Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
لابن شبه
* حدثنا علي بن أبي هاشم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن
محمد بن إسحاق قال : ثم إِن صفوان بن المُعَطّل اعترض حسان
بالسيف حين بلغه ما كان يقول فيه - وقد كان حسان قال شعراً في
ذلك يُعَرِّض بابن المعطّل فيه وبمن أسلم من العرب من مُضَر فقال :
أَمْسَى الجَلَابِيبُ (١) قَدعَزُوا وَقَدْ كَثروا
وابن الفُرَيْعَة (٢) أَمْسَى بَيْضَةِ البَلَد (٣)
فَيَغْطَثَلُ ويَرْمِي العِبْرِ بِالزَّبَدِ (٤)
مَا الْبَحْرُ حينَ تهبّ الرِّيح شاميةٌ
أفري من الغيظ فري العَارِضِ البرد(٥)
يَوْماً بِأَغْلَب منّي حين تُبْصِرُفِي
(١) في ديوان حسان بن ثابت تحقيق د.سيد حنفي ص ١٦٠ ((أمسى الخلاييس))
والجلابيب هم الغرباء ، والخلابيس : الذين يأتون من ها هنا ومن ها هنا .
(٢) الفريعة: فريعة بنت عمرو بن خنيس بن لوذان بن عبد وَدّ ، وهي أم حسان
ابن ثابت الأنصاري الشاعر - ( أسد الغابة ٥ : ٥٢٩ ).
(٣) بيضة البلد: أي منفرداً لا يدانيه أحد، قال أبو ذر: « وهو في هذا الموضع
مدح ، وقد يكون ذماً وذلك إذا أريد أنه ذليل ليس معه غيره ، وفي المثل ؛ هو أذل من
بيضة البلد ، أي من بيضة التعامة حين تتركها بالفلاة ولا تحتضنها ( السيرة لابن هشام
٢ : ٣٠٤، ولسان العرب ٨: ٣٩٤، وديوان حسان بن ثابت تحقيق د.سيد حنفي) .
(٤) يغضئل: يجول ويتحرك، والعبر: جانب النهر أو البحر، وفي ديوان حسان
ابن ثابت تحقيق د. سيد حنفي .
فيغطئل ويرمي العبر بالزبد
ما البحر حين نهب الربح شاملة
(٥) في الأصل . والديوان تحقيق د. سيد حنفي .
• ملغيظ أفري كفري العارض البرد.
٠
وفي الأغاني ٤ : ١٥٧ .
• كالسيف أفرى كفري العارض البرد .
والمثبت عن السيرة لابن هشام ٢: ٣٠٥ . ويقال فلان يغري الفري إذا كان يأتي
بالعجب من كلام أو عمل ، والسماء تقري إذا جاءت بمطر كثير يتعجب منه .

٣٤٢
تاريخ المدينة المنورة
حَتّى يُنيبوا من الغَيَّات للرّشد(١)
أَمَّا قُرَيْشُ فإني لن أُسَالمهم
وَيَسْجُدُوا كلُّهم للواحد الصَّمد(٢)
ويتركوا اللَّات والعُزَّى بِمَعْزلةٍ
حقٌّ ويوفوا بعَهْد الله والوُكُد (٣)
ويَشْهَدُوا أَنَّ ما قال الرّسولُ لهم
منْ خير ما يترك الآباء للوَلَد(٤)
أَبْلِغ عُبَيْدًا بأَني قد تركت لَهُ
والبيض تَرْفُل في الثّنّي كالبرد(٥)
الدَّارُ وَاسِطَةٌ والنَّخْلُ شارعة
قال فاعترضه صفوان بن المُعَطّل فضربه بالسيف ، ثم قال :
- كما حدثني يعقوب بن عتبة : -
تَلَقَّ ذُباب السّيف عنّي فإني غُلامِ إِذا هُوجيتُ لستُ بشاعر (٦)
قال أبو زيد بن شبة : وفيها مما ليس في رواية إسماعيل :
(١) في الأصل: ((أن أسالمها)) وما أثبت عن ابن هشام ٢ : ٣٠٥ وينيب: يرجع،
الغيات : جمع غية من الغي وهو خلاف الرشد . وفي ديوان حسان تحقيق د. سيد حنفي.
أما قريش فإني غير تاركهم : وفي الأغاني ٤ : ١٥٩ : أما قريش فإني لست تاركهم.
(٢) في ديوان حسان ص ١٦١ ط الهيئة ..: ويسجدوا كلهم للخالق الصّمد.
(٣) في الأصل: حق ويوفوا بعهد الله والوعد - وما أثبتناه عن ابن هشام ٢: ٣٠٥
وفي ديوان حسان ط. الهيئة .. حق ويوفوا بعهد الواحد الأحد . وفي الأغاني ٤ : ١٤٩ ...
حق ويوفوا بعهد الله في سدد. والوكد : العهود المؤكدة .
(٤) يريد بعبيد ابنه عبد الرحمن .
(٥) كذا بالأصل والثّي : معطف الثوب ، ومنه حديث أبي هريرة (( كان يثنيه عليه
أثناء من سعته ( تاج العروس ١٠ : ٦٣ ).
وفي ديوان حسان ص ١٦١ ... والبيض يرفلن في القسى كالبرد ... وذكر أن
القسّ : ثياب بيض يخالطها حریر یؤتى به من مصر.
(٦) أضاف أسد الغابة ٣: ٢٦ إلى هذا البيت بيتاً آخر هو :
ولکنی أحمی حماي وأشتفى
من الباهت الرامي البداء الطواهر.

٣٤٣
لابن شبة
أَحْسًا مزین ففي أعناقكم قدَر (١)
جاءت مزينة من عمق لتخرجني
من ديَّةٍ فيه يُعْطَاهَا ولا قَدَدُ(٢)
ما للقَتيل الذي أَعْدُوا فَآخُذَهُ
وقال :
أَخسامُزَيْنُ وفِي أَسْتَاهِكَ الفُُلُ (٣)
جَاءَتْ مُزْيَنَة مِنْ عَمْقٍ لتنصرهم
أو تدر كواشر فامن شَأْنكم جَلَلُ(٤)
فكل شيء سوى أن یدر کوا أمرا
جار وليس لهم في مَوْطنٍ بَطَلُ (٥)
قَوْمٌ مُدَانِيسُ لَايَمْشِي بِعَقْوَتهمْ
(١) في الأصل ((إخسأ مُزَيْن نفي أستامكم قدر)) وهو يختلف مع تاليه في القافية،
والمثبت من ديوان حسان تحقيق د. سيد حنفي ١٦٠.
والقدد : جمع قد وهو سیر یقد من جلد غیر مدبوغ ، شبههم بالكلاب وفي أعناقهم
تلك السيور .
(٢) أي يقول في كل هذا : ليس للقتيل الذي أقتله دية يعطاها ولا قود .
وفي دیوان حسان تحقيق د. سيد حنفي ص ٢٩٦ :
جاءت مزينة من عمق لتنصرهم . أنجى مزينة في أستاهك الفتل
(٣) وروى البكري في الديوان ص ٢٩٥ :
فرى مزين وفي أستاهك القتل
جاءت مزينة من عمق لتفرعنا
بهذا البيت يهجو حسان مزينة: وكانت مزينة أعانت الأحزاب ، ومزينة أمهم وهي
بنت وَبَرَة أخت كعب بن وبرة من قضاعة. وعمّقٍ اسم مكان ، والفُقُل : ما بين
المرفقين عن جنبي البعير - انظر الديوان ص ٢٩٥، ٢٩٦ واللسان ١٤ : ٢٩ .
(٤) في الديوان ص ٢٩٦ .
فكل شيء سوى أن تذكروا حسناً أو تبلغُوا حسياً في شأنكم جلَل
(٥) مدانيس : جمع دنس، والدنس المتسخ، يقال ((فلان دئس الثياب، وهو
دنس المروءة ، ودنس عرضه : فعل ما يشينه ( أقرب الموارد ١: ٣٥٢) . والعقوة :
ما حول الدار والساحة والمحلة ویقال « ما یطور بعقوته أحد» وفي حديث ابن عمر رضي
الله عنه (( المؤمن الذي يؤمن من أمسى بعقوته)) أي حول داره وقريباً منها)) (أقرب
الموارد ، لسان العرب) وفي الأصل: وليس لهم في معرك بطل . والمثبت من الديوان .

٣٤٤
تاريخ المدينة المنورة
حدثنا أحمد بن عيسى قال ، وحدثنا عبد الله بن وهب ، عن
يونس عن ابن شهاب قال : أخبرني سعيد بن المسيّب ، أَن صفوان
ابن المعَطّل ضرب حسان بن الفريعة بالسيف في عهد النبي صلى الله
عليه وسلم في هجاء هجاه حسان ، فلم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم
يَدَه . قال حسان حين برى": القود . فأَبى النبي صلى الله عليه وسلم
أن يقيده وقال ((إِنك قلت قولاً شيئاً)، وعقل رسول الله صلى الله
عليه وسلم جرحه ذلك .
* حدثنا علي بن أبي هاشم قال ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن
محمد بن إسحاق قال ، وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيْميّ :
أَن ثابت بن قيس بن شَمَّاس أَخا بني الحارث بن الخزرجِ وَقَبَ
على صّفْوَان حين ضرب حسان ، فجمع يده إلى عنقه بحَبْل ، ثم
انطلق إلى دار الحارث بن الخزرج، فلقيه عبدُ الله بن رَوَاحَة فقال :
ما هذا ؟ قال : ما أُعجبك ضرب حسان بالسيف، فو الله ما أراه إلا
قد قتله ، فقال له عبد الله : هل عَلمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
شيئاً مما صنعت ؟ قال : لا ، قال : والله لقد اجترأْت ، ثم قال :
أَطْلق الرجلَ ، فأطلقه، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر
ذلك له ، فدعا حسان وابن المُعَطّل، فقال ابن المُعَطّل : يا رسول
الله ، آذاني وهجاني فاحتملني الغضبُ فضربتُه . فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم لحسان: ((يا حسان أَتشوَّهْت(١) على قومي أَنْ هَدَاهُم
الله للإسلام؟)) ثم قال ((أَحسن يا حسان في الذي أصابك)) قال :
هي لك يا رسول الله . فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوضاً منها
(١) أتشوهت على قومي : أي أقیحت ذلك من فعلهم حتى سميتهم بالجلابيب
من أجل هجرتهم إلى الله ورسوله - السيرة لابن هشام ٧: ٣٠٥.

٣٤٥
لابن شبة
بيرحاء(١) وهي قصر بني حَديلَة اليوم بالمدينة ، كانت مالاً لأَّبي طلحة
ابن سهل تصدّق بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعطاها
حسانَ في ضربته ، وأعطاه سيرين : أَمة قيطيّة ، فولدت له عبد الرحمن
ابن حسَّان .
. وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لقد سئل عن ابن المُعَطِّل
فوجدوه رَجُلاً حَصُوراً ما يأتي النساء ، ثم قتل بعد ذلك شهيداً .
• وقال : حسان بن ثابت رضي الله عنه يعتذر من الذي كان
قال في شأن عائشة رضي الله عنها :
حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بربیةٍ
وتُصِبِحُ غَرْثَى من لحومِ الغَوَافِل (٢)
(١) في السيرة لابن هشام ٢: ٣٠٦ ((ببرحاء)) بكسر الباء بإضافة البئر إلى حاء اسم
رجل ، وفي وفاء الوفا ٢ : ١٣٣ ما نصه: «روي في البخاري عن أنس رضي الله عنه
قال : كان أبو طلحة أكثر أنصاریي المدينة مالا من نخل ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ،
وكانت مستقبلة المسجد ، وکان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء
طيب. قال أنس فلما نزلت آية (((لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) قام أبو طلحة
إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الله عز وجل يقول ((لن تنالوا
البر حتى تنفقوا مما تحبون)) وإن أحب أموالي إليّ ((بيرحاء ، وإنها صدقة لله أرجو برها
وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله . فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم (( بخ ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين))
فقال أبو طلحة أفعل يا رسول اللّه ، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه - وفي رواية
- فجعلها لأبيّ وحسان وكانا أقرب إليه ( وفاء الوفا ٢ : ١٣٣ ط. الآداب).
(٢) بعد هذا البيت جاءت الأبيات التالية في السيرة لابن هشام ٢ : ٣٠٦، والتاريخ
الكبير للذهبي ١ : ٢٤٨ ط. الهيئة العامة للكتاب ، والاستيعاب ٢ : ٧٦٦ :
كرام المساعي مجدهم غير زائل
عقيلة حي من لْزَيّ بن غالب
وطهّرها من كل سوء وباطل
مهذبة قد طيب الله خِيمَها
وروي هذا البيت في الاستيعاب :
وطهرها من كل بني وباطل -
مهذبة قد طهّر الله خيمها

٣٤٦
تاريخ المدينة المنورة
فلا رفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلٍ(١).
فإِن كُنتُ قد قُلت الذي قد زَعمْتُمُ
لآل رسُول الله زَيْنِ المَحَافِلِ (٢)
فكيفَ وُودِّي ما حَيِيتُ ونُصْرَتِي
ولكِنْهُ قَوْل امرئٍ بي ما حِل (٣)
فَإِن الذي قد قيلَ لَيْس بلائطِ
= حصان : عفيفة ، رزان : ذات وقار وثبات الملازمة موضعها . ما تزن : ماتتهم .
غرثى : جائعة . الغوافل : جمع غافلة ويعني بها الغافلة القلب عن الشر كما قال تعالى :
(((إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات)) ٢٤: ٢٣ . جعلهن غافلات لأن الذين
يرمون به من الشر لم يَهْمُمْن به قط ، وهذا أبلغ ما يكون من الوصف بالعفاف ویرید
بقوله (( وتصبح غرثى من لحوم النوافل ، خميصة البطن من لحوم الناس ، أي أنها لا ترتع
في أعراض الناس ولا تغتابهم .
(١) روي هذا البيت في ديوان حسان بن ثابت . ط . الهيئة .
فلا رفعت صوتي إلىّ أناملي
فإن كنت أهجوكم كما قد زعمتم
وما ورد في ابن هشام ٢ : ٣٠٦ والأغاني ٤: ١٦٢ موافق للأصل.
وأما الاستيعاب ١ : ١٣٠، ٢ : ٧٦٦ :
فإن کان ما قد قيل عي قلته ..
وفي التاريخ الكبير للذهبي ١ : ٢٤٨ ط . مركز تحقيق التراث بالهيئة:
فلا رفعت سوطي إليّ أناملي
فإن كنت أهجوكم كما بلغوكم
(٢) روي هذا البيت في دیوان حسان بن ثابت تحقيق د. سيد حنفي :
وكيف ووُدّي ما حييت ونُصْرتي
لآل نبي الله زين المحافل
وما في ابن هشام والاستيعاب موافق للأصل ، أما الأغاني ٤ : ١٦٢ :
وکیف وودي من قديم ونصرتي ..
(٣) روي هذا البيت في ديوان حسان :
بِكَ الدهرَل سعيُ امرئ بك ماحل
فإن الذي قد قيل ليس بلائط
وفي التاريخ الكبير الذهبي ١ : ٢٤٨ .
بك الدهر بل قیل امرئ متحايل
وإن الذي قد قيل ليس بلائط
وفي الاستيعاب ٢ : ٧٧٦ .
وإن الذي قد قيل ليس بلائط
بها الدهر بل قول امرئ متماحل
وديوان حسان ص ٢٥٨ ط . السعادة .
بها الدهر بل قول امرئ لي ما حل
فإن الذي قد قيل ليس بلائط
لائط : لاصق ، والماحل : الماشي بالتميمة .

٣٤٧
لابن شبة
قال : وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه
٠
من فِرْيتهم عليها :
.
وحَمنةُ إِذْ قَالُوا هَجِيراً ومِسْطَحُ(١)
لَقَدْ ذَاقَ حَسَّانُ الذي كان أَهْلَه
وسَخْطة ذي العَرْشِ الكريم فأَثرحُوا(٢)
تَعَاطَوْابِرَجْمِ الْغَيْبِ زَوْجٌ نبيِّهم
مَخَازِيَ تَبْقَى عُمِّمُوها وفُضَّحُوا
وآذَوْا رسولَ الله فيها فجُلُّلُوا
شَابِيبُ قَطْر من ذُوا الْمُزْن تَسْفَحُ (٣)
وصُبّت عليهم مُحْصَدات كأَنَّها
• وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه مسطح وكان اسمه
(( عوف)) ومسطح : لقب :
من الكلام ولم تتبع بها طمعا
يَا عَوْفُ وَيْحَكَ هَلاَّ قَلتَ عارفة
ولم يكن قاطعاً يا عوف من قطعا
وأَدر كتك حُمَّا مَعْثَرٍ أَنْفٍ
فلا تقول ولو عاينتَه قذها
أما حديثٌ من الأقوام إذحشدوا
أمينة الجيب لم يعلم لها خمعا (٤)
لما رأيت حصاناً غير مقرفة
في سيّء القول من لفظ الختى شرعا
في من رماها وكنتم معشراً أفكا
وبين عوف وبين الله ما صنعا
فأنزل الله عُذْراً في براءتها
شرّ الجزاء بما أَلْفَيْتُه صنعا.
فإِن أَعِشْ أَجْزِ عَوْفاً عن مقالته
(١) الهجير : الحجر وقول الفاحش القبيح .
(٢) الرجم : الظن ، وأترحوا : أحزنوا وهو من الترح وهو الحزن .
ويروى («فابرحوا)» بالباء وهو من البرح ، أي المشقة والشدة .
(٣) محصدات : يعني سياطاً محكمة القتل شديدات ، والشآبيب : جمع شؤبوب
وهو الدفعة من المطر، والذرا: الأعاني، والمزن : السحاب، وتسفح : تسيل (السيرة
لابن هشام ٢ : ٣٠٧) .
(٤) الخمع بالكسر : اللمس، أي أمينة الجيب ليس لها لصوصية ، كناية من طهارتها.

٣٤٨
تاريخ المدينة المنورة
■ حدثنا محمد بن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل ؛
وعلي بن مجاهد وإبراهيم بن المختار(١) ، عن محمد بن إسحاق
عن يحيى بن عبّاد ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت :
لما كان من أمر عِقْدِي ما كان ، وقال أهل الإفك ما قالوا ، وخرجت
مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في سفرةٍ أُخرى سقط أيضاً عني عِقْدي ،
فحبس على التماسه وطلعَ الفجرُ ، فلقيتُ مِن أَبي بكر ما شاء الله ،
وقال : في كل سفرة تكونين بلاء وعناء ، وليس مع الناس ماء ،
فأَنزل الله عز وجل الرُّخصة بالتّيمُم ، فقال أبو بكر رضي الله عنه :
أَم والله يا بنية إنك لما عَلِمْتُ لَمَبّاركة.
* حدثنا عثمان بن عمر قال ، حدثنا يونس ، عن الزهري ،
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبه ، أن عمار بن ياسر كان يحدث :
أن الرخصة التي أنزل الله في الصعيد إنما نزلت في ليلة حبست عائشة
الناس - هي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - عن الرحيل من أجل
عِقْد لها من جزع أظفار حيسته في ابتغائه حتي ذهب من الليل ما شاء
الله، وليس مع الناس ما يتوضأُون ( به )(٢) للصلاة، فأَّي أَبو بكر
عائشة رضي الله عنها فتَغَيَّظ عليها، وقال: حبست الناس وليس معهم
ما يتوضأُون للصلاة، فأنزل الله عز وجل الرخصة في التيمم بالمسح
بالصعيد الطيِّب، فقال حين أَنزلت: يا بنية إنك ما علمت لَمُبَاركة.
(١) إبراهيم بن المختار التميمي، أبو إسماعيل الرازي حبويه - بفتح المهملة وضم
الموحدة - قال أبو حاتم : صالح الحديث ، وقال أبو داود : لا بأس به ، وقال البخاري :
فيه نظر ، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة. (الخلاصة الخزرجي ص ١٨).
(٢) إضافة يقتضيها السياق .

٣٤٩
لابن شبه
حدثنا أبو عمران الداري قال، حدثنا معتمر بن ، ميسرة
ابن إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، قال: ذُكِرَ حسان عند عائشة
رضي الله عنها فتناولوه ، فقالت: لا تسبوا حساناً ، فقالوا : يا أم
المؤمنين أو ليس من الذين قال الله تبارك وتعالى: ((إن الذين يُحِيونَ
أَنْ تَشِعُ الفَاحِشَةُ في الذين آمنوا لهم عذابٌ أَلِيمٌ ، قالت :
أَو ليس من العذاب الأليم ذهابُ بصره .
((خبر عبد اللّه بن أبيّ بن سَلُول))
• حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا محمد بن فليح ،
عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب قال : خرج عبد الله بن أبيّ
في عصابة من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة
بني المُصْطَّلق فلما رأى كأن الله قد نصر رسوله وأصحابه أظهروا
قولاً سيئاً في منزلٍ نَزَلَه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان في
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له جعال (٢)
- وهم زعموا - أَحد بني ثعلبة ، ورجل من بني غِفَار يقال له
(١) سورة النور آية ١٩.
(٢) جعال أو جميل بن سراقة الضمري - أو الغفاري أو الثعلبي، وقد ذكر موسى
ابن عقبة في المغازي في غزوة بني المصطلق - (وكان في أصحاب رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم رجل يقال له جعال ... الخ. ( الإصابة لابن حجر
ص ٢٣٧).
ذكر الواقدي رواية أخرى عن ابن رومان وعاصم وغيرهم أن الذي تنازع
مع جهجاه هو جميل بن سراقة . تصغير جعال - مغازي الواقدي ٢ : ٤٣٥
ط. أكسفورد.

٣٥٠
تاريخ المدينة المنورة
جهجاه(١) فعلت أصواتهما واشتد ( جهجاه)(٢) على المنافقين وردٌ
عليهم ، وزعموا أن جهجاه خرج بفرس لعمر رضي الله عنه يسقيه
- وكان أجيراً لعمر رضي الله عنه - ومع جعال فرس لعبد الله بن أبيّ،
فأوردوهما الماء فتنازعوا على الماء واقتتلوا ، فقال عبد الله بن أبيّ :
هذا ما جازونا به ؛ آويناهم ومنعناهم ثم هؤلاء يقاتلون .
وبلغ حسان بن ثابت الذي كان بين جهجاه الغفاري وبين الفتية
الأنصاريين فغضب وقال - وهو يريد المهاجرين من القبائل الذين
يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم للإسلام - :
أَمسى الجَلابِيبُ قد عَزّوا وقد كثروا
وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
فخرج رجل من بني سليم مغضباً من قول حسان رضي الله عنه ،
فلما خرج ضربه حتى قيل قتله ، ولا يراه إلا صفوان بن المُعَطِّل؛
فإنه بلغنا أنه ضرب حسان بالسيف ، فلم يقطع رسول الله صلى
الله عليه وسلم يده - لضرب السلمي حسان - فقال : خذوه ،
(١) في الإصابة ١ : ٢٥٤ - جهجاه بن سعيد، وقيل ابن قيس، وقيل ابن مسعود
ابن سعد بن حرام بن غفار الغفاري ، من أهل المدينة ، شهد بيعة الرضوان بالحديبية ،
وقد روى الشيخان من حديث جابر «كنا في غزاة بني المصطلق فكسع رجل من المهاجرين
رجلا من الأنصار ، فقال الأنصاري : يا للأنصار ، وقال المهاجرىّ: يا للمهاجرين ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فإنها منتنة)) فذكر
ابن عبد البر أن المهاجري هو جهجاه ، وأن الأنصاري هو سنان ین یزید ، وقيل ابن وبرة
وقيل ابن فروه الجهني، وقيل ابن تيم الجهني ( أسد الغابة ١ : ٣٠٩، ٢ : ٣٥٩ وتفسير
ابن كثير ٨ : ٣٦٧، معالم التنزيل للبغوي ٨: ٣٦٦، والسيرة الحلبية ٢: ٧٦، والإصابة
٢ : ٨٣، والبداية والنهاية ٤: ١٥٧ ومغازي الواقدي ٢ : ٤١٥).
(٢) سقط في الأصل والإثبات عن أسد الغابة ١ : ٣٠٩.

٣٥١
لابن شبه
فإن هلك حسان فاقتلوه، فأخذوه، فأسروه وأوثقوه ، وبلغ ذلك
سعد بن عبادة فخرج في يومه فقال : أرسلوا الرجل : فأَبوا عليه ،
فقال عمر رضي الله عنه أَثمّ إلى قوم رسول الله تشتمون وتؤذونهم
وقد زعمتم أنكم نصرتموهم ؟ ! فغضب سعد لرسول الله صلى الله عليه
وسلم ولقومه فنصرهم ، وقال : أرسلوا الرجل . وأبوا عليه حتى
كاد يكون بينهم قتال ، ثم أرسلوه ، فخرج به سعد إلى أهله
فكساه حُلَّةٌ ثم أرسله (١) فبلغنا أن السلمي دخل المسجد ليصلي فيه
فرآه رسول صلى الله عليه وسلم فقال: ((مَنْ كساك كساه الله من
ثياب الجنة )) قال : كساني سعد بن عبادة .
وقال عبد الله بن أبيّ : والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء الذين
ليس لهم شيء إلا ما ركبوا رقابكم ، وما خرج معهم رجل واحد
منهم ، وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش ، ولو أَنا قد رجعنا إلى
المدينة لقد أخرج الأَعرُّ منها الأَذل، فأَحصي الله عز وجل عليه
ما قال ، وسمع زيد بن أرقم - رجل من بني الحارث بن الخزرج -
قول عبد الله بن أبيّ فأخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فأتى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، هل لك في
ابن أبيّ فإنه يقول آنفاً : والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء
الذين ليس لهم شيء إلا ما ركبوا رقابكم وما اتبعه منهم رجل ،
ولَلَحِقُوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولئن رجعنا إلى المدينة
ليخرجنّ الأَعِزُّ منها الأَذل . أخبرني زيد بن أرقم أنه سمع هذا منه،
فابعث إليه يا رسول الله عبّاد بن بشر أَخا بني عبد الأشهل أو معاذ
(١) في الأصل ((ثم أرسلنا)) والصواب ما أثبت.

٣٥٢
تاريخ المدينة المنورة
ابن عمرو بن الجموح فليقتله ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله ، فلما رأى ذلك عمر رضي الله عنه سكت ، وتحدَّث أَهلُ
عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة عبد الله بن أبيّ وأفاضوا
فيها ، فأَذَّن مكانه بالرحيل ولم يتقارّ في منزله ، ولم يكن إلا أن
نزل فارتحل(١)، فلما استقلّ الناس قالوا: ما شأن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لم يتقارّ في منزله ، لقد جاءه خبر ، لعله أُغِيرَ على
المدينة وما فيها ؟ فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن أبيّ فسأله
عما تكلم به ، فحلف بالله ما قال من ذلك شيئاً ، فقال النبي
صلى الله عليه وسلم ((إن كان سبق منك قول شيء فتب)) فجَحَد
وحَلَف ، فوقع رجالٌ بزَيْد بن أرقم وقالوا : أَسأَت بابن عمك
وظلمته ، ولم يُصَدِّقك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبينما هم
يسيرون رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ، فلما قضى الله
قضاءه في موطنه وسُرِّيَ عنه نظر فإذا هو بزيد بن أرقم ، فأخذ
بأذنه فعصرها (٢) حتى استشرف القوم بفعل رسول الله صلى الله عليه
وسلم ولا يدرون ما شأنه، فقال: ((أَبْشِرْ فقد صدّق الله حديثك)»
فقرأً عليه سورة المنافقين حتى بلغ ما أنزل الله في ابن أبيّ ((هُمُ الذين
يَقولونَ لا تُنفقوا على مَنْ عند رسُول الله حتى يَنْفِضُّوا)) إلى قوله
(١) في معالم التنزيل ٨: ٣٦٧ « أذن للرحيل وذلك في ساعة لم یکن رسول الله صلى
الله عليه وسلم يرتحل فيها فارتحل الناس .
(٢) في السيرة الحلبية ٢: ٨١ (( فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ
بأذني وأنا على راحلتي يرفعها إلى السماء حتى ارتفعت عن مقعدي ، وهو يقول : وعت
أذنك يا غلام ، وصدق الله حديثك ، وكذب المنافقين، فكان يقال لزيد بن الأرقم رضي
الله عنه (( ذو الأذن الواعية)).

٣٥٣
لابن شبه
((ولكن المنافقين لا يعلمون))(١) فلما نزل رسول الله صلى الله عليه
وسلم بقباء(٢) من طريق عمق سرّح الناسُ ظَهْرَهم، وأخذتهم
ريحٌ شديدة حتى أشفق ، وقال الناس: يا رسول الله ما شأن هذه
الريح؟ فزعموا أنه قال ((مات اليوم منافق عظيم النفاق (٣) ولذلك
عصفت ، وليس عليكم منها بأُس إن شاء الله)) وكان موته غائظاً
للمنافقين - قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : فرجعنا إلى
المدينة فوجدنا منافقاً عظيم النفاق مات يومئذ - وسكنت الريح
آخر النهار ، فجمع الناس ظهرهم ، وفُقِدت راحلةُ رسول الله صلى الله
عليه وسلم من بين الإبل ، فسعى لها الرجال يلتمسونها ، فقال
رجل من المنافقين كان في رفقة من الأنصار : أين يسعي هؤلاء
الرجال ؟ قال أصحابه : يلتمسون راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقال المنافق : أَلا يُحَدِّثُه اللهُ بمكان راحلته ؟ فأنكر عليه أصحابه
ما قال ، وقالوا : قاتلك الله ؛ نافقت ، فلم خرجت وهذا في نفسك؟
لا صحبتنا ساعة . فمكث المنافق معهم شيئاً ، ثم قام وتركهم ،
فعمد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع الحديث ، فوجد الله قد
(١) سورة المنافقون الآيتان ٧، ٨.
(٢) وفي معالم التنزيل ٦: ٣٦٩ ((ثم راح بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق
البقيع - قالوا له بقعاء - فهاجت ربح شديدة .. )).
(٣) المنافق الذي ماجت الريح بسببه هو: رفاعة بن زيد بن التابوت ، مات ذلك
اليوم ، وكان من عظماء يهود بني قينقاع وكهفاً للمنافقين ، وكان ممن أسلم ظاهراً ، وقد
أشار إلى ذلك الإمام السبكي في تأليته بقوله :
لموت عظيم في اليهود بطيبة
وقد عصفت ريح فأخبرت أنها
( معالم التنزيل للبغوي ٨ : ٣٧٠ ، وتفسير ابن كثير ٤ : ١٥٨، والسيرة الحلبية
٢ : ٧٩ ) .

٣٥٤
تاريخ المدينة المنورة
حدّثه حديثه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنافق يسمع
(( إن رجلا من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول الله، وقال
ألا يحدثه الله بمكان ناقته، وإن الله قد أخبرني بمكانها ، ولا يعلم
الغيبَ إلا الله ، وإنها في الشعب المقابل لكم ، قد تعلق زمامها
بشجرة)) فعمدوا إليها فجاءوا بها ، وأَقبل المنافق سريعاً حتى أتى
الذين قال عندهم ما قال، فإذا هم جلوس مكانهم لم يقم منهم من
مجلسه ، فقال أنشدكم بالله هل أتى منكم أحد محمداً فأخبره
بالذي قلت ؟ قالوا : اللهم لا ، ولا قمنا من مجلسنا هذا بعد ،
قال : فإني قد وجدت عند القوم حديثي ، والله لكأني لم أُسلم إلا اليوم ،
وإن كنت لفي شك من شأنه، فَأَشْهَدُ أَنه رسول الله، فقال له
أصحابه : فاذهب إليه فليستغفر لك ، فزعموا أنه ذهب إليه
فاعترف بذنبه ، فاستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويزعمون
أنه ابن اللصيت(١)، ولم يزل - زعموا - يفسل (٢) حتى مات.
* حدثنا إبراهيم ، قال محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة
قال : حدثنا عبدالله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه
- وقد سئل عن زيد بن أرقم - فقال: هو الذي يقول النبي صلى الله
(١) هو زيد بن اللصيت تصغير لصت ، ويقال النصيب القينقاعي ، من اليهود الذين
دخلوا الإسلام نفاقاً ، وهو الذي قاتل عمر بن الخطاب بسوق بني قينقاع ، وزعم بعضهم
أن زيداً تاب بعد ذلك ، وقال بعضهم : لم يزل متهماً بشر حتى هلك ، وهو قول خارجة
ابن زيد بن ثابت حيث أنه أنكر توبته وقال: لم يزل فسلا حتى مات . والفسل : الضعيف
الذي لا مروءة له ولا جلد. أو المتهم كما في الرواية الأخرى. (نهاية الأرب ١٦: ٣٥٨،
٣٥٩، شرح المواهب الزرقاني ٣ : ٧٥، السيرة الحلبية ٢ : ٧٩، أسد الغابة ٢ : ٢٣٩،
مغازي الواقدي ٣ : ١٠١٠ ).
(٢) يفسل : كذا في الأصل وانظر التعليق السابق .

٣٥٥
لابن شبة
عليه وسلم : هو الذي أُوفي الله بأُذُنِه ؛ سمع رجلا من المنافقين
يقول - والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب - لئن كان هذا صادقاً
لنحن شرّ من الحمير ، فقال زيد بن أرقم : فقد والله صدق ،
ولأَنت شرٌ من الحمير ، ثم رفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فجحده القائل، فأنزل الله على رسوله (يَحْلِفُون بالله
ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكُفْر وَكَفروا بعد إِسلامهم) (١) وكان
ما أنزل الله من هذه الآية تصديقاً لزيد .
* حدثنا أحمد بن معاوية قال ، حدثنا عباد بن عباد ،
عن هشام بن عُروة، عن أبيه : أَن جلّس بن سُوَيد(٢) قال : لئن
كان ما يقول محمد حَقًّا لنحن شر من الحمير ، فقال عمير بن سعد
وكان ربيبه في حجره(٣): والله إن الذي يقول حق ، وإنك لشر من
الحمار ، ورفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه جلاس
فرد قوله وكذبه وقال : والله ما قلت ذلك ولقد كذب عليّ فأنزل
الله ((يَخْلِفُون باللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ
إسلامهم)) الآية . قال جلاس : صدق يا رسول الله ، لقد قلت ذاك ،
(١) سورة التوبة آية ٧٤ .
(٢) في الأصل ((جلاس بن عبيد)) والتصويب من نهاية الأرب ١٦: ٣٥٢، والمغازي
الواقدي ٣ : ١٠٠٣، وأسد الغابة ١ : ٢٩١، وابن هشام ٢ : ٢٦٢ وهو جلاس بن
سويد بن الصامت بن خالد بن عطية بن خوط بن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك بن
الأوس الأنصاري الأوسي ، كان منافقاً فتاب وحسنت توبته ، وقصته مع عمیر بن سعد
هذا مشهورة في التفاسير .
(٣) في أسد الغابة ١: ٢٩٢ ( وكانت أم عمير بن سعد تحته ، وكان عمير يتيماً
في حجرہ لا مال له ، و کان یکفله ویحسن إلیه ، ولم ینزع عن خیر کان یصنعه إلی عمیر ،
فكان ذلك مما عرفت به توبته )» .

٣٥٦
تاريخ المدينة المنورة
وقد عرض الله عليّ التوبة وإني أستغفر الله وأتوب إليه مما قلت :
وكان حُمِّل حمالة ، أَو عليه دين فأَداه النبي صلى الله عليه وسلم،
فذلك قوله ((وما نَقَمُوا إِلَّا أَن أَغْناهم الله ورسوله مِن فَضْلِهِ))(١)
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمير ( وَقَتْ أُذُنك وصدقَكَ رَبُّك )
وقال عمير لجلاس : أم والله لولا أني خشيت أن ينزل فيّ كتاب
أو وحي بكتماني عليك لكتمت عليك .
* حدثنا ميمون بن الأصبغ قال ، حدثنا الحكم بن نافع
قال ، حدثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري قال ، أخبرني
عروة بن الزبير ، أن أسامة بن زيد رضي الله عنه أخبره : أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه إكاف (٢) فوقه قطيفة
فَدَكيّة وأردف أسامة بن زيد وراءه ، يعود سعد بن عَبَادَة في بني
الحارث بن الخزرج قبل وقعه بدر ، فسار حتى مر بمجلس فيه
عبد الله بن أبيّ بن سلول - وذلك قبل أن يسلم عبدالله بن أبيّ -
فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين وعبدة الأوثان
واليهود ، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة ، فلما غشت المجلس
عجاجةُ الدابةِ خَمِّرَ ابن أبي أنفة بردائه ، ثم قال : لا تغيروا علينا،
فسلم النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى
الله ، وقرأ عليهم القرآن ، فقال عبد الله بن أبيّ : أيها المرء إنه
(لا أحسن من حديثك (٣) هذا إن كان حقاً ) فلا تؤذنا في مجلسنا،
(١) سورة التوبة آية ٧٤ .
(٢) في الأصل ((على إكاف)) والمثبت عن ابن هشام ٢ : ٢٢٤ تحقيق محيي الدين،
ونهاية الأرب ١٦ : ٣٥٧ .
(٣) في الأصل: ((لأحسن مما تقول)) والمثبت عن السيرة لابن هشام ٢ : ٤٢٥
تحقيق محيي الدين، ونهاية الأرب ١٦ : ٣٥٧.

٣٥٧
لابن شبة
ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه ، فقال عبد الله بن رواحة :
بَلَى يا رسول الله، فاغشنا في مجالسنا ، فإنا نحبٌ ذلك ، فاستبّ
المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتشاورون ، فلم يزل النبي
صلى الله عليه وسلم يخفّضهم حتى سكتوا ، ثم ركب دابته فسار
حتى دخل على سعد بن عبادة فقال ( يا سعد ألا تسمع إلى ما قال
أبو حباب)(١) - يريد عبد الله بن أبيّ - قال كذا وكذا)) فقال
سعد: يا رسول الله ، اعف عنه واصفح ، فوالذي نزّل الكتاب لقد
جاء الله بالحق الذي أنزل عليك ، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة(٢)
على أن يتوّجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما ردِّ الله ذلك بالحق الذي
أعطاك شرفه فذلك فعل به ما رأيت ، فعفى عنه النبي صلى الله
عليه وسلم .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين
وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأَذي قال (ولتَسْمَعُنّ
مِن الَّذين أوتوا الكتاب مِنْ قَبْلِكم ومن الَّذين أَشْرَكُوا أَذَىٌ كَثِيراً»(٣)
الآية، وقال الله ((وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْد
إيمَانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً)) (٤) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأوّل
في العفو ما أمره الله به ، حتى أذن الله فيهم فلما غزا النبي صلى الله
(١) في الأصل بلغت هذا لا تسمع إلى ما قال ابن حباب «والإثبات عن مغازي
الواقدي ١ : ١٧٧ - ١٧٩ .
(٢) البحرة : مستنقع الماء والبلدة ، والعرب تقول لكل قرية : هذه بحرتنا أي بلدتنا
( أقرب الموارد ص ٣١ ).
(٣) سورة آل عمران آية ١٨٦.
(٤) سورة البقرة آية ١٠٩ .

٣٥٨
تاريخ المدينة المنورة
عليه وسلم بدراً فقتل الله به من قتل ( من ) (١) صناديد كفار
قريش قال ابن أبيّ بن سلول ومن معه من المشركين عبدة الأوثان :
هذا أمر قد تَوَجَّه له ، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على
الإِسلام وأسلموا .
. حدثنا أحمد بن عبد الرحمن القرشي قال ، حدثنا الوليد
ابن مسلم ، حدثنا سعيد بن عبد العزيز ، وغيره من شيوخ أهل
دمشق ، عن الزهري ، عن عروة ، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما
قال : ركب النبي صلى الله عليه وسلم يوماً حماراً بإكاف عليه قطيفة
فَدكيّةٍ (٢) وردفه أسامة بن زيد يعود سعد بن عبادة في بني الحارث
ابن الخزرج ، فذكر مثله إلى قوله فردّ الله ذلك بالحق الذي أنزل
عليك(٣) .
* حدثنا حبان بن بشر قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن أبي بكر
ابن عَيّاش ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس رضي الله
عنهما في قوله : ((وإِن طَائِفَتَان منَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتلوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفيَ إِلى
أَمْر الله )) (٤) قال : أَقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار له
يسير حتى وقف على عبد الله بن أُبَيّ بن سلول أَخي بني الحبلى فراث
الحمار فأمسك عبد الله على أنفه فقال: إليك حمارك عن وجه الريح
(١) الإصافة للسياق .
(٢) في الأصل كلمة لا تقرأ والإثبات عن السيرة لابن هشام ٢ : ٢٢٤، ونهاية
الأرب ١٦ : ٣٥٧ .
(٣) في الأصل: ((أنزل عليه)) والتصويب عن المرجع السابق.
(٤) سورة الحجرات آية ١

٣٥٩
لابن شبة
هكذا ، فوالله لقد أنتنتني . فقال عبد الله بن رواحة: أَلحمار رسول
الله صلى الله عليه وسلم تقولُ هذا؟ فوالله لهو أَطيب عرْضًا (١)
منك قال : أَليَ تقولُ هذا يا ابن رواحة ؟ فقال : إي والله ، ومن
أبيك . فلم يزل الأُمرُ بينهما حتى جاءت عشيرةُ هذا وعشيرةُ هذا،
فكان بينهم وحي(٢) باللطام والنعال فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يحجز بينهم حتى نزلت: ((وإن طَائِفَتَان منَ المُؤْمِنينَ اقْتَتَلُوا »
إلى قوله ((حَتَّى تَفيَ إلى أَمْر الله)) (٣) فلما نزلت عرفوا أنها الهاجرة،
فكفوا ، وأَقبلَ بشيرُ بنُ سعد أبو النعمان بن بشير - وكان من رهط
ابن رواحة - متقلَّدَ السيف ، فلما انتهى إلى القوم وقد تحاجزوا
قال : أين أَبَيّ يا ابن أبي سعد أَعَليَّ تحملُ السيف؟ فقال : والله لو
أدركتكم قبل الصلح لضربتك به .
. حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا ابن جريج قال ، أخبرني عروة
ابن دينار ، أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول : غزونا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونَابَ(٤) ناس من المهاجرين حتى
كثروا ، وكان رجل من المهاجرين لَعَّابًا فكسع (٥) أنصارياً ، فغضب
الأنصار غضباً شديداً حتى تداعَوْا ، فقال الأنصاري: يا للأَنصار
(١) العرْض : النفس وقيل الجلد (أقرب الموارد).
(٢) انوحي : کل ١٠ ألقيته إلى غيرك ، و کذا الصوت یکون في الناس وغيرهم (تاج
العروس ١٠ : ٣٨٥) .
(٣) سورة الحجرات آية ٩ .
(٤) ناب : يعني أقبل ( لسان العرب ((نوب))) .
(٥) الكسع : أن تضرب بيدك أو برجلك على دبر إنسان أو شيء ما ، وفي حديث
زيد بن أرقم : أن رجلا کسع رجلا من الأنصار أي ضرب دبره بيده ( لسان العرب
١٠ : ١٨٤ ) .

٣٦٠
تاريخ المدينة المنورة
يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين يا للمهاجرين ، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما بال دعوة الجاهلية فقال: ما شأنهم »
فَأُخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، فقال ((دعوها فإنها خبيثة (١)
فقال عبد الله بن أبيّ بن سلول : قد تداعوا ، إِن رجعنا إلى المدينة
لَيُخرجن الأَعزُّ منها الأُذلَّ، فقال عمر : يا نبي الله أَلا تقتل هذا
الخبيث ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((لا يتحدث الناس أنه
يقتل أصحابه))(٢).
• وقد أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر رضي الله عنه يذكر هذا ،
وزاد فيه «يا معشر المهاجرين قد ابْتُليَ بكُم الأنصارُ ففعلوا ما قد
علمتم، فَآوَوْا وَنَصَرُوا، وأنتم مبتلون بهم فانظروا كيف تفعلون )).
* حدثنا غندر قال ، حدثنا شعبة، عن الحكم ، عن محمد بن
كعب القرظي ، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : كنت مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فقال عبد الله بن أبيّ : لئن
رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأَعزُّ منها الأَذلَّ، فأَتيتُ النبي صلى الله عليه
وسلم فأخبرته ، فحلف عبد الله بن أبيّ أنه لم يكن شيءٌ من ذلك .
فلامني قومي وقالوا : ما أردت إلى هذا ؟ قال: فانطلقتُ فقمتُ كئيباً
أو حزيناً ، فأرسل إليَّ نبي الله صلى الله عليه وسلم - أو فأتيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم - فقال : إنّ الله عزَّ وجلّ قد أَنزل عُذْرَك
(١) في أسد الغابة ١: ٣٠٩ وكذا في تفسير ابن كثير ٨: ٣٦٨ (( قال: دعوها فإنها
منتنة )) .
(٢) انظر الخبر في السيرة الحلبية ٢ : ٧٧ وتفسير ابن كثير ٨ : ٣٦٨، ومعالم
التنزيل ٣٦٧:٨ .