Indexed OCR Text

Pages 761-780

٧٦١
لابن شبة
قدم على عمر رضي الله عنه رجلٌ من بعض تلك الفروع فنثر كنانته
فإذا صحيفة فيها :
فدى لك من أخي ثقة إزاري
أَلا أَبْلغ أبا حفص رسولًا
قَفَا سَلْعٍ بِمُختَلف البحار
فما قُلُصٌ وُجِدْن مُعَقِّلات
وأَسْلَم أَوْ جَهَينة أَو غَفَّارِ
قَلائِصُ من بني سعد بن بكر
معيدًا يَبْتَغِي سَقَطَ العَذَّارِ
يُعَقّلُهُن جَعْدَهُ مِنْ سُلَيم
شُغِلْنَا عنهم زَمَنِ الحِصارِ
قَلَائِصُنا هَدَاك الله إِنّا
قال فقال : ادعوا إليّ جَعْدةً بن سليم ( فدعوا به فجلده (١) ) مائة
معقولاً ونهاه أن يدخل على ( امرأة(١)) مُغَيِّبة .
• قال أبو بكر الباهلي قال ، حدثنا علي بن أبي عمر ، عن
ابن مجاهد ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي فروة قال : كان
جعْدة بن عبد الله السُّلمي يحدِّث النساء ويُخْرِجُ الجواري إلى سَلْع
يحدثهن ، ثم يعقل الجارية ويقول : قومي في العقال فإنه لا يصبر
.... (٢)
على العقال إِلا حَصَان
وقال علي بن محمد ، عن إبراهيم بن حكيم ، عن عاصم
ابن عروة : أن عمر رضي الله عنه غَرَّب أَبا محجن (٣): أنه كان
يشرب، وأمر ابن جهراء البصري وآخر معه أن يحملاه في البحر ،
(١) الإضافة عن طبقات ابن سعد ٣: ٢٨٦ . وانظر الخبر في سيرة عمر الشيخ
الطنطاوي ٢ : ٥١٩ .
(٢) نقص من الأصول بمقدار صفحتين .
(٣) انظر ترجمته في أسد الغابة ٥ : ٢٩٢، وجاء في الأغاني ٢١ : ٢١١ ط ليدن
في ترجمته أنه كان من المعاقرين الخمر المحدودين في شربها لا يتركها خوف حد
ولا لوم جلده عمر مراراً سبعاً أو ثمانياً وهو لا ينتهي ثم نفاه إلى جزيرة في البحر يقال
لما ((حضوضى)» وبعث معه حرسيا يقال له ابن جهراء فهرب منه على ساحل البحر
وحق بسعد بن أبي وقاص ثم قال شعراً یذکر هربه من ابن جهراء .

٧٦٢
تاريخ المدينة المنورة
فخرجوا على بعيرين ، فلما أراد ابن جهراء أن يحمله قال : أُردد
عليَّ البعيرين أطعمك من خضراء أَكراشهما ؛ فإني لا أُركب بعيراً بعد
اليوم فيما أرى ، فتحرهما ومشوا جميعاً فأَّقلت وقال :
عبدَ الإِلهِ إذا ما غار أَو جَلَسَا
أَبْلِغ لديك أَبا حَفْصٍ مغلغلةً
من ابن جَهْراء والبوصي قدحَيَسًا
الحمد لله نجّاني وسلمني
إِلى حَضّوْضَى فبئس الصَّاحب التَّمَسَا
من يركب البحر والبُوصِيُّ صاحبه
وقال :
صاحباني يوم أَرْتَحِلُ
صَاحِبًا سَوْءٍ صحيتهما
مُزّةٌ راؤُوقها خَضِلُ
إنّني باكَرْت مُتْرَعَةٌ
معتدل
فإذا والليل
فمشينا كلنا نرحل(١)
وأقول إنني ثَمِلُ
إذ يقولان ارْتَحِل معنا
إنني تسعى بي الإبلُ
إنني بَاغِيكمًا غنمًا
• وقال علي بن محمد ، عن الوضاح بن خيثمة ، عن قتادة :
أن عمر رضي الله عنه سيّر نصْرَ بن حجاج إلى البصرة ، فدخل على
مجاشع بن مسعود عائِدٌ اله وعنده شُمَيْلَة ( بن(٢)) جنادة بن أبي أُزيهر
فجرى بينها وبين نصر كلامٌ لم يفهم مجاشع منه شيئاً إلا قول
نصر : وأنا . فقال لها مجاشع : ما قال لَكِ ؟ قالت : كم لبن ناقتكم
هذه ؟ قال : ما هذا كلام جوابه وأَنا . فأرسل إلى نصر يسأله وعظم
عليه ، فقال : قالت لي أنا والله أُحِبُك حُبًّا لو كان تحتك لأَقلَّكَ،
أو فوقك لأَّظلَّكَ، فقلت وأنا . فقال مجاشع: أَتحب أَن أَنزل لك
(١) اضطراب في الأصل.
(٢) هكذا وردت، ولعل الأصوب ((بنت)) (المدقق).

٧٦٣
لابن شبة
عنها ؟ فقال : نشدتك الله، أَنْ يَبلِغَ هذا عمر رضي الله عنه مع
ما فعل بي .
• وحدثني رجل من قريش ، عن محمد بن سالم : أنها كتبت
له في الأرض بهذا الكلام ، وكتب إلى جنبه جوابه ، وأن مجاشعاً
كَبَّ على الكتابين إجانة أَو جفنة ، وأرسل إلى من قرأها له .
وقال علي بن محمد ، عن عبد الله بن زهير التميمي ، عن رجل
من ولد الحجاج بن علاط : أنه زاد في الشعر ، والشعر :
هل مِن سَبِيلٍ إلى خمرٍ فأُشرّبها أَمْ هَل سبيلٌ إلى نصر بن حجاج
وهذا البيت هو الذي سمعه عمر رضي الله عنه فسيّر نصرًا. قال :
فزاد على هذا البيت :
سهل المحيا كريم غير ملجاج
إلى فتّى طيِّب الأَعراق مقتبل
وذي نجدات عن المكروه فراج
تُنميه أَعراقُ صدقٍ حين تنسبه
تضيء سنته في الحالك الدّاج
سامي النواظر من فهر له كرم
فکتب نصر إلى عمر رضي الله عنه بعد حول :
وما نِلْتُ ذنباً إن ذاك حرام
العمري (١)) لمن سپرتني وحرمتني
وفي بعض تصديق الظنون أثام
وما نلت ذنباً غير ظنٍ ظننته
وبعض أماني النساء. غرام
أإن غَنَّت ( الدلفاء ) يوما بمنية
بقاء فما لي في النِّديّ كلام
ظننت بي الظنّ الذي ليس بعده
وقد كان لي بالمكتين مقام
فأصبحت منفياً على غير ريبة
وآباء صدق سالفون كرام
ويمنعني مما تَظُنَّ تكرُّمِي
(١) سقط في الأصل والإثبات عن مناقب عمر لابن الجوزي ص ٨٥ .

٧٦٤
تاريخ المدينة المنورة
ويمنعها مما ظَننْت صلاتُها
فهاتان حالانا فهل أنت راجعي
إمام الهدى لاتبتلي الطرد مُسْلِمًا
وقالت المرأة :
وفضل لها في قومها وصيام
فقد جب مني كاهل وسنام
له حرمة معروفة وزمام (١)
مالي وللخمر أو نصر بن حجاج
قل للإمام الذي تخشى بوادره
شرب الحليب وطرفٍ فاتر ساج
إني غَنِيتُ أبا حفص بغيرهما
حتى أُقر بأَلْجام وأسراج
إن الهوى ذمه التقوى فحبسه (٢)
والناس من هالك فيها ومن ناج
أمنية لم أُصب منها بضائرة
إن السبيل سبيل الخائف الراج
لا تجعل الظن حقاً أو تبيِّنه
ويقال أن الشعر مصنوع إلا البيت الأول الذي سمعه عمر رضي
الله عنه .
* حدثنا الصلت بن مسعود قال ، حدثنا أحمد بن شبويه،
عن سليمان بن صالح قال : سمعت عبد الله بن المبارك ، يحدث عن
محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن أنس السلمي قال : كان أَبو
شجرة بن عبد العزى (٣) قد خرج في الردّة فقال :
وَطَاوَعَ فيها العاذلين فأبصرا
صَحَا القلب عَن سلْمَى هَواهُ وأَقْصَرا
كما وُدّها عنا كذاك تغيّرا
وأصبح أُدنی رائد الجهل والصبا
(١) هذا البيت من مناقب عمر لابن الجوزي ص ٨٦ .
(٢) كذا في الأصل وفي مناقب عمر لابن الجوزي ((إن الهوى ذمة التقوى فقيده)).
(٣) وانظر في ترجمته وأشعاره الإصابة لابن حجر ٣ : ٥، ٤: ١٠١ - وتاريخ
الطبري ق ١ - ٤: ١٩٠٥ - وأسد الغابة ٥: ٢٢٤ - والكامل للمبرد ١ : ٢٨٩ -
وكلمات الشعر في الأصل لا تقرأ وتوضيحها عن المراجع السابقة .

٧٦٥
لابن شبة
كما حبلها من حبلنا قد تبتّرا
وأصبح أُدنی رائد الوصل قیھمُ
وحظك منهم أن تضام وتكدرا
ألا أيها المُدلي بكثرة قومه
إذا ما التقينا دارعين وحُسِّرًا
سَلِ النَّاسَ عنَّا كلّ يومٍ كريهةٍ
ونطعن في الهيجا إذا الموت أَفقرا
أَكَسْنَا نُعَاطِي ذا الطماح لجامه
ترى البُلْقَ في حافاتها والسَّنُورا
وعارضتها شهباء تخطر بالقنا
وإني لأرجو بعدها أَن أَعذرا(١)
فروَّيْتُ رُمحي من كتيبة خالد
قال فبينا عمر رضي الله عنه يقسم الصدقة في الناس إذا جاءه
أبو شجرة فقال: يا أمير المؤمنين أعطني(٢) (فإني ذو حاجة قال: ومن
أنت ؟ قال : أبو شجرة بن عبد العزى السلمي . قال أبو شجرة !!
أي عدو الله ألست الذي تقول :
فرويْت رمحي من كتيبة خالد وإني لأرجو بعدها أَن أُعمّرا
قال : ثم جعل يعلوه بالدِّرَة في رأسه حتى سبقه عدواً ، ورجع
إلى ناقته فارتحلها، ثم أَسندها في حَرّة شَوْران (٣) راجعاً إلى أُرض
بني سليم . فقال :
وكلُّ مُخْتَبِط يوماً له ورقُ
قد ضَنَّ عنا أبو حفص بنائله
وحال مِن دُونِ بعضِ الرّغبة الشفقُ
ما زال يرهقني حتى خَزِيتُ له
والشيخ يفزع أحياناً فينحمقُ
لما رهبتُ أبا حفص وشرطته
(١) وانظر القصيدة في سيرة عمر الشيخ الطنطاوي ٢ : ٥١٨.
(٢) بياض بالأصل وقد علق عليها ناسخ في هامش اللوحة ٢٢٢ بقوله ((نقص هنا
ورقة)) وما نضيفه عن تاريخ الطبري ق ١ - ٤: ١٩٠٦، مراض الاطلاع ٢ : ٨٠٨
(٣) شوران - بالضم : واد في ديار سليم يفرع في الغابة وهو من المدينة على ثلاثة
أميال ( مراصد الاطلاع ٢ : ٨١٨) وقال البكري في معجم ما استعجم ص٨٢٢ شوران
بالفتح والإسكان موضع في ديار بي جعدة .

٧٦٦
تاريخ المدينة المنورة
مثل الطريدة لم ينبت لها ورقُ
ثم ارْعَوَبْتُ إليها وهي جانحة
إني لأَذري عليها وهي تنطلقُ
أوردتها الخَلَّ مِن شَوْرَان (١) صادرةً
كما تُنُوقِد عند الجهيذ الورقُ
تطير مرو أبانٍ عن مناسمها
ورْهَاءَ فيها إِذا استعجلتها خُرُقُ
إذا يعارضها خرقٌ تعارضه
صُرْحُ اليدين بها نهّاضة العنقُ(١))
ينوء آخرها منها بأولها
( قال مالك ، عن ابن دلاف ، عن أبيه : إن رجلاً من جهينة
كان يشتري الرواحل فيغالي بها ، ثم يُسْرِع السيرَ فيسبق الحاج ،
فَأَفلس فَرُفعَ أَمرُه إلى عمرَ . فقال: أَما بعد : أيها الناس ، إِنّ
الأُسَيْفِع أُسَيْفع جهينة (٢) رضي من دينه وأمانته أَن يُقَال سَبَقَ
الحاجّ ، أَلا وإنه ادَّان مُعْرضاً فأصبح وقد رين (٣) به . فمن كان
له عليه دين فليأتنا بالغداة نقسم ماله بين غرائمه ثم (٤)) وإياكم
والدين فإن أَوّله هَمّ وآخره حرب .
* حدثنا الحكم بن موسى قال ، حدثنا عيسى بن يونس ،
عن عبيد الله بن عمر ، عن عطية بن عبد الرحمن بن ولَّاد، عن
أبيه قال : كان رجل من جهينة يقال له : الأسيفع ، سبق الحاج
(١) المصدر رقم ٣ بالصفحة السابقة .
(٢) الأسيفع تصفير الأسفع وجهينة من بطون قضاعة ( شرح نهج البلاغة
١٢ : ١٣٢ ) .
(٣) بياض بالأصل والمثبت عن الإصابة ١: ١١٥ وشرح نهج البلاغة ١٢ : ١٣٢ .
(٤) كذا في الأصل . وفي الفائق للزمخشري ١ : ٦٠٠، والنهاية في الغريب
٢ : ٣٩٠ وشرح نهج البلاغة ١٢: ١٣٢. وفي الإصابة لابن حجر ١: ١١٥ «فأصبح
وقد دین به ، بالدال .
ورين به أي أحاط الدين بماله ، يقال : رين بالرجل ريناً إذا وقع فيما لا يستطيع
الخروج منه ( النهاية ، والفائق ، وتاج العروس ) .

٧٦٧
لابن شبة
فاستدان(١) في ذلك. فاستأدى غرماؤه عليه عمر بن الخطاب رضي الله
عنه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الأُسْفِع أُسَيْفِع
جُهينة رضي من أمانته ودينه بأَن يقال سَبَق الحاج فادّان مُعْرضاً (١)
فأُصبح وقد رِين به فمن كان له قِبَلَه حقٌّ فَلْيَغْدُ علينا بالغداة نقسم
ماله بينهم ، ثم إِيّاكم والدين فإن أَوّله همَّ وآخره حرب .
* حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال ، حدثنا زهير .
يعني ابن معاوية - عن عبيد الله بن عمر ، عن عمر بن عبد العزيز،
عن بلال بن الحارث قال . قال عمر رضي الله عنه: ألا إن الأُسَيْقع
أُسَيْفِع جهينة رَضِي من دينه وأمانته بأن يقال سَبَقَ الحاجِّ، فادَّان
مُعْرِضاً ، فأصبح وقد رین به ، فمن كان له عليه دين أو حق فليأُتنا
فلنقسم بينهم ماله ، ثم إِيَّاكم والدَّيْن فإن أوله همّ وآخره حرب .
* حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام بن عُرْوَة ، عن أبيه
قال ، قال عمر رضي الله عنه: تَعَلَّمُوا أَن الطمع فقر، وأن اليأس
غنىَ (٢)، وأن المرء إذا يئس من الشيء استغنى عنه .
* حدثنا عثمان بن عمر قال ، أنبأنا يونس ، عن الزهري ،
سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أخبره : أن رجلاً
من ثقيف - وهو غيلان بن سلمة (٣) - طلق نساءه وهو صحيح ،
(١) أدان معرضاً أي اقترض من کل وجه أمكنه . ومن أي عرض تأتى له كأنه
يعترض الناس فيستدين ممن أمكنه (شرح نهج البلاغة ١٢ : ١٣٢ - تاج العروس
٥ : ١٤٩ - الفائق في الغريب ١ : ٦٠٠).
(٢) في الأصل كلمات لا تقرأ والمثبت عن شرح نهج البلاغة ١٢ : ١١٠
وحلية الأولياء ١: ٥٠ وانظر الخطبة بتمامها في تاريخ الطبري ق ١ - ٥ : ٢٧٥٩.
(٣) هو غيلان بن سلمة الثقفي وخبره مروي عن الزهري عن سالم بن عبد اللّه

٧٦٨
تاريخ المدينة المنورة
وقسّم ماله بين بنيه ، فأرسل إليه عمر رضي الله عنه فقدم عليه ،
فقال له : إني أَظن الشيطان فيما يَسْتَرِقُ من السمع (سمع بموتك(١))
فقذف في قلبك أنك توشك أن تموت فحملك مبادرة ذلك على
ما صنعت ، وإني والله لأظنك لا تلبث بعد أن تقوم عن حضَري
هذا حتى تموت ، وايم الله لئن متَّ قبل أن تراجع نساءك وترجع
في مالك لأُوَرِّئْن نساءك مِنْ مالك، ثم لأَرجمن قَبْرَك حتى أجعل
عليك مثل ما على قبر أبي رغال (٢) . قال فراجع نساءه ، ولم يكن
بَتَّ طلاقهن ، وارتجع ماله الذي قسم بين بنيه ، ثم ما لبث حتى
مات وقد طهَّرَه الله مما أراد من خلاف الحق .
. حدثنا أحمد بن حناب (٣) قال، حدثنا عيسى بن يونس،
عن أبي بكر بن أبي مريم ، عن أبي المجاشع الأسدي ، وموسى بن مروان
-ابن عمر عن أبيه، ويقول الخزرجي في الخلاصة ص ١١٢ ط الخيرية أن ابن إسحاق
قال : أصح الأسانيد كلها الزهري عن سالم عن أبيه . وانظر أسد الغابة ٤ : ١٧٢
والإصابة ٣ : ١٨٩ والاستيعاب ٣: ١٨٩ والأغاني ١٣: ٢٠٠ .
(١) الإضافة عن الإصابة لابن حجر ٣ : ١٨٧ ومناقب عمر لابن الجوزي ص ١٩٢.
(٢) جاء في مختار الأغاني ٤: ٣٦١ « قال حماد الراوية: إن أبارغال أبو ثقيف
كلها ، وإنه من بقية ثمود ، وأنه كان ملكاً بالطائف وكان يظلم رعيته فمر بامرأة
ترضع طفلا يتيماً بعنزلها فأخذها منها فبقي الصبى بلا مرضعة فمات وكانت سنة مجدبة
فرماه الله بقارعة فأهلكته ، فرجمت العرب قبره - وهو بين مكة والطائف . وفي معالم
التنزيل ٩ : ٢٩٤ قال البغوي : إن أبرهة لما مر بالطائف عندما خرج يريد هدم مكة ،
خرج إليه مسعود بن مغيث في رجال من ثقيف فقال أيها الملك نحن عبيدك ليس لك عندنا
خلاف وقد علمنا أنك تريد البيت الذي بمكة ، نحن نبعث معك من يدلك عليه ، فبعثوا
أبار غال مولی له فخرج حتى إذا كان بالمغلس مات أبو رغال ، وهو الذي يرجم قبره ،
واسمه قس بن منبه بن النبيت بن أفصى بن دعمى بن إياد .
(٣) انظر ترجمته في الخلاصة للخزرجى ص ٤ ط بولاق .

٧٦٩
لابن شبة
الرقي قالا ، حدثنا محمد بن حرب الجولاني : أن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه أُنِيّ بامرأة شابة تزوّجها شيخ كبير فقتلته، فأمر
بحبسها، ثم قام في الناس فقال: أيها الناس اتقوا الله ولينكح الرجل
ثُمَّتَه (١) من النساء، ولتنكح المرأة لمتها من الرجال.
* حدثنا عبد الله بن داود ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه
قال ، قال عمر رضي الله عنه: لا يُكْرِمَنَّ أَحدُكم ابنته على الرجل
القبيح فإنهن يحبين ما تحبون .
* حدثنا عمرو بن مرزوق قال ، حدثنا مُعَرف بن واصل ،
عن محارب بن دثار قال ، قال عمر رضي الله عنه : رُدُّوا الخصوم
حتى يصطلحوا ؛ فإنه أبرأ للصدور وأقل للحباب(٢).
، حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال : حدثنا معرف عن
٠
محارب بن دثار قال ، قال عمر رضي الله عنه ردوا الخصوم إذا كانت
بينهم القرابات فإِن فَصْلَ القضاء يورث بينهم العداوة .
* حدثنا هارون بن عمر قال ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، عن
ابن شوذب قال ، قال عمر رضي الله عنه : أيها الناس لا تؤخرُوا
عمل اليوم لغدٍ؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك تداركت عليكم الأعمال فلم
تدروا بأيها تبدأون ما ضيّعْم .
· حدثنا ابن أبي خراش الموصلي . قال حدثنا عيسى بن يونس
(٢) اللّمة بالضم: الشكل والمثل ، وقد ورد الخبر في تاج العروس ٩ : ٥٤ وشرح
نهج البلاغة ١٢ : ١٦٦ .
(٣) الحياب : الشيطان، ولعل المراد أبرأ للصدور وأقل لوجود الشيطان .
( الفائق في نهاية الغريب ١ : ٢٠٠ ).

٧٧٠
تاريخ المدينة المنورة
عن هشام ، عن الحسن قال : كتب عمر رضي الله عنه إلى بعض
عماله (١) : أما بعد فإن القوة في العمل ألا تؤخروا عمل اليوم لغد ؛
فإنكم إذا فعلتم ذلك تدارَكت عليكم حتى لا تدروا بأيها تأخذون
(ما (٢)) أَضعتم، ألا وإن العمياء (٣) أو العضباء والرّديّة إلى الأمير
ما أدى الأمير إلى الله ، فإذا رتّع الأمير رتعوا ، وإن للناس نفرة عن
سلطانهم ، ولأعوذ بالله أن يدركني بأيها ضغائن محمولة وأهواء
متبعة ودنيا مؤثرة ، فأقيموا الحق ولو ساعة من نهار .
حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا مسعر ، عن عثمان بن عبد الله
ابن موهبة قال : مرّ جُبَيْر بن مُطْعِم رضي الله عنه على قوم فسألوه
عن فريضته فقال : لا أدري ، ولكن أرسلوا معي حتى أسأل لكم
عنها ، فأَّى عمر رضي الله عنه يسأله.، فقال: مَنْ سرّه أن يكون
عالماً فقيهاً فليقل كما قال جبير بن مُطْعِم ؛ سئل عَمًّا لا يعلم فقال
الله أعلم .
* حدثنا عبيد الله بن موسى قال ، حدثنا مسعر ، عن وديعة
الأنصاري قال ، قال عمر رضي الله عنه لا تعترض فيما لا يعنيك،
واعتزل عَدُوَّك، واحذر صديقك إلا الأمين من الأقوام - ولا أَمين
إلا من خشي الله - ولا تصحب الفاجر لتتعلم من فجوره ، ولا تُطْلعه
(١) كذا في الأصل وفي شرح نهج البلاغة ١٢ : ١٢ أن هذا الكتاب وجه إلى
أبي موسى الأشعري والخبر بطوله مذكور في هذا المصدر مع تقديم وتأخير .
(٢) سقط في الأصل والإثبات عن تاريخ الطبري ق ١ - ٥ : ٢٧٥٥ ..
(٣) كلمة لا تقرأ في الأصل والإثبات عن شرح نهج البلاغة ١٢ : ١٢ والبيان
والتبيين ٢ : ٣٥٦ .

٧٧١
لابن شبة
على سِرِّك ، واستشر في أَمرك الذين يخشون الله (١).
• حدثنا عبيد الله بن موسى قال ، حدثنا خارجة بن مصعب ،
عن زيد بن أسلم ، عن أبيه قال ، قال لي عمر رضي الله عنه :
يا أَسلم لا تُحِبَّنَّ حُبًّا كلفاً، ولا تُبْغِضن بُغضاً تلفاً (٢).
• حدثنا سعيد بن سليمان قال ، حدثنا محمد بن طلحة ،
عن القاسم بن الوليد قال ، قال عمر رضي الله عنه : أعقل الناس
أَعذرهم لهم .
* حدثنا القعنيّ قال، حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم ،
عن أبيه ، عن جده ، أن عمر رضي الله عنه قال : لا يكوننّ حبك
كلفاً كما يكلف الصبيّ ، فإذا أبغضت أحببت أن تتلف صاحبك .
حدثنا ابن أبي الوزير قال ، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار
٠
قال : سمعت طاوساً يقول: قال عمر رضي الله عنه على المنبر: أُخْرِجُ
بالله على كل إنسان سأَل فيما لم يكن فإن الله بيّن فيما هو كائن .
حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير ،
عن زيد بن عقبة ، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال ، قال
عمر رضي الله عنه: النساء ثلاث، والرجال ثلاثة ؛ فامرأة عاقلة عفيفة
مسلمة هينة لينة ، ودود ولود ، تعين أهلها على الدهر ولا تعين الدهر
على أهلها ، وقليل ما تجدها ، وأُخري وِعَاءُ للولد لا تزيد على ذلك،
والأُخري غُلَ قَمِلُّ (٣) يجعلها الله في عنق من يشاء ثم إذا شاء أن ينزعه
(١) وانظر حلية الأولياء ١ : ٥٥ وسيرة عمر ٢ : ٥٦٥، ٥٧٦ وحاشيتها .
(٢) ورد بمعناه في نهاية الأرب ٣ : ٥ وسيرة عمر ٢ : ٥٧٩ .
(٣) غل قمل: مثل يضرب للمرأة السيئة الخلق (مجمع الأمثال الميداني) وفي =

٧٧٢
تاريخ المدينة المنورة
نزعه. ( والرجال ثلاثة (١) ) رجل عاقل عفيف برّ مسلم ، ينتظر
الأُمور ويأُمر فيها أمره إذا أُشْكِلت على عجزة الرجال وضعفتهم ،
ورجل ليس عنده رأي فإذا نزل به أمر أتى ذوي الرأي والقدرة
فاستشارهم ، فإذا أُمروه بشيء نزل عند رأيهم . ورجل حائر بائر
لا يأُمر الرشد ولا يطيع المرشد(٢).
* حدثنا أبو عاصم ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء قال ،
قال عمر رضي الله عنه: مِنْ مروءة الرجل نقاء ثوبيه ، والمروءة الظاهرة
في الثباب الطاهره ، وإنه ليعجبني - أَو إني لأَحب - أن أرى الشاب
الناسك النظيف(٣).
* حدثنا القعني قال ، حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن
يحيى بن سعيد ، أَنْ سليمان بن سعيد أخبره ، أَن رجلاً أتى عمر
ابن الخطاب رضي الله عنه فقال : أكون بمنزل ولا أخاف في الله لومة
لاتم أم أُقبل على نفسي ؟ فزعم أن عمر رضي الله عنه قال له :
إِن وليتَ مِن أَمرٍ الناس شيئاً فلا تخف في الله لومة لائم ، وإن كنت
= اللسان قولهم في المرأة السيئة الخلق غل قمل أصله أن العرب إذا أسروا أسيراً غلوه بغل
من قد عليه شعر فربما قمل في عنقه إذا ييس فتجتمع عليه محتتان الغل والقمل ، ضرب
مثلا للمرأة السيئة الخلق الكثيرة المهر لا يجد بعلها منها مخلصاً ، والعرب تكنى عن المرأة
بالغل . وفي الحديث ((وإن من النساء غلا قملا يقذفه الله في عنق من يشاء ثم لا يخرجه
إلا هو)) وأنظر تاج العروس ٨: ٥٠ - ومناقب عمر لابن الجوزي ص ١٩٧ - وشرح
نهج البلاغة ١٢ : ١٥٨ .
(١) الإضافة عن سيرة عمر ٢ : ٥٧٣ .
(٢) ورد بمعناه في سيرة عمر ٢: ٥٧٣، وشرح نهج البلاغة ١٥: ١٥٨. والبائر
الهالك . قال تعالى ((وكنتم قوماً بوراً).
(٣) ورد بمعناه في سيرة عمر ٢ : ٥٦٥، ومناقب عمر لابن الجوزي ص ١٩٤.

٧٧٣
لابن شبة
من أمر الناس خِلْواً فأقبل على نفسك، ومُرْ بالمعروف، وأنّهَ
عن المنكر .
• حدثنا عمرو بن عاصم قال ، حدثنا سليمان بن المغيرة ،
عن حميد بن هلال قال ، قال عمر رضي الله عنه لرهط فيهم
أَبِيّ بن كعب : اثْلُ هذه الآية ؛ قال : آية المواريث ، قال فجعل
الرجلُ يتلوها فإذا فرع قال له عمر : كذبت ، فيسكت ثم يقول
لآخر : اثْلُها ، فإذا تلاها قال له : كذبت حتى أتى على أُبَّ بن كعب
رضي الله عنه فقال له : اثْلُها ، فتلاها . فقال عمر رضي الله عنه :
كذبت ، فقال أُبيّ رضي الله عنه: لا ، بل كَذَبْتَ ، فبكى عمر
رضي الله عنه عند ذلك وقال : إِنما نظرت هل بقي أحد يُنْكِرُ مُنْكَراً .
* حدثنا عفّان قال ، حدثنا مبارك ، عن الحسن قال ، قال
رجل لعمر رضي الله عنه : أنَّق الله يا أمير المؤمنين؛ فوالله ما الأمر
كما قلت. قال: فأُقبَلُوا على الرجل فقالوا: لا تأْلِت (١) أمير المؤمنين.
فلما رآهم أقبلوا على الرجل قال : دعوهم فلاخير فيهم إذا لم يقولوها
لنا ، ولا خير فينا إذا لم تقل لنا .
حدثنا هارون بن عمر المخزومي قال ، حدثنا علي بن الحسن
٠
قال ، حدثنا خليد بن دعلج ، عن قتادة قال ، خرج عمر رضي الله
عنه من المسجد ومعه الجارود العبدي فإذا امرأة برزة (٢) على ظهر
(١) لا تألت أمير المؤمنين أي لا تنتقص أمير المؤمنين (القاموس المحيط ١ : ١٤٢
وانظر الفائق ١ : ٤٠ ).
(٢) المرأة المبرزة : المتجاهرة الجليلة الكهلة تبرز للقوم يجلسون إليها ويتحدثون .
( تاج العروس ٤ : ٦) وهي هنا خولة بنت مالك بن ثعلبة بن أصرم بن فهر بن غنم =

٧٧٤
تاريخ المدينة المنورة
الطريق ، فسلّم عليها عمر رضي الله عنه فردّت عليه السلام - أو سلمت
عليه ، فرد عليها السلام - فقالت : هيها يا عمر عهدتك وأنت تسمّى
عُمَيْراً في سوق عكاظ تصارع الصبيان ، فلم تذهب الايام حتى
سُمِّيتَ عُمَرَ، ثم لم تذهب الأيام حتى سُمِيتَ أَمير المؤمنين ،
فاتّقِ الله في الرِّعيّة، واعلم أنه ( من خاف الوعيد قرب عليه البعيد)(١)
ومن خاف الموت خشي الفوت . فبكى عمر رضي الله عنه ، فقال
الجارود : هيه فقد اجترأْتٍ على أمير المؤمنين وأبكيته !! فقال
عمر رضي الله عنه : أما تعرف هذه ؟ هذه خوله بنت حكيم امرأة
عبادة بن الصامت ، التي سمع الله عزّ وجلّ قولها من فوق سمواته ؛
فَعُمر أحرى أن يسمح لها (٢).
• حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا سفيان، عن عمرو بن مُرّة عن
ابن سابط قال : بلغ عمر رضي الله عنه عن بعض عُمَاله شَيْءٌ فجمعهم
فخطبهم فقال : أَيتها الرعية إن للرعاة عليكم حقًّا؛ الناصِحة بالغيب،
والمعاونة على الخير ، ألا وإنه ليس شيء أحبّ إلى الله من حِلْمِ إمام
( عادل ورِفْقِهِ، ولا جهل أبغضُ إلى الله من جَهلِ إمامٍ جائرٍ(٣))
وخرقه ومن يأخذ بالعافية فيمن بين ظهريه يُعْطَ العافية من فوقه .
* حدثنا هارون بن عمر الدمشقي قال ، حدثنا محمد بن عثمان
· ابن عوف بن عمرو بن عوف . وقيل خولة بنت حكيم . (الإصابة ٢٨٢:٤ -
الاستيعاب ٤: ٢٨٣ - أسد الغابة ٥ : ٤٤٣).
(١) ما بين الحاصرتين عن الإصابة ٤ : ٢٨٣ والاستيعاب ٤: ٢٨٣.
(٢) وفي أسد الغابة ٥: ٤٤٤ (( قال عمر: واللّه لو أنها وقفت الليل ما فارقتها
إلا للصلاة ثم أرجع » .
(٣) ما بين الحاصرتين سقط بالأصل والمثبت عن سيرة عمر ٢ : ٥٦٧.

٧٧٥
لابن شبة
ابن عطاء الخراساني ، عن أبيه ، عن جده عطاء بن مسلم قال : كتب
عمر رضي الله عنه إلى معاوية رضي الله عنه : أما بعد فإنك لم تؤدب
رعيّتك بمثل أَنْ تَبْدَأَهم بالغِلْظَةِ والشِّدَّةِ على أهل الرِّيبة بَعُدُوا أَو قَرْبُوا؛
فإن اللين بعد الشدة أمنع للرعية وأحشد لها ، وإن الصفح بعد العقوبة
أرغب لأَهل الحزم (١).
* حدثنا عبد الله بن يزيد قال، حدثنا عبد الملك بن الوليد
ابن معدان قال ، حدثنا أبي قال : كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري
رضي الله عنهما : مِنْ عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس،
سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإن
القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة ، فإنهم إذا أدلى إليك ( وأنفذ
إذا تبيّن لك (٢) ) فإنه لا ينفع تكلم بحق لانفاذ له ، آسٍ بين الناس
في مجلسك ، وفي وجهك وعدلك ؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك
ولا ييأس ضعيف من عدلك (٣)، فالبَيِّنَة على من أدَّعَى، واليمينُ
على من أنكر، والصلحُ جائزٌ بين الناس إلا صُلْحاً أَحلّ حراماً أَو حرّم
حلالاً ، ولا يمنعك من قضاء قضيتَ به اليوم فراجعت فيه نفْسَك
وهُدِيت فيه الرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحقَّ قديمٌ، ولا يُبْطِلُ
الحقِّ شيءٍ ، وإنّ مراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل ، الفهمَ
الفهمَ فيما يتلجلج في نفسك مما ليس في قرآن ولا سُنَّة ، ثم اعرف
(٢) انظر كتاب عمر إلى معاوية في البيان والتبيين ٢: ٢٨٩ .
(٣) ما بين الحاصرتين سقط في الأصل والإثبات عن نهاية الأرب ٦ : ٢٥٧
ط دار الكتب ، وصبح الأعشى ١٠ : ١٩٣ ط بولاق .
(١) في البيان والتبيين ٢: ٢٣٧ ( ولا يخاف ضعيف من جورك)).

٧٧٦
تاريخ المدينة المنورة
الأَشْباهَ والأَمثال وقِس الأُمورَ عند ذلك ، ثم اعمد إِلى أَحبِّها إِلى الله
وأشبهها بالحق ( فيما ترى)(١) فاجعل لمن ادِّعَى حقًّا غائباً أَو بَيِّنَة
أَمداً ينتهي إليه، فإن أَحضر بَيّنةً أَخذ بحقه، وإن عجَزّ عنها
استحللت عليه القضية ، فإنه أبلغ في العذر وأجلى للعمى ، المسلمون
عُدُول بعضُهم على بعض إِلا مجلوداً في حَدٍّ أو مجرَّباً عليه شهادة
زُورٍ أَو ظنيناً في (ولاء (٢) ) أَو قرابة ؛ فإِن الله تبارك وتعالى تَوَلَّى
منكم السرائر ودراً عنكم بالبيّنَات والأَيْمَان، وإِياكَ والغلق (٣)
والغِلَظ والضَّجَر والتأَذِّي بالناس عند الخصوم والتنكر للخصوم في
مواطن الحق ، التي يوجب الله فيه الأجر ، ويحسن فيه الذُّخْرِ (٤)،
فمن خلصت نيتُه ولو على نفسه، كفاهُ اللهُ ما بَيْنَه وبين الناس ،
ومن تَزَيِّن للناس بما يعلم الله أنه ليس في قلبه، شَانَهُ الله (٥)؛
فإن الله لا يقبل من عبده إلا ما كان له خالصاً، فما ظَنُّكَ بثواب الله
عز وجل وعاجل رزقه، وخزائن رحمته ، والسلام عليك ورحمة الله (٦).
· حدثنا موسى بن مروان الرقيّ، قال حدثنا بقية بن الوليد(٧)
(١) سقط في الأصل والمثبت عن نهاية الأرب ٦ : ٢٥٧ وعيون الأخبار ١ : ٦٦
والبيان والتبيين ٢ : ٢٣٧ وسيرة عمر ٢ : ٥٤٩ .
(٢) سقط في الأصل والمثيت عن البيان والتبيين ٢: ٢٣٧ ونهاية الأرب ٦ : ٢٥٧
وسيرة عمر ٢ : ٥٤٩ .
(٣) كلمة لا تقرأ في الأصل والمثبت عن نهاية الأرب ٦: ٢٥٧ . والغلق : حنين
ضيق الصدر وقلة الصبر .
(٤) وبهذه العبارة تم كتاب عمر لأبي موسى في نهاية الأرب ٦ : ٢٥٧ .
(٥) والعبارة في عيون الأخبار ١: ٦٦ ((ومن تزين الدنيا من غير أن يعلم الله
منه شانه الله .
(٦) وانظر الرياض النضرة ٢ : ٨٢ =
(٧) وانظر ترجمته في الخلاصة الخزرجي ص ٥٤ ط بولاق .

٧٧٧
لابن شبة
عن حريز بن عثمان(١)، عن الشيخة قال: كلِّمَ رجلٌ رجلاً فردَّ عليه ،
فقال عمر رضي الله عنه : الحسن أَسر الشر .
. حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة ، عن أبي عوف الثقفي
قال ، سمعت ابن أبي ليلي يقول : سافر ناس من الأنصار فأَرملوا
فنزلوا حَيًّا من أحياء العرب، فسأَلوهم القرى فأَبَوْا، وسألوهم البُسْر
فَأَبَوْا ، فضبطوهم فأصابوا منهم . فأَنت الأَعراب عُمَرَ رضي الله عنه ،
وأشفقت الأَنصار من عمر رضي الله عنه ، فهمّ بهم عمر رضي الله عنه
وقال : تمنعون ابن السبيل ، ما يخلف الله في ضروع الإبل والغنم
بالليل والنهار ؟! ابن السبيل أحق بالماء من التأَّلي (٢) عليه.
( مسألة عمر رضي الله عنه عن نفسه وتفقده أمور رعيته )
· حدثنا هارون بن عمر المخزومي قال ، حدثنا محمد بن عيسى
عن زيد بن واقد ، عن بشر بن عبيد الله: أن عمر عمر رضي الله عنه
قال لحذيفة رضي الله عنه: نشدتك الله ويحق الولاية (عليك (٣))
كيف تراني ؟ قال : ما علمت إلا خيراً ، فنشده بالله ، فقال : إن
أخذت فيء الله فقسمته في ذات الله فأَنت أنت، وإلا فلا : فقال
والله إن الله ليعلم ما آخذ إلا حصتي ولا آ كل إلا وجبتي ولا أُلبس
إلا حلي (٤).
(١) انظر ترجمته في ميزان الاعتدال ١ : ٢٢٠.
(٢) ألَّ يؤل ويأل فلاناً: طعنه وطرده والإل بالكسر الحقد والعداوة. ( القاموس
المحيط ) .
(٣) الإضافة عن سيرة عمر ٢ : ٤٣٥ .
(٤) ورد بمعناه في منتخب كنز العمال ٣ : ٣٨٣ وسيرة عمر ٢ : ٤٣٥.

٧٧٨
تاريخ المدينة المنورة
* حدثنا محمد بن حاتم قال ، حدثنا عليّ ، وثابت ، عن
موسى بن عبيد الله، عن عبد الله بن مُرط (١) عن مالك صاحب
الدار(٣) قال: غدوت على عمر رضي الله عنه يوماً فقال لي: يا مالك
كيف أصبح الناس ؟ قلت : أصبح الناس بخير . قال : هل سمعت
من شيء ؟ فقلت : ما سمعت إلا خيراً . قال : ثم غدوت عليه اليوم
الثاني فسألني فأخبرته . واليوم الثالث سألني وأَبرمني (٣) فقلت:
وما تخشى من الناس ؟ فقال: ثكلتك أم مالك . هل خشيت أن يكون
عمر يضرب عن بعض حُقُوق المسلمين فيغدون عليه براياتهم يسألون
حقوقهم ؟ ! .
* حدثنا أيوب بن محمد الرقي قال ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ،
عن عثمان بن عطاء ، عن أبيه قال : كان لعمر رضي الله عنه حاجب،
فكان يأُذن لناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيسألهم عمر
رضي الله عنه عن حالهم ، فرآهم فتى شاب فظن أَنهم يُصِيبُون شيئاً،
فلم يزل بالحاجب حتى أذن له ، فلما دخل أَقبل عمر رضي الله عنه
يسأل كلّ واحدٍ منهم عن حال نفسه حتى انتهى إلى الفتى فقال :
ما رأيت مِنِّي ؟ قال : رأيتك ألقيت إزارك وفيه مَلْبَسُ (٤).
(١) له ترجمة في أسد الغابة ٣: ٢٤٣ - والإصابة ٢: ٣٥٠ - والاستيعاب ٢ : ٣٦٥.
(٢) هو مالك بن عياض مولى عمر بن الخطاب ولاء وكلة عياله فلما قدم عثمان
ولاه القسم فسمي مالك الدار ، وعن علي بن المديني : كان مالك الدار خازناً لعمر .
( الإصابة ٣ : ٤٦١ - سيرة عمر ١٢: ٦٧٦ ).
(٣) وأبرمني: أي أضجرني وأمني. (الرياض النضرة ص ٧٤ - تاج العروس
٨ : ١٩٧ ) .
(٤) ورد في سيرة عمر ٢ : ٤٣٦.

٧٧٩
لابن شبة
• حدثنا ابن أبي عديّ ، عن عوف، عن الحسن قال : بلغني
أن عمر رضي الله عنه قال : إن قريشاً يريدون أن يكونوا بعدهمغْویات
لمال (١) الله من دون الناس عباده، فأمّا وأَنا حَيّ فوالله لا يكون ذاك،
وألا ( وإني آخذ بحلاقيم قريش عند باب الحرة (٢)) أن يخرجوا
على أمة محمد فيُكَفِّرُوهم .
. حدثنا أبو عاصم ، عن (عبد الله (٣)) بن المبارك، عن الحسن:
أن عمر رضي الله عنه قال: إني والله لأكون كالسراج يحرق نفسه
ويضيء للناس .
* حدثنا معاذ بن معاذ قال ، حدثنا ابن عون عن محمد ،
قال : كان عمر رضي الله عنه يقسم حللاً ورجلٌ جالس يقدمها بين
یدیه وفيها حلة قد رآها عمر رضي الله عنه كلما ذ کر رجلاً يؤخرها
ويقدم غيرها حتى ذكر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقدّمها ،
فأخذ عمر رضي الله عنه بيده وقال : كذبت والله ، فقال الرجل
يا أمير المؤمنين تقول أعطها رجلاً من المهاجرين فعيد الله بن عمر من
المهاجرين ، فقال عمر رضي الله عنه: أنا أعلم به منك ، إنما هاجر
(١) في الأصل عبارة عمر لاتقرأ والمثبت عن مناقب عمر لابن الجوزي ص ٨٠ ،
ومغويات بتسكين الغين ، واللغويون يقولون بتشديد الواو ومعناه مهلكات .
(٢) في الأصل ((وإني بشعب من الحرة ممسك بحلوقهم)) والمثبت عن مناقب
عمر لابن الجوزي ص ٨٠، وبعد ذلك ((ألا وإني سننت الإسلام يسن البعير يكون حقاً
ثم يكون ثنيا ثم يكون رباعياً ثم يكون سديساً ثم يكون بازلا ، ألا وإن الإسلام قد
بزل ، فهل ينتظر من البازل إلا النقصان؟!».
(٣) سقط في الأصل والمثبت عن الخلاصة الخزرجي ص ١٨٩ ط الخيرية .

٧٨٠
تاريخ المدينة المنورة
به أهله ، ولكن سأَعطيها مهاجراً ابن مهاجر ، فأعطاها سليط بن
سليط (١) أو سعيد بن عفان(٢).
* حدثنا محمد بن حاتم قال ، حدثنا عبيدة بن حميد قال ،
حدثني عثمان بن إبراهيم الحاطبي قال ، حدثني أشياخ من قريش
أن عمر رضي الله عنه أراد قسمة أثواب للمحمدين ؛ محمد بن حاطب
ومحمد بن جعفر ( بن أبي طالب (٣)) ومحمد بن الخطاب . قال :
فأَراد بعض الناس يتخير لبعضهم . فقال عمر رضي الله عنه لا
((ليس الخداع )) مرتضى في التنادم)» فدعا بثوب فخمِّر به الثَّاب،
ثم أدخل يده فجعل يخرج فيعطي الكبِير ، فزعم عثمان أنه دعا
بمحمد بن حاطب لأنه كان أكبرهم ، ثم أعطى محمد بن جعفر
ابن أبي طالب ، ثم أُعطى محمد بن الخطاب .
وبلغني - وليس بهذا الإسناد - أن زيد بن ثابت رضي الله عنه
(٢،١) هو سليط بن سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبدودّ بن نصر بن مالك بن
حسل ابن عامر القرشي العامري بن أخي سهيل بن عمرو ذكره ابن إسحاق في مهاجرة
الحبشة ، فقال : وهاجر سليط بن عمرو وامرأته يقظة بنت علقمة فولدت له هناك
سليط بن سلیط ، وشهد سليط مع أبيه اليمامة فاستشهد ، قال أبو معشر بل عاش بعد
ذلك. قال أبو عمر : هذا أصوب ؛ فإن عمر حصلت له حلل فقال : دلوني على فتى
هاجر هو وأبوه. فدلوه عليه . وقال الزبير بن بكار : كانت عند عمر حلة زائدة عما
كسا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : دلوني على فتى هاجر هو وأبوه .
فقالوا : ابن عمر . فقال : ابن عمر هُوجر به ، ولكن سليط بن سليط فكساه إياها .
قال ابن حجر : هذه القصة رواها ابن شبة وغيره من طريق ابن سيرين وعن كثير
ابن أفلح : أن عمر بن الخطاب كان يقسم حللا فوقعت له حلة حسنة ، فقيل له اعطها
ابن عمر ، فقال : إنما هاجر به أبواه ، سأعطيها للمهاجر بن المهاجر سليط بن سليط
أو سعيد بن عفان. ( الإصابة ٢ : ٦٩ - أسد الغابة ٢ : ٣٤٤).
(٣) الإضافة عن سيرة عمر ٢ : ٥٠٤ .