Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
لابن شبة
ومعي أم مسطح معها سحبل(١) ماء فعثرت فعقلها إزارها فقالت :
تعس مسطح ، فقالت عائشة: سبحان الله سَبَيْتٍ رجلاً من المهاجرين
شهِدَ بدراً وهو ابنك ! ! قالت أو ما تدرين ما قال لك ؟ قالت : وما
قال لي ؟ قالت : زال بك السيل وما تدرين ؟ إنه قال كذا وكذا ،
قالت عائشة : فرجعت إلى بيتي قد تقلّص ذلك مني ما قدرت على
قضاء حاجة ، فبكيت من العشاء حتى أصبحت ما دخل في عيني نوم
ولا جفّت لي عين ، ثم بكيت من بكرة حتى الليل ما جَفّت لي عين
ولا دخل في عيني نوم ، فلما أَمْسَيْتُ قلت: يا رسول الله ائذن لي أن
آتي أَبَوَيّ، قال ((نعم إن شئت)) قالت فجئت إلى أبوي فقلت لهما:
أَلا خَبِّرْ تُمَاني حتى أعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال لها
أبو بكر رضي الله عنه: والله لوددت أَني لَمْ أَرَكِ قَطْ، وددت أن
لو كنت حَيْضَةً، والله ما قيل ذلك في الجاهلية فكيف في الإسلام ،
قالت : والله لا يُخْزِيك الله أبداً ، فقالت أمّها أُم رومان : يا بنية
اخفضي عليك شأنك ، والله ما كانت امرأة قط يحبها زوجها ولها
ضرائر إلا يَبْغِينها شراً ، قالت : فدخل النبي صلى الله عليه وسلم
فرأى في وجوههم من الحُزْن ما رأَى، فقال: ((يا عائشة إن كنت
فعلت شيئاً مما قالوا فأخبريني حتى أستغفر الله لك ، فقالت لأبويها :
أُجيبا رسول الله صلى الله عليه وسلم عني ، قال أبو بكر رضي الله
الله عنه : والله ما أَدْرِي ما أُجيبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ،
وما أدري ماذا أقول، قالت عائشة: والله لا أستغفر الله من هذا الذَّنْب
(١) ما في الأصل ((يقرأ سحبل أو سجل)) والسحيل: الضخم من الأسقية،
والسجل : الدلو الكبير (أقرب الموارد).

٣٢٢
تاريخ المدينة المنورة
أبداً ، وإن كنت فعلتُ فلا غَفَرَ اللهُ لي ، وما أُجد مثلي ومثلكم إلا
مثل أبي يوسف حين قال (( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى ما
تَصِفُون)) (١)، وما (أذكر)(٢) اسمَ يعقوب من الأسف، قالت : وبکیت،
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كَهيئة ما يَعْتَريه ، قال أبو بكر
رضي الله عنه : اذني من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت والله
لا أَمسّهِ ، فَسُرِّيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ،
فقال لها أبشري(٣) إن الله قد أنزل براءتك؟ قالت: ((بحمد الله
لا بحمدك وحمد صاحبيك فقال : أبو بكر رضي الله عنه : والله
لا أنفع مسطحاً أبداً ، افترى على ابنتي فأنزل الله: ((وَلَا يَأْتُلٍ أُولو
الفَضْلِ مِنْكُم والسَّعَةِ أَنْ يُؤْتوا أُولِ القُرْبى والمساكين والْمَهَاجرين
في سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تَحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ
غَفُورٌ رَحيم )»(٤) فَكَفّر أبو بكر رضي الله عنه عن يمينه ، وأحسن
إلى مسطح بعدُ وزاده على ما كان يصنع إليه ، ونزّلَ في عائشة رضي
الله عنها في سورة النور بعد الفتنة ((إنَّ الذِين جَاءُوا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ
مِنْكُم لَا تَحْسَبُوه شَرًّا لَكم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكلِّ امريٍ مِنْهُم مَّا
اكْتَسَبَ من الإِثْم والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ منهم له عَذَابٌ عَظِيمٌ )) إلى قوله
((لَهم مَغفرةٌ وَرِزِقٌ كّرِيم)) (٥) .
(١) سورة يوسف آية ١٨ .
(٢) سقط في الأصل والإثبات عن سيرة ابن هشام ٢ : ٣٠٢ .
(٣) في الأصل ((أشعرت)) والتصويب عن معالم التنزيل ٦: ٧٥، وابن هشام
٢ : ٣٠٢-
(٤) سورة النور آية ٢٢ .
(٥) سورة النور الآيات من ١١ - ٢٦ .

٣٢٣
لابن شبة
· حدثنا أبو عمران الرازي حفص بن عمر قال ، حدثنا صالح
ابن أبي الأخضر ، عن الزهري قال ، حدثي عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وعروة بن الزّبير
(وعلقمة بن(١) وقّاص) حديث عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ،
وكُلُّهم حدثني طائفةٌ من حديثها ، وبعضُهم كان أثبت لحديثها من
بعض وأحسن له قصصاً عن عائشة ، فذكر نحو حديث فُلَيْح ،
ولم يقل : بني المصطلق ، إلاّ أنه قال: وأَنا جارية حديثةُ السّن لا أقرأ
كثيراً من القرآن ، فذكر نحوه .
* حدثنا هارون بن معروف قال ، حدثنا عتّاب بن بشير ، عن
خصيف ، عن هشيم ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : دَخَلتْ عليّ
أُمُّ مسطح فخرجتُ إلى حينٍ لِحَاجَةٍ فَوَطِئْتْ أُمّ مسطح عَلَى عظم
- أو شوكة - فقالت: تَعِسَ مسطح، فقلتُ: بئس ما قلتٍ ، ابنُك،
ورجلٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ! ! فقالت : أشهد أنك
من الغافلات المؤمنات ، أتدرين ما قد طار عليك ؟ قلت : لا والله ،
قالت : متى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بك ؟ فقالت : رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم (يصنع)(٢) في أزواجه ما أَحَبّ ؛ يدني من أَحَبّ
منهن ويُرْچِي من أُحبّ (منهن)(٢)قالت : فإنه قد طار علیك كذا و كذا،
قالت : فخررت مغشية عليّ ، فبلغ أَمْري أُمي ، فلما بلغها أن عائشة
قد بلغها الأَمرُ أتتني فحملتْنِي فَذَهَبَت بي إلى بيتها ، فبلغ رسول الله
(١) سقط في الأصل والإثبات عن السيرة لابن هشام ٢ : ٢٩٧، وإرشاد الساري
بشرح صحيح البخاري . ٦ : ٣٣٨ .
(٢) سقط في الأصل والإثبات عن مجمع الزوائد ٩ : ٢٢٩، والبداية والنهاية
٦ : ٠٧٣

٣٢٤
تاريخ المدينة المنورة
صلى الله عليه وسلم أَن عائشة قد بلغها الأَمرُ ، فجاء إليها فدخل عليها
وجلس عندها، وقال: (( يا عائشة إنّ اللّه قد وَسِّع التوبة)» قالت :
فازدَدْتُ شراً إلى ما بي ، فبينا نحن كذلك إذ جاء أبو بكر فدخل
(عَلَيّ)(١) فقال: يا رسول الله ما تنتظر بهذه التي قد خانتك وفضحتني؟
قالت : فازدَدْتُ شراً إلى شرّ، قالت : فأرسل إلى عليٍّ رضي الله عنه
فقال (( يا علي ، ما ترى في عائشة ؟ قال : الله ورسوله أعلم، قال :
(( لتخبرني ما ترى فيها)، قال: قد وسّع الله في النساء، فأرسل إلى
بَرِيرَة جاريتها فسَلْهَا فَعَسَى أَن تكون قد اطّلعت على شيء من أمرها،
فأرسل إلى بَرِيرَة فجاءت، فقال لها: ((أُتشهدين أَني رسول الله ؟))
قالت: نعم، قال: ((فإني سائلك عن شيء فلا تكتميني)) قالت :
يا رسول الله ما شيء تسألني عنه إلا أَخبرتك، ولا أَكْتُمُكَ إن شاء الله
شيئاً، قال: ((هل رأيت منها شيئاً تكرهينه؟)) قالت : لا والذي
بعثك بالنبوّة، ما رأيت منها (٢) منذ كنت عندها إلا خلّة، قال:
(((ما هي)) قالت، عَجَنْتُ عجينةً لي فقلتُ يا عائشة احفظي هذه
العجينة حتى أَقْتَبَسَ ناراً فأَخْتَبز، فقامت تُصَلّي، فغفلت عن العجينة
فجاءت الشاة فأكلتها . قالت : فأرسل إلى أسامة فقال (( يا أسامة
ما ترى في عائشة ؟)) قال : الله ورسوله أعلم ، قال « لتخبرني ما ترى
فيها ، قال : فإني أرى أن تسكت عنها حتى يحدث الله إليك فيها ،
قالت : فما كان إلا يسيراً حتى نَزَلَ الوحيُ ، فلما نزل فرُئي في وجه
(١) سقط في الأصل والإثبات عن مجمع الزوائد ٢٢٩:٩، والبداية والنهاية ٧٣:٦.
(٢) في الأصل: ((عندها)) والمثبت عن مجمع الزوائد ٩ : ٢٢٩، وفي إرشاد
الساري ٦ : ٣٤١ ومعالم التنزيل ٦: ٧٢ وتفسير ابن كثير ٦ : ٧٠ والتاج ٤ : ١٨٩
(( ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها)).

٣٢٥
لابن شبة
رسول الله صلى الله عليه وسلم السرورُ، وجاء عُذْرُها من الله، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أبشري يا عائشة - ثلاث مرَار - فقد
أَتَاك الله بعُذْرك)) قالت فقلت: بغير حَمْدك وحَمْد صاحبك ، قالت :
فعند ذلك تكلّمْتُ ، قالت : وكان إذا أتاها قال : كَيْفَ تيكُم ؟
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال ،
حدثنا هشام بن عروة ، عن عروة ، أَن عائشة رضي الله عنها قالت :
لقد تحدث الناس بهذا الأمر ، وشاع فيهم ، فقامَ فيهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم خطيباً ، وما أشعر به ، فدخل رسول الله صلى الله
عليه وسلم في نَفَرٍ من أصحابه على جَاريَة لي نُوبيّة فقال: (( يا فلانة،
ما تعلمين عن عائشة ؟)) فقالت: والله ما أعلم منها عَيْباً إلاّ أنها
تنام فتدخل الشاة فتأ كل خَميرَتَها. فقال ((ليس غير هذا، أسألك))
فقالت : نعم فسلني ، فلما قَطنت لما يُريد قالت : سبحان الله ! !
ولا علمتُ من عائشة إلا ما يَعْلَمُ الصايغ من التّبر الأَحْمَر . فخرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
(( أَما بعد، فأشيروا عليّ معشر المسلمين في قوم آبنوا (١) أهلي وما علمت
عليهم من سوء قط، آبنوهم بمَنْ والله ما علمتُ (عليه)(٢) من سوء
قط، ما بقيت إلا وهو معي، ولا دخل بيتي إلا وأنا شاهد)» فقال
سعد بن معاذ : يا رسول الله أرى أن تضرب أعناقهم ، فقال رجل
من الخزرج (٣) : كذبتَ والله ، أَمَ والله لو كان من رهطك ما أُمرت
(١) آبنوا، آبنه: انهمه وعابه، والنص موافق لما جاء في تفسير ابن كثير ٦: ٧٣.
(٢) سقط في الأصل والإثبات عن ابن كثير ٦ : ٧٣ .
(٣) هو سعد بن عبادة. (التاج ٤: ١٩٠، مجمع الزوائد ٩ : ٢٣٣).

٣٢٦
تاريخ المدينة المنورة
بقتلهم . حتى كاد أن يكون بين الخزرج والأُوس كَوْن(١)، وكان
ممن تولّى كِبْرَه حسانُ بن ثابت ومِسْطَح بن أَثَاثَة وحَمْنَةُ بنت جحش
في آخرين لا يُسَمَّوْن ، وكان يتحدث به عند عبد الله بن أبيّ ويذيعه .
* قالت عائشة رضي الله عنها : فخرجتُ ذات ليلة معي أم مسطح
لحاجتي ، فبينا هي تمشي إذ عثرت فقالت : تَعِسَ مِسْطح . فقلت:
سبحان الله ، علام تسبّين ابنَك وهو من المهاجرين الأَّولين ، وقد
شهد بدراً ؟! ثم مشت أيضاً فعثرت ، فقالت : تَعِسَ مسطح ، فقلت
علام تسبين ابنك وهو من المهاجرين الأولين وقد شهد بدراً ؟ ! ثم
مشت أيضاً فعثرت ، فقالت : تَعِسَ مِسْطَح ، فقلت لها مثل ذلك .
فقالت : والله ما أَسبّه إلا فيك، فقلت : وما شأني ؟ فأخبرتني،
فذهبت حاجتي فما أَجد منها شيئاً ، فرجعت فَحُمِمْتُ فدخل عليّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ((ما شأنك يا عائشة؟)) فقلت:
حُبِمْت يا رسول الله فأذن لي فَلَآلٍ أَبَوَيّ، فأَذن لي ، فذهبتُ فإذا أُمي
أسفل وإذا أَبي فوق البيت يُصَلّي ، فقالت أمي: ما جاء بك ؟ فقلت:
أَخْبَرَتْني أُمُّ مسطح بكذا وكذا ، قالت : وما سمعته إلا الآن ؟ قلت :
لا ، قالت : فَبَكَت وبَكَيْتُ ، وسَمعَ أَبي بكاءنَا فنزل فقال : ما شأن
ابنتي ؟ فقالت: إنَّها سمعت بذاك الخبر الآن ، قال : أَي بنيّة
ارجعي إلى بيتك حتى نّغْدُو عليك غداً ، فلما كان الغدُ جاء وعند
النبي صلى الله عليه وسلم امرأةٌ من الأنصار ، فما منع النبي صلى الله
عليه وسلم مكانها أن يتكلم ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (( أما بعد
(١) كذا في الأصل . والكون: الحدث ( اللسان) وفي تفسير ابن كثير ٦ : ٧٣
(((شر)).

٣٢٧
لابن شبة
يا عائشة فإن كنتِ أَسأَتٍ وأخطأتِ فاستغفري ربك وتوبي إليه »
فقلت لأبي : تكلّم ، فقال لِمَ أَتكلم ؟ فقلت لأُمي تكلمي. فقالت
لِمَّ أَتكلم ؟ ، فحمدتُ الله تعالى وأثنيت عليه، ثم قلت : أما بعد
فوالله لئن قلت لكم فعلتُ واللهُ يعلم ما فعلتُ لتقولُنّ قد أَقَرّت،
ولئن قلت ما فعلتُ لتقولن كذَيْت، والله مَّا أَجدُ لي ولكم مثلاً إلا
ما قال العبد الصالح (( فَصَبْرُ جَميلٌ واللهُ المُسْتَعانُ على ما تَصِفُون))(١)
ونزل الوحيُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما سُرِّي عنه حتى
رأيتُ السرورَ بين عَيْنَيْه، ثم قال ((يا عائشة أَبشري فإن الله عزّ
وجلٌ قد أَنزل عُذْرَك)) وقرأَ عليها القرآن: ((سورةٌ أَنزِلنَاهَا
وفَرَضْنَاها (٢) حتى أتى على هذه الآيات ، فقال أَبواي : قُومي
فَقَبّلي رأْسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ أَحمدُ الله
لاَ إِيَّاكُما .
وقال الرجل الذي قيل له ما قيل : سبحان الله، والله إن كشفتُ
كَنَفَ أَنْثَى (٣) قط. فقتل شهيداً في سبيل الله، قالت : وكان مسطح
قريباً لأبي بكر ، وكان يتيماً في حِجْره ، فحلَفَ أَبو بكر أَن لا يُنْفقّ
عليه ، فأَنزل الله عزّ وجلّ ((ولا يَأْتَل أُولو الفَضْل منكم والسعة))
إلى قوله (( ألا تحبون أن يغفرالله لكم، و کان حسان بن ثابت رضي
اللّه عنه إذا سُبَّ عند عائشة رضي الله عنها قالت : لا تَسُبُوه فإنه كان
(١) سورة يوسف آية ١٨ .
(٢) سورة النور آية ١ .
(٣) كذا في الأصل، وفي تفسير ابن كثير ٦: ٧٤ ((ماكشف كنف أنثى قط».
(٤) سورة النور آية ٢٢ .

٣٢٨
تاريخ المدينة المنورة
ينافح (١) عَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالت : أَيّ عذاب أعظم
من ذهاب عينيه .
· حدثنا علي بن أبي هاشم قال ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن
محمد بن إسحاق قال ، حدثني الزهري عن علقمة بن وَقَّاص ، وعن
سعيد بن المسيّب، وعن عروة بن الزُّبَيْر، وعن عبيد الله بن عبد الله،
فكلٌّ حدثني هذا الحديث ، وبعض القوم أوعى له من بعض ، وقد
جمعت لك كل الذي حدثني القومُ .
* قال محمد بن إسحاق: وحدثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن
الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها . وعبد الله بن أبي بكر
ابن محمد بن حزم الأنصاري ، عن عمرة ، عن عائشة رضي الله عنها
فكل قد اجتمع حديثه في قصة خبر عائشة رضي الله عنها عن نفسها
حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ، قالت : كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا أراد سفراً أَفرع بين نسائه ( فَأَيتهن خرج سهمها خرج
بها معه ، فلما كانت غزوة بني المُصْطّلق أقرع بين نسائه)(٢) كما كان
(١) النفح: الذب عن الرجل، وفي الحديث ((إن جبريل مع حسان ما نافح عني))
أي دافع عي . ( اللسان ٣ : ٤٦٣) وفي تفسير ابن کثیر ٦ : ٧٨ « قال ابن جرير : حدثنا
الحسن بن قذعة حدثنا سلمة بن علقمة حدثنا داود عن عامر عن عائشة أنها قالت : ماسمعت
من شعر أحسن من شعر حسان ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة ، وذاك قوله لأبي سفيان
ابن الحارث بن عبد المطلب :
وعند اللّه في ذاك الجزاء
هجوت محمداً فأجبت عنه
لعرض محمد منكم وقاء
فإن أبي ووالده وعرضي
فشركا غيركما القداء
أتشتمه ولست له بكفء
لساني صارم لا عيب فيه
وبحمري لا تكدره الدلاء
(٢) سقط في الأصل والإثبات عن سيرة ابن هشام ٢ : ٢٩٧ .

٣٢٩
لابن شبة
يصنع ، فخرج سهمي عليهن ، فخرج بي معه قالت : قال وكان النساء
إذ ذاك إنما يأكلن العلق فلم يهجهن (١) اللحم فيثقلن، وكنت إذا
رحّل لي بعيري جلست في هودجي ، ثم يأتيني القوم ويحملونني (٢)،
فيأُخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه
بحياله ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به ، فلما فرغ رسول الله
صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك وجه قافلاً ، حتى إذا كان قريباً
من المدينة نزل منزلاً فيات به بعض الليل ، ثم أَذّن في الناس بالرحيل
فارتحل الناس ، وخرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد فيه جزع
ظفار (٣) فلما فرغت انسلٌ من عنقي ولا أدري، فلما رجعت إلى الرّحل
ذهبت ألتمس ما في عنقي فلم أجده - وقد أخذ الناس في الرحيل -
فرجعت إلى مكاني فالتمسته حتى وجدته ، وجاء القوم خلافي - الذين
كانوا يرحّلون بي البعير وقد فرغوا من رحلته - فأخذوا الهودج وهم
يظنون أني فيه كما كنت أَصنع ، فاحتملوه فشدوه على البعير ولم
يشكوا أني فيه ، ثم أخذوا برأس البعير فسَاروا به ، فرجعت إلى
العسكر وما فيه من داع ولا مجيب ، فانطلق الناس. قالت : فتلفَّفْت
بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني ، وعرفت أني لو افْتُقِدْت قد يُرْجَّع
(١) يهجهن اللحم : أي يكثر عليهن ويكون كالورم في الجسم (السيرة لابن هشام
٢ : ٢٩٧ ) .
(٢) في الأصل ((يحملوني)) والتصويب عن سيرة ابن هشام ٢: ٢٩٧ .
(٣) في الأصل (( جزع أظفار)) بالهمز وهي رواية لأبي ذرّ عن المستملي، والمثبت
عن ابن هشام ٢ : ٢٩٨، وإرشاد الساري بشرح صحيح البخاري ٦: ٣٣٨ حيث ورد
فيه (( وقد صوّب الخطابي أظفار بحذف الهمزة وكسرالراء مبنياً كحضار مدينة باليمن))
والجزع خرز يمني ، وظفار مدينة باليمن قرب صنعاء، وفي رواية عروة عنها في الصحيح :
أنها استعارتها من أسماء أختها ( شرح المواهب الزرقاني ٢: ١٠١).

٣٣٠
تاريخ المدينة المنورة
إليّ ، فو الله إني لمضطجعة إذ مرّ بي صفوان بن المُعَطَّل السلمي - وقد
كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس - فرأى
سوادي فأقبل حتى وقف عليّ - وقد كان يراني قبل أن يُضْرب علينا
الحجاب - فلما رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ؛ ظعينة (١) رسول
الله صلى الله عليه وسلم - وأَنا متلففة في ثيابي - فقال: ما خَلَّفُكِ
يرحَمُك الله ؟ قالت : فما كلَّمْتُه ، قالت : ثم قرّب البعير فقال :
اركبي ، واستأُخر عني، فركبتُ، فأخذ برأس البعير وانطلق سريعاً
يطلبُ الناس ، فو الله ما أدركنا الناس وما افتقدت(٢) حتى أصبحتُ،
ونزل الناسُ، فلما اطمأنوا طَلَع الرجلُ يقود بي ، فقال أَهلُ الإِفك
ما قالوا ، فارتجف (٣) العسكر، ووالله ما أعلم بشيء من ذلك ، ثم
قدمنا المدينة فلم أَمكث أن اشتكيت شكوى شديدة ولا يبلغني من
ذلك شيء ، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وإلى أَبويّ، ولا يذكرون لي منه قليلاً ولا كثيراً، إلاّ أَني قد أنكرت
من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضّ لطفه بي ، كنت إذا اشتكیت
رحمني ولطف بي، فلم يفعل ذلك (بي)(٤) في شكوايَ تلك ، فقد أَنكرت
ذلك منه ، كان إذا دخل وعندي أُمّي تُمَرِّغُني قال ((كيف تيكم ؟))
لا يزيد على ذلك ، حتى وجدت في نفسي ، فقلت يا رسول الله - حین
رأيت ما رأيت من جفائه لي- لو أذنت لي فانتقلتُ إلى أُمي فمرّضَتْنِي ؟
(١) الظعينة: تطلق الظعينة على الزوجة، تقول ((هي ظعينة فلان أي امرأته ؛ لأن
الرجل يظعن بها أي يرتحل .
(٢) في الأصل ((وفقدت)) والمثبت عن السيرة لابن هشام ٢ : ٢٩٨.
(٣) كذا في الأصل وفي ابن هشام ٢: ٢٩٨، فارتج العسكر ، أي تحرك واضطرب،
(٤) الإضافة عن ابن هشام ٢ : ٢٩٨ .

٣٣١
لابن شبة
فقال (( لا عليك)) قالت: فانتقلت إلى أمي، ولا أعلم بشيء مما كان
حتى نَقَهْتُ من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة ، وكنّا قوماً لا نتخذ
الكَنَفَ(١) في بيوتنا التي يتخذهاالأ عاجم؛ نعافها ونکرهها. إنا كنا
نذهب في فسح المدينة ، وإنما كانت النساء يخرجن كل ليلة في
حوائجهن ، فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح بنت أبي رهم
ابن عبد المطلب بن عبد مناف، وكانت أُمها بنت صخر(٢) بن عامر
ابن كعب بن سعد بن تيم ، خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ،
قالت : فو الله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرْطها (٣) فقالت: تَعسَ
مسْطَح . قالت فقلت : بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد
شهد بدراً . قالت : أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر ؟ قالت (قلت)(٥)
وما الخبر ؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك ، قلت : أَو قد
كان هذا ؟ قالت : نعم ، والله لقد كان . قالت : فو الله ما قدرت
(على)(٤) أن أقضي حاجة ، ورجعت، فو الله ما زلت أبكي حتى ظننت
أن البكاء سيصدع كبدي ، وقلت لأمي : يغفر الله لك ؛ تحدث الناس
بما تحدثوا به ولا تذكرين لي شيئاً من ذلك ، قالت : أَي بنية
خفِّضي عليك (الشأن)(٤) فو الله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل
يحبها لها ضرائر إلا أكثرن وأكثر الناس عليها (٤). قالت : وقد
(١) جمع كنيف : وهو السترة أو السائر، ويطلق على المرحاض فإنه يستر قاضي
الحاجة ( أقرب الموارد ) .
(٢) في الأصل ((أم صخر بنت صخر بن عامر)) والمثبت عن أسد الغابة ٥ : ٦١٨،
وابن هشام ٢: ٢٩٩، وهي سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.
(٣) المرط: الكساء (السيرة لابن هشام ٢ : ٢٩٩).
(٤) الإضافات عن السيرة النبوية لابن هشام ٢ : ٢٩٩، ٣٠٠.
في السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٣٠٠ (( إلاكثرن وكثر الناس)).

٣٣٢
تاريخ المدينة المنورة
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيباً ولا أعلم بذلك
(فحمد الله وأثنى عليه)(١) ثم قال: (( يا أيها الناس، ما بال رجال
يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق ؟ فو الله ما علمت منهم
إلا خيرًا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيراً ، ولا
دَخَلَ بيتاً من بيوتي إلا وهو معي )) قالت: وكان كُبْرِ (٢) ذلك عند
عبد الله بن أبيّ بن سلول في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح
وحَمنة بنت جَحْش ، وذلك أَنّ أُختها زينب بنت جحش كانت
عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم تكن من نسائه امرأة كانت
تناصيني (٣)في المنزلة عنده غيرها، فأَما زينب فعصمها الله بدينها
فلم تقل إلاّ خيراً، وأما أُختها حمنة فأَشاعت من ذلك ما أَشاعت
تُضادُّفي لأُختها فَشَقِيَتْ بذلك ، فلما أَن قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم تلك المقالة قال أُسَيْد بن حُضَيْر أَحد بني عبد الأشهل : يا رسول
الله إن يكونوا من الأوس نكفيكهم ، وإن يكونوا من إخواننا من
الخزرج فمرنا بأمرك فو الله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم ، (قالت)(٤)
فتكلم سعد بن عبادة - وكان قبل ذلك يُرَى رجلاً صالحاً - فقال:
كذبت لعَمْرُ الله، لا تضرب أعناقهم؛ أَمَ والله ما قُلت هذه المقالة
إلا أنك تعرف أنهم من الخزرج ، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا
فقال أُسَيْد بن حضير : كذبتَ لعمر الله ، ولكنك منافق تجادل عن
(١) الهامش رقم ٤ بالصفحة السابقة .
(٢) الكبر: بالضم والكسر: الإثم ومعظم الشيء (السيرة لابن هشام ٢ : ٣٠٠).
(٣) وتناصيني: من المناصاة وهي المساواة (السيرة لابن هشام ٢ : ٣٠٠ حاشية
رقم ٢ ) .
(٤) الإضافة عن السيرة لابن هشام ٢ : ٣٠٠، ٣٠١.

٣٣٣
لابن شبة
المنافقين (قالت)(١) وتساور(٢)الناس حتى كاد یکون بين هذين الحیین
من الأوس والخزرج شَرُّ ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل
عليّ(٣)، فدعا عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما، فأَّما أسامة
فأَثنى خيراً وقاله ، ثم قال : يا رسول الله أهلك ولا نعلم منهم إلا
خيراً ، وهذا الكذب والباطل . وأما عليّ فإنه قال : يا رسول الله إن
النساء كثير ، وإنك لقادر على أن تستخلف ، وسَل الجارية فإنها
ستصدقك ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ليسألها ، فقام
إليها عليّ فضربها ضرباً شديداً وقال اصدُقي رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فتقول : والله ما أعلم إلا خيراً ، وما كنت أَعيب على عائشة
شيئاً إلا أني كنت أَعْجنُ عجيني فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتي
الشاة فتأكله، قالت: ثم دخل (عليّ(١) رسول الله صلى الله عليه وسلم
وعندي أبواي وعندي امرأة من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي معي ،
فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : (( يا عائشة إنه قد كان ما بلغك
من قول الناس ، فاتَّقي الله، فإن كنت قارفت سوءاً(٤) مما يقول
الناس فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده)) قالت: (فوالله) (١)
إن هو إلا أن قال لي ذلك فقلص(٥) دمعي حتى ما أحسّ منه شيئاً.
وانتظرت أبوي أن يجيبا عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم
(١) الإضافات عن السيرة لابن هشام ٢: ٣٠٠، ٣٠١.
(٢) وتساور الناس : قام بعضهم إلى بعض . وفي بعض النسخ من سيرة ابن هشام
((تشاوروا)) وانظر ابن هشام ٢ : ٣٠٠ حاشية رقم ٣.
(٣) كذا في الأصل ، ولعل العبارة زائدة.
(٤) قارفت سوءاً: أي دخلت فيه ( السيرة لابن هشام ٢ : ٣٠١ حاشية ٢).
(٥) قلص دمعي : ارتفع دمعي ( عن المصدر السابق حاشية ٣).

٣٣٤
تاريخ المدينة المنورة
يتكلما، قالت : وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي ( وأصغر شأناً)(١)
من أَن ينزل الله فيّ قرآناً يُقْرَأُ به في المساجد ويُصّلى به ، ولكني كنت
أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه شيئاً يكذّب
الله به عني ، لما يعلم من براءتي أو يُخْبر خبراً، فأَمَّا قرآن ينزل فيّ
فو الله لَنَفْسِي كانت أحقر عندي من ذلك، قالت : فلما لم أر أَبويّ
يتكلمان قلت لهما : ألا تُجيبان رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالا:
والله ما ندري بماذا نجيبه، قالت وأَيْم الله لا أعلم أهلَ بيت دخلَ
عليهم مادخل على آل أبي بكر في تلك الأيام (قالت)(١): فلما استعجما
علّ استعبرتُ (فبكيت)(١) ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرتَ
أبداً والله يعلم أني منه بريئة- لأُقولن ما لم يكن، ولئن أَنا أَنكرت
ما يقولون لا تصدقوني ، قالت : ثم التمست اسم يعقوب فما
أَذكره، قلت ولكني سأَقُول كما قال أبو يوسف (( فَصَبْرٌ جميلٌ
واللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون))(٢) قالت: فو الله ما برح رسول
الله صلى الله عليه وسلم من مجلسه ذلك حتى تغشَّاهُ منَ الله ما كان
يَتَّغَنَّهِ فسجِّي (٣) بثوبه، و(وضعت له)(١) وسادة (من (١) أَدم
تحت رأسه ، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت ما فزعت
كثيراً ولا بَالَيْتُ ؛ قد عرفت أني بريئة وأن الله غير ظالي ، وأما
أبواي فو الذي نفس عائشة بيده ما سرّي عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى ظننتُ أَن أنفسهما ستخرجُ فَرَقاً من أن يأتي من الله تحقيق
ما قال الناس ، قالت : ثم سُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) سقط في الأصل. والإثبات عن السيرة لابن هشام ٢: ٣٠١، ٣٠٢.
(٢) سورة يوسف الآية رقم ٣.
(٣) في الأصل ((فتسجى)، والمثبت عن ابن هشام ٢: ٣٠٢.

٣٣٥
لابن شبة
فجلس وإنه ليتحدر منه (مثل) الجمان (١) في يوم شاتٍ، فجعل يمسح
العرق عن جبينه ويقول :: ((أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك))
قالت : فقلت بحمد الله دونكم ، ثم خرج إلى الناس فخطبهم ، وتَلا
عليهم ما أنزل الله في القرآن فيّ، ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن
ثابت وحمنة بنت جحش - وكانوا ممن أفصح بالفاحشة - فضربوا
حَدِّهم .
• قال محمد بن إسحاق ، حدثني ابن إسحاق بن يسار ، عن بعض
رجال بني النجار ، أن أبا أيوب خالد بن زيد قالت له امرأته أُم
أيوب: يا أبا أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال بلى ،
وذلك الكذبُ ، أَكنت يا أُم أَيوب فاعلةً ذلك ؟ قالت : لا والله
ما كنت أَفعله ، قال : فعائشة خيرٌ منك ، قالت: فلما أنزل الله القرآن
ذكر الله من قال من (أهل) الفاحشة ما قال ومن أهل الإفك، فقال :
((إِنّ الَّذِينِ جَاءُوا بالإِفْكِ عُصْبةٌ منكم لا تَحْسَبُوه شرًّا لكم بَلْ هُوَ
خَيْرٌ لكُم لَكُلِّ امْرِىءٍ منهُم ما اكْتَسَبَ منَ الإِثْمِ والَّذِي تَولِّي كِبْرَهُ
مِنْهِم لَهُ عَذَابٌ عَظيم(٢)))، وذلك حسان بن ثابت وأصحابه الذين
قالوا ما قالوا، ثم قال : (( لَوْلًا إِذْ سَمعْتُمُوه ظَنّ المؤمنونَ والمؤمنات
بأَنفُسهم خَيْرًا)(٣) أي فقالوا كما قال أبو أيوب وصاحبته ، ثم
قال: ((إِذ تَلَقَّوْنَهُ بأَلْسِنْتَكُمْ وَتَقُولُون بأَقْوَاهُم مَا لَيْسَ لَكُم به
(١) وفي السيرة الحلبية ٢: ٨٥ «فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
سرى عنه وهو يضحك ، وإنه لينحدر منه العرق كالجمان » والجمان : حبوب مدحرجة
تجعل من الفضة أمثال اللؤلؤ .
(٢) سورة النور آية رقم ١١ .
(٣) سورة النور آية رقم ١٢ .

٣٣٦
تاريخ المدينة المنورة
عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عندَ الله عَظيم)) (١) فلما نزل هذا في عائشة
رضي الله عنها ، وفي من قال لها ما قال ، قال أبو بكر رضي الله عنه
- وكان ينفق على مسْطح لقرابته وحاجته : والله لا أنفق على مسطح
شيئاً أبداً ولا أَنفعه بنافعة أبداً بعد إذ قال لعائشة وأدخل عليها
ما أدخل. فأَنزل الله في ذلك: (( وَلَا يَأْتَلِ أُولو الفَضْلِ مِنْكُم والسّعَة
أَن يُؤْتوا أُولِي القُرْبى والمساكينَ والمُهَاجرينَ في سبيل الله وَلْيَعْفُوا
وَالْيَصْفّحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمَ )) (٢) قال أبو بكر: بلى والله
والله إني لأُحب أن يغفر الله لي. فرَجّع إلى مسْطح نفقته التي كان
ينفق عليه ، وقال : والله لا أَنزعها أبداً .
. حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان في قوله: «وَلَا يَأْتَل
أُولو الفَضْلِ مِنْكُم والسّعَة)) (٢) قال كانت أُمّ مسطح عند عائشة
رضي الله عنها فقالت أم مسطح : تَعسَ مسْطح . فقالت عائشة : لم
تقولين هذا لرجل من المهاجرين ؟ قالت : أو ما تعلمين ما قد قيل ؟
وكان مسْطح فيمن قال لعائشة ، وكان يتيماً في حجر أبي بكر ، فقال
أبو بكر : لا أَنفعه بقليل أو لا كثير ، قال أبو بكر رضي الله عنه :
فأنزل الله: ((وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكم والسّعَة أَنْ يُؤْتوا أُولي القُرْبَى
والمسّاكِينَ والمُهَاجرينَ في سبيل الله)) (٢) إلا أنه قال رضي الله عنه :
لأكونن لليتيم خيرَ ما كنت .
* حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا مالك بن معول ، عن أبي
حصين عن مجاهد قال : لمَّا نزَلَ عُذْرُ عائشة رضي الله عنها قام إليها
(١) سورة النور آية رقم ١٥.
(٢) سورة النور آية رقم ٢٢ .

٣٣٧
لابن شبة
أبو بكر رضي الله عنه فقبّل رَأْسَها ، فقالت بحمد الله لا بحمدكَ.
فهلا عذرتني يا أَبه ؟ قال: وكيف أعذرك يا بنية بما لا أعلم ؟ وأي
أرض تقلني وأي سماء تظلني يوم أقول بما لا أعلم ؟
• حدثنا هارون بن عبد الله قال ، حدثنا عبد الرزاق بن همام ،
عن معمر ، عن الزهري قال : كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال :
فقال: (( الذي تولّی کېْرَه )) عليّ بن أبي طالب ، فقلت : كلا يا أمير
المؤمنين ، أخبرني سعيد بن المسيّب ، وعروة بن الزبير ، وعبيد الله
ابن عبد الله بن عُخْبَة ، وعلقمة بن وَقَّاص ، عن عائشة رضي الله عنها
قالت: ((الذي تولى كبْرَه عبدُ الله بن أبيّ. قال: فما كان جُرْمُه ؟
قلت : أخبرني رجالٌ من قومك : أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وأبو
بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، عن عائشة رضي الله عنها قالت :
كان مسيئاً في أمري .
• حدثنا ابن أبي عديّ ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن
أبي بكر ، عن عمرة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما نزل عُذْري
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن ،
فلما نزل أمر برجلين وامرأة يُضْرَبُوا حَدّهم .
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد ، عن الكلبي ،
عن ابن عباس رضي الله عنه قال : جَلّدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
الذين قالوا لعائشة رضي الله عنها ما قالوا : ثمانينَ ثمانينَ : حسان بن
ثابت، ومسْطَح بن أَثَاثة وحّمنةً بنت جحش .
• حدثنا زهير بن حرب قال ، حدثنا جرير ، عن أشعث بن إسحاق
القمني، قال: الذين قذفوا عائشة رضي الله عنها حسانُ بن ثابت ،

٣٣٨
تاريخ المدينة المنورة
وعبدُ الله بن أُبَيّ، وحمنةُ بنت جحش، ومسْطَح بن أَثَالَة فجلدهم
النبيُّ صلّى الله عليه وسلم .
. حدثنا أبو عاصم النبيل (١) قال، حدثنا الحسن بن زيد العلوي،
عن عبد الله بن أبي بكر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب
حسّاناً ومسْطَحاً - قال أبو عاصم: فقلت له: والمرأة؟ فقال: والمرأة الحدّ.
* حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عَتَّاب بن بشير ، عن
حصيف، عن سعيد ((إنّ الذين يرمون المحصنات الغافلات)) (٢) ،
قال : ( نزلت (٣) ) في عائشة رضي الله عنها خاصة.
حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا سفيان، عن حصيف قال :
قلت لسعيد بن جبير ((إن الذين يرمون المحصنات الغافلات)» فيمن
نزلت ؟ قال ؟ في عائشة رضي الله عنها خاصة .
* حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا سفيان ، عن سلمة بن نبيط ،
عن الضحاك قال : نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة .
حدثنا أحمد بن معاوية قال ، حدثنا هشيم ، عن العوام ، عن
*
شيخ من بني أسد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه فسّر سورة
(١) هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك الشيباني ، أبو عاصم النبيل البصري الحافظ ،
روى عن بهز بن حكيم والأوزاعي وابن عجلان وخلق ، وعنه ابن المديني وإسحاق
ابن راهويه، قال ابن شيبة: ((والله ما رأيت مثله)» قال أبو عاصم: من طلب الحديث
فقد طلب أعلى الأمور ، فيجب أن يكون خير الناس . ولد أبو عاصم سنة اثنتين وعشرين
ومائة ، قال خليفة : مات سنة اثنتي عشرة ، وقال ابن سعد : سنة أربع عشرة ومائتين
( الخلاصة الخزرجي ص ١٥٩).
(٢) سورة النور آية رقم ٢٣ .
(٣) الإضافة عن تفسير ابن كثير ٦ : ٨٥.

٣٣٩
لابن شسبة
النور ، فلما انتهى إلى هذه الآية ((إِن الّذينَ يَرمونَ المحصنات الغافلات
المؤمنات لعنُوا في الدنيا والآخرة )) (١). قال: هذا في عائشة وأزواج
النّبي صلّى الله عليه وسلم وهي منهن،، وليس لهم توبة ((والّذين
يَرْمُون المُحْصِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَة شُهداءَ فاجْلدُوهم ثَمّانين
جَلْدةً ولا تَقْبَلوا لَهم شَهَادةٌ أَبداً وأُولئكَ هُم الفاسقون إلاّ الذين
تَابُوا منْ بَعْد ذَلكَ وَأَصْلَحوا)) (٢) قال: فجعل لهؤلاء توبة ، ولم
يجعل لمن قذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توبة ، قال فهمّ
بعض القوم أن يقوم إليه فيقبّل رأسه من حسن ما فسّر هذه السورة .
* حدثنا محمد بن حميد قال ، حدثنا علي بن مجاهد ، عن الشعبي
عن أبي معشر ، عن أَفلح بن عبد الله ، عن الزهري ، عن عروة بن
وقاص ، وسعيد بن المُسَيِّب ، وعبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة
رضي الله عنها قالت : كان زيد بن حارثة وأبو أيوب إذا سمعا من
ذلك شيئاً قالا : سبحانك هذا بهتان عظيم .
• حدثنا أحمد بن عيسى قال ، حدثنا عبد الله بن وهب ، عن
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه رضي الله عنه : أن النبي
صلى الله عليه وسلم خطب فقال: « کیف ترون في رجل يُخاذل بين
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسيء القولَ لأَهل رسول
الله صلى الله عليه وسلم وقد بَرّهم الله، ثم قرأ ما أنزل الله في براءة
عائشة ، قال سعد بن معاذ : إن كان منَّا قتلناهُ ، وإن كان من غيرنا
جاهدناه ،، قال سعد بن عبادة : أما والله ما تقدر على ذلك ولا
(١) سورة النور آية ٢٣ .
(٢) سورة النور الآيتان ٤، ٥ .

٣٤٠
تاريخ المدينة المنورة
تستطيعه، وقال محمد بن سلمة: ((أَتتكلم دون منافق عَدُوّ لله؟
فقال أُسيد بن حُضّيْر : فيم تكثرون ؟ دعونا من هذا ، بيننا وبينه
أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لننظر هل يمنعه. فَلَمْ تُبْرَح
القالةُ حتى تداعوا بالأُوس والخزرج ، فنزل القرآن في ذلك :
((فَما لكم في المُنافقين فِئَتِّين واللّه أَرْ كَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ
أَنْ تَهْدوا مَن أَضْلِّ الله)) (١) فلم يكن بعد الآية تبصرة ولا يتكلم
فيه أحد . لقد كان رجل من بني ثعلبة يأتيه وهو جالس في المسجد
فيأُخذ بلحيته فيقول: أُخرج منا فقد أَخْتَيْتَنَا (٢). فيقول: ما أَحد
ينصرني من أُسود بني ثعلبة هذا ؟ فما يتكلم فيه أحد .
* حدثنا القعني قال ، حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن محمد
ابن زيد بن أسلم ، عن ابن سعد بن رفعة : وأن هذه الآية نزلت
(((فَمَا لكم في المنافقين فِئَتَيْن))(١) قال : خطب النبي صلى الله عليه
وسلم الناس فقال ((من لي ممن يُؤْذيني ويجمع في بيته من يُؤْذيني ؟
فقام سعد بن معاذ فقال : إن كان منا يا رسول الله قتلته ، وإن كان
من إخواننا من الخزرج أمرتنا فأَطعناك ، فقام سعد بن عبادة فقال :
فإنك طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بن معاذ ولقد عرفت
ما هو منك ، فقال أُسيد بن حُضير : انك يا بن عبادة منافق تحب
المنافقين . فقام محمد بن مسلمة فقال : اسكتوا أيها الناس فإن فينا
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يأمرنا فيعقد أمره، فأنزل الله
((( فَمَا لكم في المُنَافقين فِئَتَيْن واللّه أَوْ كَسَهُم بمَا كسَبُوا أَتريدون
أَنْ تهدوا من أضل الله)» (١).
(١) سورة النساء آية رقم ٨٨ .
(٢) أختيتنا : أي أنقصتنا ( أقرب الموارد ١ : ٢٥٦).