفه، فإذا فيه مكتوب:
وعن قليل تصير ميتاً
قد كنت ميتاً فصرت حياً
فابن بدار البقاء بيتاً
أعيى بدار الفناء بيت
[٤٢٦/٩]
- عن الفتح بن شخرف قال: رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في النوم
فقلت: يا أمير المؤمنين، علمني شيئاً حسناً، قال: فبسط كفه إلي فإذا فيها مكتوب
سطران، فقرأتهما فإذا هما: ما رأيت أحسن من تواضع الغني للفقير يطلب
ثواب الله، وأحسن من ذلك تيه الفقير على الغني ثقة بالله.
[٣٨٦/١٢]

١٦٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي علي الروذباري قال: أنفقت على الفقراء كذا وكذا ألف ما وضعت
شيئاً في يد فقير، فإني كنت أضع ما أدفع إلى الفقراء في يدي فيأخذونه من يدي،
[٣٣٢/١]
حتی تکون یدي تحت أيديهم، ولا تكون يدي فوق يد فقير.
- عن أبي عبيدة قال: كان المهدي يصلي بنا الصلوات في المسجد الجامع
بالبصرة لما قدمها، فأقيمت الصلاة يوماً، فقال أعرابي: يا أمير المؤمنين ليس لي
طهر، وقد رغبت إلى الله في الصلاة خلفك، فمر هؤلاء أن ينتظروني، فقال:
انتظروه رحمكم الله، ودخل إلى المحراب، ووقف إلى أن قيل له: قد جاء الرجل،
فكبر، فعجب الناس من سماحة أخلاقه.
[٤٠٠/٥]
- عن عبد الله بن محمد قال: رأى رجل محمد بن كناسة يحمل بيده بطن شاة
فقال له: أنا أحمله لك، فقال:
لا ينقص الكامل من كماله ماجر من نفع إلى عياله
[٤٠٦/٥]
- عن عباس بن عبد العظيم العنبري قال: كنا عند أحمد بن حنبل، فذاكره إنسان
بحديث رواه عيسى بن يونس فقال أحمد: ما روى عيسى بن يونس هذا الحديث،
ثم قال: أستغفر الله، ما أدري إن صحت رواية عيسى بن يونس لهذا الحديث؟ ثم
قال: أستغفر الله، فما يوجد عند بشر الحارث، قال عباس: فقلت: أنا ما أجد
سبيلاً إلى وصلة بشر إلا بهذا الحديث، فجئت، فسلمت عليه، وحكيت القصة، وما
قال أحمد، قال: فجعل يقول: ألبسني العافية، ألبسني العافية إن هذا البلاء وفتنة،
يذكر حديث فيقال: لا يصح إلا عند رجل، قال: أقول أنا في نفسي: كم بين
الرجلين؟ !.
[٧٧/٧]
- عن أبي حفص قال: سمعت بشراً يقول: قد جمعت مسائل سفيان الثوري،
وكان عنده قوم جلوس من أصحابه، فقال: هوذا أدير نفسي على أن أقرأ عليكم هذه
المسائل، فما أرى نفسي أهلاً للحديث.
[٢١١/١١]
- كان أعرابيان متواخيين بالبادية، غير أن أحدهما استوطن الريف، واختلف إلى
باب الحجاج بن يوسف، واستعمله على أصبهان، فسمع أخوه الذي بالبادية،
فضرب إليه، فأقام ببابه حيناً لا يصل إليه، ثم أذن له بالدخول، فأخذه الحاجب
فمشى به، وهو يقول: سلم على الأمير. فلم يلتفت إلى قوله ثم أنشأ يقول:
فلست مسلماً ما دمت حيّاً
على زيد بتسليم الأمير
قال زيد: لا أبالي، فقال الأعرابي:

١٦٩
باب التواضع
وإذ نعلاك من جلد البعير
أتذكر إذا لحافك جلد شاة
فقال: نعم! فقال الأعرابي:
فسبحان الذى أعطاك ملكاً وعلّمك الجلوس على السرير
[٢٥١/١]
- عن أبي الحسن الدارقطني أنه حضر أبا بكر المستملي في المجلس، أملاه يوم
الجمعة، فصحّف اسماً أورده في إسناد حدیث، إما كان حبان، فقال حيان، أو
حيان فقال حبان: قال أبو الحسن: فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله، وجلالته،
وهم، وهبته أن أوقفه على ذلك، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملي، وذكرت
له وهمه، وعرفته صواب القول فيه، وانصرفت، ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه،
فقال أبو بكر للمستملي: عرِّف جماعة الحاضرين أنا صحَّفنا الاسم الفلاني لما أملينا
حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب؛ وهو كذا،
وعرِّف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال.
[١٨٣/٣]
- عن عبد الله بن صالح قال: صحبت الليث عشرين سنة، لا يتغدى، ولا يتعشى
إلا مع الناس، وكان لا يأكل إلا بلحم إلا أن يمرض.
[٩/١٣]
- عن أشهب بن عبد العزيز قال: كان الليث له كل يوم أربعة مجالس يجلس
فيها: أما أولها، فيجلس لنائبة السلطان في نوائبه وحوائجه، وكان الليث يغشاه
السلطان، فإذا أنكر من القاضي أمراً، أو من السلطان كتب إلى أمير المؤمنين، فيأتيه
العزل، ويجلس لأصحاب الحديث، وكان يقول: نجحوا أصحاب الحوانيت، فإن
قلوبهم معلقة بأسواقهم، ويجلس للمسائل يغشاه الناس، فيسألونه، ويجلس لحوائج
الناس لا يسأله أحد من الناس فيرده كبرت حاجته أو صغرت، قال: وكان يطعم
الناس في الشتاء الهرايس بعسل النحل، وسمن البقر، وفي الصيف سويق اللوز
[٩/١٣]
بالسكر.
- عن سري السقطي قال: صليت ورِدي ليلة ومددت رجلي في المحراب فنوديت
يا سري كذا تجالس الملوك؟ قال: فضممت رجلي وقلت: وعزتك لا مددتها أبداً،
قال الجنيد: فبقي بعد ذلك ستين سنة ما مد رجله ليلاً ولا نهاراً.
[٤٩/٦]
- عن عبيد بن ثابت مولى بني عبس كوفي قال: كتبت إلى علي بن ظبيان وهو
قاض ببغداد: بلغني أنك تجلس على بارية(١)، وقد كان من قبلك من القضاة
(١) البارية: الحصيرة المنسوجة، القاموس.

١٧٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
يجلسون على الوطاء ويتكؤون، فكتب إلي: إني لأستحي أن يجلس بين يدي رجلان
حران مسلمان على بارية وأنا على وطاء، لست أجلس إلا على ما يجلس عليه
الخصوم.
[١١ /٤٤٥]
باب التوبة
- عن إسماعيل قال: كل حزن بلاء إلا حزن التائب.
[٥٥/٦]
- عن عمرو بن عثمان المكي قال: التوبة فرض على جميع المذنبين والعاصين،
صغر الذنب أو كبر، وليس لأحد عذر في ترك التوبة بعد ارتكاب المعصية؛ لأن
المعاصي كلها قد توغَّد الله عليها أهلها، ولا يسقط عنهم الوعيد إلا بالتوبة، وهذا
مما يبين أن التوبة فرض.
[١٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤]
- سئل محمد بن علي الكتاني عن التوبة؟ فقال: البعد عن المذمومات كلها، إلى
الممدوحات كلها، ثم المكابدات، ثم المجاهدات، ثم الثبات، ثم الرشاد، ثم
[٧٥/٣]
يدرك من الله الولاية، وحسن المعونة.
- سئل أبو العباس بن عطاء عن التوبة؟ فقال: التوبة الرجوع عن كل شيء ذمه
العلم إلى ما مدحه العلم.
[٢٧/٥]
- عن أيوب الحمال قال: عقدت على نفسي أن لا أمشي غافلاً، ولا أمشي إلا
ذاكراً، فمشيت غفلة، فأخذتني عرجة، فعلمت من أين أتيت، فبكيت واستغثت
وتبت، فزالت العلة والعرجة، ورجعت إلى الموضع الذي غفلت فيه، فرجعت إلى
الذكر، فمشيت سليماً .
[٨/٧]
- قال رجل لأبي الحسن بن بشار: كيف الطريق إلى الله تعالى؟ فقال له: كما
عصيت الله سراً تطيعه سراً حتى يدخل إلى قلبك طرائف البر.
[٦٦/١٢، ٦٧]
- عن أبي شميط بن عجلان قال: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة
سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا المقرب، ورجل ابتكر عمره
بالذنوب، وطول الغفلة، ثم رجع بتوبة، فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في
حداثته، ثم لم يزل فيه حتى خرج من الدنيا، فهذا صاحب شمال.
[٣٤/١٠]
- عن إدريس بن عبد الكريم الحداد قال: كان خلف بن هشام يشرب من الشراب
على التأويل، فكان ابن أخته يوماً يقرأ عليه سورة الأنفال حتى بلغ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ
اُلْخَبِيِثَ مِنَ الََّّيِّبِ﴾ [لأنفال: ٣٧] فقال: يا خال إذا ميز الله الخبيث من الطيب أين
يكون الشراب؟ قال: فنكس رأسه طويلاً، ثم قال: مع الخبيث، قال: فترضى أن

=
١٧١
باب التوبة
تكون مع أصحاب الخبيث؟ قال: يا بني امض إلى المنزل، فاصبب كل شيء فيه،
[٣٢٥/٨ _ ٣٢٦]
وتركه، فأعقبه الله الصوم، فكان يصوم الدهر إلى أن مات.
- عن خلف بن هشام قال: أعدت صلاة أربعين سنة كنت أتناول فيها الشراب
على مذهب الكوفيين.
[٣٢٧/٨]
- عن عبد الله بن رجاء الغداني قال: كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف يعمل
نهاره أجمع حتى إذا جنَّه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل لحماً فطبخه، أو سمكة
فيشويها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دبَّ الشراب فيه غنَّى بصوت، وهو يقول:
ليوم كريهة وسداد ثغر
أضاعوني وأي فتى أضاعوا
فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يسمع جلبته،
وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته، فسأل عنه، فقيل: أخذه
العسس منذ ليال، وهو محبوس، فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد، وركب
بغلته، واستأذن على الأمير، قال الأمير: إئذنوا له، وأقبلوا به راكباً، ولا تدعوه
ينزل حتى يطأ البساط، ففعل، ولم يزل الأمير يوسع له من مجلسه، وقال: ما
حاجتك؟ قال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ليال يأمر الأمير بتخليته، فقال:
نعم، وكل من أخذه بتلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو
حنيفة والإسكافي يمشي وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه فقال: يا فتى أضعناك؟
قال: لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيراً عن حرمة الجوار، ورعاية الحق، وتاب
[٣٦٣/١٣]
الرجل، ولم يعد إلى ما كان.
- عن سليمان عن الحسن: في الرجل يكون في يده مال من خيانة يستحي أن يرده
علی أصحابه، قال: لا بأس أن يوصله إلى مالهم من حيث لا يعلمون.
[٣٦١/٣]
- عن جعفر الخلدي قال: سألت خير النساج، أكان النسج حرفتك؟ قال: لا،
قلت: فمن أين سميت به؟ قال: كنت عاهدت الله تعالى أن لا آكل الرطب أبداً،
فغلبتني نفسي يوماً، فأخذت نصف رطل، فلما أكلت واحدة إذا رجل نظر إليّ
وقال: خير يا آبق، هربت مني، وكان له غلام هرب اسمه خير، فوقع عليَّ شبهه
وصورته، فاجتمع الناس، فقالوا: هذا والله غلامك خير، فبقيت متحيراً، وعلمت
بما أُخِذْتُ، وعرفت جنايتي، فحملني إلى حانوته الذي كان ينسج فيه غلمانه،
فقالوا: يا عبد السوء تهرب من مولاك، ادخل فاعمل عملك الذي كنت تعمل،
وأمرني بنسج الكرباس، فدليت رجلي على أن أعمل، وأخذت بيدي آلته، فكأني
كنت أعمل من سنين، فبقيت معه أشهراً أنسج له، فقمت ليلة، فتمسحت، وقمت

=
=
١٧٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
إلى صلاة الغداة فسجدت، وقلت في سجودي: إلهي لا أعود إلى ما فعلت،
فأصبحت، وإذا الشبه ذهب عني، وعدت إلى صورتي التي كنت عليها، فأطلقت
فثبت علي هذا الاسم، فكان سبب النسج إتياني شهوة عاهدت الله أن لا آكلها،
فعاقبني الله بما سمعت.
[٣٤٥/٨ - ٣٤٦]
- عن رجل من جيران الفضيل قال: كان الفضيل يقطع الطريق وحده قال: فخرج
ذات ليلة ليقطع الطريق فإذا هو بقافلة قد انتهت إليه ليلاً، فقال بعضهم لبعض:
اعدلوا بنا إلى هذه القرية؛ فإن أمامنا رجلاً يقطع الطريق يقال له: الفضيل، قال:
فسمع الفضيل فأرعد، فقال: يا قوم أنا الفضيل، جوزوا والله لأجتهدن أن لا
أعصي الله أبداً، فرجع، فترك ما كان عليه.
[٦ / ١٤١]
- قال أبو موسى العباسي :.. بينا جدي بذات عرق إذ أتاه عيسى الجلودي بمن
معه، فانحدر إلى مكة محارباً لمحمد بن جعفر .. ثم أخذ محمد بن جعفر فقال: قد
كنت قد حدثت الناس بروايات لتفسد عليهم دينهم فقم فأكذب نفسك، وأصعده
المنبر وألبسه دراعة سوداء. فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس
إني قد حدثتكم بأحاديث زوَّرتها فشق الناس الكتب والسماع الذي كانوا سمعوه منه.
ثم نزل عن المنبر فأحسن جدي رفده وأطلقه إلى المدينة. فخرج من المدينة إلى
المأمون بخراسان.
[١١٥/٢]
- عن أحمد بن حنبل قال: بلغني أنه - أي إسماعيل بن إبراهيم - أدخل على
محمد بن هارون، ـ ثم قال لي: ابن هارون -، قلت: نعم أعرفه، قال: فلما رآه
زحف إليه، وجعل محمد يقول له: يا ابن .. يا ابن .. تتكلم في القرآن !! قال:
وجعل إسماعيل يقول له: جعله الله فداه، زلة من عالم، جعله الله فداه، زلة من
عالم، ردده أبو عبد الله غير مرة، وفخم كلامه، كأنه يحكي إسماعيل، ثم قال لي
أبو عبد الله: لعل الله أن يغفر له بها - يعني محمد بن هارون - ثم ردد الكلام،
وقال: لعل الله أن يغفر له؛ لإنكاره على إسماعيل.
[٢٣٨/٦]
- عن أبي سلمة الغنوي قال: قلت لأبي العتاهية: ما الذي صرفك عن قول الغزل
إلى قول الزهد؟ قال: إذاً والله أخبرك إني لما قلت:
أهدت لي الصد والملالات
الله بيني وبين مولاتي
فكان هجرانها مكافاتي
منحتها مهجتي وخالصتي
أُحدوثة في جميع جاراتي
هيَّمني حبُّها وصيَّرني

١٧٣
باب التوبة
رأيت في المنام في تلك الليلة كأن آتياً أتاني فقال: ما أصبت أحداً تدخله بينك
وبين عتبة يحكم لك عليها بالمعصية إلا الله تعالى؟! فانتبهت مذعوراً، وتبت إلى الله
تعالى من ساعتي من قول الغزل.
[٢٥٨/٦]
- عن إبراهيم بن شيبان قال: كان عندنا شاب عَبدَ الله عشرين سنة، فأتاه
الشيطان، فقال له: يا هذا أعجلت في التوبة والعبادة، وتركت لذات الدنيا، فلو
رجعت فإن التوبة بين يديك، قال: فرجع إلى ما كان عليه من لذات الدنيا، قال:
فكان يوماً في منزله قاعداً في خلوة، فذكر أيامه مع الله، فحزن عليها، وقال: أترى
إن رجعت يقبلني؟! قال: فنودي: يا هذا عبدتنا فشكرناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن
[٧ /٢٧٤]
رجعت إلينا قبلناك.
- عن محمد بن نافع قال: كان أبو نواس لي صديقاً فوقعت بيني وبينه هجرة في
آخر عمره، ثم بلغني وفاته، فتضاعف عليَّ الحزن، فبينا أنا بين النائم واليقظان إذا
أنا به، فقلت: أبا نواس؟ قال: لات حين كنية، قلت: الحسن بن هانئ؟ قال:
نعم، قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبيات قلتها هي تحت ثني الوسادة،
فأتيت أهله، فلما أحسوا بي أجهشوا بالبكاء، فقلت لهم: هل قال أخي شعراً قبل
موته؟ قالوا: لا نعلم إلا أنه دعا بدواة وقرطاس، وكتب شيئاً لا ندري ما هو؟!
فقلت: أتأذنوا لي، فأدخل، قال: فدخلت إلى مرقده، فإذا ثيابه لم تحرك بعد،
فرفعت وسادة، فلم أر شيئاً فرفعت أخرى، فإذا برقعة فيها مكتوب:
فلقد علمت بأن عفوك أعظم
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة
فمن الذي يدعو ويرجو المجرم
إن كان لا يرجوك إلا محسن
فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
أدعوك رب كما أمرت تضرعاً
وجميل عفوك ثم إني مسلم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا
[٤٤٩/٧]
- عن عباس الدوري قال: جاءني غلام نصف النهار، وبين يدي نبيذ، وأنا قاعد،
فقال لي: يا أبا الفضل أيش تقول في النبيذ؟ قال: قلت: حلال، فقال: أيما خير
قليله أو كثيره، قال: قلت: قليله، فقال لي: يا شيخ إن حلالاً يكون قليله خيراً من
كثيره إن ذلك لحرام، وجذب الحلقة في وجهي، ففتحت الباب واطلعت فلم أر
أحداً، فتركت النبيذ من ذلك الوقت.
[١٤٥/١٢]

١٧٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
باب التوحيد
- عن عيسى القصار قال: آخر كلمة تكلم بها الحسين بن منصور عند قتله وصلبه
أن قال: حسب الواحد إفراد الواحد له، فما سمع بهذه الكلمة أحد من المشايخ إلا
رق له، واستحسن هذا الكلام منه.
[١٣٢/٨]
- قال الرشيد لأبي العتاهية: الناس يزعمون أنك زنديق، فقال: يا سيدي كيف
أكون زنديقاً، وأنا القائل:
أم كيف يجحده جاحد
أيا عجبي كيف يُعصى الإله
وفي كل تسكينة شاهد
ولله في كل تحريكة
تدل على أنه واحد
وفي كل شيء له آية
[٢٥٣/٦]
- عن داود بن علي قال: كنا عند ابن الأعرابي، فأتاه رجل، فقال: يا أبا
عبد الله، ما معنى قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [طه: ٥]؟ قال: هو
على عرشه كما أخبر، قال الرجل: ليس كذاك، هو يا أبا عبد الله إنما معنى قوله:
﴿أُسْتَوَى﴾: استولى، فقال ابن الأعرابي: اسكت ما يدريك ما هذا؟ العرب لا تقول
للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب قيل استولى عليه،
والله لا مضاد له، وهو على عرشه كما أخبر، والاستيلاء بعد المغالبة، قال النابغة:
سبق الجواد إذا استولى على الأمد
ألا لمثلك أو من أنت سابقه
[٢٨٤/٥]
- عن محمد بن أحمد بن النضر قال: كان أبو عبد الله بن الأعرابي جارنا وكان
ليله أحسن ليل، وذكر لنا أن ابن أبي دؤاد سأله: أتعرف في اللغة استوى بمعنى
استولى؟ فقال: لا أعرفه.
[٢٨٣/٥]
- قال عمرو - المكي -: اعلم أن كل ما توهمه قلبك، أو سنح في مجاري
فكرتك، أو خطر في معارضات قلبك من حسن، أو بهاء، أو أنس، أو ضياء،
أو جمال، أو شبح، أو نور، أو شخص، أو خيال، فالله بعيد من ذلك كله،
بل هو أعظم، وأجل، وأكبر ألا تسمع إلى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ
[الشورى: ١١]، وقال: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ﴾
[٢٢٤/١٢]
[الإخلاص: ٣ - ٤].
- عن أبي جعفر الترمذي قال: سأله سائل عن حديث النبي وَله: ((إن الله تعالى
ينزل إلى سماء الدنيا))، فالنزول كيف يكون يبقى فوقه علو؟ فقال أبو جعفر الترمذي:

١٧٥
باب التورية
النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. [٣٦٥/١]
ـ سئل محمد بن إسماعيل عن اللفظ بنيسابور، فقال: حدثني عبيد الله بن سعيد
- يعني أبا قدامة - عن يحيى بن سعيد قال: أعمال العباد كلها مخلوقة فمرقوا عليه،
قال: فقالوا له بعد ذلك: ترجع عن هذا القول حتى يعودوا إليك؟ ثم قال: لا أفعل
إلا أن يجيئوا بحجة فيما يقولون أقوى من حجتي، وأعجبني من محمد بن إسماعيل
ثباته.
[٣٠/٢]
- عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل قال: أما أفعال العباد فمخلوقة، فقد
حدثنا علي بن عبد الله قال: ثنا مروان بن معاوية قال: ثنا أبو مالك عن ربعي بن
حراش عن حذيفة قال: قال النبي ◌َّلة: ((إن الله يصنع كل صانع وصنعته))، قال أبو
عبد الله: وسمعت عبيد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت
أسمع أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة. قال أبو عبد الله البخاري:
حركاتهم وأصواتهم، واكتسابهم، وكتابتهم، مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين
المثبت في المصاحف المسطور، والمكتوب الموعى في القلوب، فهو كلام الله
ليس بخلق قال الله تعالى: ﴿بَلَّ هُوَ ءَايَتُ بَيِّنَتُ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلَّمَّ﴾
[العنكبوت: ٤٩].
[٣١/٢]
باب التورية
- عن محمد بن يوسف القاضي قال: اعتل أبي علة شهوراً، فأتيته ذات يوم ودعا
بي وبإخوتي: أبي بكر وأبي عبد الله، فقال لنا: رأيت في المنام كأن قائلاً يقول:
كُل لا، واشرب لا، فإنك تبرأ، فقال له أخي أبو بكر. إن (لا) كلمة، وليست
بجسم، ولا ندري ما معنى ذلك؟ وكان بباب الشام رجل يعرف بأبي علي الخياط
حسن الدراية بعبارة الرؤيا، فجئنا به فقص عليه المنام، فقال: ما أعرف تفسير ذلك؟
ولكني أقرأ في كل ليلة نصف القرآن، فأخلوني الليلة حتى أقرأ رسمي من القرآن،
وأفكر في ذلك، فلما كان من الغد جاءنا، فقال: مررت البارحة، وأنا أقرأ على هذه
الآية: ﴿شَجَرَقِ مُبَرَكَةٍ زَيْتُنَةٍ لَّا شَرْفِيَّةٍ وَلَ غَرِيَّةِ﴾ [النور: ٣٥] فنظرت إلى لا، وهي
شجرة الزيتون، اسقوه زيتاً، وأطعموه زيتوناً، قال: ففعلنا فكان سبب عافيته. [٢٥/٨]
- عن المغيرة بن شعبة قال: ما خدعني أحد في الدنيا إلا غلام من بني الحارث،
خطبت امرأة منهم، فأصغى إلي الغلام، وقال: أيها الأمير لا خير لك فيها؛ إني
رأيت رجلاً يقبلها، فبلغني أن الغلام تزوجها، فقلت: أليس زعمت أنك رأيت رجلاً

١٧٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
يقبلها؟ قال: ما كذبت أيها الأمير، رأيت أباها يقبلها، فكلما ذكرت قوله علمت أنه
[٢٤٥/٤]
خدعني .
باب التوسل
- عن عبد الله بن عكيم - وكان قد أدرك الجاهلية - أنه أرسل إليه الحجاج بن
يوسف، فقام، فتوضأ، ثم صلى ركعتين، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لم أزن قط،
ولم أسرق قط، ولم آكل مال يتيم قط، ولم أقذف محصنة قط، إن كنت صادقاً
فادرا عني شره.
[١٠/ ٤]
- قال أحمد القطيعي: سمعت الحسن بن إبراهيم أبا علي الخلال يقول: ما
همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا سهل الله تعالى لي ما
[١٢٠/١]
أحب.
- عن أبي الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري قال: سمعت أبي
يقول: قبر معروف الكرخي مجرب لقضاء الحوائج ويقال: إنه من قرأ عنده مائة
مرة: (قل هو الله أحد) وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته. [١٢٢/١، ١٢٣]
- عن أبي الحسين محمد بن أحمد بن جميع يقول: سمعت أبا عبد الله بن
المحاملي يقول: أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة ما قصده مهموم إلا
فَرَّج الله همه.
[١٢٣/١]
- علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى
قبره في كل يوم يعني زائراً، فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره
وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تُقضى.
[١٢٣/١]
- قال الخطيب: عند المصلى المرسوم بصلاة العيد كان قبره يعرف بقبر النذور.
ويقال: إن المدفون فيه رجل من ولد علي بن أبي طالب ظُه يتبرك الناس بزيارته
ويقصده ذو الحاجة منهم لقضاء حاجته.
[١٢٣/١]
- قال القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي حدثني أبي قال: كنت جالساً
بحضرة عضد الدولة ونحن مخيمون بالقرب من مصلى الأعياد في الجانب الشرقي
من مدينة السلام، نريد الخروج معه إلى همذان في أول يوم نزل المعسكر فوقع طرفه
على البناء الذي على قبر النذور فقال لي: ما هذا البناء؟ فقلت: هذا مشهد النذور
ولم أقل قبر لعلمي بطيرته من دون هذا، واستحسن اللفظة. وقال: قد علمت أنه قبر
النذور وإنما أردت شرح أمره، فقلت: هذا يقال إنه قبر عبيد الله بن محمد بن

١٧٧
باب التوكل
عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ويقال: إنه قبر عبيد الله بن محمد بن
عمر بن علي بن أبي طالب، وإن بعض الخلفاء أراد قتله خفيّاً فجعلت له هناك زبية
وستر(١) عليها وهو لا يعلم، فوقع فيها وهيل عليه التراب حياً، وإنما شهر بقبر النذور
لأنه ما يكاد ينذر له نذر إلا صح، وبلغ الناذر ما يريد ولزمه الوفاء بالنذور، وأنا أحد
من نذر له مراراً لا أحصيها كثرة، نذوراً على أمور متعذرة فبلغتها ولزمني النذر
فوفيت به. فلم يتقبل هذا القول وتكلم بما دل أن هذا إنما يقع منه اليسير اتفاقاً
فَيَتَسوَّقُ العوام بأضعافه، ويسيرون الأحاديث الباطلة فيه. فأمسكت، فلما كان بعد
أيام يسيرة ونحن معسكرون في موضعنا، استدعاني في غدوة يوم وقال: اركب معي
إلى مشهد النذور، فركبت وركب في نفر من حاشيته إلى أن جئت به إلى الموضع
فدخله وزار القبر وصلى عنده ركعتين سجد بعدهما سجدة أطال فيها المناجاة بما لم
يسمعه أحد، ثم ركبنا معه إلى خيمته وأقمنا أياماً، ثم رحل ورحلنا معه يريد همذان
فبلغناها وأقمنا فيها معه شهوراً، فلما كان بعد ذلك استدعاني وقال لي: ألست تذكر
ما حدثتني به في أمر مشهد النذور ببغداد؟ فقلت: بلى، فقال: إني خاطبتك في معناه
بدون ما كان في نفسي اعتماداً لإحسان عشرتك، والذي كان في نفسي في الحقيقة
أن جميع ما يقال فيه كذب، فلما كان بعد ذلك بمُدَيْدَةَ طرقني أمر خشيت أن يقع
ويتم وأعملت فكري في الاحتيال لزواله ولو بجميع ما في بيوت أموالي وسائر
عساكري فلم أجد لذلك فيه مذهباً، فذكرت ما أخبرتني به في النذر لمقبرة النذور
فقلت: لم لا أجرب ذلك؟! فنذرت إن كفاني الله تعالى ذلك الأمر أن أحمل إلى
صندوق هذا المشهد عشرة آلاف درهم صحاحاً، فلما كان اليوم جاءتني الأخبار
بكفايتي ذلك الأمر فتقدمت إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف يعني كاتبه أن يكتب
إلى أبي الريان وكان خليفته ببغداد يحملها إلى المشهد. ثم التفت إلى عبد العزيز
- وكان حاضراً - فقال له عبد العزيز: قد كتبت بذلك ونفذ الكتاب(٢).
[١٢٥/١]
باب التوكل
- قال حاتم الأصم: خرجت في سفر، ومعي زاد، فنفد زادي في وسط البرية،
فكأن قلبي في البرية والحضر واحداً .
[٢٤٤/٨]
(١) في المطبوع: وَسُيِّرَ.
(٢) وهذا الكلام ليس له أساس من الصحة إذ أنه يتنافى مع أصول العقيدة الصحيحة، فالنذر لا
یکون إلا لله.

١٧٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
العلائق.
- عن رويم بن أحمد الصوفي قال: التوكل إسقاط رؤية الوسائط، والتعلق بأعلى
[٤٣١/٨]
- عن مؤمل المغازلي قال: كنت أصحب محمد السمين، فسافرت معه حتى بلغت
ما بين تكريت والموصل، فبينا نحن في برية نسير إذ زأر السبع من قريب، فجزعت
وتغيرت، وظهر ذلك على صفتي، وهمت أبادر، فضبطني وقال لي: يا مؤمل التوكل
ها هنا ليس في مسجد الجامع.
[٣٤٨/٥]
- عن محمد بن عبد الله الفرغاني قال: التوكل باللسان يورث الدعوى، والتوكل
بالقلب يورث المعنى.
[٤٥١/٥]
- كان إبراهيم الخواص مجرداً في التوكل يدقق فيه، وكان لا يفارقه إبرة وخيوط
وركوة ومقراض، فقيل له: يا أبا إسحاق لم تحمل هذا، وأنت تمنع من كل شيء؟
فقال: مثل هذا لا ينقض التوكل؛ لأن الله علينا فرائض، والفقير لا يكون عليه إلا
ثوب واحد، فربما يتخرق ثوبه، فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته، فتفسد
عليه صلاته، وإذا لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته، وإذا رأيت الفقير بلا ركوة
[٨/٦]
ولا إبرة وخيوط، فاتهمه في صلاته.
- عن أبي علي بن الأبزاري قال: قلت لإسماعيل الديلمي: تسهر في هذه الرحى
بثلث درهم، وأي شيء يكفي ثلث درهم؟ فقال: يا بني ما لم يتصل بنا عز التوكل،
فلا ينبغي أن نستعمل الذل بالتشوف.
[٢٧٥/٦]
- عن جعفر الخلدي قال: حججت نيفاً وعشرين حجة على قدمي ما حملت في
شيء منها زاداً، ولا درهماً، ولا ديناراً (١)، وكنت إذا نزل الناس في المنزل يكون
حولي من المأكول، والمشروب ما يكفي جماعة، فلما كان يوم من الأيام لقيتني
امرأة، ومعي ركوة فارغة، فقالت: هل أصب لك فيها ماء؟ قلت: افعلي، فصبت
في ركوتي الماء، ومشيت فأثقلني، فصببته في أصل شجرة، ثم سرت، وكان حالي
[٢٣٠/٧]
في جمیع الحج ما ذكرته.
- كان لأبي حمزة - محمد الصوفي - مهر قد رباه، وكان يحب الغزو، وكان
يركب المهر ويخرج عليه، وهو يرعى التوكل، فقيل له: يا أبا حمزة أنت قد علمنا
كيف تعمل، فالدابة إيش كنت تعمل في أمرها؟ قال: كان إذا رحل العسكر تبقى
[٣٩٠/١، ٣٩١]
تلك الفضلات من الدواب ومن الناس، تدور فتأكل.
(١) فعل الأسباب الشرعية لا ينافي التوكل على الله تعالى.

١٧٩
باب التوكل
- عن أبي حمزة - محمد الصوفي - قال: إنى لأستحي من الله أن أدخل البادية،
وأنا شبعان، وقد اعتقدت التوكل؛ لئلا يكون سعي على الشبع زاداً أتزوده. [٣٩١/١]
- عن أبي حمزة - محمد بن إبراهيم الصوفي - قال: سافرت سفرة على التوكل،
فبينما أنا أسير ذات ليلة، والنوم في عيني، إذ وقعت في بئر، فرأيتني قد حصلت
فيها فلم أقدر على الخروج لبعد مرتقاها، فجلست فيها فبينما أنا جالس إذ وقف
على رأسها رجلان فقال أحدهما لصاحبه: نجوز ونترك هذه في طريق السابلة
والمارة؟ فقال الآخر: فما نصنع؟ قال: نطمها، قال فبدرت نفسي أن تقول: أنا
فيها، فنوديت تتوكل علينا، وتشكو بلانا إلى سوانا؟ فسكت(١). فمضيا ثم رجعا،
ومعهما شيء جعلاه على رأسها غطوها به، فقالت لي نفسي: أمنت طمها ولكن
حصلت مسجوناً فيها، فمكثت يومي وليلتي، فلما كان الغد ناداني شيء - يهتف بي
ولا أراه - تمسك بي شديداً، فمددت يدي فوقعت على شيء خشن فتمسكت به،
فعلاها وطرحني، فتأملت فوق الأرض فإذا هو سبع؛ فلما رأيته لحق نفسي من ذلك
ما يلحق من مثله، فهتف بي هاتف: يا أبا حمزة استنقذناك من البلاء بالبلاء،
[٣٩١/١]
وكفيناك ما تخاف بما تخاف.
- عن علي بن عبد الله الهمذاني بمكة قال: حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا أبو
القاسم بن مروان ببغداد قال: كان عندنا بنهاوند فتى يصحبني، وكنت أنا أصحب أبا
سعيد الخزاز، فكنت إذا جعت حدثت ذلك الفتى ما أسمع من أبي سعيد، فقال لي
ذات يوم: إن سهل الله لك الخروج خرجت معك حتى أرى هذا الشيخ الذي
تحدثني عنه، فخرجت، وخرج معي، ووصلنا إلى مكة، فقال لي: ليس نطوف حتى
نلقى أبا سعيد، فقصدناه، وسلمنا عليه، فقال الشاب: مسألة، ولم يحدثني أنه يريد
أن يسأل عن شيء، فقال له الشيخ: سل، فقال: ما حقيقة التوكل؟ فقال الشيخ: أن
لا تأخذ الحجة من حمولاً، وكان الشاب قد أخذ حجة من حمولاً، وهو رئیس
نهاوند، وما علمت به أنا، فورد على الشاب أمر عظيم وخجل، فلما رأى الشيخ ما
حل به عطف عليه، وقال: ارجع إلى سؤالك، ثم قال أبو سعيد: كنت أراعي شيئاً
من هذا الأمر في حداثتي، فسلكت بادية الموصل، فبينا أنا سائر إذ سمعت حساً من
ورائي، فحفظت قلبي عن الالتفات، فإذا الحس قد دنا مني، وإذا سبعين قد صعدا
على كتفي، فلحسا خدي، فلم أنظر إليهما حيث صعدا، ولا حيث نزلا. [١٤/ ٤٠٠]
(١) فعل الأسباب الشرعية لا ينافي التوكل على الله تعالى.

١٨٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي عبد الله البراني قال: قال لي رجل من العباد: إنك أيها الرجل إن
فوَّضت أمرك إليه اجتمع لك في ذلك أمران، قلت: ما هما؟ قال: قلة الاكتراث بما
قد ضمن لك، وراحة البدن من مطلب ذلك، فأي حال أكبر من حال المطيع له،
[١٤/ ٤٠٣]
والمتوكل عليه؟ كفاه الله بتوكله عليه الهم، وأعقبه الراحة.
- عن الجنيد بن محمد قال: دققت على أبي يعقوب الزيات بابه في جماعة من
أصحابنا، فقال: ما كان لكم شغل في الله يشغلكم عن المجيء إلي؟ قال الجنيد:
فقلت له: إذا كان مجيئنا إليك من شغلنا به لا يقطع عنه، ففتح الباب، فسألته عن
مسألة في التوكل، فأخرج درهماً كان عنده، ثم أجابني، فأعطى التوكل حقه، ثم
[٤٠٨/١٤]
قال: استحييت من الله أن أجيبك، وعندي شيء.
- عن أبي جعفر الحداد قال: مكثت بضع عشرة سنة أعتقد التوكل، وأنا أعمل في
السوق آخذ كل يوم أجرتي، ولا أنتفع منها بشربة ماء، ولا بدخلة حمام، وكنت
أجيء بأجرتي إلى الفقراء في الشونيزي، وأكون على حالي.
[٤١٢/١٤]
- قيل لأبي عبد الله الجلاء: هؤلاء الذين يدخلون البادية بلا زاد ولا عدة
يزعمون أنهم متوكلة فيموتون، قال: هذا فعل رجال الحق، فإن ماتوا، فالدية
على القاتل.
[٢١٥/٥]
=
® باب تتبع الرخص
- عن حذيفة بن اليمان أنه كان بالمدائن، فحضره شهر رمضان، فاستأذنه رجل
من أصحابه أن يأتي أهله بالكوفة، فيصوم عندهم، فقال له حذيفة: آذن لك على أن
[١٣٨/١٠]
لا تفطر، ولا تقصر.
باب تربية الأبناء
- عن مجاهد قال: إن الله تعالى ليصلح بصلاح العبد ولده وولد ولده. [٢٧٤/١]
- قال عبد الله بن محمد بن شهاب: كان - لخلف بن عمرو العكبري ـ سوط
معلق، فقلت له: ما هذا؟ فقال: ما روي: علق سوطك يرهبك عيالك، وكان
ظريفاً .
[٣٣٢/٨]
- عن مقاتل بن محمد العكي قال: حضرت مع أبي وأخي عند أبي إسحاق - يعني
إبراهيم الحربي - فقال إبراهيم لأبي: هؤلاء أولادك؟ قال: نعم، قال: احذر لا
يرونك حيث نهاك الله، فتسقط من أعينهم.
[٣٧/٦]
- أدخل الشافعي يوماً إلى بعض حجر هارون الرشيد يستأذن على أمير المؤمنين -