Indexed OCR Text

Pages 981-1000

٩٨١
لابن شبة
حدثنا بشر بن عمر قال ، حدثنا سلیمان بلال قال ، حدثنا
عمرو بن أبي عمرو ، عن أَبي الحُوَيْرِث ، عن محمد بن جبير : أن
عثمان رضي الله عنه تزوّج بنتَ الفرافِصَة الكُلْبِيّ وهي نصرانية ،
ملك عُقْدَة نكاحها وهي نصرانية حتى تَحَنَّفَت حين قدِمتْ عليه (١).
. حدثنا عبد الله بن محمد بن حکیم ، عن خالد بن سعيد
ابن عمرو بن سعيد ، عن أبيه قال : تزوّج عثمان رضي الله عنه
نائلة بنت الفَرَافِصَّة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث
ابن الحُصَيْن بن ضَمْضَم بن عَدِيّ بن جَناب الكابية وكان أبوها
نصرانياً، فأَمر ضَبًّا ابنه فزوِّجَها إِيّاه ، فلما أرادوا حملها إليه قال
لها أَبوها : يا بُنيّة إنّك تقدمين على نساءٍ مِنْ نِساءِ قرَيْش ◌ُم أَقْدَرُ
على الطِّيب منك ، فاحفظي عني خصلتين ؛ تكَّلي وتعطِّّي بالماء حتى
يكون ريحُك كريح شّنّ أَصابه مطر ، فلما حُمِلَت كرِهَت الغُرْبَة،
وحَزْنَت لِفِرَاق أهلها ، فأَنشأت تقول :
مُصَاحبة نحو المدينة أَركبا
أَلَسْتَ تَرَى يا ضبّ باللهِ أَنني
كما زعْزَعت ريحُ يراعا مثقبا
إذا قطعوا حَزّنا تخبّ ركابهم
لك الويل ما يغني الخباء المطَنَّا(٢)
لقد كان في أبناء حصن بن ضمضم
( فلما قدمت على عثمان قَعَد على سريره ، ووضَع لها سريراً حِيالَه
(١) الأغاني ١٥: ٧٠ ط بولاق، وعيون الأخبار ٤: ٤٦، مختار الأغاني لابن
منظور ٨ : ٥٧ .
(٢) انظر الأبيات في عيون الأخبار ٤: ٧٦، ومرآة الزمان لوحة ٣٧٣، وثر
الدر للآبي لوحة ٣٦٧ .

٩٨٢
تاريخ المدينة المنورة
فجلسَتْ عليه(١)). فوضع عثمان رضي الله عنه قلنسوته فبدَا الصَّلَع فقال:
يا بِنْتَ الفرافصة لا يَهُولَنَّك ماتَرين من صَلَع فإن مِنْ ورائه ما تُحِبِّين.
فسكَتَت ، فقال : إِمّا أَنْ تَقومِي إليّ وإما أنْ أَقُومَ إليكِ ؟ فقالت :
أما ما ذكرتَ من الصَّلَع فإني من نساء أحبّ بعولتهن إليهن السادة
الصُّلْعِ ، وأَما قولك إما أن تقومي إليّ وإما أن أقوم إليك فو الله
ما تجَشَّمْتُ مِن جَنَّبَات السماوَة أبعد مما بيني وبينك ، بل أَقُومُ
إليك . فقامت فجلسَتْ إِلى جَنْبه، فمسحَ رأْسها وَدَعًا لها بالبركة
ثم قال لها : اطرحي عَنْك وِدَاءَك فطَرَحَته له، ثم قال: اطرحي خِمارَك ،
فطرحته، ثم قال: انزعي عنك دِرْعَك، فنزعته، ثم قال: حُلِّ إزارَك .
قالت: ذَاكَ إِلَيْك، فحلّ إزارها فكانت من أَحظي نسائه عنده (٢) .
* حدثنا محمد بن يحيى قال ، حدثنا عبد العزيز بن عمران ،
عن محرز بن جعفر ، عن الوليد بن زياد قال : لما قدم جُنَيْدِب بن
عمرو بن حَممة الدوسي المدينة مهاجراً معه ابنتُه أُم عمرو خرج إلى
الشام ، وخلّفها عند عمر رضي الله عنه وأوصى بها حتى يزوّجها
كُفْئًا وإِن كان بفتال(٣) ، قال: فاستُشهِدَ بالشام فأتى عمر رضي الله
عنه يعتلي المنبر ضرب بإحدى يديه على الأُخرى وقال وكبِّر : يا مَن
له في أحسن الناس وأحبهم إليّ ابنتي أم عمرو بنت جنيدب ، ولينظر
رجلٌ من هو - وحوله المهاجرون - فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه :
(١) بياض في الأصل بمقدار ثلثى سطر. والمثبت عن الأغاني ٧١:١٥ طبع دار
الكتب . وأنساب الأشراف ٥ : ١٢ .
(٢) وانظر في الخبر المراجع السابقة .
(٣) كذا في الأصل، وفي أنساب الأشراف ٥ : ١٣ « وإن كان بشراك فعله.
والمعنى واحد .

٩٨٣
لابن شبة
أَنا يا أمير المؤمنين . قال: فابذُل فإنها متيسرة . قال : كذا وكذا .
قال : قد زوَّجْناكها ، فعجِّل. فوثبَ فجاءَ بصداقها فدفعه إلى عمر
رضي الله عنه . فدخل عمر رضي الله عنه بيته فقال : أَين بُنَيِّي ؟
قبلَ: هي ذِهِ . فجاءت فقال: يا بُنِيّة ابسطي حَيْوَتّكِ (١) ، فبسطت
مُقَدِّم ثَوْيِها فنثر فيه الدراهم وقال : قولي اللهم بارِك لي . قالت :
وما هذه الدراهم يا أبتاه ؟ قال : هذه صداقك من عثمان بن عفان .
فنثرتها وقالت: واسوأتاه . فقال لحفصة: يا أُختاه صَفِّرُوا يَدَّيْها،
وأصبغوا لها ثوبين ، وتصدقيٍ يا بُنية من صداقِكٍ على بعض قومك ،
ثم قال لحفصة : أُخرجي بها الليلة حتى تَدْقَعيها إلى عثمان . فخرجت
بها ، فقال عمر رضي الله عنه: والله إنها لأَّمانةٌ في عُنُقي وما ندري
ما يحدُث عليها . فخرج حتى لحقها ، ثم مضى حتى دقِّ على عثمان
رضي الله عنه فقال : هذه زَوْجَتُك . فبنَى عليها عثمانُ رضي الله عنه ،
فقعد عندها فأَطال ، فدخل عليه سعيد بن العاص فقال: يا أبا عبد الله
لقد أُقمتَ عند هذه الدَّوْسيّة إقامةً ما كنتَ تُقيمها عند النساء !
قال: إنه والله ما من خلة أشتهي أن تكون في امرأة إلا وقد وجدتُها
فيها إلا خلّة ؛ وجدتها صغيرةٌ، أَخاف ألا يكون لها ولد . قال :
فابتسمت ابتسامة سمعها عثمان رضي الله عنه ، فلما قام سعيد رفع
عثمان رضي الله عنه عنها الحجاب فقال : ما أَضحكك يا بنتَ عمر ؟
فقالت : لا شيء . قال : لتخبريني . قالت : سمعتُ مقالَتَك لابن
عمِّك، والله إني لمن نِسوَة ما دَخَلَتْ منهن امرأةٌ على رجلٍ شريف
(١) الحبوة : ما يحتبى به من ثوب ونحوه ((المعجم الوسيط)).

٩٨٤
تاريخ المدينة المنورة
قط ( فحملت (١) ) حتى تلد سيداً منهم بين ظهرانيه ، قال : فلم
ترَ حمراء حتى رأيتُها على رأس عمرو بن عثمان. فولدت لعثمان
عمراً ومحمدًا وأَبان وأُمّ عمرو .
قال عبد العزيز: وكان بالمدينة امرأة تقبل النساء فلما كان ... (٢)
عبيد الله بن معسر فإذا هي تطلق ، فلم تنشب أن ولدت ، فقال لها :
ما ولدت ؟ قالت : غلاماً . قالت : إني لم أزل أسمع أنه لا يموت
شريف قوم فَسُمِّي باسمه أول مولود يُولَد في قومه إلا كان له حَظُه ؛
فقد أسميته عُمَرٌ . قالت المرأة : ثم وجعتُ إلى منزلي فجاءتني رسول
أم عمرو بنت جنيدب فأُجدها تطلق ، فلم تنشب أَن ولدت ،
فقالت : ما ولدتُ ؟ قلت: غلاماً، فقالت: إني لم أَزَلْ أَسمَعُ أَنَّه
لم يَمُت شَريفُ قَوْمٍ قَطُّ تَسَمَّى باسمه أَوّل مولود يولد في قوْمِهِ إلَّا
كان لَه حظّه ؛ وقد سمَّيْتُه ◌ُمَرَ . قلت : هيهات سبقَتْك الفيْدَرِيّة
امرأة عبيد الله بن معمر . قالت : فإذن هو عَمرو .
* حدثنا عثمان بن الهيثم المؤذن قال ، حدثني ابن أبي عطيف
الثقفي قال ، حدثني رومان بن أبي بكر بن أنس ، عن محمد بن
سيرين : أن عثمان رضي الله عنه تزوّج ، فأرسل إلى الحسن بن علي
رضي الله عنهما يدعوه ، فأَناه فأجلسه معه على السرير ، فقال الحسن :
إني صائم ، ولو علمتُ أَنكم تدعونني ما صُمْت . قال عثمان !
(١) بياض في الأصل بمقدار كلمة ، والمثبت يقتضيه السياق.
(٢) بياض في الأصل بمقدار ثلثي سطر . ولعل ما كان يشغله ( يوم استشهاد عمر
رضي اللّه عنه جاء المخاض للفيدرية امرأة عبيد الله بن معمر فدعاها، فجاءت إلى امرأة)
وبه يستقيم السياق .

٩٨٥
لابن شبه
إن شئت صنَعْنَا بك ما يُصْنَع بالصائم . قال: وما يُصنَع به ؟ قال :
يُكَخَّل ويُطَيِّب . قال: فدعا له بكُحْل وطِيب، فكُحِّل وطَيِّب .
. حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، وأبو عتاب (١) الدلال
قال ، حدثنا عبد الواحد بن صفوان مولى عثمان بن عفان ، أنه سمع
أباه يحدث عن أُمه - زاد أَبو عتاب - أُم عياش (٢)، وكان النبيّ
صلى الله عليه وسلم بعث بها مع ابنته إلى عثمان ، قالا جميعاً، قالت :
كنت أَمعث (٣) لعثمان الزبيب غُدْوَة فيشربه عَشِيَّة، وأَفعله عشية
فيشربه غدوة ، وأنها قال لها ذات يوم: لعلك - قال أحمد - تُلْقين،
وقال أبو عتاب تَخْلِطِين فيه رَهْوًا، قالت: ربما - قال أبو عتاب:
فعلتُ، وقال أحمد : خَلَطْتُ فيه رَهْوًا (٤) قال أحمد : فلا تفعلي ،
وقال أبو عتاب : فلا تعودين (٥) .
* كتبت من كتاب إسحاق بن إدريس - ولا أَعلمه إلا قد
قرأه عَلَيّ - قال ، حدثنا عبد الواحد بن صفوان بن أبي عياش قال ،
سمعت أبي يقوله - وذكر أم عياش فقال: كانت خادماً لرسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فلما زوّج عثمان رضي الله عنه ابنته بعث بها
مع ابنته إلى عثمان ، قالت : فكنتُ أَمعَثُ له الزَّبيبَ غُدْوَة فيشربه
(١) هو سهل بن حماد العنبري، أبو عتاب الدلال البصري، توفي سنة ٢٠٨هـ
الخلاصة ١٣٣ .
(٢) أم عياش خادم النبي صلى الله عليه وسلم ومولاته . وقيل مولاة رقية: أسد
الغابة ٥ : ٦٠٦ .
(٣) أمعث : أعرك .
(٤) الرهو : طعام ، يؤخذ السنبل ويدق ويلت في اللبن .
(٥) وانظر أسد الغابة ٥ : ٦٠٦ .

٩٨٦
تاريخ المدينة المنورة
عَشِيَّة، وأَمعَنُه عشية فيشربه غُدْوَة . قالت : وإنه أَتاني ذات يوم
فقال : لعلكِ تَخْلِطِين فيه رَهْوًا ؟ قلت : رُبَّما فعلتُ. قال : فلا
تعودين .
قالت : وكان حُمْرَان من سَبْي قدم على عثمان رضي الله عنه من
نُجير (١) باليمن فكان يخدمه ، وأسلمه إلى الكنات . قالت : فبعثه
إليّ يوماً وأَنا أَمعث ذلك الزَّبيب، فقلت له: أَنا مشغولةٌ. فرجعَ ثم
وجعَ إليَّ فقال : انطلقي فإنه يَدعُوك . قالت : فرفعتُ يدي فدحَيْتُه
بها ، فانطلق من عندي وهو يبكي ، فجاء ومَعَهُ عثمان رضي الله عنه
وفي يدهِ الدِّرة ، فقال : نبعث إليك رسولي فلم تجيبي ثم بعثته إليك
الثانية فضربته فقال : بتلك الدِّرة فخفقني بها واحدةً . وذاك كلُّ
ضَرْبٍ ضربني في مِلِكِه .
* حدثنا هارون بن معروف قال ، حدثنا مروان بن معاوية
قال ، حدثنا طلحة قال ، أَخبرتني بَنانَةُ مولاة أُم البنين قالت :
( ... (٢)) أَنت لأُم البنين .
حدثنا عبد الله بن يحيى قال ، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال :
حدثتنا جدة علي بن غراب قالت : حدثتنا أُم المهاجر قالت : سُبيتُ
مِنَ الرُّومِ مع جواري ، فعرض علينا عثمان بن عفان الإِسلام ،
(١) تُجير: حصن باليمن قرب حضرموت، لجأ إليه أهل الردة مع الأشعث بن
قیس في أيام أبي بكر ، فحاصره زياد البياض حتى افتتحه وأسر من كان فيه وأرسلهم
إلى الخليفة مع نهيك بن أويس ( ياقوت معجم البلدان ).
(٢) بياض في الأصل بمقدار سطر ، يوضحه ما يرد من حديث بناته مع عثمان
رضي الله عنه في الخبر التالي .

٩٨٧
لابن شبة
فما أَسلَمَ منّا غَيْرِي وغَيْرِ أُخرى ، فقال : اذهبوا بها فاخفضوها
وطهِّروها ، قالت : وكنت أَخدمه فقال: يا رُومِيّة إِذا غيرتُ حُلِّي
فلا تدخلي عليّ ، قالت ، فقلتُ لمولاتي أم البنين : إن أمير المؤمنين
قال لي كذا وكذا، قالت(١): وأَنا أعَوَّق كلّ يوم . قالت: ليس ذلك
يعني - إنما يعني الحيض . قالت فلما طَهُرْتُ دخلتُ عليه فشَقِّ إزاراً
مَطَرِيًّا فأعطاني نِصْفَه وقال: تقنعي به. قالت: وكانت له مِلْحَفة يلبسها
إذا اغتسل فكانت على وَدّ (٢)، فكان إذا اغتسل قال : يا روميّة
ناوليني المِلْحَفة ولا تنظري إليّ ؛ فإنك لست لي إنما أَنت لأُمِّ البنين .
قالت وخدمته خمس عشرة سنة فما رأيته توضأً في طَسْتِ ،
وكان يتوضأُ في تَور (٣) من برام، وكانت له رِ كْوَة عظيمة تأخذ
نصف جُرَّة فكان يغتسل منها .
قالت وخرج إلى مكة ، وكان لأم البنين منه بنت ، فلما حضر
قدومُه جعلت لابنتها حلياً من ذهب مكللاً بالياقوت والزمرد ، وجعلت
لها قميصاً ، وأحدثت في بيتها سريراً من سير عليه [حشيتين] بالعصفر
وثلاثة أنماط (٤) ومعرضة (٥) بالعصفر، ومرفقتين (٦) بالعصفر .
فلما قدم قعد خارجاً فأقبلت إليه الخادم بالصبيّة فقال : رُدّوها
(١) في الأصل قال ، ولعل الصواب ما أثبته .
(٢) الود: بالفتح - الوتد في لغة أهل نجد، كأنهم سكتوا التاء فأدغموها في الدال
( أقرب الموارد ) .
(٣) التور : إناء صغير ( أقرب الموارد ) .
(٤) أنماط : جمع نمط وهو ظهارة الفراش ، أو ضرب من البسط ، أو ثوب من
صوف ملون له خمل رقيق يطرح على الهودج ( وسيط المجمع اللغوي).
(٥) المعرضة : الثوب تجلى فيه الفتاة. (المرجع السابق) .
(٦) المرفقة: ما يتكأ عليه من متكا أو نحدة. (المرجع السابق).

٩٨٨
تاريخ المدينة المنورة
وانزعوا هذا الحلي عنها وألبسوها(١) هذا الحَلْيَ الذي صنَعْتُه لها
وكان صنع لها حلياً من فضّة - فلما دخل البيت دعا مولاهُ رباحاً
فقال: أُخرج بهذا السّرير عني ، وأُخرِج ما في البيت ، ودع حَشيةً ،
ودعا بمرْفَقَة بيضاء فجعلها على الحشية وترك المرفقتين اللتين بالعُصْفر
وبساطاً في البيت .
قالت : وكان يأُمرني فأَنقع عجوة فينام نومة من أَوّل الليل ،
ثم يقوم فيأُكلها ويشرب ماءها، ثم يُصَلِّ حتى يُصْبِحِ ، فإن لم
تكن عَجْوَة فزَبيبٌ ، وكان إذا مطرت السماء خرج فقام في المطر
وقال إنه مُبارك .
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد قال ، حدثنا
يحيى بن سعيد أن عثمان رضي الله عنه قال : ربما (٢) يَزَعُ السلطانُ
الناسَ أَشد مما يَزَعُهم القرآن .
* حدثنا بشر بن عمر قال ، حدثنا سليمان بن بلال ، عن
الجنيد بن عبد الرحمن ، عن موسى بن أبي سهل البناني ، عن زُبيد
ابن السلط : أنه سمع عثمان وهو على المنبر يقول : يا أيها الناس ،
إياكم والميْسِر - يريد النَّرْدَ - فإنه ذُكِرَ لي أنها في بيوت أُناسٍ
منكم ، فمن كانت في بيته فليخرجها أو يكسرها ، ثم قال وهو على
المنبر مَرَّة أُخرى: أيها الناس إني قد كلمتكم في هذه النِّرْد فلم أَذكر
أحرقتموها، ولقد هممت أن آمر بحزم الحطب ثم أُرسل إلى الذين
هي في بيوتهم فأحرقها عليهم .
(١) في الأصل ((ألبسوا)) ولعل الصواب ما أثبت.
(٢) في الأصل ((لما)) ولعل الصواب ما أثبته.

٩٨٩
لابن شبة
* حدثنا عثمان بن عمر قال ، أنبأنا يونس ، عن الزهري :
أن سليم بن شأُس قتل نبطياً بالسيف، فهمَّ عثمان أن يقتله . (فكلمه
الزبير رضي الله عنه وناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم ورضي الله عنهم فنهوه عن قتله ، فجعل ديته ألف دينار(١)).
وعاقبه عقوبة موجعة .
* حدثنا أحمد بن معاوية قال ، حدثنا سفيان بن عيينة ،
عن موسى بن عقبة بن سالم بن عبد الله ، وعبد الله بن عبيد الله :
أن محمد بن طلحة أراد الجهاد فأَنت أَمّه عثمان فكلمته ، فأمره
أن يقيم عليها . فقال : إنها قد أتت عمر فأمرني أن أُقيم عندها
( ولم يجبرني قال : لكني أُجبرك(٢) ).
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا عبد الله بن وهب قال ،
حدثني ابن لهيعة قال : كان عثمانُ قد جَعَلَ لموالي قريش ◌ُعْمَةٌ خمسةً
دنانيرَ لكلِّ رَجُلٍ وكلَّ حَوْلٍ ؛ وذلك أَن تُريشاً قالت: إِنَّا لسنا كغيرنا ،
ليس لنا مَدَد وإنما موالينا مَدَدُنا ، فجعل لهم هذه الطُّعْمَة ، فكان
يموت الرجل منهم فیکتبُ ولیُّه وَلَداً إِن کان له ، وإن لم یکن له ولد
كتب عليها من شاء . لم يجعلها عثمان لأحدٍ من الموالي إلا موالي
قريش .
* حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا الحجاج ، عن قتادة ،
(١) بياض في الأصل بمقدار سطر، والمثبت عن الغدير ٨: ١٦٧ من طريق الزهري
وانظر الخبر فيه .
(٢) في الأصل ((ولم يخبرني ، قال ولكني أخبرك)) ولعلى الصواب ما أثبته حيث
يستقيم به المعنى .

٩٩٠
تاريخ المدينة المنورة
عن صفية بنت شعبة ، عن عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ((لكل قومٍ مَادَّة ومادة قريش مواليها)).
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد بن سلمة ،
عن علي بن زيد ، عَمّن حدثه: أَن رَجُلًا كانَتْ له عَلَى ابن صائِد (١)
مائة دينار ، فجاءه يتقاضاه ، فَعدَّ له تسعين ديناراً وقال : حتماً ،
فإذا هي مائة دينار ، فذهب بها الرجل فوزنها فإذا هي تسعون دينار ،
فردَّها إليه وقال : وَيْلَك إنما أعطيتني تسعين دينارا . فوزنها وخاتل
أيضاً وقال : حَتْمًا ، فإذا هي مائة دينار ، فذهب بها الرجل ووزنها
فإذا هي تسعون ديناراً ، فخاصمه إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه ،
فوزنها ابن صائد وقال : حتماً ، فإذا هي مائة دينار . فقال له عثمان :
لا تَقُل حتماً ، فوزنها فإذا هي تسعون ديناراً ، فعّمه عثمان رضي الله
عنه البقية (٢).
( كتابة القرآن وجمعه )
( كتابة عثمان رضي الله عنه المصاحف وجمعه القرآن (٣))
* حدثنا الحسن بن عثمان قال ، حدثنا الربيع بن بدر ، عن
سوار بن شبيب قال : دخلتُ عَلَی ابن الزبير رضي الله عنه في نفر
فسألته عن عثمان ، لِمَ شقَّق المصاحف ، ولِمَ حمى الحِمَى ؟ فقال :
(١) قیل اسمه عبد الله بن صاند ، وكان أبوه يهو دياً لایدری من هو، وانظر باقي
أخباره في أسد الغابة ٣ : ١٨٧ .
(٢) وانظر إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري ١٠ : ٣٧٣، وثلاثيات مسند
أحمد السفاريني ٢ : ٤١٩ .
(٣) انظر في ذلك، إرشاد الساري ٧ : ٤٤٨ - وفتح الباري ٩ : ١٤ - والرياض
النضرة ٢ : ١٣٥ - والتمهيد والبيان لوحة: ٤٣ - والعواصم من القواصم ص٦٨،٦١ -=

٩٩١
لابن شبة
قوموا فإِنكم حَرُورِيَّة (١)، قلنا: لا والله ما نحن حَرُورِيَّة . قال:
قامَ إِلى أَمير المؤمنين عمر رضي الله عنه رجلٌ فيه كذب وَوَلع ، فقال :
يا أمير المؤمنين إن الناس قد اختلفوا في القراءة ، فكان عمر رضي الله
عنه قد هَمَّ أَن يجمع المصاحف فيجعلها على قراءة واحدة ، فَطُمِنِ
طعْنَتَه التي مات فيها . فلمّا كان في خلافة عثمان رضي الله عنه قام
ذلك الرجلُ فذكر له ، فجمع عثمان رضي الله عنه المصاحف ، ثم
بعثني إلى عائشة رضي الله عنها فجئت بالصُّحُفِ التي كتب فيها
رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فعَرَضْناها عليها حتى قَوَّمْنَاها ،
ثم أَمر بسائرها فثُقُّقَت .
• حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال ، أنبأنا إبراهيم بن
سعد قال ، وحدثنا ابن شهاب ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه :
أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم على عثمان رضي الله عنه ،
وكان يغازي أهل ( الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل (٢))
العراق وأُفْزِعَنَّ باختلافهم في القراءة (٣) فقال حذيفة لعثمان رضي الله
= والبرهان في علوم القرآن ٢٣٦:١ - وتاريخ القرآن للكردي طجدة. وتاريخ القرآن
للدكتور عبد الصبور شاهين ص ١١١ - ونهاية الأرب ١٩ : ٤٣٩ - والبداية والنهاية
٧ : ٢١٧ - وكامل ابن الأثير ٣: ١١١ - والعبر لابن خلدون ٢: ٣٨٠ . والتاريخ
السياسي للعلوم العربية للدكتور عبد المنعم ماجد ص ٢٥٠ . والمصاحف السجستاني
ص ١٨ وما بعدها .
(١) الحرورية : طائفة من الخوارج تنسب إلى حروراء بقرب الكوفة فقد كان
اجتماعهم بها لأول مرة للتحكيم حين خالفوا علياً رضي الله عنه ، وتشددوا في دينهم
حتى مرقوا منه ( الوسيط المجمع اللغوي ) .
(٢) بياض في الأصل بمقدار ثلث سطر والمثبت عن فتح الباري ٩ : ١٤ والرياض
النضرة ٢ : ١٣٥ .
(٣) في الأصل كلمة لا تقرأ . والمثبت عن المرجعين السابقين. والمراجع المثبتة في
صدر الموضوع - وانظر الحديث الذي بعد الثاني .

٩٩٢
تاريخ المدينة المنورة
عنه : يا أمير المؤمنين، أَدْرِك هذه الأُمة قبل أن يختلفوا في القرآن
اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل عثمان رضي الله عنه إلى حفصة
أن أرسلٍ إلينا الصحف نَنْسَخْها في المصاحف ثم نردّها إليك ، فأرسلت
بها حفصةُ إلى عثمان ، فأَمر عثمان زيد بن ثابت ، وعبد الله بن
الزُّبَيْر ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام
فَنَسَخُوها في المصاحف . وقال عثمان للرَّهط القرشيِّين الثلاثة : إِذا
اختلفتم أنتم وزيدُ بن ثابت في شيءٍ من القرآن فاكْتُبُوه بلسان قُريش ؛
فإِنما أُنْزِلَ بلسانهم ، ففعلوا ذلك ، حتى إذا نُسِخَ المصحفُ رَدّ عثمان
الصحفَ إِلى حَفْصَة وأرسل إلى كُلِّ أُفُقٍ بمصحف مما نَسخوا ، وأَمر
بما سِوَاهُ من القرآن في كلِّ صحيفةٍ أَو مصحف أَن يحرق(١).
* حدثنا أبو داود الطيالسي قال ، حدثنا إبراهيم بن سعد
بإسناده بنحوه ، إلا أنه لم يذكر سعيد بن العاص، وقال : أَن
تحرق .
* حدثنا عثمان بن عمر قال ، أنبأنا يونس ، عن ابن شهاب
قال ، حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه اجتمع لغزوة أرمينية
وأذربيجان أَهلُ الشام وأَهلُ العراق، فتذاكروا القرآن فاختلفوا فيه
حتى كادَ يكونُ بينهم فتنةٌ ، فَرّكِبَ حذيفةُ بن اليمان إلى عثمان
لمّا رأى من اختلافهم في القرآن، فقال : إن الناس قد اختلفوا في
القرآن حتى - والله - إني لأُخشى أَن يُصيبَهم ما أصابَ اليهودّ
والنصارى من الاختلاف ، ففزع لذلك عثمان رضي الله عنه فزعاً
شديداً ؛ فأرسل إلى حفصة فاستخرج المصاحف التي كان أبو بكر
(١) فتح الباري ٩ : ١٧ - سنن البيهقي ٢ : ٤١ .

٩٩٢
لابن شبة
رضي الله عنه أمر بجمعها زيدًا ، فنسخ منها مصاحف بعث بها إلى
الآفاق (١) .
* حدثنا حفص بن عمر أبو عمر الدُّوري المقرئ قال ، حدثنا
إسماعيل بن جعفر أبو إبراهيم المديني ، عن عمارة بن غزية ، عن
ابن شهاب الزهري ، عن خارجة بن زيد ، عن زيد بن ثابت : أَن
حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم من غزوة غزاها بفرج (٢) أرمينية
فحضرها أَهلُ العراق وأَهلُ الشامِ، فإذا أَهلُ العراق يقرؤون بقراءة
عبد الله بن مسعود ويأتون بما لم يسمع أهل الشام ( ويقرأْ أَهلُ الشام (٣))
بقراءة أُبَيّ بن كَعْب ، ويأُتُون بما لم يسمع أَهلُ العراق ، فيكفرهم
أَهل العراق. قال : فأَمرني عثمان رضي الله عنه أن أكتب له مصحفاً
فكتبتُه . فلما فرغت منه عَرَضَه (٤) .
* حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى قال ، حدثنا هشام ، عن
محمد قال : كان الرجل يقرأ فيقول له صاحبه : کفرت بما تقول،
فَرُفع ذلك إلى ابن عفان فتعاظَمَ في نفسه؛ فجمع اثنَيْ عشر رجلاً
من قريش والأنصار ، منهم : أبيّ بن كعب ، وزَيْد بن ثابت ،
وأرسل إليّ الرقعة التي كانت في بيت عمر رضي الله عنه فيها القرآن .
قال : وكان يتعاهدهم . قال : فحدثني كثير بن أَفْلَح : أنه كان
فيمن يكتُب لهم ، فكانوا كلما اختلفوا في شيء أَخْرُوه . قلت :
(١) منتخب كنز العمال ٢: ٤٩.
(٢) أي بثغر أرمينية .
(٣) سقط في الأصل والمثبت عن التاج الجامع للأصول ٤ : ٣٣.
(٤) فتح الباري ٩: ١٤، ١٥ - والتاج الجامع للأصول ٤ : ٣٣.

٩٩٤
تاريخ المدينة المنوره
لم أَخَّرُوه ؟ قال : لا أدري . قال محمد : فظننت أَنا فيه ظناً ،
ولا تجعلوه ( أنتم يقيناً ؛ ظننت أنهم كانوا إذا اختلفوا في الشيء
أَخَّرُوه حتى ينظروا آخرهم عهداً (١) ) بالعَرْضَةِ الأخيرة فكتبوه
على قوله .
* حدثنا وهب بن جرير قال ، حدثنا هشام بنحوه ، وزاد :
قال محمد : فأرجو أن تكون قراءتنا هذه آخرتها عهداً بالعَرْضَةِ
الأخيرة .
* حدثنا إسماعيل بن أبي كريمة الحراني قال ، حدثنا محمد
ابن سلمة ، عن أبي عبد الرحيم ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن
أبي إسحاق ، عن مُصْعَب بن سعد قال : جلس عثمان بن عفان رضي
الله عنه على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إنما عهدكم بنبيِّكم
صلى الله عليه وسلم منذ ثلاث عشرة سنة ؛ لِمَ أَنتَم تَخْتَلِفُون في
القِرَاءَة ؟ يقول أَحدُكم لصاحبه ما تُتِمّ قراءتك . قال : فعزم على
كلِّ مَنْ كان عنده شيءٌ من القرآن إلا جّاءَ بِهِ ، قال : فجاء الناسُ
بما عندهم ، فجعل يسألهم عليه البيّنة أَنهم سَمِعُوه مِن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : من أَعْرَبُ الناسِ ؟ قالوا: زَيْدُ
ابن ثابت كاتبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فَلْيُمل سعيد،
وليكتُب زَيْد، وكَتَبَ مصاحف وفرَّقها في الأجناد .
• حدثنا أبو داود الطيالسي قال ، حدثنا محمد بن أبان قال،
أخبرني علقمة بن مرثد قال ، سمعت العيزار بن جرول الحضرمي
يقول : لما خرج المختار كنا هذا الحيّ من حضرموت أَوّل من مَعَه،
(١) بياض في الأصل بمقدار سطر، والمثبت عن كتاب المصاحف السجستاني ص ٢٥ .

٩٩٥
لابن شبة
فَأَنانا سُوَيْد بن غَفْلة فقال: إن لكم علينا حقًّا ، وإن لكم جِوَاراً،
وقد بلغني أَنكم تسرَّعْتم إلى هذا الرجل ! فوالله لا أحدثكم إلا بشيء
سمِعْتُه منه : أَقبلت ذاتَ يومٍ فَغَمَزَّنِي غامزٌ من خَلْفِى فالتفتُّ فإذا
المختار ، فقال: أيها الشيخ . ما بقي في قلبك من حُبِّ ذاك الرَّجُل
- يعني عَلِيًّا - قلت إني أُشْهِد الله أني أُحِبُّه بقلبي وسَمْعِي وبَصَري
ولِسَاني ، قال : ولكني أُشهد الله أَني أُبْغضه بقلبي ويَصري وسمعي -
وأحسبه قال وبلساني. فقلت: أَبَيْتَ والله إلا تثبيطاً عن آل محمد
وترتيباً لِنَقْبَلَ حَرَّاق - أَو إِحراق - المصاحف. قال فوالله لا أُحدثكم
إلا بشيءٍ سمِعْتُه من عليّ : سمعتُه يقول : اتّقوا الله في عثمان ولا تغلوا
فيه ، ولا تقولوا حَرَّاق المصاحف ؛ فوالله ما فعل الذي فعل إلَّ عن
مَلَّا منا أصحاب محمد ، دعانا فقال : ما تقولون في هذه القراءة ؟
فقد بلغني أن بعضكم يقول قراءتي خيرٌ من قراءتك . وهذا يكاد
يكون كُفْراً ، وإنكم إن اختلفتم اليوم كان لَمَنْ بعدكُم أَشدَّ اختلافاً،
قلنا : فما ترى ؟ قال : أَن أَجمعَ الناس على مصحف واحد فلا تكون
فُرْقَةٍ ولا اختلاف. قلنا: فنعمَ ما رأيت . قال (١): فأَّيّ الناس أقرأ ؟
قالوا : زيْدُ بنُ ثابت، قال: فأَيّ الناس أَفْصَحُ وأَعْرَب ؟ قالوا: سعيد
ابن العاص . قال فليكتُبْ سعيدٌ وليمل زيْدٌ ، قال : فكانت مصاحف
بعث بها إلى الأمصار ، قال عليّ : والله لو وليت لفعلت مثل الذي
فعل (٢) .
* حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك قال ، حدثنا محمد
(١) في الأصل ((قالوا)) والمثبت يقتضيه السياق.
(٢) البداية والنهاية ٨: ٢١٨ - ومنتخب كنز العمال ٢: ٥٠.

٩٩٦
تاريخ المدينة المنورة
ابن أبان ، عن علقمة بن مرثد ، عن العيزار بن جرول ، من رهط
سلمة بن كهيل ، عن سويد بن غفلة قال : سمعتُ علياً رضي الله
عنه يقول : اللهَ اللهَ أيها الناس، وإيّاكم والغُلُوّ في عثمان وقولكم
حَرَّاق المصاحف ؛ فوالله ما حرَّقها ( إلا عن ملإٍ (١) ) من أصحاب
محمد ؛ جمَعَنا فقال : ما تقولون في القراءة ؟ يَلْقَى الرجلُ الرجلَ
فيقول قراءتي خير من قراءتك ، ويلْقَى الرجلُ الرجلَ فيقول قراءتي
أُفضل من قراءتك ؛ وهذا شِّيهٌ بالكفر . قال فقلنا : فالرأي رأيك
يا أمير المؤمنين . قال : فإني أرى أن أجمع الناسَ على مصحف واحد
لا يختلفون بعدي ، فإنكم إن اختلفتم اليوم كان الناس بعدكم أشدَّ
اختلافاً . قلنا : فالرأي رأيك يا أمير المؤمنين . فبعث إلى زيد بن ثابت
وسعيد بن العاص فقال : ليكتب أحد كما ويُمْلِ الآخر ، فإن اختلفتما
فارفعاه إليّ . قال : فما اختلفا إلا في التابوت ؛ فقال أحدهما التابوت
وقال الآخر التابوه فرفعاه إليه فقال : إنها التابوت . وقال عَليّ :
والله لو وليت الذي ولي لصنعت مثل الذي صنع (٢).
* حدثنا عفان قال ، حدثنا محمد بن أبان قال ، حدثنا
علقمة بن مرئد ، عن العيزار بن جرول السلمي أنه سمع سويد
ابن غفلة ذكر نحوه ، ولم يذكر سعيد بن العاص ولا زيد بن ثابت
ولا ما اختلفا فيه ، وزاد : فقال القومُ لسُوَيد بن غفلة : آلله الذي
(١) بياض في الأصل بمقدار كلمتين ، والمثبت عن إرشاد الساري ٨ : ٤٤٨.
(٢) إرشاد الساري ٨: ٤٤٨ - ومنتخب كنز العمال ٢ : ٤٩، ٥٠، والعواصم
من القواصم ص ٦٩ - والمصاحف السجستاني ١٩ - ونهاية الأرب ١٩: ٤٤٠ والتمهيد
والبيان لوحة ٤٤ .

٩٩٧
لابن شبة
لا إله إلا هو لسمعت هذا من عليّ؟ فقال: الله الذي لا إله إلا هو
لسمعتُ هذا من عليّ (١) .
* حدثنا هارون بن عمر قال ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، عن
إسماعيل بن عياش قال ، حدثنا حبان بن يحيى البهرائي ، عن
أبي محمد القرشي : أَن عثمان بن عفان رضي الله عنه كتبَ إلى
الأمصار : أَمّا بعد فإن نفراً من أَهل الأمصار اجتمعوا عندي فتدارسوا
القرآن ، فاختلفوا اختلافاً شديداً ؛ فقال بعضهم قرأتُ على أبي الدرداء،
وقال بعضهم قرأتُ على حرفٍ عبد الله بن مسعود ، وقال بعضهم
قرأت على حرف عبد الله بن قيس ، فلما سمعتُ اختلافهم في القرآن
- والعهدُ برسول الله صلى الله عليه وسلم حديث - ورأيت أمراً منكراً،
فأشفقت على هذه الأُمة من اختلافهم في القرآن ، وخشيتُ أَن يختلفوا
في دينهم بعد ذهابٍ من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
الذين قرأوا القرآن على عَهْده وسَمِعُوه مِن فِيهِ ، كما اختلفت النصارى
في الإنجيل بعد ذهاب عيسى بن مريم ، وأحببتُ أَن ندارك من
ذلك ؛ فأُرْسَلت إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن ترسل إليّ
بالأُدم الذي فيه القرآن الذي كتب عَنْ فَمِ رسولِ الله صلى الله عليه
وسلم حين أَوْحَاه الله إلى جبريل، وأوحاهُ جبريلُ إلى محمد ، وأنزله
عليه ، وإذِ القرآنُ غَضَّ، فأَمرت زيد بن ثابت أن يقوم على ذلك،
ولم أفرغ لذلك من أجل أُمور الناس والقضاء بين الناس ، وكان
زيد بن ثابت أُحفظنا للقرآن، ثم دعوت نفراً من كُتَّابٍ أَهل المدينة
وذوي عقولهم ، منهم نافع بن طَرِيف وعبدُ الله بن الوليد الخزاعيّ
(١) التمهيد والبيان لوحة ٤٤ .

٩٩٨
تاريخ المدينة المنورة
وعبد الرحمن بن أبي لُبَابَة فأمرتهم أن ينسخوا من ذلك الأدم أربعة
مصاحف وأَن يَتَحَفّظُوا .
* حدثنا محمد بن الفضل عارم قال ، حدثنا القاسم بن الفضل
قال ، حدثنا عمرو بن مرة الجملي قال : استأذن رَجُلٌ على ابن مسعود،
.. (١) )
رضي الله عنه فقال الآذن: إن القوم ( .
والأُشعري وإذا حذيفة يقول لهم : أَما إنكما إن شئتما أَقمتما هذا
الكتاب على حرف واحد ؛ فإني قد خشيت أن يتهوّن الناس فيه نهوّن
أهل الكتاب ، أما أنت يا أبو موسى فيطيعك أهل اليمن ، وأَما أنت
يا ابن مسعود فيطيعك الناسُ . قال ابن مسعود: لو أني أعلم أن أحداً
من الناس أحفظُ مني لشدَدْتُ رَحْلي براحلتي حتى أُنِيخَ عليه ، قال :
فكان الناس يرون أَن حُذَيْفَةَ رضي الله عنه مِمَّن عَيِلَ فيه حتى أَتى
على حرف واحد .
* حدثنا كثير بن هشام قال ، حدثنا جعفر بن بُرْقان قال ،
حدثنا عبد الأعلى بن الحكم الكلابي قال : أتيتُ دارَ أَبي موسى
الأشعري فإذا حذيفة بن اليمان ، وعبد الله بن مسعود ، وأبو موسى
الأشعري فوق إِجّار (٢) فقلتُ: هؤلاء والله الذين أُريد، فأخذت أرتقي
لهم فإذا غلامٌ على الدرجة فمنعني أن أرتقي إليهم فنازعته حتى
الْتَّفَتَ إليَّ بعضُهم فأُتيتهم حتى جلَسْتُ إليهم فإذا عندهم مصحف
أرسل به عثمان رضي الله عنه فأمرهم أن يقيموا مصاحفهم عليه .
فقال أبو موسى : ما وجدتم في مصحفي هذا مِنْ زِيادة فلا تنقصوها ،
(١) بياض في الأصل بمقدار ثلثي سطر .
(٢) الإجار: والأجار، والاتجار، السطح الذي لا سترة عليه (اللسان).

٩٩٩
لابن شبة
وما وجدتم من نُقْصان فاكْتُبُوه فيه . فقال حذيفة رضي الله عنه :
فكيف بما صنعنا ، والله ما أَحدٌ من أَهل هذا البلد يَرْغَب عن قراءة
هذا الشيخ . يَعْني ابن مسعود ، ولا أحدٌ من أَهل اليَمَن يَرْغَبُ عن
قراءة هذا الآخر . يعني أبا موسى . وكان حذيفة هو الذي أُشارّ على
عثمان رضي الله عنه أَن يَجْمَعَ المصاحف على مُصْحَفٍ واحد (١) .
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا عبد الله بن وهب
قال ، حدثني عمرو بن الحارث ، أَن بكيراً حدث : أَنّ ناساً كانوا
بالعِرَاق يسأل أحدهُم عن الآية فإذا قرأها قال : فإني أَكفر بهذه ،
ففشا ذلك في الناس ، واختلفوا في القراءة ، فكُلِّمَ عثمان بن عفان
رضي الله عنه في ذلك، فأمر بِجَمْعِ المصاحف فأَحرقها ، وكتب
مَصَاحِفَ ثم بَنَّها في الأَجْنَاد (٢).
· قال ابن وهب ، أخبرني عمر بن طلحة الليثي ، عن محمد
ابن عمرو بن علقمة ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حَاطِب قال :
قامَ عثمان بن عفّان رضي الله عنه فقال : مَنْ كان عنده من کتاب
اله شيء فليأتنا به ، وكان لا يَقْبَل من ذلك شَيْئاً حتى يَشْهد عليه
شاهدان ، فجاء خُزَيْمَة بن ثابت فقال : إني قد رأَيْتُكُمْ تّرَكْتُمْ آيَّتَيْنِ.
من كتاب الله لم تَكْتُبُوهُما . قال : وما هما ؟ قال : تلقّيْتُ من رسول
الله صلى الله عليه وسلم ((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (٣))) إلى آخر
(١) المصاحف السجستاني ص ٣٥ .
(٢) وفي المصاحف للسجستاني ((بعث واحداً إلى مكة وآخر إلى الشام، وآخر إلى
اليمن ، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة وآخر إلى الكوفة ، وحبس بالمدينة واحداً).
(٣) سورة التوبة ، آية ١٢٨ .

١٠٠٠
تاريخ المدينة المنورة
السورة . قال عثمان : وأنا أشهد إنهما من عند الله ، فأين ترى أن
نجعلهما ؟ قال : اِختم بهما . قال : فختم بهما .
قال، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: أُمَرَ عثمان رضي الله عنه
فِتْيَاناً من العرب أن يكتبوا القرآن ويملي عليهم زيد بن ثابت . فلما
بلغوا التابوت قال زيد بن ثابت : اكتبوها التابوه . وقالوا : لا تكتب
إلا التابوت ، فذكروا ذلك لعثمان فقال: اكتبوا التابوت ؛ فإنما أُنزله
الله على رجل منا بلسان عربي مبين (١) .
* حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال ، أَنبأَنا إبراهيم
ابن سعد ، عن الزهري قال : فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت ،
أنه سمع زيد بن ثابت رضي الله عنه يقول ( لَمَّا نَسَخْنَا المصحف
من المصاحف(٢)) فقدت آية من سورة ( الأحزاب كنتُ أَسمع
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها ، فالتمستها فلم أجدها مع
أحد إلا (٣)) مع خزيمة بن ثابت الأنصاري (٤) ((مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ
صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ))(٥) فأَلحقتها في سورتها من المصحف.
(١) المصاحف السجستاني ص ٣١ - التاج الجامع للصحاح ٤: ٣٣، ونهاية الأرب
للنويري ١٩ : ٤٤٠ .
(٢) إضافة عن المصاحف السجستاني ص ٢٩ - والبرهان في علوم القرآن ١ : ٢٢٤ -
وفتح الباري ٧ : ٤٢٠ - والتاج الجامع للأصول ٤ : ٣٥ ، ٢٠٦ - وتهذيب تاريخ
ابن عساكر ٥: ١٣٣ - والعواصم من القواصم ص ٧١ .
(٣) أشار في الهامش بقوله ((ينتقص هنا سطر واحد)) والمثبت عن المراجع السابقة.
(٤) قال الإمام القسطلاني في إرشاد الساري ٧ : ٤٥٠(( هو خزيمة بن ثابت الأنصاري
ابن الفاكه بن ثعلبة ذي الشهادتين ، وهو غير أبي خزيمة بالكتية الذي وجد معه آخر التوبة
كما جاء في بعض الروايات».
(٥) سورة الأحزاب ، آية ٢٣ .