Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ لابن شبة وقال ((هل رضيت؟)))) قال: لا، فدخل فأعطاه وقال (( هل رضيت؟)) قال: لا، قال (( ويحك لا تبخلي فإني لم أُخلق بخيلاً ولا جباناً)، فالتمس فجاءه بقبضة (١) من شعير وسُلْت(٢) وتمر فأعطاه إياه، ثم قال ((هل رضيت؟)) قال: نعم. فقال ((لا أُتّهب إلا من قريشي أو ثقفي ، فإنهما حيّان لا يتعجلان الثائبة . * حدثنا الحزامي قال ، حدثنا محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال : أقبل وفد ثقيف - بعد قتل عروة بن مسعود ؛ بضعة عشر رجلاً هم أشراف ثقيف - فيهم كنانة بن عبد يا ليل ، وهو رأسهم يومئذ ، وفيهم عثمان بن أبي العاص بن بشر ، وهو أصغر الوفد ، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون الصّلح والقضيّة وهو بالمدينة حين رأوا أن قد فُتِحَت مكةُ وأَسلم عامّةُ العرب . فقال المغيرة بن شعبة : يا رسول الله . أنزل عليّ قَوْمِي فأ كرمهم فإني حديث الجُرْم فيهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا أمنعك أن تكرم قومك ، ولكن تنزلهم حيث يسمعون القرآن)) قال: وكان من جُزْم المغيرة في قومه أنه كان أجيراً لثقيف فإنهم أقبلوا من مُضّر حتى إذا كانوا ببساق (٣) عدا عليهم - وهم نيام - فقتلهم ، ثم أقبل بأموالهم حتی أتی رسول الله صلى (١) القبضة بالفتح وبالضم وهو أكثر ما قبضت عليه من شيء ، أو ملء الكف ويقال: أعطاه قبضة من تمر أو سويق أي كفاً . (انظر أقرب الموارد ((قبض))). (٢) السُّلْت : الشعير ، وقيل ضرب مته ليس له قشر كأنه الحنطة ، ويكون بالغور أو الحجاز (أقرب الموارد ((سلت))). (٣) بُسَاق : ويقال بصاق: واد بين المدينة والجار ويقال جبل بعرفات وفي المغازي الواقدي ٣: ٩٦٤ ((فلما كانوا بسياق)) وعلق عليه في الحاشية : أنه واد بالدهناء ( انظر ياقوت ط. طهران، مراصد الاطلاع ١ : ١٩٥). ٥٠٢ تاريخ المدينة المنورة الله عليه وسلم ، فقال: أُخمِّسُ مالي هذا؟ قال ((وما نبأُه ؟)) قال: كنت أَجيراً لثقيف ، فلما سمعت بك قتلتُهم ، وهذه أموالهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إِنا لسنا بغُدُر)) وأَبِى أَن يُخَمِّسَ ما معه ، وأنزل النبي صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد ، وبنى لهم خِيَامًا لكي يسمعوا القرآن ويَرَوْا الناس إذا صلّوا ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطبَ لم يذكر نفسه ، فلما سمعه وفد ثقيف قالوا : يأمرنا أن نشهد أنه رسول اللّه ولا يشهد هو به في خطبتهم. فلما بلغه قولهم قال ((فأَنا أَوّل من شهد أَني رسول الله)) وكانوا يغدون عليه كل يوم ويخلفون عثمان بن أبي العاص في رحالهم لأنه أصغرهم ، فكان عثمان كلما رجع إليه الوفدُ وقالوا بالهاجرة عَمَد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الدين واستقرأه القرآن ، فاختلف إليه عثمانُ مِرَارًا حتى فَقُه وعَلِم ، وكان إذا وجد النبي صلى الله عليه وسلم نائماً عمد لأبي بكر رضي الله عنه ، وكان يكتم ذلك من أصحابه ، فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثمان وأحبّه ، فمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعوهم إلى الإسلام ، فأسلموا ، فقال له كنانة بن عبد يا ليل : هل أنت مقاضينا(١) حتى نرجع إليك؟ قال: ((نعم إنْ أنتم أُقررتم بالإِسلام قاضيتكم وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم )) قالوا : أرأيت الزّنَا (١) أي عاقد معنا صلحاً، وفي مغازي الواقدي ٣: ٩٦٦ (( هل مقاضينا حتى ترجع إلى أهلنا وقومنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم إن أتم أقرر تم بالإسلام قاضيتكم وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم . قال عيد يا ليل : أرأيت الزنا؟ فإنا قوم عزاب - أي يبعد (النهاية ٣ : ١٥٣ ) لا بد لنا منه ولا يصبر أخونا على الغربة . قال : هو مما حرم الله على المسلمين يقول الله تعالى :... ٥٠٣ لابن شبة فإنّا قوم نغترب)) قال ((هو عليكم حرام، إِنّ الله قال: ((لَا تَقْرَبُوا الزّنَا إِنَّه كَانَ فَاحِشَةٌ وَسَاءَ سَبِيلاً)) (١) قالوا أَرأيت الرِّبَا ؟ قال: (( والرِّبَا حرام (٢))) قالوا: فإنها أَموالنا كلّها؟ قال ((لكم رؤوس أموالكم؛ فإن الله قال: ((يَا أَيُّها الَّذين آمنوا اتّقُوا اللّه وَذرُوا مَا بقي من الرِّبا إنْ كنْتُم مؤمنين))(٣) قالوا: أَفرأيت الخَمْر ، فإنها عصير أَعنابنا (٤) ولا بد لنا منه؟ قال ((فإِنّ الله قد حرّمها، فقال: (( يَا أَيُّها الَّذين آمَنُوا إِنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأَنْصَابُ والأَزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلٍ الشَّيْطان فَاجْتَنِبُوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)»(٥) فارتفع القوم وخلا بعضهم ببعض فقال سفيان بن عبد الله (٦): ويحكم إنا نخاف إن خالفناه يوماً كيوم مكّة ، انطلقوا فيه فلنكافئه على ما سألنا ، فأَتوه صلى الله عليه وسلم فقالوا : نعم لك ما سأَلت ، وقالوا : أَرأيت الرّيَّة، ماذا نصنع فيها ؟ قال: ((اهدموها)) قالوا: هيهات، لو تعلم الرّبة أَنك تريد هدمها قتلت أهلينا ، قال عمر رضي الله عنه : ويحك يا ابن (١) سورة الإسراء آية ٣٢ . (٢) الإضافة عن المغازي الواقدي ٣ : ٩٩٦ . (٣) سورة البقرة آية ٢٧٨ . (٤) في الأصل ((أرضنا)) وما أثبت عن المغازي الواقدي ٣ : ٩٦٧. (٥) سورة المائدة آية ٩٠ . (٦) سقط في الأصل. والإثبات عن المغازي للواقدي ٣ : ٩٦٧، وفيه ((فارتفع القوم وخلا بعضهم ببعض فقال عبد ياليل : ويحكم نرجع إلى قومنا بتحريم هذه الخصال الثلاث ، والله لا تصبر ثقیف عن الخمر أبداً ، ولا عن الزنا أبداً ، قال سفيان بن عبد الله : أيها الرجل إن يرد الله بها خيراً تصبر عنها قد كان هؤلاء الذين معه على مثل هذا فصبروا وتركوا ما كانوا عليه مع أنا نخاف هذا الرجل ، قد أوطأ الأرض غلبة ونحن في حصن في ناحية من الأرض ، والإسلام حولنا فاش ، والله لو قام على حصننا شهراً لمتنا جوعاً وما أرى إلا الإسلام وأنا أخاف يوماً مثل يوم مكة . ٥٠٤ تاريخ المدينة المنورة عبد يا ليل ما أحمقك ، إنما الرّبّة حجر ( لا يدري من عَبْدَه مِمّن لا يعبده ) (١) قال : إنا لم نأتك يا ابن الخطاب ، قالوا : يا رسول الله أرسل أنت فاهدمها فإنا لن نهدمها أبداً، قال ((فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها )) فكاتبوه ، فقال كنانة بن عبد يا ليل : ائذن لنا قبل رسولك ، ثم ابعث في آثارنا ، فإني أعلم بقومي . فأذن لهم وأكرمهم وحملهم ، قالوا : يا رسول الله، أَمِّر علينا رجلاً منّا ، فَأَمّر عليهم عثمان بن أبي العاص ، لِمَّا رأى من حرصه على الإِسلام ، وقد كان عُلِّمَ سوراً من القرآن قبل أن يخرج ، فقال كنانة بن عبد يا ليل : أنا أعلم الناس بثقيف ، فاكتموهم القضية وخَوِّهوهم بالحرب والفناء ، وأخبروهم أن محمداً سألنا أموراً أَبيناها عليه ، وسألنا أن نهدم اللَّات، ونبطل أموالنا في الرِّبًا، ونحرِّم الخمر والزِّنا . فخرجت ثقيف حين دنا الوفدُ منهم يتلقونهم ، فلما رأوهم قد ساروا العَنق(٢)، وقطروا (٣) الإبل، وتغشوا ثيابهم كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا ولم يرجعوا بخير ، فلما رأت ثقيف ما في وجوه القوم قال بعضهم لبعض : ما جاء وفد كم بخير ، ولا رجعوا به . فدخل الوفد فعمدوا إلى اللات فنزلوا عندها ، واللات بيت كان بين ظهري الطائف بستر ويُهْدَى لها الهَدْي ، ضاهوا به بيتَ الله ، وكانوا يعبدونها ، فيقول ناسٌّ من ثقيف حين نزل الوفدُ إليها كأنهم(٤) (١) الإضافة عن المغازي للواقدي ٣ : ٩٦٧ . (٢) العَشّق: ساروا العنق: ساروا سيراً منبسطاً (لسان العرب ١٢ : ١٤٩). (٣) قطروا الإبل ؛ جعلوها قطاراً يتبع بعضها بعضاً في قرب وعلى نسق ( لسان العرب ٦ : ٤١٧ ). (٤) سقط بالأصل والإضافة عن المغازي الواقدي ٣ : ٩٦٩ . ۵٠٥ لابن شبة لا عهد لهم برؤيتها(١)، ورجع كل رجل منهم إلى أهله ، وأتى كل رجل منهم جانبه من ثقيف فسألوه : ماذا جئتم به ، وما رجعتم به ؟ قالوا : أَتينا رجلاً غليظاً يأخذ من أمره ما شاء ، قد ظهر بالسيف وأداخ (٢) العرب، وأَدان له الناس، فعرض علينا أُموراً شداداً : هدمَ اللات وتركَ الأَموال في الرِّبًا إلا رؤوس أموالنا ، وتحريمَ الخمر. قالت ثقيف: فو الله لا نقبل هذا أبداً، فقال الوفد فأصلحوا السلاح وتيسروا للقتال(٣)، ورُمّوا حِصْنَكم . فمكثت بذلك ثقيفُ يومين أو ثلاثة يريدون - زعموا - القتال، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب ، فقالوا : والله ما لنا طاقة به ، أَداخ العرب كلّها ، فارجعوا إليه وأعطوه ما سأَل وصالحوه عليه، فلما رأَى الوفد أنهم قد رُعِبُوا وخافوا واختاروا الأَمن على الخوف والحرب قال الوفد : فإنا قد قاضيناه ، وأعطانا ما أحببنا وشرط لنا ما أردنا ، ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم ، وأرحمهم وأصدقهم ، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه ، وفيما قاضيناه عليه . فانهوا القضية واقبلوا عاقبة الله ، قالت ثقيف : فَلِمَ كتمتمونا هذا الحديث وغممتمونا به أشد الغم ؟ قالوا : أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوةً الشيطان(٤). فأسلموا مكانهم واستسلموا ، ومكثوا أياماً ، ثم قدمت عليهم رُسُلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَميرُهم خالد بن الوليد ، وفيهم المغيرةُ بن شُعْبَة ، (١) في المرجع السابق ((كأنهم لم يكن لهم بها عهد ولا برؤيتها)). (٢) أداخ العرب: أي أذلهم (النهاية ٢ : ٣٤). (٣) وتيسروا للقتال أي تهيئوا له ( أقرب الموارد ٢ : ١١٩٨) وهو بهذا موافق لشرح المواهب الزرقاني ٣ : ٩ . (٤) نخوة الشيطان: الكبر والعظمة ( شرح المواهب الزرقاني ٤ : ٩ ). ٥٠٦ تاريخ المدينة المنورة فلما قدموا عمدوا إلى اللات فهدموها ، ، وقد استكفت(١) ثقيف الرجال منهم والنساء والصبيان حتى خرج العوائق(٢) من الحجال، لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة ، ويظنون أنها مُمْتَنعَة ، فقام المغيرة ابن شعبة رضي الله عنه فأخذ الكرْزن(٣) وقال: لأُضْحِكَنْكُم من ثقيف ، فضرب بالكرزن ثم سقط يرتكض ، فارتجّ أَهلُ المدينة بصيحة واحدة قالوا : أَبعد الله المغيرة، قد قُتَلَتْهُ الرّبّة - حين رأوه ساقطاً - وقالوا : من شاء منكم فليتقرب(٤) وليجتهد على هدمها، فو الله لا يُسْتَطَاعُ أَبداً، فوثَبَ المغيرةُ فقال: قَبْحَكُم الله يا معشر ثقيف ، إنما هي لكاع حجارة ومَدَر، فاقبلوا عافِيَّةَ الله واعبدوه، ثم ضرَبَ الباب فكسره ثم علا على سورها وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجراً حجراً حتى سَوّوها بالأرض ، وجعل صاحب المفاتيح يقول: ليغضبن الأَساس ولَيُخْتَفَنَّ بهم، فلما سمع ذلك المغيرةُ قال: يا خالد ، دعني أُحفر أساسها ، فحفروه حتى أخرجوا ترابها ، وانتزعوا حليها ، وأخذوا ثيابها ، فبهتت ثقيف ، وقالت عجوزٌ منهم : (١) في الأصل ((فانكفت)) والمثبت عن البداية والنهاية ٥: ٣٣ والكف القوم عن الموضع : تركوه ، استكف الناس حوله: أحاطوا به ينتظرون إليه ( أقرب الموارد (( كفف)))، وعبارة الواقدي: وقد خرج نساء ثقيف حسراً - أي مكشوفات الوجوه - بيكين على الطاغية، والعبيد والصبيان والرجال متكشفون)) (مغازي الواقدي ٣ : ٩٧٢ ، شرح المواهب ٤ : ٩ ). (٢) العوائق: جمع عاتق ـ الجارية أول ما أدركت ، أو التي بين الإدراك والتعنيس؛ سميت بذلك لأنها عتقت عن خدمة أبويها ولم يدكها زوج بعد ( محيط المحيط ) . (٣) كذا في الأصل: وفي البداية والنهاية ٥: ٣٤: الكرزين: والكرْزن، والكِرْزِن ، والكِرْزين بمعنى واحد ، وهو: الفأس الكبير ( انظر أقرب الموارد ٢ : ١٠٧٦ ) . (٤) كذا في الأصل ولعلها ((فليقترب)). ٥٠٧ لابن شبة أسلمها الرّضاع(١) وتركوا المِصَاع(٢) وأُقبل الوفد حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليها وكسوتها ، وقسمها من يومه ، وحمد الله على نصره وإعزاز دينه ، فهذا حديث ثقيف . * حدثنا الحزامي قال ، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عروة : أنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك يخبره أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة وحنين ، وانصرافه إلى المدينة ، فقاضوه على القضية الذي ذكرت لك (٣) ، وبايعوه ، وهو الكتاب الذي عندهم الذي بايعوه عليه . حدثنا أبو الوليد قال ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الحكم ابن هشام الثقفي قال ، أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن عازب : أنه كان في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لثقيف حين أسلموا أنهم حَيَّ من المسلمين يكونون معهم حيث شاءوا وحيث أَحبوا ، قال : فجعلوا دعوتهم مع قريش وقالوا ، ولدتنا قريشٌ وولدناهم . * حدثنا خالد بن عبد العزيز الثقفي قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال ، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى ، عن عثمان بن عبدالله عن عمه عمرو بن أوس ، عن عثمان بن أبي العاص قال : استعملني (١) الرضاع: جمع راضع وهو اللثيم (مغازي الواقدي ٣: ٩٧٢ ط. أكسفورد). (٢) والمصاع: القتال والمضاربة بالسيوف ( مغازي الواقدي ٣ : ٩٧٢ ط . أكسفورد) ، وفي البداية والنهاية لابن كثير ٥ : ٣٣ وتاريخ الطبري ق ١ ج ٤ : ١٦٩٢ قال: (( وخرج نساء ثقيف حسراً يبكين عليها ويقلن : لنبكين دُفّاع . أُسْلَمَهَا الرُّضَّاع. لم يُحْسِنُوا المِصَاع (٣) كذا في الأصل - ولعل تذكير الموصول لأن القضية هنا بمعنى الصلح أو العهد والعقد فراعى المعنى . ٥٠٨ تاريخ المدينة المنورة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصغر الستة الوفد الذين قدموا عليه من ثقيف ، لأني كنت قرأت السورة ، فقلت : يا رسول الله ، إن القرآن يتفلت مني ، فوضع يده على صدري وقال: (( يا شيطان اخرج من صدر عثمان )) قال : فما نسيت بعد شيئاً أُريد حفظه . · حدثنا أبو عاصم قال ، أنبأنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى ، عن عثمان بن عبد الله ، عن عمه عمرو بن أوس ، عن أبيه أوس(١) قال : كنت في الوفد ( حین(٢)) قدمت ثقیف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلهم في قبة في المسجد قال : وكان يأتينا إِذا صلّى العشاء فيقوم قائماً يتحدّث، فأكثرُ ذاك تشكّيه قريشاً ، فقال : كنا العشر التي كنا بمكة فكنا مقهورين مظلومين ، فلما خرجنا في العشر الأواخر كانت الحرب سجالاً ، علينا ولنا . قال : فاحتبس عنا ليلة فقلنا: ما حَبَسك؟ فقال ((إنه طرأَ عليّ حِزْبٌ من القرآن فكرهت أن أخرج حتى أَقضيه )). * حدثنا عبيد بن عقيل قال، سمعت عبد الله بن عبد الرحمن ابن يعلى يحدث ، عن عثمان بن عبد الله بن أوس بن حذيفة ، عن جده أوس بن حذيفة قال : قدمنا في وفد ثقيف فأَنزلهم في قبته (١) هو أوس بن حذيفة بن ربيعة بن أبي سلمة بن غيرة بن عوف الثقفي ، كان في الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني مالك فأنزلهم في القبة ، وإلیه یعزی هذا الحديث الذي روي عن أبي داود الطيالسي عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي عن جده أوس بن حذيفة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتينا فيحدثنا بعد العشاء الآخرة حتى يراوح بين قدميه من طول القيام وكان أكثر ما يحدثنا اشتكاء قريش يقول: قد كنا بمكة مستذلینمستضعفين، فلما قدمنا المدينة انتصفنا من القوم ، فكانت سجال الحرب لنا وعلينا .. الحديث (أسد الغابة ١ : ١٤٣ ) . (٢) الإضافة للسياق . ٥٠٩ لابن شبة بين مصلاه ومسكن أهله ، فكان يمرّ بهم إذا صلّى العشاء يحدثهم ، وكان أكثر ما يحدثنا تشكيه قريشا وما صنعوا به بمكة فيقول : وكنا بمكة مستضعفين مستذلين ، فلما خرجنا إلى المدينة انتصفنا من القوم : فكانت سجال الحرب ، علينا ولنا ، فمكث عنا ليلة فقلنا : يا رسول الله أبطأتَ عنا المكث الليلة، فقال: «إنه طرأً عليّ حزبٌ من القرآن الليلة فأحببت أن لا أخرج حتى أُقضيه ، فلما قضيته خرجت إليكم )) فلما أَصبح بكرةً سألنا أصحابه : كيف تحزّبون القرآن ؟ فقالوا: نحزّبه سبعة أُحزاب: ثلاث سور، وخمس سور ، وسبع سور ، وتسع سور ، وإحدى عشرة سورة ، وثلاث عشرة سورة، وتراً وتراً. وحزب المفصل أوله ((قاف )). * حدثنا سهل بن يوسف قال ، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن ، عن عثمان بن عبد الله قال : لما خرج وفدُ ثقيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل الأحلاف على المغيرة بن شعبة ، وأنزل المالكين(١) - وفيهم عثمان بن أبي العاص - في قبّة بينه وبين المسجد ، قال عثمان ابن أبي العاص : فكان يأتينا إذا انصرف من العشاء فيقوم على باب قبتنا فيحدثنا ، فمنا النائم ومنا المستيقظ - نحو حديث عبيد ابن عقيل (٢) . • حدثنا خلف بن الوليد قال ، حدثنا مروان بن معاوية قال ، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن ، عن عثمان بن عبد الله ، عن جده قال : لما وفدت بنو مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عليها (١) المالكيون : هم بنو مالك. كما سيرد في الخبر الآتي . (٢) هو راوي الخبر السابق . ٥١٠ تاريخ المدينة المنورة قبة وأنزلهم فيها ، فكان يأتينا بعد العشاء ، فيحدثنا وإنه لقائم يُرَاوِح بين قدميه من طول القيام نحو حديث أبي عاصم(١). • حدثنا عفان قال ، حدثنا أبو عقيل الدورقي ، عن الحسن : أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب لهم قبة في المسجد ، فقالوا : يا رسول الله قوم مشركون، فقال ((إن الأرض ليس عليها من أنجاس الناس شيء ، إنما أنجاسهم على أنفسهم . * حدثنا عفان قال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن الحسن ، عن عثمان بن أبي العاص : أَن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلهم المسجد ليكون أَرَقّ لقلوبهم فاشترطوا عليه (٢) أَن لا يحشروا (٣) ولا يعشروا(٤) ولا يُجَبُّوا ولا يستعمل عليهم غيرهم فقال: ((لكم أن لا تعشروا وأن لا تحشروا ولا يستعمل عليكم غيركم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ««لا خير في دین لا ر کوع فيه » قال عثمان، قلت(٥): يا رسول الله، علمني القرآن ، واجعلني إِمام قومي (٦) . * حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد ، عن الكلبي : أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد (١) أنظر الخبر الذي يسبق هذا بخبرين . (٢) إضافة عن الفائق الزغشري ٢ : ١٥٢. (٣) ألا يحشروا : أي لا يندبون إلى المغازي ولا تضرب عليهم البعوث ( البداية والنهاية ٥ : ٣٠ ) . (٤) ألا يعشروا : أي لا يؤخذ عُشر أموالهم ( الفائق للزتشري ٢ : ١٥٢). (٥) ألا يُجَبّوا: أي ألا يركعوا (الفائق الزحشري ٢ : ١٥٢). (٦) انظر الحديث والخبر في ٢ : ١٥٢ من الفائق في غريب الحديث للزغمشري . ٥١١ لابن شبة إِنا أَخوالك وأصهارك وجيرانك، وإنا أَشد أهل نَجْدِ عليك حَرْبًا وخيرهم لك سلماً ، إن حاربناك حاريك مَنْ بعدنا ، وإن سالمناك سالمك مَنْ بعدنا ، فاجعل لنا أن لا نُعَشّر ولا نُحَشّر ولا نُجَبّى ولا تُكَتر أَصنامنا بأيدينا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكم ألا تعشروا ولا تحشروا ولا تكسّروا أَصنامكم بأيديكم ولا خير في دين ليس فيه ركوع ، قالوا : تُمتّعنا باللات سنة ، فإن خشيت لائمة العرب فقُل: اللهُ ربي أَمرني بذلك(١). فقال عمر رضي الله عنه : لا والله ولا نعمة عين ، أحرقتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحرق الله أكبادكم ، لا والله حتى تدخلوا فيما دخلت فيه العرب . وأنزل الله : ((وإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ)) . (٢) * حدثنا أبو داود قال ، حدثنا فليج بن سليمان قال ، أخبرني سعيد بن جبير ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم أَخّر صلاة العشاء الآخرة حتى مضى ساعة من الليل ، فجاء عمر رضي الله عنه فقال : يا رسول الله نام الولدان وتعشى النسوان وذهب الليل . فقال : يا أيها الناس ، احمدوا الله ، فما أعلم أحداً ينتظر هذه الصلاة غيركم ، ولولا أن أَشقّ على أُمّي لأَخّرت هذه الصلاة إلى نصف الليل)). • حدثنا أبو مطرف بن أبي الوزير قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن يحيى بن هانىء قال ، حدثني أبو علقمة ، عن عبد الملك بن محمد بن البشير ، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي : أَن وفد (١) في الأصل ((الله أمرني ربي بذلك)) والمثبت عن تفسير ابن كثير ه : ٢٩٠. (٢) سورة الإسراء آية ٧٣ . ٥١٢ تاريخ المدينة المنورة ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوه بهدية فقال : صدقة أَم هدية ، إِن الهدية يُبْتَغى بها وجهُ الرسول وقضاء الحاجة ، وإن الصدقة يُبْتَغى بها ما عند الله)) قالوا: بل هدية ، فقبلها ثم لم يزل في مقعده ذلك يحدثونه حتى صلّى الظهر مع العصر . * حدثنا عمر بن عثمان بن عاصم الواسطي ابن أخي علي بن عاصم قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن يحيى بن هانىء(١) وعروة قال ، حدثني أبو حذيفة ، عن عبد الملك بن محمد ، عن عبدالرحمن ابن علقمة بمثله - إلا أنه قال : ثم شغلوه يسألهم ويسألونه حتى لم يُصَلِّ الظهرَ إلا مع العصر . * حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال ، حدثنا زهير قال، أنبأنا أبو خالد يزيد الأسدي قال ، حدثنا عون (٢) بن أبي جحيفة السوائي ، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي ، عن عبد الرحمن ابن أبي عقيل قال : انطلَقْتُ في وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَتيناه فأنخنا بالباب ، وما في الناس أَبغض إلينا من رجل نلج عليه ، فما خرجنا حتى ما في الناس أحبّ إلينا من رجل دخلنا عليه، فقال قائل منا: يا رسول الله(٣)، أَلا سأَلتَ الله مُلْكًا كمُلْكِ سليمان ؟ فضحك ، ثم قال : فلعل لصاحبك أفضل من مُلْكٍ سليمان ؛ (١) هو عروة بن محمد بن عطية السعدي أمير اليمن، ولي اليمن عشرين سنة ، ثم صرف عنها سنة ثلاث ومائة . (الخلاصة الخزرجي ص ٢٦٥) وهذا الخبر موافق لما جاء في أسد الغابة ٣ : ٤١٢ في هذا الحديث . (٢) عون بن أبي جحيفة السوائي ، عن أبيه والمنذر بن جریر ، و عنه عمر بن أبي زائدة والثوري ، وثقه أبو حاتم والنسائي ( الخلاصة الخزرجي ٢٩٨ ط. بولاق). (٣) في الأصل ((هذا يا رسول الله)) والصواب ما أثبت. ٥١٣ لابن شبة إن الله لم يبعث نبيًا إلا أعطاه دَعْوة، فمنهم من اتخذ بها دُنْيَا فأُعطيها ، ومنهم من دعا بها على قومه إِذ عصوه فهلكوا بها ، وإن الله أعطاني دعوة فاختبأنها عندي شفاعة لأُمتي يوم القيامة . * حدثنا أحمد بن عيسى قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني عاصم بن عبد الله بن نعيم ، عن أبيه ، عن عروة بن محمد ، عن أبيه ، عن جده : أنه قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني قومه ثقيف ، فلما دخلوا عليه كان فيما ذكروا أنهم سألوه (فقضى حوائجهم(١)) وقال لهم: هل قدم معكم أَحدٌ غيركم ؟ قالوا : نعم ، معنا فتى منّا خلَّفْنَاه في رحالنا ، قال: فأرسلوا إِليه )» وقال : فلما دخلتُ عليه وهم عنده استقبلني فقال : إن اليدَ المُنْطِية (٢) هي العليا ، وإن السائلة هي السفلى ، فما استغنيت فلا تسأل، وإنّ مالَ الله مسئولٌ ومنطى » . * حدثنا عمرو بن قسط قال ، حدثنا الوليد بن مسلم قال ، حدثنا ابن جابر قال ، حدثني عروة بن محمد ، عن أبيه ، عن جده عطية السعدي قال : وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من بني سعد (بن بكر(٣)) وكنت أصغرهم فخلفوني في رحالهم ، وأُتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقضوا حوائجهم ، فقال : هل بقي من أحد ؟ قالوا (٤): نعم ، غلام خلّفناه في رحالنا ، فأمرهم أن يدعوني فقالوا : (١) الإضافة عن أسد الغابة ٣ : ٤١٢. (٢) المنطية أي: المعطية من أنعطيته إنطاء بمعنى أعطيته إعطاء، زنة ومعنى وهذه لغة أهل اليمن في أعطى ( أقرب الموارد ٢ : ١٣١٥)، وانظر الحديث بمعناه في النهاية في غريب الحديث والأثر ٥ : ٧٦ ط . الحلبي . (٣) في الأصل ((بني سعيد)) والتصويب والإضافة عن أسد الغابة ٣ : ٤١٢. (٤) في الأصل ((قال)) والمثبت عن المصدر السابق. ٥١٤ تاريخ المدينة المنورة أُجِبْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيتُه فقال: ما أَنّطاهِ(١) اللهُ فَلا تَسْأَّل النّاسِ شَيْئًا، فإن اليد العُليا هي اليد المُنْطِيَة، وإِن اليد السفلى المُنْطاة، وإِنَّ مالَ الله لمسئول ومُنْطَى ، قال فكلمني بلغتنا . * حدثنا ضرار بن صرد(٢) قال، حدثنا سعيد بن عبد الجبار الزبيري ، عن منصور بن رجاء ، عن إسماعيل بن عبيد الله بن آبي المهاجر ، عن عطية بن عمرو السعدي ، عن أبيه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تسأل الناس شيئًا، ومالُ الله مسئول ومنطى)) قال فكلمني بلغة قومي وهم ( بنو سعد) (٣) . * حدثنا عن أبي مصعب قال ، حدثنا عبد الحميد بن (حبيب(٤)) (١) ما أنطاك الله: أي ما أعطاك الله، أنطيت لغة في أعطيت لأهل اليمن ، وقد قرىء: (( إنا أنطيناك الكوثر)، وأنشد ثعلب: يُرى فروع المقلتين نُضُوبُ من المنطيات الموكبَ المعْجّ بعدما والأنطاء : العطيات ( انظر لسان العرب ٢٠ : ٢٠٧) وقد ورد هذا الحديث في الفائق ٣ : ١٠٣ بهذا النص، قال صلى الله عليه وسلم لعطية السعدي: ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئاً ، فإن اليد العليا هى المنطية، وإن اليد السفلى هى المنطاة ، وإن مال الله مسئول ومنطى . (٢) ضرار بن صرد التيمي ، أبو نعيم الطحان ، کوفي عابد ، روى عن إبراهيم ابن سعد وابن المبارك وهشيم وطبقته ، قال مطين : مات سنة تسع وعشرين ومائتين ( الخلاصة الخزرجي ص ١٧٧ ط. بولاق ) . (٣) الإضافة للسياق ويزيدها ما جاء في ٣ : ١٠٣ من الفائق في غريب الحديث للزمخشري . (٤) في الأصل حدثنا عن أبي مصعب قال حدثنا الأوزاعي عن عبد الحميد - ثم بياض بمقدار كلمتين - أن وفداً الخ . وكما ترى ففيه تقديم وتأخير واضطراب وطبقاً للمصادر وتواريخ الوفاة يرجح أن يكون السند كما أثبتناه ، حيث إن عبد الحميد بن حبيب كان كاتباً للأوزاعي وراوياً عنه ( انظر الخلاصة الخزرجي ص ٢٢٢ ط. بولاق). ٥١٥ لابن شبة عن الأوزاعي(١): أَن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وفروا أشعارهم وشواربهم وأظفارهم فأمرهم أن يقيموا وأن يتعلموا القرآن ، فأقاموا قريباً من سنة ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعرضهم ففَضَلَهُم أحدُهم بسورة البقرة وسورة معها ، فَأُمّره عليهم وقال: إنك لأحدثهم ، ولكني أُمّرتك عليهم لِما فضلتهم من القرآن ، فإذا صلّيت فصلِّ بصلاة أصغرهم ، فإن فيهم الضعيف والمملوك وذا الحاجة، وإذا خرجت ساعياً فلا تأخذن من الغَنَمِ الشافع(٢) ولا الرُّبَّى (٣) ولا حرزة(٤) الرجل فإنه أحق بها، وخير منهم الجَزَّعة والثّنِيَّةَ، فإنها وسط من الغنم )). ( وفد بني المنتفق )(٥) · حدثنا أبو عاصم قال ، أنبأنا ابن جريج قال ، أخبرني إسماعيل ابن كثير ، عن عاصم بن لقيط بن صبرة ؛ يخير عاصم ، عن أبيه (١) هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أبو عمرو الشامي الإمام العالم عن عطاء وابن سيرين ومكحول وقتادة ونافع وخلق . وعنه يحيى بن أبي كثير شيخه ، وبقية ويحيى بن حمزة ، قال ابن سعد : كان خيّراً فاضلا كثير الحديث والعلم والفقه ، مات سنة سبع وخمسين ومائة ( الطبقات الكبرى لابن سعد ٧ : ٤٨٨، الخلاصة الخزرجي ص ٢٣٢ ط. بولاق ) . (٢) الغنم الشافع : الشاة التي في بطنها ولد ، ويتبعها آخر ، وسميت شافعاً لأن ولدها شفتها أو هي شفعته (تاج العروس ٥ : ٤٠١ - أقرب الموارد : شفع ). (٣) الرُّبّى: التي تربّ في البيت من الغنم لأجل اللبن، وقيل هي الشاة القريبة العهد بالولادة ( النهاية في الغريب ٢ : ١٨٠ ). (٤) الحرزة: خيار المال، لأن صاحبها يحرزها ومنه الحديث: ((في الزكاة لا تأخذوا من حَرَزَات أموال الناس شيئاً (( أي لا تأخذوا من خيارها شيئاً ( أقرب الموارد((حرز))) وفي اللسان: الحرائز من الإبل: التي لا تباع لنفاسة بها (اللسان حرز). (٥) إضافة على الأصل للتوضيح . ٥١٦ تاريخ المدينة المنورة وافد بني المنتفق(١)قال: أتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم أَنا وصاحب لي فلم نجده ، فأَتَثْنَا عائشة رضي الله عنها بعصيدة فأَكلنا ، فبين ذاك إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكفى(٢) فقال: هل طَعِمْتُ شيئًا ؟ فقلنا : نعم ، أَتتنا عائشة رضي الله عنها بعصيدة ، قال قلت : يا رسول الله ، الصلاة، فقال : إذا توضأت فأسبغ وضو الأصابع ، فإذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائماً)) فقال صاحبي يا رسول الله، إن لي امرأة، فذكر من بَذَائها وطول لسانها ، فقال طلِّقها، فقال: إنها ذات صُحْبة وولد، قال: مُرْها - أو قل لها ـ(٣. فإن يك فيها خيرٌ فستقبل(٤)، ولا تضرِبَنَّ ظَعِينَتَكْ ضَرْبَكَ أَمَتُكَ ، قال : فبينا ذاك إذ دفع الراعي الغنمّ في المراح ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل وَلَدَت شيئًا؟ قال: نعم ، (قال: ماذا ؟ (٥) قال) : سخلة، قال: فاذبح لنا شاة)) ثم التفت إليّ فقال: لا تَحسّن - ولم يقل لا تَحْسُبن - أَنّا إِنما ذبحناها من أجلك ؛ لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد فإذا وُلِدَ (للراعي) (٥) سخلة أمرناه أن يذبح شاة . * حدثنا عثمان بن عمر ، عن ابن جريج بنحوه - إلا أنه قال : أَتتنا عائشة رضي الله عنها بعصيدة وتمر . (١) وافد بني المنتفق هو لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب ابن عامر بن صعصعة أبو رزين العقيلي ، له صحبة ووفادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( أسد الغابة ٤ : ٢٢٦، الإضافة ٣ : ٣١١) وانظر الخلاف حول هل لقيط ابن صبرة هو لقيط بن عامر أو هما اثنان ، في ( شرح المواهب ٤ : ٦٦). (٢) يتكفى : يتمايل إلى قدام . انظر الحديث بمعناه بمسند الإمام أحمد بن حنبل ٤ : ٢١٢، ( الفائق في غريب الحديث الزمخشري ٣ : ٣٧ حاشية ٤ ). (٣) سقط في الأصل، والإضافة عن مسند ابن حنبل ٤ : ٢١١ . (٤) كذا في الأصل وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل ٤: ٢١١ (( فستفعل)). (٥) الإضافات عن مسند الإمام أحمد بن حنبل ٤ : ٢١١. ٥١٧ لابن شبة حدثنا أيوب بن محمد الرقي قال ، حدثنا يعلى بن الأشدق (بن جراد بن معاوية بن فرج بن(١)) خفاجة بن عمرو بن عقيل قال ، حدثنا عبد الله بن جراد بن معاوية بن أبي الفرج بن خفاجة الوافد الميمون الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هو عامر (بن لقيط العامري(٢)) - وعما فعل إليه الرسول - دعاه الرسول لُيُسْلِم فغلبه ، فلما غلبه قال: فأَنا أُعطيك وادي القُرَى خراجَه فأَبى قال : ما نعطيك إلا الأَعنة فتكون بيدك . قال : لا ، قال : فما تريد ؟ قال : أُروني إسلامكم حتى أنظر ما هو ، فقاموا فَصَلُّوا ، فقال : هذا الذي تدعونني إليه ؟ باللات والعزّى لا نَظَرْتُ إلى عامرية مُحَيّبة أبداً أبداً (٣)، وركب راحلته وخرج وقال: والله لأَّملأنها عليك خيلاً شقراً ورجالاً حمراً .. فقال : كذبت، ثم قال : تَطَهَّرُوا فإذا دعوتُ فَأَمِّنُوا))، فزعم عبد الله بن جراد : أن الرسول عليه السلام قال : اللهم اشغل (١) في الأصل يعلى بن الأشدق بن بشير بن ثور بن الشمرخ بن يزيد بن مالك ابن خفاجة، وما أثبتناه مع الإضافة عن ترجمته في ميزان الاعتدال ٣: ٢٢٦ والإصابة ٢ : ٢٧٩، وأسد الغابة ٣ : ١٣٣ والجميع متفقون على أن يعلى بن الأشدق يروي عن عمه عبد الله بن جراد بن معاوية بن فرج . (٢) إضافة للتوضيح، وجاء في أسد الغابة ٣: ٦٢، والإصابة ٢: ٢٤٨ : حدثنا هاشم بن القاسم الحراني - حدثنا يعلى بن الأشدق - حدثنا عامر بن لقيط العامري قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشره بإسلام قومي، وطاعتهم ووافداً إليه ، فلما أخبرته قال : ( أنت الوافد الميمون بارك الله فيك ومسح ناصيتي ثم صافحتي ) . (٣) بالأصل كلمات غير مقروءة، وما أثبتناه عن طبقات ابن سعد ١: ٣٠٢، والبداية والنهاية ٥: ٩٠، والإصابة لابن حجر ٣ : ٣١١، وهو لقيط بن عامر ابن المنتفق بن عامر بن عقيل بن عامر العامري أبو رزين العقيلي وافد بني المنتفق (الإصابة ٣: ٣١١)، وانظر حديث وفادته بطوله في مسند الإمام أحمد بن حنبل ٤ : ١٠ والمستدرك٤: ١١٠ والعقد الفريد لابن عبد ربه ٢: ٣٨. ٥١٨ تاريخ المدينة المنورة عامِرَ بن الطفيل وأَرينَّه الحُتُوف )) فأَمَن القوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيها الناس إنه سيأتيكم الراكبُ الميمون الذي تُحبُّون ، وأشار من قبل أرض بني عامر بن صبرة بن أنيس بن لقيط بن (عامر) بن المنتفق بن عامر بن عقيل ؛ فأتاه ، فأعجبه ، وقال : ما فعل قَوْمُك ؟ قال : قومي على ما يُحِبُّ رسول الله ، وقد أَتيتك بطواعيتهم إياك وحرصهم عليك ، فقال أَعجل قومك ، ومسح ناصيته وصافحه ، وقال : هذا الوافد الميمون . فلما جاءوه قال: أَبى الله لِبّني عامر إلّ خيراً، فدفع يزيد بن مالك بن خفاجة إلى الضّحّاك بن سفيان البكري(١) الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم قائداً على سليم وعامر ، ودفع إليه ذات الأُذنة ودرعه وحصانه وسيفه ، وهو سلب حارثة الكندي . وقال مزاحم بن الحارث بن عقال الخويلدي : متى ما نواقع حارة القوم نقتل أحارثة الكندي ذا التاج إننا بدأنا وأبداً من يظالم يفصل ونُتْعِمْ ولا يُنْعَمْ علينا وإن نَعِشْ كرام الأسارى بين نعم ومحول وَنَغْصِب ولا نُغْصَب وتأُسرْ رماحُنا وقال حارثة : دلاص الحديد عن أَشَمّ طويل يريك شراها ياطفيل بن مالك وهم تركوا بالشُّعب ألف قتيل وهُمْ سَلبوا ذات الأَّذنة عنوة • حدثنا عفان قال ، حدثنا محمد بن دينار قال ، حدثنا يونس عن عكرمة قال : جاء عامر (٢) إلى النبي صلى الله عليه وسلم (١) هو الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة العامري ولاه الرسول على من أسلم من قومه وآمره على بني سليم عند فتح مكة لأنهم جميعاً من قيس عيلان. ( انظر أسد الغابة ٣ : ٣٦، الإصابة ٢: ١٩٨، الاستيعاب ٢ : ١٩٩). (٢) هو عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الجعفري ، كان سيد بني عامر في الجاهلية ، مات كافراً ، وقصته وقصة = ٥١٩ لابن شبة فسأله الخلافة من بعده ، وسأله المرباع(١) وسأله أشياء ، فقال له رجل (٢) من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: زحزح قدميك لا تنزعك الرماح نزعاً عنيفاً ، والله لو سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيبة(٣) من سبيباب المدينة ما أعطاك ، فولّ عامر غضبان ، وقال : لأَملَأَّنها عليك خَيْلاً ورجالاً(٤)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((اللهم إن لم تهد عامراً فاكفنيه، فأخذته غُدّة(٥) كغُدَّةِ البكر، فجعل ينادي يا آل عامر غدّة كغدّة البكر !! حتى قَتَلَتْ عَدُوّ الله. ■ حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا عبد الله بن وهب قال ، سمعت ليث بن سعد يحدث : أَن أَرْبَد بن ربيعة (٦) وعامر = قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم معروفة. وروي أن قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم كان وهو ابن ثمانين سنة ( الإصابة ٢: ٢٤٢، وأسد الغابة ٣: ٨٤). (١) المرباع : هو ربع الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس في الجاهلية ، ومن قولهم ( لك المرباع منها والصفايا ) ( أقرب الموارد ). (٢) في الحلبية ٢ : ٣٤١ قال السهيلي وجعل أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه يضرب في رؤوسهما ، ويقول : اخرجا أيها الهجرسان - أي القردان - فقال له عامر ومن أنت؟ فقال: أسيد بن حضير. فقال أحضير بن سماك؟ قال : نعم ، قال : أبوك كان خيراً منك . قال : بلى أنا خير منك ومن أبي ؛ لأن أبي كان مشركاً وأنت مشرك. (٣) السّبيبة: شقة من الثياب أي نوع كان، وقيل هي من الكَتّان ( النهاية في الغريب ٢ : ٣٢٩ وقيل: هي الخصلة من الشعر، ومن الفرس شعر الذنب والعرف والناصية ( أقرب الموارد ١ : ٤٨٨ ) . (٤) وفي رواية أخرى : خيلا جرداً ورجالا مرداً ولأربطن بكل نخلة فرساً ( السيرة الحلبية ٢ : ٣٤١ ). (٥) الغدة: طاعون الإبل، والبكر: الفتى منه، وإنما تأسف عامر أن لم يمت في ميدان القتال كما يموت الشجعان ، كما تأسف أيضاً على موته في بيت سلولية ( هامش نهاية الأرب ١٨ : ٥٢ ). (٦) في ابن هشام ٤: ٩٩١ ط. صبيح، والسيرة الحلبية ٢ : ٣٤١ والبداية والنهاية ٥ : ٥٦ أربد بن قيس بن جزء بن جعفر بن خالد . ٥٢٠ تاريخ المدينة المنورة ابن الطفيل أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما للآخر : أَنَا أَشْغَلُه بالكلام حتى تَقْتُلَه ، فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثه فلما طال عليه انصرف ، قال له صاحبه : لقد رأيتُ عنده شيئاً إِن رجليه لفي الأرض وإن رأسه لفي السماء، لو دَنَوْتُ منه لأهلكني . فَأَمَا أَرْبَد فأَصابته صَاعِقةٌ، وأنزل الله ((لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِن بَيْن يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِه يَحْفَظُونَه مِنْ أَمْرِ الله)) (١) وأَما عامر فإِنه قال النبي صلى الله عليه وسلم ((اللهم ا كفنيه)) فأخذته غُدَّةُ فقتلته . * حدثنا محمد بن الحسن بن زياد قال ، حدثني عبد العزيز ابن نمر ، عن ابن أخي الزهري ، عن الزهري : أن رسول الله صلى الله وسلم قال ((اللهم اهد بني عامر وأرح المسلمين من عامر بن الطفيل)). * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا ابن وهب ، عن الليث ابن سعد قال: جعل عامر يقول: ◌ُدَّة كَغُدَّة البعير في بيت سَلُوليّة (٢). • حدثنا أبو عاصم قال ، أَخيرني رجل من بني تميم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لقد بلغ عامر (٣) ما لا يَضُرّه أن لا يكون من آل عيينة بن حصن أو زرارة ، ولو علم النبي صلى الله عليه وسلم بَيْتَيْن في العرب أشرف منهما لذكره . . حدثنا عفان قال ، حدثني مهدي بن ميمون ، عن غيلان ابن جرير ، عن مطرف بن عبد الله، عن أبيه: أنه قدم على رسول الله (١) سورة الرعد ١١ . (٢) في بيت سلولية أي امرأة من بني سلول وكانوا موصوفين باللوم (السيرة الحلبية ٢ : ٣٥٢) . (٣) في الأصل عمار والصواب ما أثبت .