Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
باب الإمارة وخطرها
يعد، قال: وعدنا أن يعود فلم يعد، قيل له: إنه قد عاد لأخذ نعله، فغضب، فقال:
قد آمن الناس إلا سفيان الثوري ويونس بن فروة الزنديق - قرنه بزنديق - قال: فإنه
ليطلب، وإنه لفي المسجد الحرام فذهب فألقى نفسه بين النساء فجللنه، قيل له: لم
فعلت؟ قال: إنهن أرحم، ثم خرج إلى البصرة، فلم يزل بها حتى مات، فلما
احتُضر قال: ما أشد الغربة! انظروا إلى ها هنا أحداً من أهل بلادي، فنظروا فإذا
أفضل رجلين من أهل الكوفة.
[١٦٠/٩]
- عن أبي سعيد المؤدب قال: كنت أؤدب موسى، وكان المهدي كثيراً ما يخرج
يسأل عن موسى وتأديبه، فقال لي المهدي يوماً: يا محمد! ما تقول في الرجل من
أهل الخراج نوليه فيحتجز المال فلا نستطيع أن نأخذه حتى نمسه بشيء من العذاب؟
قال: فقلت في نفسي: والله ليسألنك الله يا محمد عن هذا، قلت: يا أمير المؤمنين
أراه غريماً من الغرماء، ما عليه عذاب. قال: فما خرج بعد ذلك إلى موسى ولا
[٢٥٤/٣]
سأل عنه.
- كتب أبو العيناء إلى صديق له ولي ولاية: أما بعد، فإني لا أعظك بموعظة الله؛
لأنك عنها غني، ولا أخوفك إياه؛ لأنك أعلم به مني، ولكني أقول كما قال
الأول:
فكن جرزاً منها تخون وتسرق
أحار ابن بدر قد وليت ولاية
لسان به المرء الهيوبة ينطق
وكاثر تميماً بالغنى إنما الغنى
واعلم أن الخيانة فطنة، والأمانة حرفة، والجمع كيس، والمنع صرامة، وليس كل
يوم ولاية، فاذكر أيام العطلة، ولا تحقرن صغيراً، فإن من الدور إلى الدور، وابلاء
الولاية رقدة، فتنبه قبل أن تنبه، وأخو السلطان أعمى عن قليل سوف يبصر، وما
هذه الوصية التي أوصى بها يعقوب بنيه، ولكن رأيت الحزم في أخذ العاجل، وترك
[١٧٦/٣]
الآجل.
- وقف أعرابي على عمر بن الخطاب فقال:
جهز بُنيّاتي وأُمَهُنَّه
يا عمر الخير جزيت الجنة
أقسم بالله لتفعلنَّه
قال: فإن لم أفعل يكون ماذا يا أعرابي؟ قال:
أقسم أني سوف أَمْضِيَنَّه
قال: فإن مضيت يكون ماذا يا أعرابي؟
قال :

٦٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
ثم تكون المسألات ثَمَّه
والله عن حالي لتُسئَلُنَّه
إما إلى نار وإما جنة
والواقف المسؤول بينهنه
قال: فبكى عمر حتى اخضلت لحيته بدموعه، ثم قال: يا غلام أعطه قميصي هذا
لذلك اليوم لا لِشعره، والله ما أملك قميصاً غيره.
[٣١٢/٤]
* الشفاعة عند أصحاب الإمارة:
- عن عمر بن حبيب العدوي القاضي قال: وفدت مع وفد من أهل البصرة حتى
دخلنا على أمير المؤمنين المأمون، فجلسنا وكنت أصغرهم سناً، فطلب قاضياً يولَّى
علينا بالبصرة، فبينا نحن كذلك إذ جيء برجل مقيد بالحديد مغلولة يده إلى عنقه،
فحلت يده من عنقه، ثم جيء بنطع، فوضع في وسطه، ومدت عنقه، وقام السياف
شاهر السيف، واستأذن أمير المؤمنين في ضرب عنقه، فأذن له، فرأيت أمراً فظيعاً،
فقلت في نفسي: والله لأتكلمن، فلعله أن ينجو. فقلت: يا أمير المؤمنين اسمع
مقالتي، فقال لي: قل، فقلت: إن أباك حدثني عن جدك عن ابن عباس عن
رسول الله أنه قال: إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ من بطنان العرش: ليقم من
أعظم الله أجره، فلا يقوم إلا من عفا عن ذنب أخيه، فاعف عنه عفا الله عنك يا
أمير المؤمنين. فقال لي: آلله إن أبي حدثك عن جده عن ابن عباس عن رسول الله؟
فقلت: آلله إن أباك حدثني عن جدك عن ابن عباس عن النبي.
فقال: صدقت إن أبي حدثني عن جدي عن ابن عباس عن رسول الله بهذا. يا
غلام أطلق سبيله، فأطلق سبيله، وأمر أن أولى القضاء، ثم قال لي: عمن كتبت،
قلت: أقدم من كتبت عنه داود بن أبي هند، فقال: تحدِّث، فقلت: لا. قال: بلى.
فحدث، فإن نفسي ما طلبت مني شيئاً إلا وقد نالته ما خلا هذا الحديث، فإني كنت
أحب أن أقعد على كرسي، ويقال لي: من حدثك؟ فأقول: حدثني فلان.
قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، فلم لا تحدث؟ قال: لا يصلح الملك والخلافة
مع الحديث للناس.
[١٥٥/١]
- عن مبارك بن فضالة قال: وفد ابن سوار في وفد من أهل البصرة إلى أبي
جعفر، فإنا لعنده ذات يوم، إذ أتي برجل فأمر بقتله، فقلت في نفسي: يقتل رجل
من المسلمين وأنا حاضر، فقلت: يا أمير المؤمنين ألا أحدثك حديثاً سمعته من
الحسن؟ قال: وما هو؟ قلت: حدثنا الحسن قال: قال رسول الله وَلقول: ((إذا كان يوم
القيامة جمع الناس في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، فيقوم

٦٣
باب الإمارة وخطرها
مناد من عند الله فيقول: ليقومن من له على الله يد، فلا يقومن إلا من عفا))، فأقبل
عليَّ فقال: آلله لسمعته من الحسن؟ قال: قلت: آلله لسمعته من الحسن، قال: خلِّيا
[٢١٢/١٣]
عنه .
* تراجع السلطان عن الخطأ:
- عن أبي العيناء قال: كنا مع المأمون في طريق الشام، فأمر فنودي بتحليل
المتعة، فقال لنا يحيى بن أكثم: بكِّرا غداً إليه، فإن رأيتما للقول وجهاً، فقولا،
وإلا فاسكتا إلى أن أدخل. قال: فدخلنا إليه، وهو يستاك، ويقول - وهو مغتاظ -:
متعتان كانتا على عهد رسول الله، وعلى عهد أبي بكر، وأنا أنهى عنهما، ومن أنت
يا أحول حتى تنهى عما فعله النبي وَّر، وأبو بكر، فأومأت إلى محمد بن منصور أن
أَمْسِك، رجلٌ يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن، فأمسكنا، وجاء
يحيى، فجلس وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: ما لي أراك متغيراً. قال: هو غم يا
أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام. قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل
الزنا. قال: الزنا! قال: نعم المتعة. قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله
وحديث رسول الله وَله، قال الله تعالى: ﴿قَدّ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى قوله
﴿وَالَِّيْنَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ
فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٧]، يا أمير
مَلُومِينَ
المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا! قال: فهي الزوجة التي عنى الله ترث
وتورث، ويلحق الولد، ولها شرائطها؟ قال: لا! قال: فقد صار متجاوز هذين من
العادین.
وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد ابن الحنفية
عن أبيهما محمد بن علي عن علي بن أبي طالب قال: أمرني رسول الله وَال بأن
أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها، بعد أن كان أمر بها. فالتفت إلينا المأمون،
فقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري؟ فقلنا: نعم يا أمير المؤمنين. رواه جماعة
منهم مالك. فقال: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة فنادوا بها.
[١٩٩/١٤]
خيانة السلطان :
- لما حبس ابن سيرين في السجن قال له السجان: إذا كان الليل فاذهب إلى
أهلك، فإذا أصبحت فتعال، فقال ابن سيرين: لا والله لا أعينك على خيانة
السلطان .
[٣٣٤/٥]

٦٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- كان سفيان يتكلم في عبد الحميد بن جعفر؛ لخروجه مع محمد بن عبد الله بن
حسن وسليمان(١) يقول: إن مر بك المهدي وأنت في البيت فلا تخرج إليه حتى
يجتمع عليه الناس.
[٩/ ٢٢]
- كتب أبو مسلم إلى المنصور - حين استوحش منه -: أما بعد: فقد كنت
اتخذت أخاك إماماً، وجعلته على الدين دليلاً؛ لقرابته والوصية التي زعم أنها
صارت إليه، فأوطأ بي عشوة الضلالة، وأوهقني في ربقة الفتنة، وأمرني أن آخذ
بالظنة، وأقتل على التهمة، ولا أقبل المعذرة؛ فهتكت بأمره حُرُمات حتم الله
صونها، وسفكت دماء فرض الله حقنها، وزويت الأمر عن أهله، ووضعته منه في
غير محله، فإن يعف الله عني فبفضل منه، وإن يعاقب فبما كسبت يداي، وما الله
بظلام للعبيد، ثم أنسأه الله هذا - يعني أبا مسلم - حتى جاءه فقتله.
[٢٠٨/١٠]
- خطب الناس المنصور بعد قتل أبي مسلم فقال: أيها الناس لا تنفروا أطراف
النعمة بقلة الشكر؛ فتحل بكم النقمة، ولا تسروا غش الأئمة فإن أحداً لا يسر منكراً
إلا ظهر في فلتات لسانه، وصفحات وجهه، وطوالع نظره، وإنا لن نجهل حقوقكم
ما عرفتم حقنا، ولا ننسى الإحسان إليكم ما ذكرتم فضلنا، ومن نازعنا هذا القميص
أوطأنا أم رأسه خبىء هذا الغمد، وإن أبا مسلم بايع لنا على أنه من نكث بيعتنا،
وأضمر غشاً لنا فقد أبحنا دمه، ونكث، وغدر، وفجر، وكفر، فحكمنا عليه لأنفسنا
حكمه على غيره لنا .
[٢١٠/١٠]
* إقامة الحدود على الشريف والوضيع:
- شرب عبد الرحمن بن عمر وشرب معه أبو سروعة عقبة بن الحارث - ونحن
بمصر في خلافة عمر بن الخطاب - فسكرا، فلما صحوا انطلقا إلى عمرو بن العاص
وهو أمير مصر فقالا: طهِّرنا فإنا قد سكرنا من شراب شربناه، قال عبد الله بن عمر:
ولم أشعر أنهما أتيا عمرو بن العاص، قال: فذكر لي أخي أنه قد سكر فقلت له:
ادخل الدار أطهرك فأذنني أنه قد حدث الأمير، قال عبد الله بن عمر: فقلت: والله
لا تحلق اليوم على رؤوس الناس ادخل أحلقك ـ وكانوا إذ ذاك يحلقون مع الحد -
فدخل معي الدار، قال عبد الله: فحلقت أخي بيدي ثم جلدهم عمرو بن العاص،
فسمع عمر بن الخطاب فكتب إلى عمرو أن ابعث إلي بعبد الرحمن بن عمر على
(١) هذا ما ورد في المطبوع ولعل الصواب: وسفيان.

٦٥
باب الإمارة وخطرها
قتب، ففعل ذلك عمرو، فلما قدم عبد الرحمن على عمر جلده وعاقبه من أجل
مكانه منه ثم أرسله، فلبث أشهراً صحيحاً ثم أصابه قدره، فيحسب عامة الناس أنه
مات من جلد عمر ولم يمت من جلده.
[٤٥٥/٥]
- عن أبي داود السجستاني قال: لما جاء الرشيد بشاكر رأس الزنادقة؛ ليضرب
عنقه، قال: أخبرني لم تعلُّمون المتعلم منكم أول ما تعلمونه الرفض والقدر؟ قال:
أما قولنا بالرفض فإنا نريد الطعن على الناقلة، فإذا بطلت الناقلة أوشك أن نبطل
المنقول، وأما قولنا بالقدر، فإنا نريد أن نجوز إخراج بعض أفعال العباد؛ لإثبات
قدر الله. فإذا جاز أن يخرج البعض جاز أن يخرج الكل.
[٣٠٨/٤]
: رفق السلطان بالرعية:
- عن أسلم قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى الشام فاستيقظنا به ليلة وقد
رحل رحالنا وهو يرحل لنفسه وهو يقول:
والبس له القميص واعتم
لا يأخذ الليل عليك بالهم
واخدم الأقوام حتى تُخدم
وكن شريك رافع وأسلم
قال: قلت: رحمك الله يا أمير المؤمنين لو أيقظتنا كفيناك.
[٣٣٣/٦]
* مآثر لا تنسى:
- عن أبي يزيد الرياحي قال: كنت قائماً عند خشبة جعفر بن يحيى البرمكي أتفكر
في زوال ملكه وحاله التي صار إليها إذ أقبلت امرأة راكبة لها رواء وهيئة، فوقفت
على جعفر فبكت فأحزنت وتكلمت فأبلغت، فقالت: أما والله لإن أصبحت للناس
آية لقد بلغت فيهم الغاية، ولئن زال ملكك وخانك دهرك، ولم يطل عمرك لقد كنت
المغبوط حالاً، الناعم بالاً، يحسن بك الملك، ويُنفس بك الهلك، أن تصير إلى
حالك هذه، ولقد كنت الملك بحقه في جلالته ونطقه فاستعظم الناس فقدك إذ لم
يستخلفوا ملكاً بعدك، فنسأل الله الصبر على عظيم الفجيعة، وجليل الرزية التي لا
تستعاض بغيرك، والسلام عليك وداع غير قال، ولا ناس لذكرك، ثم أنشأت تقول:
ومذ صلبت ومقنا كل مصلوب
العيش بعدك مُر غير محبوب
فضلاً علينا وعفواً غير محسوب
أرجو لك الله ذا الإحسان إن له
ثم سكتت ساعة وتأملته ثم أنشأت تقول:
سلام الله ما ذكر السلام
عليك من الأحبة كل يوم
على خشب حباك بها الإمام
لئن أمسى صداك برأي عين

٦٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
من الأملاك أسلمك الهمام
فمن ملك إلى ملك برغم
[١٥٩/٧]
- عن إبراهيم بن محمد التميمي قال: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق قاتل أهل
الردة حتى استجابوا له، وعمر بن عبد العزيز رد مظالم بني أمية، والمتوكل محا
البدع وأظهر السنة.
[١٧٠/٧]
- عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال: استأذنت المتوكل أن أرجع
إلى البصرة، ولوددت أني لم أكن استأذنه كنت أكون في جواره. قلت: وكيف؟
قال: اشهد علي أني جعلت دعائي في المشاهد كلها للمتوكل، وذلك أن صاحبنا
عمر بن عبد العزيز جاء الله به برد المظالم، وجاء الله بالمتوكل برد الدين. [٣٤٥/٢]
* إكرام السلطان للعلماء والاستفادة منهم:
- عن أبي حاتم الرازي قال: لقد حضرت مجلس سليمان بن حرب ببغداد فحزروا
من حضر مجلسه أربعين ألف رجل، وكان مجلسه عند قصر المأمون، فبنى له شبه
منبر فصعد سليمان وحضر حوله جماعة من القواد عليهم السواد والمأمون فوق قصره
قد فتح باب القصر وقد أرسل ستر(١) يشف، وهو خلفه يكتب ما يملي.
[٣٣/٩]
- عن إسماعيل بن أحمد قال: كنت بسمرقند، فجلست يوماً للمظالم، وجلس
أخي إسحاق إلى جنبي، إذ دخل أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي، فقمت له
إجلالاً لعلمه، فلما خرج عاتبني أخي إسحاق وقال: أنت والي خراسان يدخل
عليك رجل من رعيتك فتقوم إليه؟! وبهذا ذهاب السياسة! فبت تلك الليلة، وأنا
مقسم القلب بذلك، فرأيت النبي ول ﴿ في المنام، وكأني واقف مع أخي إسحاق، إذ
أقبل النبي والقر، فأخذ بعضدي فقال لي: ((يا إسماعيل ثبت ملكك، وملك بنيك
بإجلالك لمحمد بن نصر))، ثم التفت إلى إسحاق فقال: ((ذهب ملك إسحاق وملك
[٣١٨/٣]
بنیه باستخفافه بمحمد بن نصر)).
- عن صالح المري أنه قال: لما أرسل إليه المهدي قدم عليه، فلما أدخل عليه،
ودنا بحماره من بساط المهدي أمر ابنيه - وهما وليًّا العهد، موسى وهارون - فقال:
قوما فأنزلا عمّكما، فلما انتهيا إليه أقبل صالح على نفسه، فقال: يا صالح لقد
خبت وخسرت إن كنت إنما عملت لهذا اليوم.
[٣٠٦/٩]
(١) كذا في المطبوع.

٦٧
باب الإمارة وخطرها
- قال أبو الحسن محمد بن جعفر بن هارون التميمي النحوي: كان طاهر بن
الحسين حين مضى إلى خراسان نزل بمرو يطلب رجلاً فيحدثه ليلة، فقيل: ما ههنا
إلا رجل مؤدب، فأدخل عليه أبو عبيد القاسم بن سلام فوجده أعلم الناس بأيام
الناس والنحو واللغة والفقه، فقال له: مِنَ المظالم تركك أنت بهذا البلد، فدفع إليه
ألف دينار وقال له: أنا متوجه إلى خراسان إلى حرب وليس أحب استصحابك شفقاً
عليك، فأنفق هذا إلى أن أعود إليك، فألف أبو عبيد غريب المصنف إلى أن عاد
طاهر بن الحسين من خراسان فحمله معه إلى سر من رأى وكان أبو عبيد دَيناً ورعاً
[١٢ /٤٠٥، ٤٠٦]
جواداً .
- قال الفسطاطي: كان أبو عبيد مع ابن طاهر فوجه إليه أبو دلف يستهديه أبا
عبيدة مدة شهرين، فأنفذ أبا عبيد إليه فأقام شهرين، فلما أراد الانصراف وصله
بثلاثين ألف درهم، فلم يقبلها، وقال: أنا في جنبة رجل ما يحوجني إلى صلة
غيره، ولا أخذ ما فيه عليّ نقص، فلما عاد إلى طاهر وصله بثلاثين ألف دينار بدل
ما وصله أبو دلف، فقال له: أيها الأمير قد قبلتها، ولكن قد أغنيتي بمعروفك وبرك
وكفايتك عنها، وقد رأيت أن أشتري بها سلاحاً وخيلاً وأتوجه بها إلى الثغر ليكون
الثواب متوفراً على الأمير ففعل.
[٤٠٦/١٢]
- قال أحمد بن يوسف: لما عمل أبو عبيد كتاب غريب الحديث عرضه على
عبد الله بن طاهر فاستحسنه وقال: إن عقلاً بعث صاحبه على عمل مثل هذا الكتاب
لحقيق أن لا يُخْوَج إلى طلب المعاش، فأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر،
كذا قال لي الأزهري عشرة آلاف درهم في كل شهر.
[٤٠٦/١٢]
* الاستعداد للمستقبل :
- عن الربيع الحاجب قال: لما مات المنصور قال لي المهدي: يا ربيع قم بنا
حتى ندور في خزائن أمير المؤمنين، قال: فدرنا، فوقفنا على بيت فيه أربعمائة حُب
مطينة الرؤوس، قال: قلنا: ما هذه؟ قيل: هذه فيها أكباد مملحة أعدها المنصور
[١٠ /٥٧]
للحصار.
حوار السلطان مع الخارجين عليه:
*
- عن ابن أبي دؤاد قال: أدخل رجل من الخوارج على المأمون فقال: ما حملك
على خلافنا؟ قال: آية في كتاب. قال: وما هي؟ قال: قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ
أَنْزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، فقال له المأمون: ألك علم بأنها منزلة؟

=
٦٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
قال: نعم. قال: وما دليلك؟ قال: إجماع الأمة. قال: فكما رضيت بإجماعهم في
التنزيل، فارض بإجماعهم في التأويل. قال: صدقت، السلام عليك يا أمير
[١٨٦/١٠]
المؤمنین.
* الكف عن الكلام في أخطاء السلطان:
- كان الأحنف بن قيس وأناس يذكرون السلطان، فقال الأحنف: إنكم قد
أكثرتم في سلطانكم، فلو كان معتبكم كان قد أعتبكم فاختاروا بينه وبين أمر
[١٠ /٧٥]
الجاهلية .
- عن عروة بن الزبير قال: أن المسور بن مخرمة أخبره أنه قدم وافداً على
معاوية بن أبي سفيان فقضى حاجته، ثم دعاه فأخلاه فقال: يا مسور ما فعل طعنك
على الأئمة؟ فقال: المسور دعنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له. قال معاوية: لا
والله لتكلمنّ بذات نفسك، والذي تعيب عليَّ، قال المسور: فلم أترك شيئاً أعيبه
عليه إلا بينته له، قال معاوية: لا بريء من الذنب، فهل تعد يا مسور ما لي من
الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها؟ أم تعد الذنوب، وتترك
الحسنات، قال المسور: لا والله ما نذكر إلا ما نرى من هذه الذنوب. قال معاوية:
فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن
تهلكك إن لم يغفرها الله؟ قال مسور: نعم! قال معاوية: فما يجعلك أحق أن ترجو
المغفرة مني؟ فوالله لما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين
أمرين، بين الله وبين غيره إلا اخترت الله تعالى على ما سواه، وأنا على دين يقبل الله
فيه العمل، ويجزي فيه بالحسنات، ويجزي فيه بالذنوب، إلا أن يعفو عمن يشاء،
فأنا أحتسب كل حسنة عملتها بأضعافها، وأوازي أموراً عظاماً لا أحصيها ولا
تحصيها، من عمل الله في إقامة صلوات المسلمين، والجهاد في سبيل الله ريَّ،
والحكم بما أنزل الله تعالى، والأمور التي لست تحصيها وإن عددتها لك، فتفكر في
ذلك. قال المسور: فعرفت أن معاوية قد خصمني حين ذكر لي ما ذكر، قال عروة:
فلم يسمع المسور بعد ذلك يذكر معاوية إلا استغفر له.
[٢٠٨/١]
: زهد صاحب الإمارة بالمظاهر:
- كان عمر بن الخطاب إذا بعث أميراً كتب إليهم: (إني قد بعثت إليكم فلاناً
وأمرته بكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوه)، فقالوا: هذا الرجل له شأن؛ فركبوا
ليتلقوه، فلقوه على بغل تحته إكاف، وهو معترض عليه رجلاه من جانب واحد، فلم

٦٩
باب الإمارة وخطرها
يعرفوه فأجازوه، فلقيهم الناس فقالوا لهم: أين الأمير؟ قالوا: هو الذي لقيتم،
قالوا: فركضوا في أثره، فأدركوه، وفي يده رغيف، وفي الأخرى عرق، وهو يأكل،
فسلموا عليه، فنظر إلى عظيم منهم فناوله العرق والرغيف. قال: فلما غفل ألقاه، أو
قال: أعطاه خادمه.
[١٦٢/١]
* متفرقات :
- عن سعيد بن المسيب: أن عمر لما صدر عن منى أناخ وكوم كومة من البطحاء
فألقى عليها طرف ثوبه، ثم استلقى ثم مدّ يده إلى السماء فقال: اللهم كبرت سني،
وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مفتون ولا مفرط. وذكر بقية الحديث. [٤/ ٤٣٧]
- قال ابن المبارك: ذكرني عبد الله بن إدريس السن، فقال: ابن كم أنت؟ فقلت:
إن العجم لا يكادون يحفظون ذلك، ولكن أذكر أني لبست السواد، وأنا صغير عندما
خرج أبو مسلم. قال: فقال لي: وقد ابتليت بلبس السواد، قلت: إني: كنت أصغر
من ذلك، كان أبو مسلم أخذ الناس كلهم بلبس السواد الصغار والكبار. [١٥٤/١٠]
- عن أبي الغطريف قال: كنا مقدمة الحسن بن علي اثنى عشر ألفاً بمسكن
مستميتين تقطر أسيافنا من الجد على قتال أهل الشام، وعلينا أبو العمرطي، فلما
جاءنا صلح الحسن بن علي كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ، فلما قدم الحسن بن
علي الكوفة قال له رجل منا - يقال له أبو عامر سفيان بن ليلى، وقال ابن الفضل:
سفيان بن الليل -: السلام عليك يا مذل المؤمنين، قال: فقال: لا تقل ذاك يا أبا
عامر، لست بمذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم على الملك.
[٣٠٥/١٠]
- قال ابن المبارك: ذكرت أبا حنيفة يوماً عند الأوزاعي، فأعرض عني فعاتبته،
فقال: تجيء إلى رجل يرى السيف في أمة محمد بَلّ، فتذكره عندنا.
[٣٨٤/١٣]
- عن الحسن قال: قدم علينا عتبة بن غزوان أميراً بعثه عمر بن الخطاب فقام فينا
فقال: أيها الناس إن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء فلم يبق منها إلا صُبابة
كصبابة الإناء، وإنكم منتقلون من داركم هذه، فانتقلوا بخير ما يحضركم، وقد بلغني
أن الحجر ليلقى في شفير جهنم فما يبلغ قعرها سبعين عاماً، فوالله لقد بلغني أن ما
بين مصراعين من مصاريع الجنة أربعين عاماً، ليأتين عليه يوم وله كظيظ من الزحام،
ولقد رأيتني سابع سبعة من رسول الله وَ له وقد تسلَّقَتْ أفواههم من أكل الشجر، وما
منا رجل إلا وقد أصبح أميراً على مصر، ولقد رأيتنا أنا وسعد استبقنا بُردة
فاشتققناها فأخذت أنا نصفها وسعد نصفها، ولقد بلغني أنه لم تكن نبوة إلا وستنسخ

٧٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
ملكاً، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً، وفي أعين الناس حقيراً،
وستجربون الأمراء بعدي.
[١٥٦/١]
- عن ابن عائشة قال: أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره يقرأ
فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك، أخبرنا الحسين بن محمد بن جعفر الخالع،
أخبرنا أبو عمر محمد بن عبد الواحد عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: لما سُلّم
على عبد الملك بن مروان بالخلافة كان في حجره مصحف فأطبقه وقال: هذا فراق
بيني وبينك.
[٣٩٠/١٠]
باب الإمامة
- عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﴿ها أنهما كانا يرزقان المؤذنين والأئمة
[٨١/٢]
والمعلمين والقضاة.
- سئل سفيان بن عيينة عن الرجل يؤم أو يؤذن، فيعطى على ذلك من غير
تعرض، فقال: لا بأس، هذا موسى سقى لهما لله فعرض له رزق فقبله. [٤٠٦/١٤]
- عن أسد بن الحارث قال: سألت أبا عبيد القاسم بن سلام عن إمام لنا يشرب
هذا النبيذ، فقال: إن كان يتأول فصلِّ خلفه في حال فراغه.
[٧ /١٩]
- قال أبو عبيد: أخبرت عنه - أي الوليد بن أبان الكرابيسي - أنه قال: ثلاث
إذا فعلهن الرجل فقد ذل: إذا حدث، وإذا أمَّ الناس، وإذا شهد، فقيل له:
فالتزويج؟ قال: التزويج حال ضرورة، فليس ينبغي للعاقل أن يخطب إلى من يظن
أنه يرده.
[٤٤١/١٣]
باب الأمانة
- لما حُبس ابن سيرين في السجن قال له السجان: إذا كان الليل فاذهب إلى
أهلك، فإذا أصبحت فتعال، فقال ابن سيرين: لا والله لا أعينك على خيانة
السلطان.
[٣٣٤/٥]
- عن محمد بن سهل بن عسكر البخاري قال: كنت أمشي في طريق مكة إذ
سمعت رجلاً مغربياً على بغل، وبين يديه مناد ينادي: من أصاب همياناً له ألف
دينار، قال: وإذا إنسان أعرج عليه أطمار رثة خلقان يقول للمغربي: إيش علام
الهميان؟ فقال: كذا وكذا، وفيه بضائع لقوم، وأنا أعطي من مالي ألف دينار، فقال
الفقير: من يقرأ الكتابة؟ قال ابن عسكر: فقلت: أنا أقرأ، قال: اعدلوا بنا ناحية من
الطريق، فعدلنا، فأخرج الهميان، فجعل المغربي: يقول حبتين لفلانة ابنة فلان

٧١
باب الأمانة
بخمسمائة دينار، وحبة لفلان بمائة دينار، وجعل يعد فإذا هو كما قال، فحل
المغربي هميانه وقال: خذ ألف دينار الذي وعدت على وجادة الهميان، فقال
الأعرج: لو كان قيمة الهميان الذي أعطيتك عندي بعرتين ما كنت تراه، فكيف آخذ
منك ألف دينار على ما هذا قيمته، وقام، ومضى، ولم يأخذ منه شيئاً. [٣/٥
- عن بنان الحمال قال: البريء جريء، والخائن خائف، ومن أساء
استوحش.
[١٠١/٧]
- لما تولى الخلنجي قضاء الشرقية كثر من يطالبه بفك الحجر، فدعا بالأمناء،
فقال لهم: من كان في يده منكم مال اليتيم، فليشتر له منه مراً وزبيلاً يكون قبله،
وليدفع إليه ماله فإن أتلفه عمل بالمر والزبيل.
[١٠/ ٧٤]
- قال علان الخياط: اشترى - السري السقطي - كَرَّ لَوْز بستين ديناراً، وكتب فيه
روزنامجة ثلاثة دنانير ربحه، فصار اللوز بتسعين ديناراً، فأتاه الدلال وقال له: إن
ذاك اللوز أريده، فقال له: خذه، قال: بكم؟ قال: بثلاثة وستين ديناراً، قال
الدلال: إن اللوز قد صار الكر بتسعين، قال له: قد عقدت بيني وبين الله عقداً لا
أحله، ليس أبيعه إلا بثلاثة وستين ديناراً، فقال له الدلال: إني قد عقدت بيني
وبين الله أن لا أغش مسلماً لست آخذ منك إلا بتسعين، فلا الدلال اشترى منه، ولا
السري باعه، قال أبو الطيب: (قال لي علان: كيف لا يستجاب دعاء من كان هذا
فعله؟!).
[١٨٩/٩]
- عن الحسن بن عرفة قال: قال لي ابن المبارك: استعرت قلماً بأرض الشام،
فذهب علي أن أرده إلى صاحبه، فلما قدمت مرو، ونظرت فإذا هو معي، فرجعت يا
أبا علي - الحسن بن عرفة - إلى أرض الشام حتى رددته على صاحبه.
[١٦٧/١٠]
- عن عرفجة بن عبد الواحد الأسدي عن أبيه قال: شهدت علياً حين ظهر على
أهل النهروان، أمر برثثهم(١) فأخرجت إلى الرحبة، ثم قال للناس: من عرف شيئاً
فليأخذه، فجعل الناس يأخذون ما عرفوا حتى كان آخر ذلك قِدر من نحاس، فمكثنا
ثلاثة أيام لا يعرفها أحد، ثم فقدتها فلا أدري من أخذها .
[٣/١١]
- عن أبي سباع قال: اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع، فلما خرجت بها
أدركنا واثلة، وهو يجر رداءه فقال: يا عبد الله اشتريت؟ قلت: نعم، قال: هل بيَّن
لك ما فيها؟ قلت: وما فيها؟! إنها لسمينة، ظاهرة الصحة، قال: أردت بها لحماً،
(١) الرث: السقط من متاع البيت، والجمع: رثث كما في القاموس.

٧٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
أو أردت بها سفراً، قلت: بل أردت عليها الحج، قال: فإن بخفها نقباً، قال:
فقال صاحبها: أصلحك الله ما تريد إلى هذا تفسد علي؟ قال: سمعت رسول الله
يقول: ((من باع شيئاً، فلا يحل له حتى يبين ما فيه، ولا يحل لمن يعلم ذلك
[١٤٤/١١]
أن لا یبینه)».
- عن العُكلي قال: حدثني شيخ من أهل البصرة قال: رأيت محمد بن واسع
الأزدي بسوق مرو يعرض حماراً، فقال له رجل: يا أبا عبد الله أترضاه لي؟ قال:
لو رضيته لما بعته.
[١٦/١٢]
- جاءت امرأة إلى عمرو بن قيس بثوب فقال: يا أبا عبد الله اشتر هذا الثوب
وأعلم أن غزله ضعيف؟ قال: فكان إذا جاءه إنسان، فعرضه عليه قال: إن
صاحبته أخبرتني: أنه كان في غزله ضعف حتى جاءه رجل فاشتراه، قال: قد
أبرأناك منه.
[١٢ /١٦٤]
- قال فضيل بن عياض: ينادي مناد يوم القيامة: أين الذين أكلت عيالاتهم
أماناتهم؟ قال أبو علي - الحسين بن فهم -: ورأيت يحيى بن معين يبكي عند
[٢ /١١٧]
هذا .
- عن يوسف بن الحسين الرازي الصوفي قال: قيل لي: إن ذا النون المصري
يعرف اسم الله الأعظم، فدخلت مصر، فذهبت إليه، فبصرني وأنا طويل اللحية،
ومعي ركوة طويلة، فاستشنع منظري، ولم يلتفت إلى، قال أبو الحسن محمد بن
عبد الله: وكان يوسف يقال: إنه أعلم أهل زمانه بالكلام، وعلم الصوفية، فلما كان
بعد أيام جاء إلى ذي النون رجل صاحب كلام، فناظر ذا النون، فلم يقم ذو النون
بالحجج عليه، قال: فاجتذبته إلي، وناظرته، فقطعته، فعرف ذو النون مكاني، فقام
إلي وعانقني، وجلس بين يدي، وهو شيخ، وأنا شاب، وقال: اعذرني فلم أعرفك،
فعذرته، وخدمته سنة واحدة، فلما كان على رأس السنة، قلت له: يا أستاذ: إني قد
خدمتك، وقد وجب حقي عليك، وقيل لي: إنك تعرف اسم الله الأعظم، وقد
عرفتني، ولا تجد له موضعاً مثلي، فأحب أن تعلمني إياه، قال: فسكت عني ذو
النون، ولم يجبني، وكأنه أومأ إلى أنه يخبرني، قال: فتركني بعد ذلك ستة أشهر،
ثم أخرج إلي من بيته طبقاً، ومكبة مشدوداً في منديل، وكان ذو النون يسكن في
الجيزة، فقال: تعرف فلاناً صديقنا من الفسطاط؟ قلت: نعم، قال: فأحب أن تؤدي
هذا إليه، قال: فأخذت الطبق، وهو مشدود، وجعلت أمشي طول الطريق، وأنا

٧٣
باب الأماني
متفكر فيه مثل ذي النون يوجه إلى فلان بهدية، ترى أيش هي؟! قال: فلم أصبر إلى
أن بلغت الجسر، فحللت المنديل، وشلت المكبة، فإذا فأرة قفزت من الطبق
ومرت، قال: فاغتظت غيظاً شديداً، وقلت: ذو النون يسخر بي، ويوجه مع مثلي
فأرة إلى فلان، فرجعت على ذلك الغيظ، فلما رآني عرف ما في وجهي، قال: يا
أحمق إنما جربناك ائتمنتك على فأرة فخنتني، أفأئتمنك على اسم الله الأعظم؟
وقال: مر عني فلا أراك شيئاً آخر.
[٣١٦/١٤]
- عن محمد بن أبي عبد الرحمن المسعودي عن أبيه قال: ما رأيت أحسن أمانة
من أبي حنيفة: مات يوم مات، وعنده ودائع بخمسين ألفاً ما ضاع منها ولا درهم
[٣٥٩/١٣]
واحد .
- عن يوسف السمتي: أن أبا جعفر المنصور أجاز أبا حنيفة بثلاثين ألف درهم
في دفعات، فقال: يا أمير المؤمنين: إني ببغداد غريب، وليس لها عندي موضع،
فاجعلها في بيت المال، فأجابه المنصور إلى ذلك، قال: فلما مات أبو حنيفة
أخرجت ودائع الناس من بيته، فقال المنصور: خدعنا أبو حنيفة.
[٣٥٩/١٣]
- عن جعفر بن عون العمري قال: أتت امرأة أبا حنيفة تطلب منه ثوب خز،
فأخرج لها ثوباً، فقالت له: إني امرأة ضعيفة، وإنها أمانة فبعني هذا الثوب بما يقوم
عليك، فقال: خذيه بأربعة دراهم، فقالت: لا تسخر بي، وأنا عجوز كبيرة، فقال:
إني اشتريت ثوبين، فبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم، فبقي هذا الثوب
علي بأربعة دراهم.
[٣٦١/١٣]
باب الأماني
- عن عبد الله بن محمد البغوي قال: ما رأيت بعد أحمد بن حنبل أفضل من
زهير - بن محمد بن قمير - سمعته يقول: أشتهي لحماً من أربعين سنة، ولا آكله
حتى أدخل الروم فآكله من مغانم الروم.
[٤٨٥/٨]
- كان لإبراهيم الحربي ابن وكان له إحدى عشرة سنة قد حفظ القرآن، ولقنه من
الفقه شيئاً كثيراً، قال: فمات فجئت أعزيه، قال: فقال لي: كنت أشتهي موت ابني
هذا، قال: قلت: يا أبا إسحاق أنت عالم الدنيا تقول مثل هذا في صبي قد أنجب،
ولقنته الحديث، والفقه! قال: نعم رأيت في النوم كأن القيامة قد قامت، وكأن
صبياناً بأيديهم قلال فيها ماء يستقبلون الناس يسقونهم، وكأن اليوم يوم حار شديد
حره، قال: فقلت لأحدهم: اسقني من هذا الماء، قال: فنظر إلي، وقال: ليس

٧٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
أنت أبي، فقلت: فإيش أنتم؟ قال: فقال: نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا،
[٣٧/٦]
وخلفنا آباءنا نستقبلهم، فنسقيهم الماء، قال: فلهذا تمنيت موته.
- عن يحيى بن معاذ قال: لا يزال العبد مقروناً بالتواني ما دام مقيماً على وعد
الأماني.
[١٨٤/٥]
- قال أبو علي ابن الأعرابي لنفسه:
ـد وأخلو مستأنساً بالأماني
كنت دهراً أعلل النفس بالوعـ
عن فضول المنى صروف الزمان
فمضى الواعدون واقتطعنا
[٣١٠/١]
- عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: لما ولدت دخل أبي على أمي، فقال لها: إن
المنجمين قد أخذوا مولد هذا الصبي وحسبوه، فإذا هو يعيش كذا وكذا - ذكرها
الشيخ وأنسيها أبو بكر ابن السقطي - وقد حسبتها أياماً، وقد عزمت أن أعد له لكل
يوم ديناراً مدة عمره، فإن ذلك يكفي الرجل المتوسط له ولعياله، فأعدي له حُباً.
فأعدته وتركه في الأرض وملأه بالدنانير، ثم قال لها: أعدي حباً آخر أجعل فيه مثل
هذا يكون له استظهاراً، ففعلت، وملأه، ثم استدعى حباً آخر وملأه بمثل ما ملأه به
كل واحد من الحُبين ودفن الجميع. قال الشيخ: وما نفعني ذلك مع حوادث الزمان
فقد احتجت إلى ما ترون. قال أبو بكر ابن السقطي: ورأيناه فقيراً يجيئنا بلا إزار،
ونقرأ عليه الحديث، ونبره بالشيء بعد الشيء.
[٣٧٤/١]
- عن إبراهيم بن الشماس قال: لو تمنيت كنت أتمنى عقل ابن المبارك وورعه،
وزهد ابن فضيل ورقته، وعبادة وكيع وحفظه، وخشوع عيسى بن يونس، وصبر
[٤٧٣/١٣]
حسين الجعفي: صبر ولم يتزوج، ولم يدخل في شيء من أمر الدنيا .
= باب الامتثال8=
- عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر
بالمدائن، فأقيمت الصلاة فتقدم عمار وقام على دكان يصلي والناس أسفل، فتقدم
حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته،
قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله وَّليه يقول: ((إذا أمَّ الرجل القوم فلا يقم في مقام
أرفع من مقامهم، أو نحو ذلك))، قال عمار: (لذلك اتبعتك حين أخذت على
يدي).
[١٥١/١]

٧٥
باب الأمثال = باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
- عن ابن عباس قال: قال لي عمر: ما حبسك عن الصلاة؟ قلت: لما أن
سمعت الأذان توضأت ثم أقبلت، قال عمر: الوضوء أيضاً! ما بهذا أمرنا. قال:
(فما تركت الغسل يوم الجمعة بعد).
[٢٤٩/١]
- عن سلمة بن كثيل بن خالد علقمة عن خالد بن الوليد قال: كان بيني وبين
عمار شيء، فانطلق عمار يشكو خالداً إلى رسول الله وَير فجعل لا يزيده إلا غلظاً
ورسول الله صل ساكت، فبكى عمار وقال: يا رسول الله ألا تراه؟ فرفع رسول الله وَل
رأسه فقال: ((من أبغض عماراً أبغضه الله، ومن عادى عماراً عاداه الله)). قال
خالد: (فخرجت وليس شيء أحب إلي من رضا عمار، فلقيته فاسترضيته حتى رضي
عني).
[١٥٢/١]
باب الأمثال
- عن آدم بن إياس قال: حدثنا بكر بن خنيس يوماً بأحاديث، فقلنا له: زدنا
فقال: ما يبالي البيطار ما قطع من جلد الحمار.
[٩٨/٧]
- قال الخطيب: كان - أي عمارة بن حمزة - أحد الكُتَّاب البلغاء، وكان أَتْيَه
[٢٨٠/١٢]
الناس حتى ضرب بتيهه المثل، فقيل: أتيه من عمارة.
- عن أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد قال: قال لي يزيد بن هارون: أنت أثقل
عندي من نصف رحى البزر، فقلت: يا أبا خالد لمَ لم تقل من الرحى كله، فقال:
إنه إذا كان صحيحاً تدحرج، وإذا كان نصفاً لم يرفع إلا ببذل الجهد.
[١١٨/٥]
باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟=
- عن أبي عطاء أيوب بن طهمان الثقفي أنه رأى علي بن أبي طالب حين دخل
الإيوان بالمدائن أمر بالتماثيل التي في القبلة فقطع رؤوسها ثم صلى.
[٣/٧]
- عن إبراهيم الحربي قال: منكر زماننا معروفُ زمان ما أتى، ومعروفُ زماننا
منكّر زمان قد مضى، ولئن نقص غيرنا منا كما نقصنا من غيرنا ينزل الناس حتى
يصيروا بمنزلة القردة والخنازير.
[٥/ ٤٥٠]
- عن إبراهيم الحربي قال: من تعدون الغريب في زمانكم هذا؟ فقال واحد منهم:
الغريب من نأى عن وطنه، وقال آخر: الغريب من فارق أحبابه، وقال كل واحد
منهم شيئاً، فقال إبراهيم: الغريب في زماننا رجل صالح عاش بين قوم صالحين: إن
أمر بالمعروف آزروه، وإن نهى عن المنكر أعانوه، وإن احتاج إلى سبب من الدنيا
مانوه، ثم ماتوا، وتركوه.
[٣٦/٦]

٧٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن الخطيب قال: لما منعت الديلم ببغداد الناس أن يذكروا فضائل الصحابة،
وكتبت سب السلف على المساجد، كان الشافعي يتعمد في ذلك الوقت إملاء
الفضائل في جامع المدينة، وفي مسجده بباب الشام، ويفعل ذلك حسبة، ويعده
قربة .
[٤٥٧/٥]
- عن عكرمة قال: شهدت ابن عباس صلى على جنازة رجل من الأنصار، فلما
سُوِّيَ في اللحد، وحُثي التراب عليه قام رجل منهم فقال: اللهم رب القرآن
ارحمه، اللهم رب القرآن أوسع عليه مداخله، فالتفت إليه ابن عباس مغضباً فقال:
يا عبد الله أما تتقي الله، يا عبد الله أما تتقي الله، أما علمت أن القرآن منه، قال:
فرأيت الرجل نكس رأسه، ومضى استحياء مما قال له ابن عباس، كأنه أتى على
[٣٣٢/٧]
كبيرة.
- عن عبد الله بن محمد العابد قال: جاء كتاب من أسفل في كل مدينة يقرأ على
المنابر، ومعه حَرَسيان، وفيه مكتوب: ﴿وَءَاتَّيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، وكان ولي
عهده صبياً - يعني الخليفة - قال: فلما جاء الكتاب إلى بلخ ليقرأ، فسمع أبو مطيع،
فقام فزعاً، ودخل على والي بلخ فقال له: بلغ من خطر الدنيا أنا نكفر بسببها، فكرر
مراراً حتى أبكى الأمير، فقال الأمير لأبي مطيع: إني معك، وإني عامل لا أجترىء
بالكلام، ولكن خليت الكورة إليك، وكن مني آمناً، وقل ما شئت، قال: وكان أبو
مطيع يومئذٍ قاضياً، قال: فذهب الناس إلى الجمعة، وقال سلم بن سالم: إني
معك، وأبو معاذ معك يا أبا مطيع، قال: فجاء سلم إلى الجمعة متقلداً بالسيف،
قال: فلما أذن ارتقى أبو مطيع إلى المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على
النبي، وأخذ بلحيته فبكى، وقال: يا معشر المسلمين بلغ من خطر الدنيا أن نجر إلى
الكفر !! من قال: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] غير يحيى بن زكريا فهو كافر
قال: فرج أهل المسجد بالبكاء، وقام الحرسيان فهربا .
[٢٢٤/٨]
- قال أبو داود سليمان بن معبد السنجي:
وإن رأى عاملاً بالمنكر انتهره
يا آمر الناس بالمعروف مجتهداً
فأوصها واتل ما في سورة البقره
ابدأ بنفسك قبل الناس كلهم
ناسين ذلك دأب الْخُيَّب الخسره
أتأمرون ببر تاركين له
خلافه لم تكن إلا من الفجره
وإن أمرت ببر ثم كنت على
فذاك يسبق منه سيله مطره
من كان بالعرف أمَّاراً وتاركه
[٩/ ٥٢]

٧٧
باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
- عن شعيب بن حرب قال: بينا أنا في طريق مكة إذ رأيت هارون الرشيد، فقلت
لنفسي: قد وجب عليك الأمر والنهي، فقالت لي: لا تفعل؛ فإن هذا رجل جبار،
ومتى أمرته ضرب عنقك، فقلت لنفسي: لا بد من ذلك، فلما دنا مني صحت: يا
هارون قد أتعبت الأمة، وأتعبت البهائم، فقال: خذوه، فأدخلت عليه، وهو على
كرسي، وبيده عمود يلعب به، فقال: ممن الرجل؟ قلت: من أفناء الناس، فقال:
ممن ثكلتك أمك؟ قلت: من الأبناء، قال: فما حملك على أن تدعوني باسمي؟
قال شعيب: فورد على قلبي كلمة ما خطرت لي قط على بال، قال فقلت له: أنا
أدعو الله باسمه، فأقول: يا الله يا رحمن، ولا أدعوك باسمك، وما تنكر من دعائي
باسمك، وقد رأيت سمَّى في كتابه أحب الخلق إليه محمداً، وكنى أبغض الخلق إليه
أبا لهب، فقال: ﴿تَبَّتْ بَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]، فقال: أخرجوه،
[٢٣٩/٩ - ٢٤٠]
فأخرجوني .
- عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي قال: أرسل إلي أبو جعفر
المنصور، فقدمت عليه، فدخلت، والربيع قائم على رأسه، فاستدناني، ثم قال
لي: يا عبد الرحمن كيف ما مررت به من أعمالنا إلى أن وصلت إلينا؟ قال:
قلت: رأيت يا أمير المؤمنين أعمالاً سيئة، وظلماً فاشياً ظننته لبعد البلاد منك،
فجعلت كلما دنوت منك كان الأمر أعظم، قال: فنكس رأسه طويلاً، ثم رفعه إلي
فقال: كيف لي بالرجال؟ قلت: أو ليس عمر بن عبد العزيز كان يقول: (إن الوالي
بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها، فإن كان براً أتوه ببرهم، وإن كان فاجراً
أتوه بفجورهم)، قال: فأطرق طويلاً، فقال لي الربيع: وأومأ إلي أن اخرج
[٢١٥/١٠]
فخرجت، وما عدت إليه.
- عن أبي سليمان قال: سمعت أبا جعفر يبكي في خطبته يوم الجمعة، فاستقبلني
الغضب، وحضرتني نية أن أقوم فأعظه بما أعرف من فعله إذا نزل، وبكائه على
المنبر، قال: فتفكرت أن أقوم إلى خليفة فأعظه والناس جلوس يرمقوني بأبصارهم،
فيعرض لي فيأمر بي، فأقتل على غير تصحيح، فجلست وسكت.
[٢٤٩/١٠]
- لما دخل المأمون بغداد نادى بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك
أن الشيوخ ببغداد كانوا يحبسون ويعاقبون في المحال، فنادى بذلك لأن الناس قد
اجتمعوا على إمام، قال: فدخل أبو نعيم بغداد في ذلك الوقت، فنظر إلى رجل من
الجند قد أدخل يده بين فخذي امرأة فزجره أبو نعيم، فتعلق الجندي بأبي نعيم،
ودفعه إلى صاحب الشرطة، وعلى الشرطة يومئذٍ عياش، وصاحب الخبر أبو عباد،
فكتب بخبره إلى المأمون، فأمر بحمله إليه، قال أبو نعيم: فأُدخلت عليه، وقد صلى

٧٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
الغداة، وهو يسبح بحب في شيء من فضة فسلمت عليه، فرد السلام في خفاء - شبه
الواجد - فبينا أنا قائم إذ أتى غلام بطشت وإبريق، فنحاني من بين يديه، وأجلسني
حيث ينظر، وقال لي: توضأ. قال: فأخذت الإناء، وتوضأت كما حدثنا الثوري
حديث عبد خير عن علي، ثم جيء بحصير فطرح لي، فقمت وصليت ركعتين كما
روي عن أبي اليقظان عمار بن ياسر أنه صلى ركعتين، فأوجز فيهما، ثم صاح بي
إليه فجئت، فأمرني فجلست، فقال لي: ما تقول في رجل مات وخلف أبويه؟
فقلت: لأمه الثلث وما بقي فلأبيه، قال: فخلف أبويه وأخاه؟ فقلت: لأمه الثلث،
وما بقي فلأبيه وسقط أخوه، قال: فخلف أبويه، وأخوين؟ فقلت: لأمه السدس،
وما بقي فلأبيه، فقال لي: في قول الناس كلهم؟ فقلت: لا في قول الناس كلهم،
إلا في قول جدك؛ فإنه ما حجبها عن الثلث إلا بثلاث إخوة، فقال لي: يا هذا من
نهى مثلك أن يأمر بالمعروف؟! إنما نهينا أقواماً يجعلون المعروف منكراً، قال:
فقلت: فليكن في ندائك لا يأمر بالمعروف إلا من أحسن أن يأمر به، فقال لي:
انصرف أو كما قال.
[٣٥٠/١٢]
ـ انصرف ثابت بن قيس إلى منزله فيجد الأنصار مجتمعة في مسجد بني ظفر
يريدون أن يكتبوا إلى معاوية في حقوقهم أول ما استخلف، وذاك أنه حبسهم سنتين،
أو ثلاثاً لم يعطهم شيئاً. فقال: ما هذا؟ فقالوا: نريد أن نكتب إلى معاوية. فقال:
ما تصنعون أن يكتب إليه جماعة يكتب إليه رجل منا، فإن كانت كائنة برجل منكم
فهو خير من أن تقع بكم جميعاً، وتقع أسماؤكم عنده. فقالوا: فمن ذاك الذي يبذل
نفسه لنا؟ قال: أنا. قالوا: فشأنك، فكتب إليه، وبدأ بنفسه فذكر أشياء منها: نصرة
النبي ◌َّ وغير ذلك، وقال: حبست حقوقنا، واعتديت علينا وظلمتنا، وما لنا إليك
ذنب إلا نصرتنا للنبي ◌ّ﴾، فلما قدم كتابه على معاوية دفعه إلى يزيد فقرأه، ثم قال
له: ما الرأي؟ فقال: تبعث فتصلبه على بابه، فدعا كبراء أهل الشام فاستشارهم.
فقالوا: تبعث إليه حتى تقدم به ههنا، وتقفه لشيعتك، ولأشراف الناس حتى يروه،
ثم تصلبه. فقال: هل عندكم غير هذا؟ قالوا: لا! فكتب إليه: قد عهدت كتابك،
وما ذكرت النبي وّره، وقد علمت أنها كانت ضجرة لشغلي، وما كنت فيه من الفتنة
التى شهرت فيها نفسك، فأنظرني ثلاثاً، فقدم كتابه على ثابت فقرأه على قومه،
وصبَّحهم العطاء في اليوم الرابع. قال ابن القداح: حدثني بهذا الحديث كله
محمد بن صالح بن دينار مرسلاً، وحدثني به ابنه صالح بن محمد قال: سمعت
يعقوب بن عمر بن قتادة يحدث بهذا الحديث، ثم أتاه بعد، فأقام عنده، فمكث

٧٩
باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
نحواً من شهرين لا يلتفت إليه، ثم استأذنه للخروج فبعث إليه بمائة ألف درهم،
فوضعها في منزله وتركها وخرج.
[١٧٦/١]
- عن عروة بن الزبير قال: إن المسور بن مخرمة أخبره أنه قدم وافداً على
معاوية بن أبي سفيان فقضى حاجته، ثم دعاه فأخلاه فقال: يا مسور ما فعل طعنك
على الأئمة؟ فقال المسور: دعنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له. قال: معاوية لا
والله لتكلمنّ بذات نفسك، والذي تعيب عليّ، قال المسور: فلم أترك شيئاً أعيبه
عليه إلا بيَّنته له، قال معاوية: لا بريء من الذنب، فهل تعد يا مسور ما لي من
الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها؟ أم تعد الذنوب، وتترك
الحسنات؟ قال المسور: لا والله ما نذكر إلا ما ترى من هذه الذنوب. قال معاوية:
فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن
تهلكك إن لم يغفرها الله؟ قال مسور: نعم! قال معاوية: فما يجعلك أحق أن ترجو
المغفرة مني؟ فوالله لما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين
أمرين، بين الله وبين غيره إلا اخترت الله تعالى على ما سواه، وأنا على دين يقبل الله
فيه العمل، ويجزي فيه بالحسنات، ويجزي فيه بالذنوب، إلا أن يعفو عمن يشاء،
فأنا احتسب كل حسنة عملتها بأضعافها، وأوازي أموراً عظاماً لا أحصيها ولا
تحصيها، من عمل الله في إقامة صلوات المسلمين، والجهاد في سبيل الله ،
والحكم بما أنزل الله تعالى، والأمور التي لست تحصيها وإن عددتها لك، فتفكر في
ذلك. قال المسور: فعرفت أن معاوية قد خصمني حين ذكر لي ما ذكر، قال عروة:
فلم يسمع المسور بعد ذلك يذكر معاوية إلا استغفر له.
[٢٠٨/١]
- عن ابن الأكفاني قال: حججت في بعض السنين وحج في تلك السنة أبو
القاسم عبد الله بن محمد البغوي، وأبو بكر الأدمي القارىء، فلما صرنا بمدينة
الرسول وَ﴾، جاءني أبو القاسم البغوي فقال لي: يا أبا بكر ههنا رجل ضرير قد
جمع حلقة في مسجد رسول الله ( *، وقعد يقص، ويروي الكذب من الأحاديث
الموضوعة، والأخبار المفتعلة، فإن رأيت أن تمضي بنا إليه لننكر عليه ذلك،
وتمنعه منه؟ فقلت له: يا أبا القاسم إن كلامنا لا يؤثر مع هذا الجمع الكثير،
والخلق العظيم، ولسنا ببغداد فيعرف لنا موضعنا، وننزّل منازلنا، ولكن ههنا أمر
آخر وهو الصواب؛ وأقبلت على أبي بكر الأدمي فقلت: استعذ واقرأ، فما هو إلا
أن ابتدأ بالقراءة حتى انفلت الحلقة، وانفصل الناس جميعاً، وأحاطوا بنا يسمعون
قراءة أبي بكر، وتركوا الضرير وحده، فسمعته يقول لقائده: خذ بيدي فهكذا تزول
النعم.
[١٤٧/٢]

٨٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن محمد بن القاسم قال: قال ابن أبي ذئب للمنصور: يا أمير المؤمنين قد
هلك الناس، فلو أعنتهم بما في يديك من الفيء؟ قال: ويلك لولا ما سددت من
الثغور، وبعثت من الجيوش لكنت تؤتى في منزلك وتذبح، فقال ابن أبي ذئب: فقد
سَدَّ الثغور، وجيَّش الجيوش، وفتح الفتوح، وأعطى الناس أعطياتهم من هو خير
منك، قال: ومن هو ويلك؟ قال: عمر بن الخطاب. فنكس المنصور رأسه،
والسيف بيد المسيب، والعمود بيد مالك بن الهيثم، فلم يعرض له، والتفت إلى
[٢٩٩/٢]
محمد بن إبراهيم الإمام، فقال: هذا الشيخ خير أهل الحجاز.
- عن عبد الصمد قال: اكتبوا بما ترون إلى أمير المؤمنين. قال: وكان عبد الصمد
لما بلغه الخبر حل عنه الوثاق، وألبسه ثياباً، وكنس البيت الذي كان فيه ورشه ثم
أدخلهم عليه، فقال لهم الرسول: اكتبوا بما رأيتم، فأخذوا يكتبون: يشهد فلان،
وفلان، فقال ابن أبي ذئب: لا تكتب شهادتي أنا أكتب شهادتي بيدي، إذا فرغت
فارم إلي بالقرطاس، فكتبوا محبساً ليناً، ورأينا هيئة حسنة، وذكروا ما يشبه هذا
الكلام، قال: ثم دفع القرطاس إلى ابن أبي ذئب، فلما نظر في الكتاب، فرأى هذا
الموضع، قال: يا مالك داهنت، وفعلت، وفعلت، وملت إلى الهوى، لكن اكتب:
رأيت محبساً ضيقاً، وأمراً شديداً، قال فجعل يذكر شدة الحبس، قال: وبعث
بالكتاب إلى أبي جعفر، قال: فقدم أبو جعفر حاجّاً فمر بالمدينة فدعاهم، فلما
دخلوا عليه جعلوا يذكرون، وجعل ابن أبي ذئب يذكر شدة الحبس وضيقه، وشدة
عبد الصمد، وما يلقون منه، قال: وجعل أبو جعفر يتغير لونه، وينظر إلى عبد الصمد
غضبان، قال الحسن بن زيد: فلما رأيت ذلك رأيت أن ألينه، وخشيت على
عبد الصمد من أبي جعفر أن يعجل عليه، فقلت: يا أمير المؤمنين، ويرضى هذا
أحداً؟ قال ابن أبي ذئب: أما والله إن سألني عنك لأخبرنه، فقال أبو جعفر: وإني
أسألك؟ فقال: يا أمير المؤمنين ولي علينا ففعل بنا وفعل وأطنب فيّ، فلما ملأني
غيظاً قلت: أفيرضى هذا أحداً يا أمير المؤمنين؟ سله عن نفسك، فقال له أبو
جعفر: فإني أسألك عن نفسي؟ قال: لا تسألني. فقال: أنشدك بالله كيف تراني؟
قال: اللهم لا أعلمك إلا ظالماً جائراً، قال: فقام إليه، وفي يده عمود، فجلس
قربه، قال الحسن بن زيد: فجمعت إليّ ثوبي مخافة أن يصيبني من دمه. فقلت: ألا
تضرب العمود؟ فجعل يقول له: يا مجوسي أتقول هذا لخليفة الله في أرضه؟ وجعل
يرددها عليه، وابن أبي ذئب يقول: نشدتني بالله، يا عبد الله إنك نشدتني بالله، قال:
ولم ينله بسوء. قال: وتفرقوا على ذلك.