Indexed OCR Text
Pages 261-280
سنة ٣١٧ ٢٦١ وأخرِج المقتدرُ والدتَه وخالته وحَرَمُه ليلاً إلى دار مؤنس ، ودخل حينئذ من قُطْرُ بّل إلى بغداد مستتراً . وأصعَد نازوك بغلامه مؤنس إلى دار ابن طاهر ، ففتح له كافور المؤكَّل بها ، وسلّم إليه محمد بن المعتضد بالله ، وأحرق فى طريقه دار هارون وبُويع محمّد بالخلافة ، بايعه مؤنس والقّواد ولقِّب القاهر باللّه . وأخرج مؤنس علىَّ بن عيسى من دار السلطان ، فأطلقه إلى منزله وقلَّد أبا علىّ بن مقلة وزارة القاهر . وقلِّد نازوك الحجْبة والشُّرْطة . وأضاف إلى أعمال أبى الهيجاء أعمالاً كثيرة . ومضى بنىّ ابن نفيس، بعد أنْ وقع النَّهب فى دار السلطان إلى تربة السَّيّدة بالرّصافة ، فُوجِد لها هناك ستمائة ألف دينار . وأشهد المقتدر على نفسه بالخلع القضاةَ . وأخذ القاضى أبو عمر (١) الكتاب، فلم يُطْلِع عليه أحداً ، فكان هذا من أقوى ذرائعه عند المقتدر ، لمَّا عاد إلى الخلافة . وسكن الّهب عند ولاية القاهر ، وجلس ابنُ مقلة بين يديه ، وكتب بخلافته إلى الآفاق . وتقدّم إلى نازوك بقلع خيم الرجّالة ، والمنع للحجرية من دخول الدار فاضطربوا . فلمّا كان يوم الاثنين سابع عشر المحرم، بكَّر الناس إلى دار الخلافة ، لأَنّه يوم الموكب (٢) وحضر الخلق والعسْكر بأسره، وطالبوا بالرزق والْبَيْعة. [ ولم ينحدِرْ مؤنس يومئذ ](٣). وهَجَمت الرَّجّالة تريد الصحن التسعينى، وكان نازوكُ نهىَ أصحابَه عن معارضتهم ، إشفاقاً من الفتنة ، فقاربوا القاهرَ بالسلاح ، وكان جالساً فى الرِّواق ، بين يديه ابن مقلة ونازوك وأبو الهيجاء ، فأنفذ بنازوك ليردَّهم وهو مخمور قد شِبَ ليلته ، فقصدوه بالسلاح ، فهرب منهم ، فطمعوا فيه ، وانتهى به الهرب إلى باب كان (١) فى المنتظم: ((محمد بن يوسف)). (٢) كذا فى تجارب الأمم والمنتظم، وفى الأصل: (( المركب)». (٣) زيادة من كتاب الكامل . -- ٢٦٢ سنة ٣١٧ قد سدَّه خوفاً من الدُّخول منه فكانت منّته عنده، فقتلوه وصاحوا (( مقتدريا منصور)). فهرب كلُّ مَنْ فى الدار ، وصلَبوا نازوك وعجيباً الخادم على خشب الستارة ، وبادر الخدم إلى أبواب الدار فغلَّقوها ، لأنهم خدم المقتدر وصنائعه . وبادر أبو الهيجاء الخروج ، فصاح القاهر به : تُسْلِمُنى يا أبا الهيجاء ! فأخذتْه الحميَّة فقال: لا والله لا أسلِّمك. وعاد أبو الهيجاء ويدُه فى يد القاهر إلى دار السلام ، وقَصَد الَّوشن فوجد الرجّالة منتظمين ، فنزلَ أبو الهيجاء معه وقال له : وتربةٍ حمدان لافارقتُك يامولاى أو أقتل دونك ! ومضى أبو الهيجاء إلى الفردوس ونزع سواده ومنْطَقته وأعطى ذلك غلامه ، وأخذ جُبَّة صوف مصريّة عليه ، وركب دابّة غلامه ، ومضى إلى باب النوبى ، فوجد الجیش وراءه وهو مغلق، فعاد إلى القاهر، وقال: هذا أمرُ من السماء، قد حُمِل رأسُ نازوك إلى هناك . ودخلا من حيث خرجا ، وأتيا دار الأترجّة ، وتأخّر عنهما فائق وجه القصعة ، وأشار على الخدم بقْتل أبي الهيجاء ، وذكَّرهم عداوته للمقتدر ، فأتوه بقسِى ودبابيس فجرد سيفه ونَزَع جُبَّته ، وحمل عليهم فأجفلوا منه ورموه ضرورة ، ورماه أحدُ الحجرية بُنُشّابة وهو ينادى : يالَ تغلب ! القتل (١) بين الحيطان أين الكُمَّيْت بن الدهماء! فرماه خَمّار (٢) جونه بسهمين: أحدهما نَظَم فَخِذِيه والآخر مال بترقُوَتَه ، فانتزع السهام ومضى إلى بيتٍ فسقط فيه قبل أن يصل إليه . فبادره أسود ، فضرب يدَه فقطعها ، وأخذ سيفه، وغشيه أسود آخر فحزّرأسه . وامتنع المقتدر ، وهو بدار ابن طاهر ، من المضىّ إلى دار السلطان ، وخاف أن تکون حیلةً علیه ، فحملُوه على رقابهم إلى الطّيار . فلما حَصَل فى دار الخلافة سأل عن أبى الهيجاء ، فقيل له : هو فى الأَثْرِجّة ، فكتب له أماناً بخطّه، وقال لبعض الخدم : ويلك بادِرْبه لا تِمّ عليه أمره(٣). فلمّا حصل الخادم فى الطريق ، تلقّاه خادم آخر برأسه ، فعاد إلى المقتدر فعزّاه (١) تجارب الأمم ١: ١٩٨: ((أأقتل بين الحيطان)). (٢) فى تجارب الأمم: ((حمارجويه)). (٣) تجارب الأمم: (( بادر به لئلا يحدث عليه حادث)). سنة ٣١٧ ٢٦٣ عنه، فظهرت كآبتُه وقال: ويُلك مَنْ قتله؟ فغمزه مفلح الأسود ، فقال: لا أدرى فكرّر: إنا لله وإنّا إليه راجعون! وظهر من حُزْنِه عليه أمرٌ عظيم . وكان أبو الهيجاء فى الشجاعة بمنزلةٍ كبيرة ، حكت عنه إحدى حظاياه ، أنّه كان يواقعها فى سفر ، فجاء السبع إلى باب مضْرَ به ، فجرد سيفه وحمل عليه ، وأتاها برأسه ، وعاد إلى الحال التى كان عليها ، لم تفتر شهوته ولم تكلّ آلته . وَأَتِىَ المقتدرُ بالقاهر ، واستدناه ، وقبّل جبينه ، والقاهر يقول : نفسى نفسى يا أمير المؤمنين، فقال له: لا ذنب لك لأنك أُكرهت، وحَقِّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا جَرَى عليك سوء منّى أبداً ، فاطمأنّ . وشُهِرَ ببغداد رأس نازوك وأبى الهيجاء، ونُودِى عليهما : هذا جزاء من كفر نعمة مولاه . وعاد ابن مقلة إلى الوزارة ، وكتب بإعادة الخلافة إلى المقتدر وحكى أنّ بدر بن الهيثم القاضى ، ركب للتّهنئة [ و] رجوع الخلافة إلى المقتدر باللّه، وقال لابن مُقْلة: بين رَكْبتى هذه وركبة ركبتها مائة سنة ، لأَنى ركبت للتعزية بوفاة المأمون سنة سبع عشرة ومائتين مع أبى، وقد ركبت اليوم للتّهنئة بعود المقتدر سنة سبع عشرة وثلثمائة . وتوفى بدر بعد أيام سنة مائة واثنتى عشرة سنة . وجُدُّدت البيعة على الناس ، فأطلق للفرسان زيادة ثلاثة دنانير فى الشّهر ، وللرجال زيادة دينار . ونفدت الأموال فى عطيّاتهم حتى بيعت الآلات والكسوة . وأشهد المقتدر باللّه على نفسه ، بتوكيل علىّ بن العباس النُّوبحتى فى بَيْعِ الضّياعِ . وحضر علىّ بن عيسى فقام إليه ابنُ مقلة ، وشاهد البيع ، فانْتَهى إلى بيع ضياع جبريل والد بختيشوع ، وقد بيعتْ بثمنٍ نَزْرٍ ، فقال : لا إله إلا الله ! حدثنى شيخنا القاسم عيسى بن داود - يَعْنى أباه - أن المتوكل رحمه الله ، لما غضب على بختيشوع أنفذ لإحصاء ما فى داره ، فُوُجد فى خزانة كسوته رقعةٌ فيها ثمن ضياعه ، مبلغ ذلك بضعة عشر آلاف ألف درهم .. وخلَع المقتدر على ابن مقلة وكنَّه . وقلَّد أبا عمر قضاء القضاة ، وكتب عهده . وأوقع فى هذه السنة القرمطىُّ بالحجيج فى المسجد الحرام ، وقَتَل أميرَ مَكة ، وقلع الحجر الأسود ، وسلب البيت ، وأصْعَد رجلاً من أصحابه ليقلع الميزاب، فتردَّى فهلك ، ٢٦٤ سنة ٣١٧ وطُرِح القتلى بزمزم ، وأُلْقِيَ مَنْ بقىَ فى المسجد ، وأخذَ الأموال وحمل الحجر إلى بلده . قال المقتدر : قال لى عقيل بن عصام العُقَيلِىّ بقرية أبروذة من الدّجيل: حدَّثنى أبى : أنه رأى أبا طاهر وبين يديه خمسون يضربون الرّقاب ، فقتل من الحجيج نحو عشرة آلاف وهو يقول : لَصَبَّ علينا النَّارَ مِن فَوْقِنَا صَبًّا ولو كان هذا البيتُ بيتاً لربِّنا جنائزَ لانبغى سوى كسبها ربًا وإنّا تركْنا بين زمزم والصَّفَا لعنه الله وأتباعهَ لعناً وبيلاً ! وأتى أهلُ مكة على مَنْ عندهم من الحاجٌ ، فقتلوهم وسلبوهم. وُلِّد ابنا رائق شُرْطة بغداد ، مكان نَازُوك . وورد ياقوتُ من فارس ، فخلَع المقتدر عليه ، وعلى ابنه المظفر ، ووَلَى مكانه نجحاً الطُّولونى بفارس وكرْمان. وعُزِل ياقوت ، وجُعل الإشراف بها لابن أبى مسلم . وانحدر بعد ذلك مؤنس إلى المقتدر ، فخلَع عليه ونادَمه ، وسأله فى أمَ موسى الهاشميّة ، وفى أم دستنبويه ، فأُجِيب ووُصِلتْ بسبعة آلاف دينار. ورتب علىّ بن عيسى فى المظالم ، وجُعِلت الدواوين إليه . وفيها فتح هارون بن غريب شهرزور ، وطالَبهم بخراج عشرين سنة عَصَوْا فيها ، وصالحوه على سبعة وثلاثين ألف دينار ومائتى ألف درهم. وفيها رتب الحجريّة علىّ بنِ مقلة، وضَرَبُوه بالدَّبابيس فأفَلَت منهم . وفيها ملَكَ أصحابُ ما كانَ الديلمىّ قاسان . ٢٦٥ سنة ٣١٨ سنة ثمانى عشرة وثلثمائة زاد أمُرُ الرّجالة وَكُثر تسَحبهم وإدلالهم، بأنهم كانوا السَّبَبَ فى عود المقتدر إلى · داره . وطالب الفرسانُ بالمال ، فاحتجّ عليهم السلطان، بأنه يصرف إلى الرّجالة(١) فى كلّ شھر مائة وثلاثين ألف دينار . وركبت الفرسانُ مع محمد بن ياقوت ، فطردُوهم وأوقع بالسودان بباب عمار ، وحرَّق دورَهم ، فهربت الرّجالة إلى واسط ، ورئيسهم نصرٌ الساجىّ ، فغلَبوا عليها فانحدر مؤنس فأوقع بهم ، فلم ترتفع لهم رایةٌ بعد ذلك . وكان بين محمد بن ياقوت ومؤنسٍ تباعد ، فلِمِمايَلة مؤنس ابن مقلة ، عاداه بالانضمام إليه ، وقَبَض على الوزير سليمان بن الحسن ، حين عُرفت إضافته (٢)، وکثرت المطالبات له ، فكانت مدة وزارته سنة وشهرين . وزارة أبى القاسم عبد الله بن محمد الكلواذى كانت فى يوم الاثنين سابع رجب ، وأقرضه ابنُ قرابة مائتى ألف دينار بربح درهم فی کلِّ دینار . وملك مزداويج الجَبل بأسره إلى حُلْوان . وانهزم هارون بن غريب إلى دير العاقُول . واستأمن يشكرى الديلمىّ إلى هارون، وهو من أصحاب أسفار٣ُ)، وانهزم بانهزامه وصادر يشكرى (٤) أهلُ نهاوند فى أسبوع ، على ثلاثة آلاف ألف درهم ، وانبثّت (١) فى الأصل: ((الرّجال)). (٢) فى الأصل: ((إضافته)) تصحيف . (٣) هو أسفار بن شيرويه . (٤) فى الكامل لابن الأثير ٦ : ٢١٤: (( لشكرى)). ٢٦٦ سنة ٣١٨ الأخبار ، وصادر أهلَ الْكَرَج وملك أصبهان ، وكان بها أحمد بن كيغلغ ، فخرج هارباً فى ثلاثين نفساً . فكان لأحمد من الاتفاق العجيب أن يشكرى تَبِعه إلى قَرْية ، فعاون أهلُها أحمد وتقارب أحمد ويشكرى، فضربه أحمد ضربةً قدَّت مِغْفَرَه وخُوذته ، ونزلتْ فى رأسه فقتلته ، وانهزم أصحابه ، وسنّ أحمد يومئذ سبعون سنة . وركب الكلوذانى فى طياره ، فرجمه قومٌ من الجند ، طلبوا أرزاقهم ، فجعل ذلك . سبباً لإغلاق بابه ، وُلَّ بعده الحسين بن القاسم الكرخىّ . وزارة الكرخى كان يبغداد رجل يعرف بالدّانيالى، يظهر كتباً عنيقة (١). وينسبها إلى دانيال النبىّ عليه السلام ، ويُودع تلك الكتبَ أسماء قوم وحُلاهم ، فاستوى جاهُه ، وقامت سوقُه بين أهل الدولة وعند القاضى أبى عمر وابنهِ . وذكر لِمُفْلِح الأسود ، أنه من ولد جعفر بن أبى طالب ، فنفَق بذلك عليه ، وأخذ منه مالاً كثيراً ، وأشار عليه ابن زنجى بإثبات صفة الحسين بن القاسم ، وذكر الجُدرىّ الذى فى وجهه والعلامات التى فى شَفَتِهِ العليا ، فكتب ذلك ، وأنه إن وَزَر للثامن ٢) عشر من ولد العباس استقامت أموره ، فعمل دفتراً ، وذكر ذلك فى تَضاعيفه وعتَّقه فى التبن ، وجعله تحت خفِّه ومشى عليه حتى اصفرّ وعَتَق . قال ابنُ زنجى ٣): فلولا معرفتى من عَمَلِه له لم أشك فى أنه قديم . وحمله إلى مُفْلِح فعرضه على المقتدر ، فقال له : أتَعرف هذه الصفة لمن ؟ قال : لا أعرفها إلّ للحسين بن القاسم ، قال: فاستدعاه وشاوره . قال ابن ◌ِنجِى: ثم إنَّ الدَّانيالى طالبنى بالمكافأة ، فقلتُ: حتى يتم الأمر . فلما وُلِّى الحسين الوزارة ، ولاه الحِسْبة ، وأجرى له مائتى دينار فى الشهر . (١) فى الأصل: ((عتقاً)). (٢) تجارب الأمم: (( ثانى عشر)). (٣) هو أبو القاسم بن زنجى . ٢٦٧ سنة ٣١٨ وسعَى له بُلَيْقُ فى الوزارة ، وتقلَّدها يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر رمضان ، فتشاغل عن الجلوس بالتهنئة بجمع الأموال الَّتِى يحتاج إليها فى نفقة العيد ، وصار إليه علىّ بن عيسى وهنّاه. وكانت دمنة تعنَى بأمر الحسين ، فكانت توصِّل رقاعَه ، وكانت حظيَّةً عند المقتدر فكان يخدُمها ويخدُم ابنَها الأمير أبا أحمد إسحاق فى كلّ يوم بمائة دينار . واختصّ به بنو البريدىّ وأبو بكر بن قرابة ، وأقرضه أموالاً بربح درهم فى الدِّينار. واختصَّ به جعفر بن ورقاء ، فقلَّد أبا عبدالله محمد بن خلف النّيرمانىّ أعمالَ الحرْب والخراج والضّياع بحُلْوان ، وغيرها من ماء الكوفة، ولبس القَبَاء والسَّيْف والمِنْطَقة وتَسمَّى بالإمارة . وسئل فى إخراج علىّ بن عيسى إلى مصر ، فدافع عنه مؤنس وقال : إنه شيخ نرجع إلى رأيه حتى أحدره إلى الصَّافية . وابتدأ مؤنس فى الاستیحاش . وبلغ الحسين أنّ مؤنساً علی کبسِه ليلاً ، فكان ينتقل فى كلّ ليلة إلى مكان ، خوفاً منه. وراسل مؤنس المقتدرَ فى صرف الحسين عن الوزارة فأجاب( ١). 1 وسعى الحسين بمؤنس وقال للمقتدر : إنه قد عزم على أن يُخْرِجَ الأميرَ أبا العباس إلى الشام ويقرِّر له الخلافة . وكتب الحسين إلى هارون بن غريب ، وهو بدير العاقول ، يأمره بالمبادرة [ إلى الحضرة](٢) فاستوحش مؤنس، وأظهر الغضب وسار فى أصحابه إلى الموصل. وجاء بُشرى خادم شفيع برسالة إلى المقتدر ، فشتَمه الحسينُ وشَ صاحبه ، وضربه بالمقارع ، وأخذ خَطّه بثلثمائة ألف دينار . ووقّع الحسين بقبض أملاك مؤنس وضياع أسبابه ، وأفرد له ديواناً سمّاه ديوان المخالفين . وزاد مخلُّ الحسين من المقتدر ، فكان ينفذ له الطعام من بين يديه ، ولقَّبه عميد الدولة ، وأمر بذكر لقَبه على الدّنانير . وقلَّد أبا يوسف محمد بن يعقوب البريدىّ البصرة ، والقيام بنفقتها فتقدّم إلى (١) تجارب الأمم: ((فأجابه إلى صرفه والتقدم إليه بلزوم منزله)). (٢) من تجارب الأمم . ٢٦٨ سنة ٣١٨ الكتّاب ، بإخراج خراج البصرة ، فأخرجوه من صلاة الفجر إلى عتّمة يومه ، وأحضر البريدىّ ووافقه على ذلك، وأخذ خَطَّه بالقيام بمالِ الأولياء بالْبَصْرة ، وأن يرتب لحفظ السُّور زيادة عَلَى مَنْ عليه ألف رجل ، وأنَ يَحْمِل بعد النفقات سبعين ألف دينار ، وحمل الخطَّ إلى الوزير متبجحاً به ، فلم يقع من الوزير بموقع ، وظن أنّه وَخْه بذلك . وعرف المقتدر فوقَع موقعه عنده، وغلَّظ على الحُسين ، فخافه الفضلُ بن جعفر ، فاستر منه عند ابن قرابة ، فقلَّد الحسين الديوانَ أبا القاسم الكلواذىّ: وجدّ أبو الفتح فى طلب الوزارة، وصُودر ابنُ مقلة عند بُعْد مؤنس عن مائتى ألف دينار . وأراد الحسين مصادرة على بن عيسى ، وهو بالصافية مقيمٌ ، فمنع منه هارون بن غريب وكانَ بديْرِ الْعَاقُول . ووصل هارون إلى دار السُّلطان ، فلقىَ المقتدرَ وسأله فى ابن مُقَلْة ، فحطَّ عنه خمسين ألف دينار ، فانصرف إلى داره ، فقصده الوزير وابنا رائق ومحمد بن ياقوت ومُفْلح وشفيع . وأخذ ابنُ مقلة فى استماحة الناس ، ففضل له عن الّذى صودر عليه عشرونَ ألف دينار فابتاع بها ضياعاً وقَفَها على الطَّالبيتين ، وكان ابتاعها باسم عبد الله بن على المقرئ . وقبض المقتدر على أبى أحمد بن المكتفى ، ومحمد بن المعتضد ، فاعتمدت السَّيدة مراعاةَ محمّد، وأهدَتْ إليه الجوارى وراعتْه فى نفقته، واعتُقلا بدار السلطان واشْتَدَّت الإضاقة بالحسين فباع ضياعاً بخمسمائة ألف دينار ، واستسلف من مال سنة عشرين وثلثمائة قبل افْتِتاحها ، فأخبر هارون حاله للمقتدر، فكتب للخصيبى أماناً فظهر فخوطب بالوزارة ، فذُكرِ أنّ الحسين استسلف من مال سنة عشرين قِطْعَةً وافرة ، وأنه لا يغرّ السلطان من نفسه ، فولَّاه ديوان الأزمة، وأجرى له ولكتابه ألف دينار وسبعمائة دينار فى كلّ شهر، ، وأقَّ الحسينَ على الوزارة وخَلع عليه ، ليُزُول الإرجاف [ عنه ] (١). (١) من تجارب الأمم . ٢٦٩ سنة ٣١٨ واجتمع الحسينُ والخصيبِىّ ، فأخذ الحسين يعانده والخصيبِىّ مُمْسِكُ ، فلما بلغ ذلك المقتدر انحلّ أمرُ الحسين عنده فقُبض عليه ، فكانت وزارته سبعة أشهر ، وزارة أبى الفتح الفضل بن جعفر وخُلِع عليه لليلتين بقيتًا من شهر ربيع الآخر . وصادر الحسين فى نوب ، أخذ منه فى إحداها أربعين ألف دينار ، ثم أبعده إلى البصرة وأقام له فى كلّ شهر خمسة آلاف درهم . وأنفذ مزْداويج رسولاً يسأل أن يُقاطع عن الأعمال التى غلب عليها من أعمال المشرق . فأجيب ، وتكفل هارون بن غريب بأمره ، وكتب له العهد وأنفذ إليه اللواء والخِلَع، ومشَّى الوزير أبو الفتح الأمورَ بمائة ألف دينار ألزمت للبريدىّ ونَی ابن مقلة إلى شيراز . ومات أبوعمر القاضى ، فأغرى أبوبكر بن قرابة بَورثته ، وقال للمقتدر : هاهنا مَنْ يعطى مائة ألف دينار لقضاء القضاة ! [ ويوفر هذا المال من جهته ] . وأنفذ المقتدر بكتابٍ إلى أبى الحسين القاضى معه ، وعَرَفه الحال ، فأتوه وهو · فى العزاء، وأمسكوا، فقال ابنُ قرابة: مالهذا حَضَرْنا، قم معنا حَتّى نخلُوَ، فهضَ واستوقَى عليه ابنُ قرابه الخطاب ، فقال أبو الحسين : إنّ نعمَنا من أمير المؤمنين ، وأسأله أن يُمْهِلنا يومَه ، حتى يحصل أمره . فلمّا كان بالعشىّ ، وكان شهر رمضان ، مضى إلى دار ابن قرابة ، فدخل والمائدة بين يديه ، وعنده البريديّون ، فأكل قاصداً لاستكفاء شرَّه ، وقال : قد جئتك مستسلماً إليك فدبرنى بما تَرَى . وقُرُب منه البريديُون ، وقالوا متوجِّعين : له عندنا ثلاثة آلاف دينار نُعِينك بها ، واستصوبوا قَصْده لابن قَرابة ، فقال له ابنُ قرابة : امضِ مصاحباً ، وتعطّف عليه [ المقتدر باللّه، وعاونه ] البريديون وإخوانه فقلده قضاء القضاة . ووصفَ المقتدر لابن قرابة ماهو فيه من الإضافة ، فقال له : لم لا يعاونك ابنُ خالك هارون بن غريب وعنده آزاج(١) مملوءة دنانير؟ فقال هارون : لوكنتُ أَملِك (١) الآراج: جمع أزج ، وهو البيت يبنى طولاً. ٢٧٠ سنة ٣١٨ شيئاً لما بخلتُ به عن أمير المؤمنين ، لأنّ سلامتى معقودة بسلامته ، ولكنْ مع ابن قرابة من المال مالا يحتاج إليه ، وأنا أستخرج لك مِنه خمسمائة ألف دينار ، فقال : اذهب . فتسلّمه، فقبض عليه وجرى عليه من المكروه ما أشفَى به على(١) التلف ، حتى قُتِل المقتدر باللّه فخُلِّص . وحكى ابنُ سنان: أن ابنَ قرابة كان صديقاً لأبيه ، فدخل عليه بعد ماصودر فقال له : خلّطتَ حتى صودرتُ ، وقد حصل لى الآن ما يرتفع منه عشرون ألف دينار فى السَّنة خالصة لى ، ولى من الأملاك ماليس لأحد مثله ومن الآلات والفرش والمخروط والصينىّ والجوهر ماليس لأحد ، وكذلك من الرقيق والخدم والغلمان والكراع ، ومعى ثلثمائة ألف دينار صامت، لا أحتاج إليها ، وبينى وبين ابن مقلة مودّة ، وهو مُقدِم من فارس وزيراً ، فهل ترَى لى ترك التخليط ولزوم ربّ النعمة وإصلاحها ! فقال له ابن سنان: مارأيتُ أعجبَ من أمرك، إنما يُسأل عن الأمر الخفىّ ، وأما عن الواضح الجلّ فكلّاً، وبعد [فإن](٢) أعقبك فائدة وأثمرك صلاحاً (٣)، فلازمْه، وإلا فكفَ(٤) عنه. وأيضاً فإن الإنسان يكد ليحصلَ له بعضُ ماحصل لك. وقد أتاك هذا وادعاً فاشكرِ اللّه، وتمتَّع بنعمتك التى أنعم الله سبحانه بها عليك ، فقال: صدقت ونصحت ، ولكن لى نفس مشئومة لاتصبر ، وسأعود [ إلى ](٥) ما كنت فيه . ١ فلمّا خرج سنان(٦) من عنده ، قال: لا يموتُ ابن قرابة إلا فقيراً أو مقتولاً . ولمَّا ورد مؤنس ، وكان هارون بن غريب قد وكَّل به غلمانه وقيّده ، وأمرهم بإخراجه إلى واسط ، فقُتِل المقتدر باللّه رحمه اللّه فى ذلك اليوم ، فهرب الموكَّلون به وبقى معه خادمان . وكان ابنُ قرابة اشتراهما لهارون ، فتعطّفا عليه وصارا به إلى الفُرضة (٧)، وأدخلاه مسجداً بها وأحضرا حدَّاداً، فكسر قُودَه ومشى إلى منزله بسويقة (١) فى الأصل: ((عن))، والأجود ما أثبته من تجارب الأمم . (٢) زيادة يقتضيها السياق . (٣) فى تجارب الأمم ١: ٢٣٢: ((أثمر لك ما تحب)). ، (٤) تجارب الأمم: ((فلا تعاوده)). (٥) زيادة يقتضيها السياق. وفى تجارب الأمم: ((وسأعاود ما كنت فيه)). (٦) فى الأصل: ((ابن سنان)) وفى تجارب الأمم: ((فقال لى والدى)). (٧) الفرضة : قرية بالبحرين . ياقوت . ٠ ٢٧١ سنة ٣١٨ غالب ، ووهبا له خمسمائة دينار . ثم أدّاه التّخليطُ إلى أن قَبضَ عليه القاهر ، فأزال نعمته وقبض أملاكه وهُدِمت داره ، وأراد قتله فزال (١) أمرُ القاهر فعاد إلى تَخْلِيطه. ومضى إلى البريديين (٢) لمّا خالفوا السلطان (٣). ومضى إلى معزّ الدولة من نهر ديالى ، وصُودر حتى لم يَبْق له بقيّة ، واضطر إلى أن ، خدم ناصر الدولة ، فى كلّ شهر بمائة دينار ، وكان ينفق أمثالها ومات بالموصِل . وفى ذى الحجة من هذه السنة ، عَقَد المقتدر لأبى العلاء سعيد بن حمدان على الموصل وديار ربيعة . وفى هذه السنة توقَّ أبو القاسم البلخى المتكلِّم صاحب المقالات والتفسير ببلغ . وفى سنة عشرين وثلثمائة كاتب الحسين بن القاسم داودَ وسعيدا ابنىْ حمدان والحسن بن عبد الله بن حمدان بمحاربة مؤنس، فامتنع داودُ من لقاء مؤنس ، لأنه لم يزل مُحسناً إليه ، فما زال به أهلة حتى لقيه . وقال : هذه تغسل مافعله الحسين بن حمدان وأبو الهيجاء ، فكان يقول: والله إنى أخاف أن يجى سهم تجّار فيقع فى حلقى فيقتلنی ، فكان حالُه كذلك ، قُتِل وحده بسهم . وكان بنو حمدان فى ثلاثين ألفاً ، ومؤنس فى ثمانمائة رجل فانهزموا ، وتعجَّب مؤنس من محاربة داود له ، وكان يقول : ياقوم فى حجرى خُتْن ، وِىَ عليه من الحقوق ماليس لأبيه . وملك مؤنس أموالَ بنى حمدان، واستولى على الموصل، وكثر خُرُوج النَّاس إليه . ولمَّا أقام بها تسعة أشهر ، حمله مَنْ خرج إليه على الانحدار إلى الحضرة ، وبلغ الجندَ بها انحدارُه، فشغّبُوا وطالبوا بأرزاقهم ، فأطلَق لهم المقتدر ذلك ، وأخرج مضرب الدم إلى باب الشماسية . وتراجعتْ طلائع المقتدر ، وبها سعيد بن حمدان ومحمد بن ياقوت ومؤنس الورقانىّ . واجتهد المقتدر بهارون أن يخرج للحرب . (١) فى تجارب الأمم: ١: ٢٣٢ ((حتى زال أمر القاهر)). (٢) كذا فى تجارب الأمم وفى الأصل: ((البريدىّ)). (٣) تجارب الأمم: « ثم مضى إلى أبی الحسین أحمد بن بویه )) ٢٧٢ سنة ٣١٨ وجاء محمد بن ياقوت ، والوزير الفضل بن جعفر، إلى المقتدر ومعهما ابن رائق ومُفْلِح، وقالوا : إن الرّجال لاتقاتِل إلا بالمال ، وسألوه فى مائتى ألف دينار من جهته وجهة والدته ، فقال: ليس إلى ذلك وجه ، وتقدم بإصلاح [الشذاءات والطّيارات لينحدر ](١) هو وحَرَمُه إلى واسط، فقال له محمد بن ياقوت: اتّق اللّه يا أمير المؤمنين ولا تسلّم بغداد بغير حرب ، وإن رجال مؤنس إن رأوك أحجموا عن القتال ، فقال له : أنت واللّه رسول إبليس . وركب المقتدر ، ومعه هارون بن غريب ، ومحمد بن ياقوت ، وسائر القوّاد ، وعليه البُرْدة وبيده القضيب ، وبين يديه ابنهُ الأمير أبوعلىّ ، والأنصار حافُّون به ، معهم المصاحف منشورة ، والقراء يقرءون القرآن، وَكثر الدّعاء له ، وأصعد إلى الشماسية ، و وقف على موضع عال . واشتبكت الحرب ، ومؤنس بالرّاشدية لم يحضرها ، وثبت هارون ومحمد ، وصار أبو العلاء سعيد بن حمدان برسالتهما إلى المقتدر يسألانه الحضور ، ليشاهده أصحاب مؤنس فيستأمنوا . فلم يجبه . وتتابعت رسُهما ، حتی کان آخرهم محمد بن أحمد القراریطی ، کاتب هارون ، وهو لا يجبيبهم ، ووقف على ظهر دابته ، ووراءه الوزير أبو الفتح ومُفلح وخواصٌ غلمائه ، فلما ألحُّوا عليه وقالوا : إن الغلمان يؤثرون رؤية أمير المؤمنين . فمضى حينئذ كارهاً المضىّ ، ومعه مُفلح ، وتخلّف عنه الوزير ، فلمّا قارب دجلة ، انهزم أصحابهُ قبل وصولهم، واستأسر(٢) أحمد بن كيغلغ وجماعة القواد، وآخر من ثبت محمد بن ياقوت . ولقى المقتدرَ على بن بليق ، فترجَّل له وقبَّل الأرض بين يديه ، ووافى البربر من أصحاب مؤنس ، فأحاطوا بالمقتدر ، وضَرَ به رجل منهم ضربةً فسقط منها ، فقال : ويحكم ! إنَّى الخليفة !فقالوا : فلك نطلب ، وأضجعوه وذبحه أحدهم بالسيف ، وطرح أحد أصحابه نفسه عليه فذُبح أيضاً ، ورُفع رأسه على خشبة ، وسلَب ثيابه ، (١) زيادة من تجارب الأمم ١ : ٢٣٥ وموضعه بياض فى الأصل. (٢) استأسر: أعد نفسه للأسر وفى الأصل: ((استؤسر)). 1 ٢٧٣ سنة ٣١٨ حتى مرّبه أكّار، فستره بحشيش ، وحفر له ودفنه وعَّى أثره . ونزل علىّ بن بليق وأبوه فى المضارب ، وأنفذ إلى دار السلطان مَنْ يحفظها . وانحدر مؤنس إلى الشماسية فبات بها . ومضى عبد الواحد بن المقتدر ومُفلح وهارون ومحمد وابناه رائق على ظهرِ خيولهم إلى الميدان . وكان مافعله مؤنس من ضَرْب وجه المقتدر بالسيف سبباً لجرأة الأعداء على الخلفاء . وكانت مدّة وزارة أبى الفتح لأمير المؤمنين المقتدر باللّه رحمه اللّه خمسة أشهر وعشرين يوماً . ولما حُمِل رأس المقتدر إلى مؤنس بكَى ، وقال : واللّه لَنُقتلنَّ كلنا ، والصّواب أنْ نرتّب مكانه ابنه أبا العباس(١)، فتسخو نفس جدَّته السيدة بإخراج المال. فثنى رأيهم أبو يعقوب إسحاق بن يعقوب النّبختى وقال: الصواب أن تولُّوا القاهر محمد بن المعتضد بالله ، مقدّراً استقامة أمرِه معه ، فكان الأمر على خلاف ماحسب . خلافة القاهر بالله أبو منصور بن المعتضد كانت سنة وستة أشهر وخمسة أيام . أمّه تسمى قبول، وسبب خلافته ، أنه حُمِل إلى مؤنس محمّد بن المكتفى باللّه ، فخاطبه فى تولّ الخلافة فامتنع وقال : عمى أحقُّ بالأمر ، فخاطب عمّه القاهر ، فأجاب وحلف لمؤنس والقواد وبايعوه ، وبايعه القضاة ، وذلك سحر يوم الخميس للیلتین بقیتا من شوال . وأشار مؤنس أن يستوزرٍ له علىّ بن عيسى ، فقال بليق : وابنه على الحال الحاضرة لا يقتضى ذلك ، لأنها تحتاج إلى سمح الكف واسع الأخلاق [ فأشار(٢) بأبى عليّ بن مقلة وبأن يستخلف له إلى أن يقدم من فارس أبو القاسم الكلواذى ] فرضى (١) بعدها فى تجارب الأمم ١: ٢٤١: ((فإنه تربيتى)). (٢) من تجارب الأمم . 1 ٢٧٤ سنة ٣١٨ مؤنس بذلك ، واستخلفوا له الكلواذىّ ، وكتبوا إلى ياقوت بحمله عاجلاً . وانحدر القاهر إلى دار الخلافة ، واستدْعَى مؤنس على بن عيسى من الصافية ، فأوصله إلى القاهر ، فخاطبه بكل جميل . وكانت والدة المقتدر فى علّة عظيمة من فساد مزاج واستسقاء . ولما وقفت على حال ابنها امتنعتْ من الأكل حتى كادت تتلف ، فُرُفِق بها حتى اغتذت بيسيرٍ من خبز وملح فأحضرها القاهر وقرّرها بالمال ، باللين تارة وبالخشونة أخرى ، فقالت : لوكان عندى مال ما أسلمتُ ولدى للقتل وتجرعْت بفراقه الثُّكْل ، وما لى غير صناديق فيها صياغات وثیاب وطِيب . فَعَلّقها فى حبل البِرَّادة (١) بفرد رِجْلها، وتناولها بالضرب بيده فى المواضع الغامضة من بدنها ، ولم يذكر إحسانَها إليه وقت اعتقالِ المقتدر إياه ، وضَرَبها أكثر من مائة مقرعة . ولما أوقع المكروه بها ، لم يجد زيادة على ما اعترفت به طوعاً ، وأخذ ماوجد لها فإذا هى صناديق فيها ماقيمتهُ مائة ألف وثلاثون ألف دينار وتماثيل كافور قيمتها ثلثمائة ألف درهم . فرفع ذلك إلى الكلواذىّ وبليق، وأمرهما بحمله إلى مؤنس ، ليُصْرَف فى مال الْبَيْعة . وصودِر جميعُ أسباب المقتدر . وصادر الفضلَ بن جعفر على عشرين ألف دينار ، فقال مؤنس : أنا أؤديها عنه . وحلَّ القاهر ماوقفته السيّدة على الحرَميْن والنُّغور ، واشترى ذلك أصحاب مؤنس بخمسمائة ألف دينار . وزارة ابن مقلة وقدِمِ ابنُ مقلة من شيراز يوم النّحز ، واختار لنفسه لقاء القاهر ليلاً بطالع الجدى ، وقال : فيه أحد السَّعْدين ، وخَلَعَ عليه من الغد خِلَع الوزارة . (١) البِرَّادة: إناء يبرّد الماء. سنة ٣١٨ ٢٧٥ وصار إلى دار مؤنس المظفر ، فسلّم عليه وانصرف إلى داره . وحضر النَّاس للتهنئة ، وأتاه علىَ بن عيسى ، فلم يقمْ له ، فاستقبح الناس فعلَه ، وصار إليه ابنُ قرابة وعاود تخلِيطَه . وظهرتْ دمنة والدة الأمير إسحاق بأمان كتَبه القاهرُ لها ، وبذلتْ عن ولدها عشرين ألف دينار ، ووُجدِ أولادُ المقتدر فى دار على بن بليق . وظهر شفيع المقتدرىّ بأمان ، وقُرر عليه خمسون ألف دينار ، وكان مملوكاً لمؤنس ، فحلف أن لابد من بيعه ، فُودى عليه ، فبلغ ثمنه سبعين ديناراً ، فابتاعه الكَلْواذِىّ باسم القاهر وشهد الشهود فى العهد . ١ ٢٧٦ سنة ٣٢١ سنة إحدى وعشرين وثلثمائة (١) قبض ابنُ مقلة على جماعة من العمال ، منهم النوبختى إسحاق بن إسماعيل ، وعلىّ الكَلْواذىّ ، وعَتب عليه أنه لم يراع أهله وقت غيبته، وأخذ خطَّه بمائتى ألف دینار ، وسلَّمه إلى أبى بكر بن قرابة . وقبض على بنى البريدىّ ، وضمن أعمالَهم محمد بن خلف (٢) النّيرمانىّ بزيادة ثلثمائة ألف دينار ، وضَمِن له ابنُ قرابة أن يصادرِهِمْ على ستمائة ألف دينار . ولم يزل أبو عبد الله البريديّ يُدارى محمد بن خلف ، ويعرّفه أنه يعمل بين يديه فرقَّهَهُ من بين إخوته . وتوصل أبو عبد الله حتى ضمِنه ابنُ قرابة وأُطْلِقٍ . ومضى البريدىّ إلى ابن مُقْلة وقال : عرفتُ من ابن خلف أنه يطلب الوزارة ، فأنفذ خدَمه وحُجّابَه للقبض عليه ، فهزمهم محمد بن خلف، وحصَّلهم فى بيت، وأَقفل عليهم بابَه ، وتَسَوَّر السطوح وهرب ، فلم يظهر إلا بعد عزل ابن مُقْلة . ومضى البريدى إلى الأهواز بتوسّط ابن قرابة حاله . وكان ابن مقلة يعادى أبا الخطاب بن أبى العباس بن الفرات ، فلم يجد للقبض عليه طريقاً ، لأنه ترك التصرّف منذ عشرين سنة ، ولزم منزله وقَنَع بدخول ضيعته. وكان ابن مُقلة استسعفه أيام نكبته ، فاعتذر بالإضافة ولم يُسعِفْهَ، فأظهر (٣) أبو الخطاب أولاده . ودعا أولاد ابن مقلة ، فعادُوا إلى أبيهم وأخبر وه بزينته فتركه . حتى قصده للسَّلام ، فقبض عليه وطالبه بثلثمائة ألف دينار، فقال : بمَ يحتجّ علىّ الوزير وقد تركت التصرّف من عشرين سنة ؟ وفى حال تصرّفى كنتُ ألزم الصحة ، ولى على الوزير حقوق ، مثله لاينساها ، ولولا تَهْجِينه لِ لقد كنت أظهر خطوطاً له عندى قبل هذه الحال ، وما أريد من رعايتها إلا السلامة ، وإن كان يعتقد أننى ورثْتُ من أبى مالاً فإننا كَّنَا جماعةَ أولاد ، ولو كان شىء لتقاسمناه. (١) أدخل المؤلف أخبار هذه السنة فى أخبار سنة ٣٢٢، كما انتقل من سنة ٣١٨، إلى سنة ٣٢١، كأنه أدخل بعض السنوات فى بعض (٣) فى الأصل: ((فظهر)). (٢) كذا فى تجارب الأمم وفى الأصل: ((اليرمانى)). ٢٧٧ سنة ٣٢١ فقال ابن مقلة للخصيبى : عاقِبْه ، فعوقب ، فلم يُدْعِن ، فقال : اضربوا ◌ُمنَقه ، فقال للسياف : وجَّهنى إلى القبلة ، وأخذ يتشهد . فقال مؤنس وقد بلغه الخبر : أىّ طريق لك على رجل لم يعمل منذ سنة تسع وتسعين ومائتين ، وتوسّط أمره على عشرة آلاف دينار ، وصرَفه إلى منزله . وتوسط ابن شيرزاد حالَ هارون بن غريب ، على مُصادرةٍ بثلثمائة ألف دينار ، وُنِىَ به مؤنس المظفر ، فقُبلت مصادرته وقُلِّد أعمال ماه الكوفة وما سَبَذَان. وكان هارون بواسط ، ففارقه عبد الواحد بن المقتدر ومحمد بن ياقوت وأبناء رائق وسرور ومفلح، وقَصَدوا السُّوس ، وأخربُوا البلادَ فى طريقهم ، وأقاموا بسوق الأهواز ، فتفذ لحر بهم بُليق . وانْحَدر بدر الْخَرْشَنى فى الماء. وكوتب أحمد بن نصر القشورىّ ، وهو يتقلَّد البصرة فلمَا تحصَلت الجيوش بواسط ، تغيَّر أصحاب ابنٍ ياقوت عليه ، وصاحب البريدى بليق ، وضمن تستّرّ عسكره ، وعمِل بالأهواز كلَّ عظيم من المصادرات ، وأخذ الأمتعة وأَنَى بعده البر یدیّ فعمل كعمله . وقال أبو عبد الله البريدىّ: لما رأيتُ انحلال أمر بُليق هممت بالتَّغَلُّب، وصار بين محمد بن ياقوت وبليق نهر ، فحلف بليق لمحمد بألاً يناله من جهته سوء إذا عبر إليه ، فعبر إليه محمد ، فى غلام واحد ، وانفرد وحَلَف كلّ واحد منهما لصاحبه ، فاصطلحا على أن يسيرا إلى الحضرة ويكون بينهما منزل . وأشار البريدىّ على ابن الطبرى ، كاتب بليق ، بأن يخاطب أستاذه فى القبض على محمد. فلما خاطبه ، قال : ماكنت لأخفر أمانتى . وخلّف بليق بِتُستر البريدىّ ، فعمل بها كلَّ قبيح . ورحل ابن ياقوت ، وتبعه بليق إلى مدينة السّلام، فلمّا دخل بليق خَلَع القاهر عليه وطوّقه وسوّره، وأطلق أملاك ابن رائق ومحمد بن ياقوت ومُفْلِح وسرور . [ دون إقطاعاتِهِمْ](١). (١) من تجارب الأمم ١: ٢٥٨. ......- - - -.. ٢٧٨ سنة ٣٢١ وبيعت دار الوزارة بالمخِّم ، وكانت قديماً لسليمان بن وهب ، ودَرْعُها أكثر من ثلثمائة ألف ذراع ، وقطعت وصُرِف ثمنُها فى مال البيعة للقاهر بالله . وورد الخبر من مصر بموت تكين الخاصة . وأشار ابنُ مقلة بإنفاذ علىّ بن عيسى ، فجاءه ليلاً واستشفع إلى كرمه به ، وعَرَّفه كِبَرَسنه ، فأعفاه عن الشخوص لمَّا تذلّل له ، وهمّ بتقبيل يده ، فمنَعه من ذلك . وورد كتاب محمد بن تكين ، يخطُب مكان أبيه ، فأجيب إليه ، فشغب الجندُ عليه بمصر وهزموه . وانحرف ابنُ مقلة عن محمد بن ياقوت ، ومكن فى [ قلب مؤنس المظفر وبليق وعلىّ ابنه أنه فى تدبير عليهم](١ مع القاهر عليهم وأن رسولَه فى ذلك عيسى الطبيب . فوجَّه مؤنس بعلىّ بن بليق إلى دار الخلافة ، وهجمَ غلمانه على عيسى الطبيب ، فأخذوه من بين يدى القاهر ، ونفاه مؤنس من وقته إلى الموصل . واستتر محمد بن ياقوت ، ووُكِّل مؤنس بدار القاهر ، وأمر بتفتيش كلّ مَنْ يدخل إليها ، حتى فتّش لبناً مع إحدى الجوارى وخاف أن تكون فيه رقعة . وأخذ المحبوسين فيها ، وسلّم والدة المقتدر إلى والدة علىّ بن بليق ، فأقامت عندها مُرَهَفةً عشرة أيام ، وماتت بعد ذلك وحُمِلت إلى التُّربة بالرصّافة فدُفِنت بها . وباع ابنُ مقلة الضّياع والأملاك السلطانية ، لتمام مال البيعة بألفى ألف وأربعمائة ألف دينار . وتقدّم بالقبض على البربهاريّ ورئيس الحنابلة ، فهرب ، وقُبِض على جماعة من كبار أصحابه ، ونفاهم إلى البصرة . قال بعض أهل العلم : خرجنا فى يوم مطير ، مع جنازة أبى (٢) هاشم عبد السلام ابن محمد بن عبدالوهاب الجُبّائى ، إلى باب البستان ، فإذا نحن بجنازة معها جماعة [ فقلت : جنازة من هذه ؟ ] ١) فقالوا : جنازة أبى بكر بن دريد ، فبكينا على الكلام والأدب وذلك فى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة . (١،١) زيادة من كتاب تجارب الأمم . (٢) فى الأصل: ((ابن)) وما أثبته من المنتظم . . ٢٧٩ سنة ٣٢١ فأما أبو هاشم فبينه وبين [ أبى بكر بن دريد ](١) اثنا عشر سنة ، وله الكتب المشهورة فى الكلام وفى الردّ على ابن الرّاوندىّ والملحِدة . قال الخطيب (٢): سأله بعضُ أصحابه عن مسألة فأجابه ، فقال: يا أباها شم الصاحى بموضع رِجْلَىِ السكران أعرفُ من السّكران بموضع رِجْلىْ نفسه ، يعنى أن العالم [أعلم بمقدار ](٣) ما يحسنه الجاهل من الجاهل بقدر مايُحْسِن وأما أبو بكر بن دريد ، فهو صاحب كتاب الجمهرة ، وهو أشعر العلماء . ومن شعره المقصورة ، نقلتُ من خط التميمى له : وسائر العوّاد أشراكى أعادُ من أجلك من ضنَّى أخاف أن أشكو إلى شاكى ولستُ أشكوك إلى عائد وله : أَتَتْ بين ثَوبْی نرجسٍ وشقائق(٤) وحمْرَاءَ قبل المزج صفراءَ بَعْدَهُ عليها مِزاجاً فاكتستْ لوْنَ عَاشِقٍ حكتْ وجنةَ المعشوق صِرْفاً فسلّطوا ومن شعره : كلُّ يومٍ يُرُوعِى بِالثَّجَّى من أراه مكانَ رُوحِىَ مِّى مشبه للهلالِ والظّبْىِ والغصن بوجهٍ ومقلة وتَثَّى فهوَ فى الْحُسْنِ غايَةُ المُتَمِِّّى جمع اللّه شهوةَ الْخَلْقِ فيه نِى وأشتاقهُ وَيَصْير عَنِّى أمِنَ العدْل ان ارِقَ ویجفو وفى هذه السّنة ، تم تدبيرُ القاهر على مُؤنس ، وانعكس مادبّره مع ابن مقلة من القبض على القاهر، وذلك أنه لما عومل بما ذكرناه ، وضُيِّقَ عليه التضييق الّذى شرحناه راسل الساجيّة وضربهم على مؤنس وبليق ، وضمن لهم الضَّماناتِ الكثيرة . وكانت اختيارُ قهرمانة القاهر، تخرج من الدَّار ، وتَتَوَصَّل إلى أن تمضىَ ليلاً إلى أبى جعفر محمد بن القيم بن عبيد اللّه وتشاوره فى أمور القاهر . (١) تكملة يقتضيها السياق. (٢) تاريخ بغداد ١١ : ٥٥ . (٣) من تاريخ بغداد . (٤) ديوانه ٨٦ . ٢٨٠ سنة ٣٢١ وعَزَمَ ابنُ مقلة وبُليق وأبو الحسن بن هارون على خَلْع القاهر ، وتولية أبى أحمد بن المكتفى باللّه، فأشار عليهم مؤنس بالتَّمَهُّل ، وأمرهم بالتلُبُّث إلى أن ينبسِط القاهر ، ثم يَقْبِضون عليه ، فاتفّق لبليق أن خادمه صدَمه فى الميدان صَدمَةً اعتلّ فيها . وبادر ابنُ مقلة بمكاتبة القاهر ، يُعْلِمه أنّ القرمطيّ قد وافى الكوفة ، وقد قَرَرْتُ أنا ومؤنس مع علىّ بن بليق الخروجَ إليه ، وأمرْناه بلقاء أمير المؤمنين فى ليلتنا هذه . وكان قصدهم أنه إذا وصل إليه ، قَبض عليه ، وأتبع الرقعة بأخرى تتضمن الحال ، . فاستراب القاهر، وخاف أن تكون حيلة . ونمّ الخبر إليه من جهة طريف السبكرىّ . فلمّا كان بعد العصر ، حضر ابنُ بليق منتبذاً ، ومعه عدد يسير من غلمانه ، وكان الظاهر قد أرسل الساجية يحضرون بالسِّلاح، وشتمُوا عليًّا، وعملوا على القبض عليه، فحامَى غلمانهُ عنه وَطَرح نفسه من الرَّوْشن إلى الطّيّار، وعَبَرَ واسْتَتَر من ليلته . واستتر ابنُ مقلة وابنُ قَرابة . وانحدر بُليق ليعتذر لابنه ، فقبض عليه القاهر ، وراسل مؤنساً وأعلمه الحال وسأله فى الحضور، فاعتذر بثقل الحركة ، فعاوده فى السؤال فى الحضور ، فاستقبح له طريف السبكرىّ التأخّر ، فلما حَصَل فى دار السلطان قُبض عليه ، فكانت وزارة ابنِ مقلة القاهر تسعة أشهر وثلاثة أيام . وزارة أبى جعفر محمد بن القاسم ووجّه القاهر إلى أبى جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله ، فاستحضره فى مستهلٌ شعبان وقلّده وزارته ، وخلَع عليه يوم الاثنين ثالث شعبان خِلَع الوزارة . ووجّه القاهر من يومه مَن استقدم عيسى المتطبب من الموصل . وأنفذ إلى دار ابن مقلة بباب البستان فطرَح فيها النار . وظهر محمد بن ياقوت وصار إلى دار السلطان ، وخَدم فى الحجبة ، ثم علم كراهية طريف والساجية والحجريّة له ، فاحتال فى الهرب واستتر، وانحدر إلى أبيه بفارس وجلس بزىّ الصوفية فى الماء وركب البَحر، ووافى مهروبان، وجاء ليلاً إلى أُرَجان ،