Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
سنة ٣٠٤
إلى أخيه يستخلفه على العمل ، ونوظر عن الأعمال التى كانت إلى أبيه ، فقُطع
الأمر معه على ستين ألف دينار ، حملها عنه حَمَد كاتبه، وجىء بتابوت محمد بن
إسحاق لأربع بقين من شوال ، ودفن فى داره بالجانب الغربىّ .
وأقام الحجّ للناس فى هذه السنة الفضل بن عبدالملك الهاشمى .

٦٢
سنة ٣٠٥
ثم دخلت سنة خمس وثلثمائة
ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس
فيها دخل مدينة السلام رسل ملك الروم ورئيساهم : شيخ وحدّث ، ومعهما
عشرون عِلْجا ، فأنزلوا الدار التى كانت الصاعد، ومُسّع عليهم فى الأنزال والوظائف ،
ثم أدخلوا بعد أيام إلى دار الخليفة من باب العامة ، وجىء بهم فى الشارع الأعظم ،
وقد عبّى لهم المصاف من باب المخرّم إلى الدار ، فأنزل الرئيسان عن دابتهما عند باب
العامة ، وأدخلا الدار وقد زينّت المقاصير بأنواع الفرش ، ثم أقيما من الخليفة على
نحو مائة ذراع ، والوزير علىّ بن محمد بين يديه قائم ، والترجمان واقف يخاطب الوزير ،
والوزير يخاطب الخليفة ، وقد أعد من آلات الذهب والفضة والجوهر والفرش مالم ير
مثله ، وطِيفَ بهما عليه . ثم صِير بهما إلى دِجْلة ، وقد أُعدّت على الشطوط الفيلة
والزرافات والسباع والفهود ، وخلع عليهما، وكان فى الخلَع طيالسة ديباج مثقلة ،
وأمر لكل واحد من الاثنين بعشرين ألف درهم ، وحمل فى الشّذَا مع الذين جاءوا
معهما، وعبر بهما إلى الجانب الغربى وقد مدّ المصافَّ على سائر شراع دِجْلة إلى أن مرّبهما
تحت الجسر إلى دار صاعد ؛ وذلك يوم الخميس لست بقين من المحرّم .
وقدم إبراهيم بن أحمد الماذَرائى من مكة ، فقبض عليه ابن الفرات وأغلظ له
وصادره على مال عجّل بعضه، ونَجّم(١) الباقى عليه، وكتب ابنُ الفرات إلى علىّ بن أحمد
ابن بسطام المتقلّد لأعمال الشأم فى المصير إلى مصر ، والقبض على الحسين بن أحمد
المعروف بأبى زُنبور ، وعلى ابن أخيه أبى بكر محمد بن علىّ ، وحملهما إلى مدينة السلام
على جمّازات ، ونفذ إليه بهما من بغداد بعد مصادرتهما والاستقصاء عليهما ، وحمِل مال
المصادرة إلى مدينة السلام ، وقد كانا قبل ذلك ظفرا بابن بسطام ، فأحسنا إليه
فجازاهما ابن بسطام أيضاً ، بأن رَفِقِ بهما وحسّن أمورهما، وعَنَّى بهما بعض
حاشية السلطان ببغداد. وقيل للخليفة : إن الوزير إنما وجّه فى قتلهما ، فأنفذ
(١) نجمه: جعله نجوماً، أى أقساطاً.

٦٣
سنة ٣٠٥
خادماً من ثقات خدمه على الجَمَّازات فى طريق البرية إلى دمشق ، ومنها إلى مصر
وأمر ابن بسطام ألّ يناظرهما إلا بحضرة الخادم الموجّه إليه ، وألا يعُنُف عليهما
وكان ذلك مما يحبّه ابن بسطام ، لأنه كان أساء بهما غاية الإساءة ، وأخذ منهما مالا
جليلاً يقال إنه احتجنه ، وتقلّد أبو الطيب أخوه مناظرة ابن بسطام ، رفقاً به أيضاً
ولم يشتّدًّا عليه فى شىء مما كان إليه وأحسنا إليه، وسلّماه إلى تكين صاحب مصر
ليناظر بحضرته ، فُتُسب أبو الطيب بفعله ذلك إلى العجز . وقال فيه بعض الشعراء
بمصر شعراً ذكرته لما فيه من مذهبهم فى شنعة التعذيب والاستقصاء :
هُ به العدلَ ليس فيك انتصارُ
دَ تأنّيكَ وَقفة وانتظارُ
هُ ففى كشفهِ عليه دَمار
تِ وأينَ الترهيبُ والانتهارُ
لُ إذا عُلِّقَتْ عليه الثّفار
◌ّةُ أينَ القيامُ والأخطارُ
مِ وعَصْرُ الخُصا وأين الزّيارُ
مِ وأينَ الحُبُوسُ والمضمارُ
نُكَ فاشدُد فإنّ رِفِقَكَ عارُ
وإليك الخيارُ والاختيارُ
يا أبا الطّبِ الذى أظهرَ اللـ
قد تأنّيتَ وانتظَرْتَ فهل بعـ
جُدَّ بالخائنِ البَخيلِ فَكَثّهْ
أينَ ضَرَبُ المقارعِ الأرْزنيًا
أينَ صَفْعُ القَفَا وأينَ التهاوِيـ
أينَ ضيق القُيُودِ والألسن الفَ
أينَ عَرْك الآذانِ واللظُمِ لِلها
أينَّ نتفُ اللُّحَاَ وَشَدّ الحَيَازيـ
ليسَ يَرضى بغيرِ ذا منك سُلطا
فيبهذا يَجِيكَ مالُكَ فَاسَعْ
وقبض ببغداد على ابن أخت إبراهيم بن أحمد الماذرائى ، وهو أبو الحسين
محمد بن أحمد ، وكان يكتب لبدر الحقَّامى ، ويخلُّف أبا زنبور وأبا بكر محمد بن علىّ
وطالبه ابن الفرات بأموال ، فأغرمه وأخذ جميعَ ماوجد له فى داره .
وفى هذه السنة ورد الخبر بأنّ الحسن بن خليل بن ريمال أمير البصرة من قِبَل
شفيع المقتدرىّ أساء السيرة فى البصرة ، ومد يده إلى أمور قبيحة ، ووظّف على الأسواق
وظائف ، فوثبوا به ، فركب وأحرق السوق التى حول الجامع ، وركضت خيله فى المسجد ،
وقتلوا جماعة من العامة ممن كان فى المسجد ، ولم تصلَّ الجمعة فى ذلك اليوم . ثم
كثر أهل البصرة فحاصروه فى داره بموضع يعرف ببنى نمير ، واجتمع أصحابه إليه إلى
أن تقدّم المقتدر إلى شفیع المقتدرى بعزله،فعزله وملی رجلاً من أصحابه یعرف بابن أبى دلف

٦٤
سنة ٣٠٥
الخُراعىّ ، فانحدر وأفرج أهل البصرة للحسن بن خليل حين خرج،وقد كان أهل
البصرة أطلقوا المحبوسين ومنعوا من صلاة الجمعة شهراً متوالياً .
وفى هذه السنة ورد رجل من عسكر ابن أبى الساج يعرف بكلّب الصحراء فى الأمان
فذ کر أنه عَلَوىّ ، وأنّ ابن أبى الساج كانيعتقلهوأنه هرب منه ، فأجرى له ثلثمائة دينار فى
المجتازين ، وكتب إلى ابن أبى الساج بذلك ، فَدسَ إليه مَنْ يناظره عن نسبه ، وكان
قد تزوج بامرأة ابن أبى ناظرة ، وهى ابنة الحسن بن محمد بن أبى عون ، فأحضر
ابن طومار النقيب ، فناظره ، وكان دعيًّا فسُلِّم إلى نزار بن محمد صاحب الشرطة ببغداد
فوضعه فى الحبس .
وفى شوّال من هذه السنة دخل مؤنس الخادم إلى الرّى لمحاربة ابن أبى الساج ،
بعد أن هزم ابن أبى الساج خاقان المفلحىَّ، فما ترك أحداً من أصحابه يتبعه ، ولا
يأخذ من أصحابه شيئاً . ودخل ابن الفرات إلى المقتدر بالله ، فأعلمه أن علىّ
ابن عيسى كتب إلى ابن أبى الساج بأمره أن يصير إلى الرّىّ ، حيلةً على الخليفة
وتدبيراً عليه ، فسمع المقتدر باللّه هذا الكلام من ابن الفرات ، فلمّا خرج سأل علىّ
ابن عيسى عنه، وكان محبوساً عنده فى داره ، فقال له علىّ: النّاحية التى أنهضتُ
إليها ابن أبى الساج منغلقة بأخى صعلوك ، فكتبتُ إليه بمحاربته ، ولا أبالى مَنْ
قُتل منهما ، وقد استأذنتُ أميرَ المؤمنين فى فعلى هذا ، فأذِن فيه ، وسألته التوقيع به
فوقَّع ، وتوقيعه عندى ، فأُحضر التوقيع ، فحسُن موقع ذلك له من المقتدر ووسّع على
علىّ بن عيسى فى محبسه ولم يضيّق عليه .
وفيها ورد الخبر بقتل عثمان العنَزَىّ القائد والى طريق خراسان ، وأُدخل بغداد
فى تابوت ، ثم ظفر بقاتله ، وكان رجلاً كرديًّا من غلمان علّان الكردى ، قُضِرب
وثُقِّل بالحديد حتى مات .
وفيها وردت هدايا أحمد بن هلال صاحب عمان على المقتدر بالله ،
وفيها ألوان الطيب ورماح وطرائف من طرائف البحر ، فيها طير صينى أسود يتكلّم
أفصح من البّغا بالهندية والفارسية ، وفيها ظباء سود .
وفيها قَدِمِ القاسم بن سيما الفرغانى من مصر بعد أن عَظُم بلاؤه ، وحسن أثره فى
حرب حباسة قائد الشَّيعه بمصر، وكان أهل مصر قد تهزموا ودار سيف أهل المغرب بهم
i

٦٥
سنة ٣٠٥
حتى لحقهم القاسمُ، فنجّاهم كلّهم وهُزِم حباسة وأصحابه ، فركبوا الليل ، ووردت
كتب أهل مصر وصاحب البريد بها يذكرون جليل فعله ، وحسن مقامه وهو لا يشكّ
فى أن السلطان يجزل له العطاء ويُقطعه الأقطاع الخطيرة ، ويولّيه الأعمال العالمية . فلما
وصل إلى باب الشماسيّة أقاموه بها ، ومنعوه الدخول إلى أن ملّ وضجر . ثم أذنوا
له فى الوصول ، فاعتدُّوا بذلك نعمة عليه . وكان القاسم رجلَ صدق ، كثيرَ الفتوح ،
حسن النية ، فلم يزل منذ دخل بغداد كمداً عليلاً إلى أن توفى فى آخر هذه السنة يوم
الجمعة لسبع ليال بقين من ذى الحجة ..
د وفيها ماتت بنت للمقتدر، فدُفنت بالرصافة، وحضرها آل السلطان، وطبقات
وفيها مات القاسم بن زكرياء المطرّز المحدّث فى صفرالمن خلفا باد
- وفى شهر ربيع الآخر مات القاسم بن غريب الخال، ولم يتخلّف عن جنازته
أحد من القواد والأجلاء، وركب ابن الفرات الوزير إلى غريب معزّياً فى عشى ذلك
اليوم الذی دُفن ابنه فى غداته .. هنا
وفى هذا الشهر ورد الخبر بموت العباس بن عمرو الغَنَوىّ ، وكان عامل ديار
مُضَر، ومقيماً بالرّقة، فحمل ما تخلف من المال والأثاث والسلاح والكُراع إلى المقتدر ،
واضطرب بعد موته أمر ديار مُضَر ، فقُلّدها وصيف البَكْتُمرىّ ، فلم يَظهرْ منه فيها أثر
يرضى ، فعزل ، وقلدها جنىّ الصفوانى فضبطها .
وفيها مات عبد الله بن إبراهيم المسمعىّ يوم السبت لتسع ليالٍ بقين من شهر
ربيع الآخر ، ودفن فى داره التى أقطعها بباب خراسان ، وكان عبد الله بن إبراهيم
المسمعىّ عاقلاً عالماً، قد كتب الحديث ، وسمع عن الرّياشىّ سماعاً كثيراً ، وكان
حسنَ الحفظ، وكان ابنه عالماً إلا أنه كان دونه.عقابا فا مله ا بها وأfa
وفيها مات ◌ُبكرى غلام عمرو بن الليث الصفار ببغداد .
وفيها مات غريب خال المقتدر يوم الأربعاء لثمان بقين من جمادى الآخرة ،
وصلّى عليه أحمد بن العباس الهاشمىّ أخو أم موسى، ودفن بقصر عيسى وحضر جنازته
الوزير علىّ بن محمد وجميع حاشيته والقواد والقضاة ، وكان نصر الحاجب قد
أحسَّ من المقتدر سوء رأى فى الوزير ابن الفرات واستثقالاً لمكانه ، وعملاً فى الإيقاع به ،
+

٦٦
سنة ٣٠٥
فوجّه نصر إلى المقتدر يشعره بأنّ ابن الفرات قد حضر الجنازة فى جميع أهله وحاشيته ،
وقال له : إن كنت عازماً على إنفاذ أمرك فيهم ، فاليوم أمكّنك إذ لاتقدر على جمعهم
هكذا ، فوجّه المقتدر : أخّر هذا فليس وقته ، وخلع بعد جمعة من ذلك اليوم على هارون
ابن غريب ، وقّد ما كان يتقلّد أبوه من الأعمال ، وعقد له لواؤه بعد ذلك .
وفى هذه السنة مات مصعب بن إسحاق بن إبراهيم يوم الأحد سَلْخَ شعبان ،
وقد بلغ سنًّا عالية ، وصلّى عليه الفضل بن عبد الملك إمام مكة ، وكان آخر من
بقىَ من ولد إسحاق بن إبراهيم ، وانتهت إليه وصيته ، وكان أعيا الناس لساناً وأكثرهم
فى القول خَطَلاً، وكان طويل اللحية مُغفّلاً إلا أنه كان صالحاً وكتب الحديث ورواه ،
وله أخبار وكتب مصحّفة منهاما كتب به إلى أهله من القادسية لماحجَ وأُلفى هذا
الكتاب بخطه ، فحكيته على ألفاظه .
بسم الله الرحمن الرحيم كتابى إليكم من القادسية وكنت قد أغفلت أمر الأضاحى
فقولوا لابن أبى الورد - يعنى وكيلاً له - يشترى لكم ثلاث بقرات يحضيها(١) على أحد
وعشرين أمهات الأولاد اثنى عشر وأدٍ. وأمى تمام العشرين ، وأنا آخرهم الحادى
والعشرين ، فرأيكم فى ذلك تعجيله إن شاء الله .
وقال فيه بعض جيرانه من الشعراء :
عمَّا قليلٍ سيأخذُ الصدقهْ
وصِىُّ إسحاقَ يابَتِى صِدَقَهْ
يُظهر من غيرِ منطِقٍ حَمَقَهْ
ضِدَّ لإسحاقَ فى براعَتِهِ
فقال فى حلقةٍ لنا لحقَهْ
وإن أتى بالكلامِ بَدَّلهُ
وورد الخبر من فارس بموت إسحاق الأشروسنى ، وكان قد تقلّد شرطة الجانب
الشرقی من بغداد .
وأقام الحج فى هذه السنة ابن الفضل بن عبدالملك وأبوه حاضر معه .
(١) يحضيها : يشويها.

٦٧
سنة ٣٠٦
ثم دخلت سنة ست وثلثمائة
ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس
فيها ورد الخبر بوقعة كانت بين مؤنس الخادم وبين يوسف بن أبى الساج ،
وذلك يوم الأربعاء لثمان ليال خَلَوْن من صفر ، فكانت الهزيمة على مؤنس وأصحابه .
ولحق نصر السَّبكى مؤنساً وهو منهزم ، وبين يديه مال ، فأراد أسره وأخذ المال الذى
كان بيده فوجّه إليه يوسف : لاتعرض له ولا لشيءٍ مما معه ، وأسر فى هذه الوقيعة
جماعة من القواد، فأكرمهم يوسف ، وخلع عليهم وحملهم، ثم أطلقهم فودَّ مَنْ
كان فى عسكر مؤنس أنهم أُسروا .
وفى هذه السنة أمرت السيدة أم المقتدر قَهْر مانة لها ، تعرف بثمل أن تجلس
بالرّصافة للمظالم ، وتنظر فى كتب الناس يوماً فى كلّ جمعة ، فأنكر الناس ذلك ،
واستبشعوه ، وكثر عيبهم له والطعن فيه . وجلستْ أول يوم ، فلم يكن لها فيه طائل ،
ثم جلست فى اليوم الثانى ، وأحضرت القاضى أبا الحسن ، فحسَّن أمرها وأصلح
عليها ، وخرجت التوقيعات على سداد ، فانتفع بذلك المظلومون ، وسكن الناس
إلى ما كانوا نافروه من قعودها ونظرها .
وفيها أمر المقتدر ◌ُناً الطولونىّ - وكانت إليه الشرطة ببغداد - بأن يُجِلِس فى كلّ
ربع من الأرباع فقيهاً يسمع من الناس ظلاماتهم ، ويفتى فى مسائلهم حتى لايجرى على
أحد ظلم ، وأمره آلا يكلّفَ الناس ثمن الكاغد الذى تكتب فيه القصص ، وأن
يقوم به، وألا يأخذ الأعوانَ الذين يشخصون مع الناس أكثر من دانقين فى أجعالهم .
وفى هذه السنة استطاب المقتدر الزبيدية فسكنها ، وأقام بها مدة ، ونقل إليها بعض
الحُرم ، ورتّب القُوَاد فى مضاربهم حوالى الزبيدية ، وجلس فى يوم سبت لإطعامهم
ووصل جماعة منهم وشرب مع الحَرم ، وفرق عليهنَّ مالاً كثيراً .
قال محمد بن يحيى الصولى : ووافق هذا اليوم قصدى إلى نصر الحاجب
مسلّماً عليه، فأمرنى بعمل شعر أصف فيه حسن النهار، وأن أوصِّله إلى المقتدر ، ففعلت

٦٨
سنة ٣٠٦
وما برحت من عنده حتى جاء خادم لأم موسى ، ومعه خمسة آلاف درهم فقال :
هذه للصولى ، وقد استحسن أمير المؤمنين الشعر ، وكان أوّها :
لها كلّ يومٍ مِن تَعْتُبِهِ عَتْبُ تُحَمِّلْنى ذنباً وما كان لى ذنبُ
وفيها :
فلا شَخْصها يَحَى ولا نورُها يحْبُو
كواكبُ سعدٍ قابَلتْها مُنِيرَةٌ
وأطلعَ أفقُ الغربِ شْمِسَ خلافةٍ وماخِلت أن الشمسَ يُطلِعُها الغربُ.
وأَشَرِقَ من إشراقه الْبُعْدُ والقربُ ...
تلبّشَ حسناً بالخليفةِ جعفرٍ
بمقتدِرَ باللّه عالٍ على الهوى له من رسول اللّه منتَسَب رحْبُ ونَ}.
تجدد ولما هزم ابن أبى الساج مؤنساً الخادم أرجف الناس بالوزير ابن الفرات،
وأكثروا الطعن عليه ، ونسبوا كلَّ ماحدث إلى تضييعه، وانكفى عليه أعداؤه ومن
كان يحسده ، وأُغرى الخليفة به ، فكتبت رقعة وأخرجت من دار السلطان إلى علىّ
ابن عيسى وهو محبوس ، وسمّى له فيها جماعة ليقول فيهم بمعرفته ، وليستوزر مَنْ
يشيرُ به منهم ، وكان فى جملة التسمية إبراهيم بن عيسى ، فوقع تحته«شره لا يصلح))،
ووقّع تحت اسم ابن بسطام «كاتب سفاك للدماء))، ووقع تحت اسم ابن أبى البغل
(ظالم لا دين له))، ووقع تحت اسم حامد بن العباس ((عامل موسر عفيف قد كبر)) .
ووقَّع تحت اسم الحسين بن أحمد الماذرانى (( لا علم لى به، وقد كفى ما فى ناحيته ))،ووقع
تحت اسم أحمد بن عبيد الله بن خاقان ((أحمق منهور)) ووقّع تحت اسم سليمان بن
الحسن بن مخلد ((كاتب حدَث)) ووقّع تحت اسم ابن أبى الحوارى ((لا إله إلا اللّه))
رأ فأجمع رأى المقتدر ومَنْ كان يشاوره على تقليد حامد بن العباس الوزارة وأعان
على ذلك نصر الحاجب ورآه صواباً ، فأنفذ المقتدر حاجبه المعروف بابن بُويح
للإقبال بحامد ، وقبض على علىّ بن محمد بن الفرات يوم الخميس بعد العصر الثلاث
بقين من شهر ربيع الآخر، وعلى من ظفر به من آله وحاشيته ، فكانت وزارته فى هذه
المدة سنة وخمسة أشهر وتسعة عشر يوماً .راصالمخد رة القا سيفوود منشعراء
وفّ ابنه المحسن من ديوان المغرب وكان يليه، فدخل إلى منزل الحسين بن أبى العلاء
فلم يستتر أمره ، وأخذ فجىء به إلى دار السلطان ودخل حامد بن العباس بغداد يوم
الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى عشًا، فبات فى دار نصر الحاجب التى

٦٩
سنة ٣٠٦
فى دار السلطان ، ووصل يوم الثلاثاء من غدوة إلى المقتدر ، وخلع عليه بعد أن تلقّاه
الناس من نهر سأبُس إلى بغداد ، ولم يتخلّفْ عنه أحد ، ورأى السلطان ومَنْ حوله
ضَعْفَ حامد وكبَرَه ، فعلموا أنه لابدّ له من معين ، فأَخرج علىّ بن عيسى من مَحْبَسه،
وأنفذ إلى الوزير حامد ومعه كتاب من الخليفة يعلمه فيه أنه لم يصرف عليًّا عن الوزارة
لخيانة ولا لشىء أنكره ؛ ولكنه واصل الاستعفاء ، فعوفى ، قال : وقد أنفذته إليك
لتوليه الدواوين وتستخلفه وتستعين به فإن ذلك أجمع لأمورك ، وأعون على جميل
نيتك. فسلّم الكتاب إلى الوزير شفيع المقتدرى ، فتطاول لعلىّ بن عيسى حين دخل إليه
وأجلسه إلى جانبه فأبى عليه وجلس منزوياً قليلاً ، وقرأ الرقعة ، وأجاب فيها بالشكر
والقبول . وركب الوزير حامد وعلىّ بن عيسى إلى الجمعة ، وكثر دعاء الناس لهما
ووَلَى ابُّ حمّاد الموصلى مناظرة ابن الفرات بحضرة شفيع اللؤلؤى ، وأحضر
حامد بن العباس المحسّن بن علىّ بن محمد بن الفرات وموسى بن خلَفَ فطالبهما
بالمال ، وأسرف فى صفعهما وضربهما وشتمهما ، فقال له موسى بن خلف: أعزّ
اللّه الوزير! لاتسَنَّ هذا على أولاد الوزراء فإن لك أولاداً، فغاظه ذلك، فزاد فى
عقوبته، فحمل مَنْ بين يديه)) وتلف وأوقع بالمحسّن ، فأمر المقتدر باللّه بإطلاق
المحسّن، فأطلقسخا بالب الدرا ميلك
. ولما بلغ ابنَ الفرات الخبر ، أظهر أنه رأى أخاه فى النوم ، كأنه يقول له :
أعطهم مالَك، فإِنكَ تَسلَم، فاستدعى ابن الفرات أن يسمع الخليفة منه ، فأحضره
فأقرَ له فإنَّ قِبَل يوسف بن بنخاس وهارون بن عمران الجهبذيْن اليهوديّين سبعمائة ألف
دينار ، فأحضرهما حامد، فأقرّاء بالمال ، فأخذه منهما ، وأقرّ بمائة ألف دينار له
عند بعض أسبابه ، فأخِذَتْ ، وأخذوا قبل ذلك منه نحو مائتى ألف دينار، فكانت
الجملة التى أخذت منه ومن أسبابه ألف ألف دينار .. وكان السلطان أنفذ جمازات
إلى الحسين بن أحمد الماذرائى، يأمره بالقدوم ، فأرجف الناس أن ذلك للوزارة
وقيل أيضاً: ليحاسب عن أعماله، فقدم إلى بغداد للنصف من شهر رمضان سنة ست
وأهدى إلى الخليفة هدايا جليلة ، وإلى السيدة، وحمل مالاً، وأهدى إلى علىّ بن
عيسى: مالاً وهدايا ، فردّها وأمره أن يحملها إلى السلطان، وأخرج ابن الفرات، واجتمعت
الجماعة لمناظرته ، فأقرّ للحسين بن أحمد أنه حُملَ إليه عند تقلّده الوزارة فى الدفعة

٧٠
سنة ٣٠٦
الثانية ستمائة ألف دينار ، فأقّ بوصول المال إليه ، وذكر وجوهاً يترفّه فيها ، فقبل بعض
ذلك ، وألزِمِ الباقى ، ورُدَّ الحسين بن أحمد على مصر وأعمالها ، وأخوه على الشأم ،
وشخص إليها لست بقين من ذى العقدة ، وخرج توقيع الخليفة بإسقاط جميع
ماصُودر عليه الحسين بن أحمد وابن أخيه محمد بن علىّ بن أحمد والاقتصار بهما
من جميع ذلك على مائتى ألف دينار .
وورد الخبر يوم التروية سنة ست وثلثمائة بأنّ أحمد بن قدام، ابن أخت سبکری -
وكان أحد قواد كثير بن أحمد أمير سجستان - وثب على كثير ، فقتله وملَك البلد ،
وکاتب السلطان بمقاطعته على البلد ، وکان کثیر هذا یحجبُ أبا یزید خالد بن محمد
المقتول الذى ذكرنا أمره قبل هذا .
وفيها وثب جماعة من الهاشميّين على علىّ بن عيسى حين تأخَّرت أرزاقهم، وقد
خرج من عند حامد بن العباس وشَتَمُوه وزنُّوه ، وخرقوا دُرَاعته وأرجلوه ، فخلصه
القواد منهم ، فحاربوهم وضُربوا ضرباً شديداً، واتصل ذلك بالمقتدر باللّه ، فأمر فيهم
بأمور عظام، وأن يُنْفَوْا إلى البصرة مقيّدين ، فحملوا فى سفينة مطبقة بعد أن ضرب
بعضهم بالدّرة ، وأمر بأن يُحبسوا فى المحبس ، فلما وصلوا أجلسهم سبك الطولونى
أمير البصرة على حَمير مقيّدين، وأدخلهم إلى دار فى جانب المحبس، وكلّمهم بجميل ،
ووعدهم ، وفرّق فیهم أموالاً . إلا أنهأُسرًّ ذلك ، ثم نفذ الكتاب باطلاقهم ، فأحسن إليهم
سبك الطولونى ، وأحضرهم وزادهم ، وصنع لهم طعاماً ثم وصلهم ، وأُكْرِيت لهم سُميريّات،
فكان مقامهم بالبصرة عشرة أيام ، ووصلهم حامد وأمّ موسى وأخوها وعلىّ بن عيسى.
وفى هذه السنة أُخِذ من القاضى محمد بن يوسف مائة ألف دينار وديعة ، كانت
لابن الفرات ، وزُقّت ابنه القاسم بن عبيد اللّه إلى أبى أحمد بن المكتفى باللّه،
فعملت لهما وليمة أنفق فيها مال جليل يزيد على عشرين ألف دينار.
وفيها عُزل نزار بن محمد عن شرطة بغداد وولّها محمد بن عبد الصمد خَتَن تكين
من قُوَاد نصر الحاجب .
وفيها مات إسحاق بن عمران يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر .
وفيها مات محمد بن خلف ، وكان إليه قضاء الأهواز وولى ابن البهلول قاضى
الشرقيّة مكانه .
:

٧١
سنة ٣٠٦
وفيها ورد الخبر فى أول جمادى الأولى بوفاة عَجّ بن حاج ، أمير الحجاز ، فكتب
السلطان إلى أخيه أن يَلىَ مكانه .
وفيها مات القاضى أحمد بن عمر بن سُريج وكان أعلَم منْ بقى بمذهب الشافعى
وأقومهم به ، ودفن يوم الثلاثاء لخمس بقين من ربيع الآخر .
وفى هذه السنة مات الحسین بن حمدان فى الحبس ، وقد قبل قتل ، وقد كان علىّ بن
محمد بن الفرات تضمّن عنه قبل القبض عليه أن يغرم السلطان مالاً عظيماً يقيم
به الكفلاء ، فعورض فى ذلك وقيل له : إنما يريد الحيلة على الخليفة، فأمسك .
وحجّ بالناس فى هذه السنة أبو بكر أحمد بن العباس أخو أم موسى
٠

٧٢
سنة ٣٠٧
٠٠٠٠
ثم دخلت سنة سبع وثلثمائة
ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس
فيها أشخص عبداللّه بن حمدان إلى مؤنس الخادم لمعاونته على حرب يوسف
ابن أبى الساج ، فواقعه بأردبيل ، وانهزم ابن أبى الساج ، فأَسَرَ وأدخِل مدينة السلام
مشهَّاً ، عليه الدراعة الديباج التى أُلبسها عمرو بن الليث الصفار ، وألبس برنساً
طويلاً بشفاشج وجلاجل ، وحمِل على الفالج ، وأدخل من باب خراسان ، فساء الناس
مافُعل به إذْ لم تكن له فَعلة ذميمة فى كلّ مَنْ أسره أو ظفر به ، وحُمِل مؤنس وكُسِىَ
وخلع على وجوه أصحابه ، ووكّل المقتدر بابن أبى الساج، وحُبِسَ فى الدار ، وأمِر
بالتوسّع عليه فى مطعمه ومشربه ، وهرب سُبك غلام ابن أبى الساج عند الوقيعة ،
وكان صاحب أمرِه كلّه ومدبرّ جيشه، وهرب معه أكثر. رجال ابن أبى الساج ، فقال
مؤنس ليوسف : اكتب إلى سُبُك فى الإقبال إليك ، فإنّ ذلك مما يرفق الخليفة عليك .
ففعل ابن أبى الساج ، وكتب إلى سُبْك ، فجاوبه: إنى لا أفعل حتى أعلم صنعهم فيك ،
وإحسانَهْمْ إليك ، فحينئذ آتى طائعاً .
وكانت لابن أبى الساج أشعار وهو محبوس منها :
وكانَ امرأً راض الأمور ودَوَّسا :
أقول كما قال ابن حُجْرِ أخو الحِجى
ولكنَّهَا نفسُ تَساقَط أنفسا (١)
فلو أنها نفس تموت سويةً
ولم أبق رهناً للتأسف والأسى
ولستُ بِهِيَابِ المنيةِ لو أتتْ
وقدّمتهُ ذُخراً جزاءَ الذى أسا
أجازَى على الإحسان فيما فعلتهُ
كما سلّم الرحمن فى اليمِّ يُونُسا
وإلَى لأرجو أَن أَؤُوب مسلّماً
وأمنح شكرى ذا العنايةِ مؤنسا
فأجِزِى أمام الناس حقّ صنيعهِ
وفيها ركبت أم موسى القهرمانة بهديّة أمرت أم المقتدر بتهيئتها وإهدائها عن
بنات غريب الخال لأزواجهنّ بنى بدر الحمّامى، فسارتْ أم موسى فى موكب عظيم
(١٠) تضمين لبيت امرئ القيس، ديوانه ١٠٧ .
٠

٧٣
سنة ٣٠٧
فيه الفرسان والرّجالة ، وقيد بين يديها اثنا عشر فرساً بسروجها ولجمها، منها ستة بحلية
ذهب ، وستة بحلية فضة ؛ مع كلّ فرس خادم بجنبه عليه منطقة ذهب وسيوف
بمناطق ذهب ، وأربعون طختاً من فاخر الثياب ومائة ألف دينار مسيّقة ، كل ذلك
هدية من قبل النساء إلى أزواجهنّ .
وفيها قدم أبوالقاسم بن بِسْطام من مصر إلى بغداد ، بعد أن كُتب إليه فى القدوم
إدارة أدارها علىّ بن عيسى عليه، ومطالبة ذهب إلى أخذه بها . فلما قدم وجّه إلى
لخليفة وإلى السيدة بهديّة فخمة ، وأموال جزيلة ، فقطعا عنه مطالبة علىّ بن عيسى،
إنقطع بنفسه إلى الوزير حامد ، فاعتنى به . وكان ذلك سبباً لفساد مابين الوزير حامد
ربين علىّ بن عيسى ، ووقعتْ بينهما ملاحاة ، خرجا معها إلى التهاتر والتسابٌ ، وبعث
ذلك حامد الوزير إلى أن يضمن للخليفة فيما كان يتقّده علىّ وأحمد ابنا عيسى أموالاً
عظيمة ، فأجيب إلى ذلك واستعمل حامد عليها عبيدالله بن الحسن بن يوسف ،
فبلغتْه عنه بعد ذلك خيانة أقلقته ، فاستأذن الخليفة وشخص من بغداد إلى واسط ، وأقام
بها أياماً وانحدر منها إلى الأهواز وأحكم ما أراد، وأوْقَى ما عليه من الأموال مقسَّطاً فى كلّ
شهر سوى ماوهب وأنفق . فزعم أنه وهب مائة ألف دينار ، وأنفق مائة ألف دينار .
وقدم إلى بغداد فى غرّة ذى القعدة وخلَع عليه وحمل . قال الصولىّ : رأيته
يوماً وقد شكا إليه شفيع المقتدرىّ فناء شعيره ، فجذب الدواة إلى نفسه وكتب له بمائة
كُرَ (١) ، وكتب لأم موسى بمائة كُرَّ، وكتب لمؤنس الخادم بمائة كُرِ .
وفى هذه السنة تتابعت الأخبار من مصر بإقبال صاحب المغرب إليها وموافاته
الإسكندرية .
ثم ورد الخبر فى جمادى الآخرة بوقعة كانت بين أصحاب السلطان وبينهم فى
جمادى الأولى، وأنه قُتل من البرابر نحو من أربعة آلاف ، ومن أصحاب السلطان مثلهم ،
فندب المقتدر مؤنساً الخادم للخروج إلى مصر مرة ثانية ، فخرج فى شهر رمضان
سنة سبع، وشيّعه إلى مضْرَبه (٢) أبو العباس محمد بن أمير المؤمنين المقتدر وأجلّاء الناس،
وسار فى آخر شهر رمضان فكان فى الطريق باقى سنة سبع .
(١) الكرّ : نوع من المكاييل.
(٢) المضرب : الفسطاط .

٧٤
سنة ٣٠٧
وفيها مات أبو أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان لأيام مضت من صفر .
وفى آخر صفر لستّ بقين منه تُولٌَّ محمد بن عبد الحميد ، كاتب السيدة ،
وكان من عُرضت عليه الوزارة فأباها ، وكان موسراً بخيلاً ، وكان من مشايخ الكتاب
الذين يعوَّل عليهم فى الأمور وفى أحكام الدواوين، وأخذت السيدة أم المقتدر باللّه من
مخلّفيه من العين مائة ألف دينار ، واستكتبت السيدة أحمد بن عبيد الله بن أحمد
ابن الخصيب بعده. وكان يكتب لثَمل قهرمانتها، فضبط الأمر ضبطاً شديداً وحُمِد
أثره فيه .
وأقام الحجّ للناس فى هذه السنة أحمد بن العباس الهاشمى.

سنة ٣٠٨
٧٥
ثم دخلت سنة ثمان وثلثمائة
ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس.
وفيها ورد مؤنس الخادم مصر يوم الخميس لأربع خلون من المحرم ، وكان المقتدر
قد وجّهه إليها لمحاربة الشيعة بها على ما تقدم ذكره فى العام قبله، فألفى مؤنس أبا
القاسم الشيعىّ مضطرباً بالفّوم ، فخرج القضاة والقواد ووجوه أهل مصر إلى
مؤنس ، ونزل خارج المدينة، واجتبى أبو القاسم خَرَاج الفيوم ، وضياع مصر، ودفع
مؤنس أرزاق الجند من أموال أهل مصر ، وباع بعض ضياعها فيما أعطاهم ، وضم مؤنس
الجيوش إليه ، وقويت بذلك نفوس أهل مصر ، وجرت بين أبى القاسم الشيعىّ
وبين أهل مصر مكاتبات وأشعار بعث بها مؤنس إلى الخليفة ، وفيها توبيخ لهم وتحامل
عليهم ، وسبَّ كثير تركنا ذكره لما فيه . وقد اجتلبنا بعضها مالم يكن فيه كبير رفَث ،
وكذلك مافعلنا فى الجواب ، وأوّل شعر الشيعىّ :
أم اختُدِعَتْ من قلّةِ الفهم والأدبْ
أيا أهلَ شرقِ اللّه زالتْ حلومكْ
وغزْوُكُم فيمَنْ؟ أجيبوا بلا كذبْ
صلاتكُمُ معْ مَنْ ؟ وحبجُّكُمْ بمنْ؟
بِشُرَاب خمرٍ عاكفين على الرِّيَبْ
صلاتُكُمْ والحج والغزوُ ويلكمْ
وأحرى بنيْل الحق يوماً إذا طُلبْ
ألا إن حدَّ السيفِ أشفى لذى الوصَبْ
ألم ترنى بعتُ الرّفاهة بالسّرى
صبَرَتُ وفى الصبر النجاحُ وربما
دينه
إلى أن أرادَ اللهُ إعزازَ
واثقٍ
وناديتُ أهلَ الغَّرْبِ دَعَوَة
ماجدٍ
فجاءوا سِراعاً نحوَ أَصيدَ
وسرتُ بخيل اللّه تِلقاء أرضكمْ
وَأَرْدَقْتُها خيلا عِتاقاً يقودُها
وقمتُ بأمرِ اللّه حقًّا كما وجبْ
تعجّلَ ذو رأىٍ فأخطا ولم يصبْ
فقمتُ بأمر اللّه قومةَ محتسِبْ
بربُّ كريم مَنْ تولاهُ لم يخبْ
يبادونهُ بالطّوْعِ من جملة العَرَبْ
وقد لاحَ وجهُ الموتِ من خَللِ الحُجُبْ
رِجالُ كأمثال الليوثِ لها جَنبْ

٧٦
سنة ٣٫٠٨
وقولهمُ قولى على النأى والقُرُبْ
شعارُهُمُ جدِّى ودَعْوَتُهُمْ أبى
وفزتُ بسهم الفلْجِ والنَّصر والغَلبْ
فكانَ بحمد الله ما قد عرفتُم
فِدُونِكُمُ حرْباً تضرّمُ كاللهبْ
وذلك دأبى مابقيتُ ودأْبِكُمْ
فذكر الصولى أنه أمر بالجواب ، فقال قصيدة له طويلة ، كتبنا منها أبياتاً وحذفنا
منها مثل الذى حدفتاه مما قبله.
لذى خطلٍ فى القول أهدى لنا الكذب
عجبتُ وما يخلو الزّمانُ منَ العجِبْ
وجاء بملحونٍ من الشعر ساقطٍ
تباعدَ عَنَ قَصْدِ الصواب طريقُهُ
فأخطأ فيما قال فيه ولم يُصِبْ
فما عَرَفتْ تأويلَ إعرابِهِ العَرَبُ
ولو كان ذا لبُّ ورأى موقَّقِ لِقَصْرَ عن ذكرِ القصائدِ والخطبْ
أبنْ لى فقد حقَّتْ على وجهك الرِيبْ
فمن أنت يامهدى السفاهةِ والخنا
فلو كنتَ من أولادِ أحمدَ لم يَغَبْ
ولو كنتَ منهم ما انتهكْتَ محارماً.
ولم تقتَلِ الأطفالَ فى كلٌ بِلدَةٍ
أبحْتَ فروجَ المحصناتِ وبعتَ مَنْ
وكم مصحَفٍ خَرَقتَهُ فِرَمَادُه
كَفَرْتُ بِمَا فَيهِ وَبِدَّلِتْ آيَهُ
وقد رَوِيتْ أسْياقُنا مِنْ دِمِّائِكَمْ
تضىءُ بأيدينا وتُظْلُمُ فِيكـ
فقل لِىَ أَىُّ الناسِ أنتمْ وما الذى
أولئكَ قومُ خيّمَ الملكُ فيهـ
بِهِم غزونا إمّا سألتَ وحجْنَا
أَيا أهلَ غَرَبِ اللّهِ أظلَم أمُرُمُرُكُمْ
ولو كانتِ الدنيا مطيةً راكبٍ
عن الناس ما تسمُو إليهِ مِنَ النَّسَبْ
يذبّونَ عنها بالأسنَّة - كالشُّهُبْ
فترْكب منْ أُمَّاتهم شرٌ مَرْتَكَبْ
أصْبَتَ مَنَّ الإسلام بيعكَ للجلب
مُثَارُهُ مُسْقَى الريحُ منْ حيثُ مَاتُهُبُ
وَقَضَّبتَ حَبَلَ الدينِ كفراً فما انقضَبْ
فلم ينجكم منّا سوى الجَدِّ فى الهَرَبْ
فكانت لنا ناراً وكنتم لها: حَطَبْ
دَعَاكَمْ إلى ذِكرِ الجحَاجِحِةِ النُّجُبْ
فشُدّت أواخيهِ ومُدَتْ له الطَّئْبُ
فُقِ لِمَا أُسَمَعَتَ جَيَبِكَ وانتَحِبُ
عَلَيْكمْ فأنتم فى نكوب وفى حَرَب
لَكَانَ لتكم مَنها بما حُزْتُمُ الْذَنَبْ
قال محمد بن يحيى الصولى ؛ فلما صنعتُ هذا الشعر عن عهد الخليفة إلى
أوصلنى إلى نفسه ، فأنشدته جميعه ، فلما فرغَت من الإنشاد قال على بن عيسى
للخليفة: ياسيدى ، هذا عبدك الصّولى - وكان جدّه محمد الصولى حادى عشر

٧٧
سنة ٣٠٨
النقباء ، وهو الذى أخذ البيعة للسّفّاح مع أبى حميد- قال: فنظر إلىّ كالآذن لى فى
الكلام فتكلَّمتُ ودعوت . قال : فأمر لى بعشرة آلاف درهم .
وكتب أبو القاسم إلى أهل مكةٍ يدعوهم إلى الدخول فى طاعَتِهِ ، ويَعِدُهم بحسن
السيرة فيهم ، فأجابوه : إنّ لهذا البيتِ رِبًا يدفع عنه ، ولن نؤثر على سلطاننا غيره .
وبقى أبو القاسم الشيعىّ بالفّوم ومؤنس بمصر، وكلّ واحد منهما مُحجِمٌ عن لقاء صاحبه ،
وساءت أحوال مَنْ بينهما ومعهما
م فهوفى هذه السنة غَلَتِ الأسعار ببغداد ، فظنّت العامة أن ذلك من فعل حامد بن
العباس، بسبب ضمانه للمقتدر، ما كان ضمنه ، وأنه هو منع من حمْل الأطعمة
إلى بغداد ، فشغَبوا عليه وسبوه، وفتحوا السجون وكبسُوا دار صاحب الشّرطة محمد بن
عبد الصمد ، وكان ينزل فى الجانب الشرقى فى الدار المعروفة لعلىّ بن الجهشيار ،
وانتهبوا بعض دوابه وآلته حتى تحوّل إلى باب خُراسان إلى الجانب الغربى، ووثب النّاس
به فى الجانب الغربيّ أيضاً، حتى ركب إليهم محمد بن عبدالصمد فى جيش كثيف
فى السلاح ، فارتدعوا ، وقيل قوم من العامة بباب الطاق وسعر السلطان على الدقًّاقين،
فكان ذلك أشد على الناس وأعظم، وأشار نصر الحاجب أن يترك الناس، ولا يُسْعَّر؟
عليهم، فكان ذلك صواباً، وصلح أمر السعر عدد الحص ص غيلة جما جم
وأقام الحج للناس فى هذه السنة أحمد بن العباس أخوأم موسى. ثالثا فيهخلال الابد
و ذلكهو نملوى)
جلي مفارية ريقة
(١) يعرد يقدر المن ية علا قتك به إ باليد

٧٨
سنة ٣٠٩
1
ثم دخلت سنة تسع وثلثمائة
ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس
فيها زاد شَغَب الناس ببغداد على حامد بن العباس الوزير ، بسبب غلاء الأسعار
حتى صاروا إلى حدّ الخلعان ، وحاربهم السلطان عند باب الطاق ، وركب هارون
ابن غريب الخال ونازوك وياقوت وغيرهم ، بعد أن فتحت العامة السُّجون ، ووثبوا
على ابن درهم خليفة صاحب المعونة ، وأرادوا قتله حتّى حماه بعضُهم ، فلما رأى ذلك
حامد بن العباس دخل إلى المقتدر فقال له : لعبدِك حوائج ، إن رأيتَ قضاءها له ،
أكّدت بذلك إنعامك عليه، قال : أفعل ، فما هى ؟ قال : أولها فسخ ضمانى فقد جاء
من العامة ما ترى ، وظنُّوا أن هذا الغلاء من جهتى. فأجاب المقتدر إلى ذلك ، وسأله
أن يأذن له فى الشّخوص إلى واسط ، لينفذ عماله بما فيها من الأطعمة إلى بغداد ،
فأجابه إلى ذلك ، وسأله أن يُعفيّه من الوزارة فلم يجبه إلى ذلك ، فشخص حامد إلى واسط
ولم يُبْق غاية فى حمل الأطعمة ، حتى صلح أمر الأسعار ببغداد . ثم قدم فى غرة شهر
ربيع الآخر، فتلقاه الناس ، وشكروا فعله ، وقد كان المقتدر عرض على علىّ بن عيسى
الوزارة فأباها ، فكساه ووصله ، وأعطاه سواداً يدخل به عليه ؛ كما يفعل الوزير ،
فاستعفى من ذلك ولم يفارق الدّاعة .
وفى هذه السنة زحف ثمل الفتى إلى الإسكندرية ، فأخرج عنها قائد الشيعة ورجال
كتامة ، وألفى لهم بها سلاحاً كثيراً وأثاثاً ومتاعاً وأطعمة ، فاحتوى على الجميع وأطلق
كلَّ مَنْ كان فى سجنهم . ثم أقبل ممدًّا لمؤنس واجتمعا بفسطاط مصر ، وزحفا إلى
الفيوم لملاقاة أبى القاسم الشيعى ومناجزته، ومعهما جنىّ الصّفوانىّ وغيره من القوّاد ،
فجعل مؤنس يقصّر المحلات ، فعوتب على ذلك ، فقال لهم: إنكم إنما تمشون فى طرق
المنايا ، فلعلَّ اللّه يصرفهم عنا ، ويكفينا أمرهم كما فعل قبل هذا . فلقى جنىّ الصفوانى
بعضُ قواد أبى القاسم ، فهزمه وقتل كثيراً ممن كان معه ، وانهزم الباقون إلى أبى القاسم ،
فراعه أمرهم ، وقفل عن الفيّوم منصرفاً إلى إفريقيّة لليلة بقيت من صفر ، وحمل ما

٧٩
سنة ٣٠٩
خف من أمتعته ، وأحرق الباقى بالنار ، وأخذ على طريق قليلة الماء ، فهلك كثير من
رجاله عطشاً . بعد ضربه ألف سوط ، وقطع يديه ورجليه . وكان الحلّاج هذا رجلا
ذكر خبر الحسين بن منصور الحلاج
وفى (١)هذه السنة أَنْبِىَ إلى المقتدر خبر الحسين بن منصور الحلاج، فأمر بقتله
وإحراقه بالنار.
وفيها اشتهر أمُرُ الحلاّج وأسمه الحسين بن منصور حتى قُتِل وأُحرق .
وانتهى إلى حامد بن العبّاس فى أيام وزارته أنه قد مَوَّ على جماعة من الحشم
والحجاب ، وعلى غلمان نصر الحاجب وأسبابه وأنه يحيى الموقى ، وأنّ الجنّ يخدمونه
فُيُحْضِرون له ما يشتهيه ، وأنه يعمل ما أحبّ من معجزات الأنبياء . وادّعى جماعة أن
نَصْرًا مال إليه ، وسعى قوم بالسِّمَرَى وببعض الكتاب وبرجل هاشمى ، أنه نبيّ الحلّاج،
وأن الحلَّاج إله - عز اللّه وتعالى عما يقول الظالمون علّاً كبيراً - فقبض عليهم وناظرهم
حامدٌ فاعترفوا بأنّهم يدعون إليه ، وأنه قد صحّ عندهم أنه إله يحيى الموتى ، وكاشفوا الحلاج
بذلك فجحده وكذّبهم ، وقال: أعوذ بالله أن أدّعىَ الرّبوبية أو النبوّة، وإنما أنا رجل
أعبد الله عز وجل ، وأكثر الصوم والصلاة وفعل الخير ، لا غير .
واسْتَحضر حامد بن العباس أبا عمر القاضى وأبا جعفر بن البُهلول القاضى وجماعة
من وجوه الفقهاء والشهود ، واستفتاهم فى أمره ، فذكروا أنَّهُم لا يُفْتون فى قتله بشىء ،
إلى أن يصحّ عندهم ما يوجب عليه القتل ، وأنه لا يجوز قبول قَوّل مَن ادّعى عليه
ما ادّعاه ، وإن واجهَه إلا بدليل أو إقرار ؛ فكان أول مَنْ كشف أمرَه رجل من أهل
البصرة ،. تنصّح فيه ، وذكر أنه يعرف أصحابه وأنهم متفرقون فى البلدان ، يدعون
(١) وردت هذه الحواشى فى طبعة أوربا، فأثبتها هنا بعد أن قابلتها على تجارب الأمم لابن مسكويه ١ : ٨٦
(حوادث سنة ٣٠٩) وغيره .

٨٠
سنة ٣٠٩
غويًّا خبيثًا ، يتنقّل فى البلدان، ويمّه على الجهال ، ويُرى قوماً أنه يدعو إلى الرضا
إليه ، وأنه كان ممن استجاب إليه ، ثم تبين مخرقته ففارقه وخرج من جملته، وتقرّب
إلى الله عز وجل بكشف أمره ، واجتمع معه على هذه الحال أبو علىّ هارون بن عبد العزيز
الأوارجىّ الكاتب الأنبارىّ ، وقد كان عمل كتاباً ذكر فيه مخاريق الحلاج وحيلِهِ ،
وهو موجود فى أيدى جماعة ، والخلّاج حينئذ مقيم فى دار السلطان موسَّع عليه، مأذون
لمن يدخل إليه، وهو عند نصر الحاجب وللحلاج اسمان أحدهما الحسين بن منصور
والآخر محمد بن أحمد الفارسىّ ، وكان استهوى نصراً وجاز عليه تمويهُه ، وانتشر لِه
ذكر عظيم فى الحاشية ، فبعث به المقتدر إلى علىّ بن عيسى ليناظره ، فأحضر مجلسه
وخاطبه خطاباً فيه غلظة ، فحكى أنه تقدّم إليه ، وقال له فيما بينه وبينه : قِفْ حيث
: أَنْهَيَتَ، ولا تزد عليه شيئاً، وإلا قلبْتُ عليك الأرض، وكلاماً فى هذا المعنى، فهيّب
على بن عيسى مناظرته، واستعفى منه ، ونُقل حينئذ إلى حامد بن العباس. وكانت بنت
السّمَرىّ صاحب الخلاج قد أدخلت إلى الحلّاج ، وأقامت عنده فى دار السلطان
مِدةً ، وبعث بها إلى حامد بن العباس ليسألها عمّا وقفتْ عليه من أخباره ، وشاهدته
من أخواله .
فذكر أبو القاسم بن زنجىّ أنه حضر دخول هذه المرأة إلى حامد بن العباس وأنه
خضر ذلك المجلس أبو على أحمد بن نصر البازيارُ من قِبَل أبى القاسم بن الحوارى
ليسمع ما تحكيه ، فسألها حامد عما تعرفه من أمر الحلّج، فذكرت أن أباها السمرى
حملها إليه ، وأنها لما دخلت إليه وهب لها أشياء كثيرة عَدَّدَتْ أصنافها.
قال أبو القاسم : وهذه المرأة كانتْ حسنة العبارة، عذبة الألفاظ، مقبولة الصورة،.
فكان مما أخبرت عنه أنه قال لها: إنى قد زوّجِتكِ سليمان ابنى، وهو أعزّ أولادى علىّ،
وهو مقيم بنيسابور ، وليس يخلو أن يقع بين المرأة والزوج كلام ، أو تنكر منه حالا
من الأحوال ، وأنتِ تحصلين عنده ، وقد وصيته بك ، فإن جرى منه شىء تُنكرينه
فصومى يومك ، واصعدى آخر النهار إلى السطح وقومى على الرّماد والملح الجريش ،
واجعلى فِطْرك عليهما ، واستقبلينى بوجهك ، واذكرى لى ما تنكرينه منه ، فإنى أسمع
واری .
P