Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سنة ٣٠٠
ثم دخلت سنة ثلثمائة
ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس
فيها أمر جعفر المقتدر برفع مطالبة المواريث عن الناس ، وأن يورَّث دُوُو
الأرحام ، ولا يعرض لأحد فى ميراث إلا لمن صحّ أنه غير وارث . وكان الناس
من قبل ذلك فى بلاء وتعلّل متصل من المستخرجين والعاملين.
وفيها أخرج محمد بن إسحاق بن كُنداجيق بعضَ أصحابه لمحاربة قوم من
القرامطة جاءوا إلى سوق البصرة ، فعاتُوا بها ، وبسطوا أيديهم وأسيافهم على النّاس
فيها ؛ فلمّا واقفهم أصحابُ ابن كنداجيق ، صدَمهم القرامطة صَدْمةً شديدة حتى
هَزَمُوهم ، ، وقُتل من أصحاب ابن كنداجیق جماعة ، وكان محمد بن إسحاق قد
خرج كالممدَّ لهم ؛ فلمّا بلغه أمرهم وشدّة شوكتهم انصرف مبادراً إلى المدينة ، فأنهض
السلطان محمد بن عبدالله الفارقىّ فى رجل كثير معونة لابن كنداجيق ومدداً له
فأقاما بالبصرة ولم يتعرَّضا لمحاربة .
وفى شعبان من هذه السنة قُبض على إبراهيم بن أحمد الماذَرائىّ ، وعلى ابن أخيه
محمد بن على بن أحمد ، فطالبهم أبو الهيثم بن ثَوابة بخمسمائة ألف ، فجملوا منها خمسين
ألفاً إلى بَيْت المال ، وصانعوا الوزير ابن خاقان وابنه وابن ثَوابة بمال كثير ، وصادر
ابن ثوابة جماعة على مائة ألف دينار، فحمل منها ابن الجصاص عشرين ألفاً ،
وفرضت البقية على جماعة ، منهم أبن أبى الشوارب القاضى وغيره .
وظهر فى هذا العام ضَعْف أمر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان الوزير ،
وتغلُّب ابنه عبدُ اللّه عليه وتحكُّمه فى الأمور دونه ، وكثر التخليط من محمد فى رأيه
وجميع أمره ، فكان يولى العمل الواحد جماعةٌ فى أسبوع من الأيام ، وتقدَّم بالمصانعات
حتى قُلَد عمالة بادُورَيا فى أحد عشر شهراً أحد عشر عاملاً ، وكان يدخل الرجل الذى
قد عرفه دهراً طويلاً فيسلم عليه فلا يعرِفه ؛ حتى يقول له : أنا فلان ابن فلان،ثم يلقاه
بعد ساعة فلا يعرفه .

٤٢
سنة ٣٠٠
.
وفيها ورد الخبر بانخساف جبل بالدينور، يعرف بالتلّ وخروج ماء كثير من تحته
غرقت فيه عدة من القرى ، وورد الخبر أيضاً بانخساف قطعة عظيمة من جبل لبنان
وسقوطها إلى البحر ، وكان ذلك حدثاً لم يُرَ مثله .
وفيها ورد كتاب صاحب البريد بالدينور ، يذكر أن بغلة هناك وضعت فِلْوةٍ ونسخة كتابه :
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الموقظ بِعِيّه قلوب الغافلين، والمرشد بآياته
ألبابَ العارفين ، الخالقِ مايشاء بلا مثال ؛ ذلك اللّه البارئ المصور فى الأرحام ما يشاء
وأن الموكّل بخبر التطواف بقرْماسين رفع يذكر أن بغلة لرجل يعرفُ بأبى بُرْدة من
أصحاب أحمد بن علىَ المَرَىّ وضعت فلوّة ، ويصف اجتماع الناس لذلك ، وتعجّبهم
لما عاينوا منه، فوجّهتُ من أحضرنى البغلة والفلوّه فوجدت البغلة كَمْتَاء (١) خلوقية
والفلوة سويَّة الخلق تامة الأعضاء منسدلة الذنب . سبحان الملك القدوس لا معقّب
لحكمه وهو سريع الحساب .
وكان المقتدر لمّا رأى عجز محمد بن عبيد اللّه الوزير وتبلَده قد أنفذ أحمد بن
العباس أخا أم موسى الهاشمية إلى الأهواز ، ليقدم بأحمد بن يحيى المعروف بابن
أبى البغل ليولّيه الوزارة ، فخرج إليه ، وأقبل به حتى صار بواسط ، فلما قرب من دار
السلطان سلم أحمد بن العباس على أحمد بن محمد بالوزارة ، وحمل إليه ثلاثة آلاف
دينار، فاتصل الخبر بمحمد بن عبيد اللّه الوزير من قبل حاشيته وعيونه ، فركب إلى
الدار ، وصانع جماعة من الخدم والحرم، وضمن لأم ولد المعتضد التى كانت عنيت
بولايته فى أول أمره خمسين ألف دينار، فنقضتْ أمر ابن أبى البغل ، ورُدَّ والياً على فارس .
وفى شوال من هذا العام تُوُفِى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ، وكان أكثر الناس
أدباً وجلالة وفهماً ومروءة ، وهو ابن إحدى وثمانين سنة ، وصلَى عليه أحمد بن
عبد الصمد الهاشمى ، ودفن فى مقابر قريش .
وفيها مات أبو الفضل عبد الواحد بن الفضل بن عبد الوارث يوم السبت السبع
بقين من ذى الحجة .
وأقام الحج للناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله الهاشمىّ .
(١) كمتاء : خالط حمرتها قنوء.

٤٣
سنة ٣٠١
ثم دخلت سنة إحدى وثلثمائة
ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس
ففيها وافى بغداد علىّ بن عيسى بن داود بن الجراح مقدَمه من مكة ، وذلك
يوم الاثنين لعشر خلوْن من المحرّم ، فمضى به من فوره إلى دار المقتدر ، فقُلّد
الوزارة وخلع عليه لولايتها ، وقلَد سيفاً ، وقبض على محمد بن عبيد اللّه وابنيه عبد الله
وعبد الواحد فحبسوا وكانوا قد ركبوا فى ذلك النهار إلى الدار ، ووُعدوا بأن يخلَع
عليهم ويسلّم علىّ بن عيسى إليهم ، فسُلِّموا إليه ، ووقع الأمر بضدٌ ماظنوه ، وقعد علىّ
ابن عيسى لمحمد بن عبيد اللّه وناظره فقال له : أخربت الملك، وضيّعْت الأموال ،
وولّيت بالعناية ، وصانعت على الولايات بالرشوة ، وزدت على السلطان أكثر من ألف
ألف دينار فى السنة ، فقال : ما كنت أفعل إلا ما أراه صواباً . وكان محمد بن
عبيد اللّه فيما ذكر من تسنّاه يأخذ المصانعات على يدى أبى الهيثم بن ثوابة ، ولا يفى
بعهد لكل من صانعه برشوة ؛ حتى قيلت فيه أشعار كثيرة منها :
يُولى ثم يَعزلُ بعدَ سَاعِهْ
وزِيْرٌ ما يفِيقُ مِنَ الرَّقَاعَةْ
فأحظَى القومِ أوفَرُهْ بِضَاعَةْ
إذا أهلُ الرّشا صارُوا إليهِ
لأنَّ الشيخَ أَفْلِتَ مِنْ عَجَاعَةْ
وليس بمنكرِ ذا الفعلُ منهُ
وكان محمد بن عبيد اللّه قبل أن يستحيل به الحال فيما ذكر أهل الخبر .
وحسن الرأى فيه ذا دهاء وعقل ، وكان ابنه عبدالله كاتباً بليغاً حسن الكلام مليح
اللفظ حسن الخط ، جواداً يعطى العطايا الجزيلة ، ويقدم الأيادى الجليلة ،
وصل عبدالله بن حمدون من ماله فى مدة ولايته بتسعين ألف دينار إلى ماوصل به
غيره ، وأعطاه كثيراً ممن كان أمَّله .
وفى هذه السنة رُضى عن القاضى محمد بن يوسف ، وقُلَد الشرقية ، وعسكر
المهدى وخلع عليه دُراعة وطيلسان وعمامة سوداء ، وركب من دار الخليفة إلى مسجد
الرّصافة ، فصلى ركعتين ، ثم قرئ عليه عهده بالولاية .

٤٤
سنة ٣٠١
وفيها ورد الخبر بوثوب أبى الهيجاء عبدالله بن حمدان بالموصل ومعه جماعة من
الأكراد ، وكانوا أخواله لأنّ أمه كردية ، وأغاث الجندَ أهلُ الموصل، فقتلت بينهم مقتلة
عظيمة، وصار أبو الهيجاء إلى الأكراد ، وتأمر عليهم كالخالع للطاعة .
وتظلّم أهلُ البصرة من عاملهم محمد بن إسحاق بن كنداج ، وشكوا به إلى علىّ
ابن عيسى الوزير ، فعزله عنهم بعد أن استأمر فيه المقتدر لئلا يستبدّ بالرأى دونه ،
وولى البصرة تُجحاً الطولونى، ثم ولى محمد بن إسحاق بن كنداج الدينور ، ووَلَّ
سليمان بن مخلد ديوان الدار ، وكتابة غريب خال المقتدر ، وولى علىّ بن عيسى
إبراهيم أخاه ديوان الجيش ، واستخلف عليه سعيد بن عثمان والحسين بن علىّ.
وفى شهر ربيع الآخر من هذه السنة دخل مؤنس الخادم مدينة السلام، ومعه
أبو الهيجاء قد أعطاه أماناً فخلع على مؤنس وعليه .
وقُلّد نصر القشورى مع الحجابة التى كان يتولاها ولاية السوس وجندي سابور
ومناذر الكبرى ومناذر الصغرى ، فاستخلف على جميع ذلك يُمناً الهلالىَّ الخادم .
وفى هذه السنة أغارت الأتراك على المسلمين بُخراسان ، فسبَت منهم نحو عشرين
ألفاً، إلى ماذهبت به من الأموال وقتلت من الرجال ، فخرج إليهم أحمد بن إسماعيل ،
وكان واليها فى جيوش كثيرة ، وأتبعهم فقتل منهم خلقاً كثيراً واستنقذ بعض الأسرى ،
وأوفد إلى السلطان رجلاً شيخاً يعرف بالحمادى يستحمد إليه بفعله بالأتراك، ويخطب
إليه شُرطة مدينة السلام وأعمال فارس وكرمان فأجيب إلى کِرْمان وحدها وكُتب له
بها کتاب عهد .
وفى جمادى الآخرة من هذه السنة أطلق محمد بن عبيد الله الذى كان وزيراً
وابنه عبد الله وأمرا بلزوم منازلهما .
وفيها خلع على القاسم بن الحر وولىَ سيراف ، وخلع على علىّ بن خالد الكردى ،
وولّ حلوان .
وفى هذه السنة ركب أبوالعباس محمد بن المقتدر من القصر المعروف بالحسَنىّ ،
وبين يديه لواء عقده له أبوه المقتدر على المغرب ، ومعه القواد كلهم ، والغلمان
الحجرية وجماعة الخدم حول ركابه ، وعلىّ بن عيسى عن يمينه ومؤنبس الخادم عن
يساره ونصر الحاجب بين يديه ، فسار فى الشارع الأعظم، ورجع فى الماء والناس معه ،

1
٤٥
سنة ٣٠١
فاعترضه رجل بمربَّعة الحَرَشى، فنثر عليه دراهم مسيّفة ، وقال له : بحق أمير
المؤمنين إلّا أذنتَ لى فى طَلْىِ الفرس بالغالية، فوقف له وجعل الرجل يطلىٍ وَجْه الفرس ،
فنفر منه ، وقيل له : دع ◌َجْهِه ، واطْلٍ سائر بدنه ، فأقبل يطلى عُرْف الفرس
وقوائمه بالغالية ، فقال محمد بن المقتدر لمن حوله : اعرفوا لنا هذا الرجل .
وفى هذه السنة قلّد أبوبكر محمد بن علىّ الماذرانى أعمال مصر والإشراف على
أعمال الشأم وتدبير الجيوش ، وخلع عليه ، وذلك يوم الخميس للنصف من شهر رمضان
وخلع فى هذا النهار أيضا على القاسم بن سيما ، وعقد له على الإسكندرية وأعمال
برقة .
وفى هذه السنة فى جمادى الآخرة ، ورد الخبر بوفاة علىّ بن أحمد الراسبىّ ،
وكان يتقلّد جندى سابور والسّوس وماذَرايا إلى آخر حدودها، وكان يورد من ذلك ألف
ألف دينار وأربعمائة ألف دينار فى كل سنة ، ولم يكن معه أحد يشركه فى هذه الأعمال
من أصحاب السلطان لأنه تضمّن الحرب والخراج والضياع والشحنة وسائر مافى عمله ،
فتخلّف - فيما وردت به الأخبار - من العين ألف ألف دينار ومن آنية الذهب والفضة
قيمة مائة ألف دينار ومن الخيل والبغال والجمال ألف رأس ، ومن الخزّ الرفيع الطاقى
أزيد من ألف ثوب ، وكان معَ ذلك واسع الضيعة كثير الغّة وكان له ثمانون طرازاً (١)"
ينسج له فيها الثياب من الخز وغيره . فلمّا ورد الخبر بوفاة الراسبىّ ، أنفذ المقتدر
عبد الواحد بن الفضل بن وارث فى جماعة من الفرسان والرجالة لحفظ ماله إلى أن
يوجّه مَنْ ينظر فيه ، ثم وجّه مؤنس الخادم للنظر فى ذلك ؛ فيقال : إنه صار
إليه منه مال جليلٌ، وخلع على إبراهيم بن عبد اللّه المسمعىّ، وَوَلَّىَ النظر فى دور
الراسبى .
وتُوُلَِّ مُؤنس الخازن يوم الأحد لثمان بقين من شهر رمضان ، ولم يتخلّف أحد عن
جنازته من الرؤساء ، وصلّى عليه القاضى محمد بن يوسف ، ودُفِن بطرف الرُّصافة ،
وكان جليل القدْر عند السلطان ، فلما مات قلّد ابنه الحسن ما كان يتولاه من عرض
الجيوش ، فجلس ونظر ، وعاقب وأطلق ، وُرّق سائر الأعمال التى كانتْ إلى مؤنس
(١) الطراز : الموضع الذى تنسج فيه الثياب الجيدة .

٤٦
سنة ٣٠١
على جماعة من القواد الذين كانوا فى رسمه ، وضمّ أصحابه إلى ملازمة أبى العباس بن
المقتدر ، ولم يخلع على الحسن بن مؤنس للولاية مكان أبيه ، فعلم أنّ ولايته لا تتمّ وعزل بعد
شهرين ، وُزل محمد بن عبيد الله بن طاهر وكان خليفته على الجانب الشرقىّ ،
وقدم مكانه بدر الشرابى ، ومُمزل خزرى بن موسى خليفة مؤنس على الجانب الغربى
وُلى مكانه إسحاق الأشروسنى، وولَّ شفيع اللؤلؤى البريد وسُمِّىَ شفيعاً الأكبر.
وورد الخبر فى شعبان بأن أحمد بن إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان
قتله غلمانه غِيلة على فراشه ، وكان قد أخاف بعضهم فتواطئوا على قتله . ثم اجتمع
سائر غلمانه فضبطوا الأمر وبايعوا لابنه نصر بن أحمد . وورد كتابه على المقتدر
يسأله تجديد العهد له، ووردت كتب عمومته وبنى عمه يسأل كلّ واحد منهم ناحية من
نواحى خراسان ، فأفرد الخليفة بالولاية ابنه وتمَّ له الأمر .
قال الصولىّ : شهدت فى هذا العام بين يدى محمد بن عبيد اللّه الوزير مناظرة
كانت بين ابن الجصاص وإبراهيم بن أحمد الماذرائى ، فقال إبراهيم بن أحمد الماذرائىّ
فى بعض كلامه : لابن الجصاص مائة ألف دينار من مالى صدقة ، لقد أبطلتَ فى الذى
حكيته وكذبت ! فقال له ابن الجصاص : قفيز دنانير من مالى صدقة ، لقد صدقت
أنا وأبطلت أنْتَ ، فقال له ابن الماذرائى : من جهلك أنك لاتعلم أن مائة ألف دينار
أكثر من قفيز دنانير، فعجب الناس من كلامهما . قال الصولى: وانصرفت إلى
أبى بكر بن حامد فخبّرته الخبر ، فقال: نعتبر هذا بمحنة ، فأحضر كيلجة(١) وملأها
دنانير ثم وزنها فوجد فيها أربعة آلاف دينار ، فنظرنا فإذا القفيز ستة وتسعون ألف دينار
كما قال الماذرائی .
٠
وفى هذه السنة مات أبوبكر جعفر بن محمد المعروف بالفاريابىّ المحدّث ،
لأربع بقين من المحرم وصلى عليه ابنه ودفن فى مقابر الشّونيزيّةَ(٢)
وفيها توفىَ عبدالله بن محمد بن ناجية المحدّث وكان مولده سنة عشر ومائتين.
وفيها مات الحسن بن الحسن بن رجاء ، وكان يتقلّد أعمال الخراج والضياع
بحلَب ، مات فجاءة ، وحُمِل تابوته إلى مدينة السلام ، ووصل يوم السبت لخمس
(١) الكيلجة : نوع من المكاييل.
(٢ ) الشونيزية : مقبرة ببغداد .
:

٤٧
سنة ٣٠١
بقين من شهر ربيع الأول .
وفيها مات محمد بن عبدالله بن علىّ بن أبى الشوارب القاضى المعروف بالأحنف ،
وكان خليفة أبيه على قضاء عسكر المهدىّ والشرقية والنهر وانات والّوابى والتل وقصر ابن
هبيرة والبصرة وكُور دجلة وواسط والأهواز ، ودفن يوم الأحد لتسع ليالٍ خَلّن من جمادى
الأولى فى حجرة بمقام باب الشأم وله ثمان وثلاثون سنة .
وفى هذه السنة بعد قتل أحمد بن إسماعيل ورد الخبر بأن رجلاً طالبًا حسينيًّا
خرج بطَبرَستان يدعو إلى نفسه يعرف بالأطروش .
وفى آخر هذه السنة تُوفّىَ أحمد بن عبد الصمد بن طومار الهاشمىّ ، وكان من قبلُ
نقيب بنى هاشم العباسيين والطالبين ، فقُلّد ما كان يتقلّده أخو أم موسى، فضجٌ
الهاشميون من ذلك ، وسألوا ردّ ما كان يتولاه ابن طومار إلى ابنه محمد بن أحمد ،
فأجيبوا إلى ذلك ، وكان لأحمد بن عبد الصمد يوم توفى اثنتان وثمانون سنة .
وأقام الحج للناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمىّ .

٤٨
سنة ٣٠٢
ثم دخلت سنة اثنتين وثلثمائة
ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس
فيها ركب شفيع الخادم المعروف بالمقتدرىّ فى جماعة من الجند والفرسان
والرّجال إلى دار الحسين بن أحمد المعروف بابن الجصّاص ، التى فى سوق يحيى ،
ولحقه صاحب الشرطة بدر الشرابى ، فوكّل شفيع بالأبواب وقبض على جميع
ما تحويه دارُه من مال وجوهر وفرش وأثاث ورقيق ودوابَ ، وحمل فى وقته ذلك
صناديق مختومة ؛ ذكر أن فيها جوهر وآنية ذهب ، ووجد فى داره فرشاً سلطانيًا
من فرش إِمينية وطبرستان جليلاً لا يعرف قدره ، ووجد فيها من مرتفع ثياب مصر
خمسمائة سَفُط(١) وحفرت داره فوجِدَتْ له فى بستانه أموال جليلة مدفونة فى جرار
خضر وقماقم مرصصة الرءوس ، فحملت كهيئتها إلى دار المقتدر ، وأُخذ هو فقيّد
بخمسين رطلاً من حديد وغُلّ ، وتسمّع الناس ماجرى عليه، فصودر على مائة ألف دينار
بعد هذا كله ، وأُطلق إلى منزله .
وقال أبو الحسن بن عبد الحميد كاتب السيّدة: إنّ الذى صحّ مما قبض من مال
الحسين بن أحمد بن الجصاص الجوهرىّ من العين والورِق والآنية والثياب والفرش
والكُراع والخدم - لاثمن ضيعة فى ذلك ولا ثمن بستان - ماقيمته ستة آلاف ألف
دینار .
وفى هذه السنة فى رجب ورد كتاب محمد بن على الماذرائىّ إلى السلطان من
مصر يزعم أن وقعة كانت بين أصحاب السلطان وبين جيش القيروان فقتِل من
أصحاب الشيعى سبعة آلاف وأسر نحوهم ، وانهزم مَنْ بقى منهم ، ومضوا على
وجوههم ، فمات أكثرهم قبل وصولهم إلى برقة ، ووردت كتب التجار بدخول الشيعة
برقة ، وعظم ما أحدثوا فى تلك الناحية، وأن الغَلَبة إنما كانت لهم .
(١) السفط : وعاء كالجوالق.
٠
.

!
٤٩
سنة ٣٠٢
قال الصولىّ : وفيها جلس علىّ بن عيسى للمظالم فى كل يوم ثلاثاء ، فحضرتُه
يوماً، وقد جىء برجل يزعم أنه نبيّ ، فناظره فقال: أنا أحمد النّبِى ، وعلامتى أنّ خاتم
النبوة فى ظهرى ، ثم كشف عن ظهره فإذا سَلْعة (١) صغيرة ، فقال له : هذه سلعة
الحماقة ، وليست بخاتمَ النَّبوق، ثم أمر بصفعه وتقييده وحبسه فى المُطْبق(٢).
وفى شهر رمضان من هذه السنة وافى باب الشماسيّة قائد من قوّاد صاحب
القيروان يقال له أبو جدة ، ومعه من أصحابه مائتا فارس ، نازعين إلى الخليفة
فأحضر القائد دار السلطان ، وخَلَع عليه، وأخرج هو وأصحابه إلى البصرة ليكونوا
مع محمد بن إسحاق بن كنداج .
وفيها أطلق المقتدر من سجنه الصفَّارِىَّ المعروفَ بالقتّل ، وخلع عليه ، وأقطعه
داراً ينزلها وأُجرى عليه الرزق ، وأمره بحضور الدّار فى يومى الموكب مع الأولياء ،
وأطلق أيضاً محمد بن الليث الكردىّ وخلَع عليه ، وهو ممن أُدخل مع الليث ،
وطوّف على جمل .
وفيها جاء رجل حسن البِزّة طيب الرائحة إلى باب غَريب خال المقتدر ، وعليه
درّاعة وخفّ أحمر وسيف جديد بحمائل ؛ وهو راكب فرساً ومعه غلام ، فاستأذن
للدخول، فمنعه البواب، فانتهرَه وأغلظ عليه ، ونزل فدخل ، ثم قعد إلى جانب
الخال، وسلّم عليه بغير الإمرة ، فقال له غريب وقد استبشع أمره : ما تقول أعزك
الله؟ قال : أنا رجل من ولد علىّ بن أبى طالب، وعندى نصيحة للخليفة لا يسعنى
أن يسمعها غيرُه ، وهى من المهمّ الذى إن تأخر وصولى إليه حدث أمر عظيم .
فدخل الخال إلى المقتدر وإلى السيّدة ، وأعلمهما بأمره ، فبعث فى الوزير علىّ بن عيسى
وأحضر الخالُ الرجل ، فاجتهد الوزيرِ والحاجب نصر والخال أن يعلمَهم النصيحة
ماهى ، فأبى حتى أدخِل إلى الخليفة ، وأُخذ سيفه . وأُدْنى منه، وتنخَّى الغلمان والخدم.
فأخبر المقتدر بشىء لم يقف عليه أحد ، ثم أمره بالانصراف إلى منزل أقيم له وخلع
عليه مايلبسه ، وؤُكّل به خدم يخدمونه، وأمر المقتدر أن يحضر ابن طومار نقيب
الطالبيين ومشايخ آل أبى طالب ، فيسمعون منه ويفهمون أمره ، فدخلوا عليه وهو
(١) السلعة: نتوء فى الجسد ، كالغدة ..
(٢) المطبق : السجن.

٥٠
سنة ٣٠٢
علىَ برْذعة طبّية مرتفعة، فما قام إلى واحد منهم ، فسأله ابن طومار عن نسبته
فزعم أنه محمد بن الحسن بن على بن موسى بن جعفر الرضا وأنه قَدمَ من البادية ، فقال
له ابن طومار : لم يعقب الحسن - وكان قوم يقولون إنه أعقب ، وقوم قالوا لم يعقب -
فبقى الناس فى حيرة من أمره ، حتى قال ابن طومار : هذا يزعم أنه قدم من البادية
وسيفه جديد الحلية والصنعة ، فابعثوا بالسيف إلى دار الطاق ، وسلُوا عن صانعه
وعن نصله ، فبعث به إلى أصحاب السيوف بباب الطّاق ، فعرفوه وأحضروا رجلاً
ابتاعه من صَيْقَل(١) هناك، فقيل له: لمن ابتعت (٢) هذا السيف؟ فقال:
لرجل يعرف بابن الضُّبَعى ، كان أبوه من أصحاب ابن الفرات ، وتقلّد له المظالم
بحلَب، فأُحضر الضبعىَ الشيخ، وجُمع بينه وبين هذا المدعى إلى بنى أبى طالب
فأقر بأنه ابنه ، فاضطرب الدعىُّ وتلجّج فى قوله ، فبكى الشیخ بین یدی الوزير حتى
رحمه ووعده بأن يستوهب عقوبته ويحبسه أو ينفيه ، فضحَّ بنوهاشم ، وقالوا : يجب
أن يُشْهَر هذا بين الناس، ويعاقب أشدّ عقوبة، ثم حبس الدعىّ، وحمل بعد ذلك
على جَمَل ، وشُهِر فى الجانبين يوم التَّرْوِية ويوم عَرَفة، ثم حبس فى حبس المصريين
بالجانب الغربىّ .
وفى هذه السنة اضطرب أمرُ خراسان لما قُتل أحمد بن إسماعيل ، واشتغل
نصر بن أحمد والده بمحاربة عمّه ، ودارت بينهما فتوق ، فكتب أحمد بن علىّ
المعروف بصعلوك ، وكان يَلَى الْرّىّ من قِبَل أحمد بن إسماعيل أيام حياته إلى المقتدر ،
ووجّه إليه رسولا يخطُب إليه أعمال الرىّ وقزوين وجرجان وطبرستان ، وما يستضيف
إلى هذه الأعمال ، ويضمن فى ذلك مالاً كثيراً ، وعُنىٍ به نصر الحاجب ؛ حتى
أنفذ إليه الكتب بالولاية ، ووصله المقتدر من المال الذى ضمن بمائة ألف درهم ،
وأمر بمائدة تقام له فى كلّ شهر من شهور الأهلة بخمسة آلاف درهم ، وأقطعه من
ضياع السلطان بالرّىّ ما يقوّم فى كلّ سنة بمائة ألف درهم .
وفى هذه السنة ركب المقتدر إلى الميدان ، وركب بأثره علىّ بن عيسى الوزير
ليلحقه، فنفرت دابته وسقط سَقْطة مؤلمة ، وأمر الخليفة أصحاب الركاب بإقامته ،
(١) الصيقل : شحاذ السيوف وجلاؤها.
(٢) ابتعت هنا : اشتريت .
:

سنة ٣٠٢
٥١
وحمله على دابته ، فأنهضوه وحملوه ، وقيلت فيه أشعار منها :
وخِزْىٍ عاجلٍ وسقوطِ حال
سُقُوطُكَ ياعلىّ لِكَسفِ بالِ
وكان لِمَا رَجَوْنا خيرَ فال
فما قلنا لعًا لكَ بل سُرِدقاً
فلْ يَحْظِ الإِمامُ يَجمعِ مالِ
أَضَعْتَ المالَ فِى شَرْقٍ وغَرْبٍ
قال : وكان علىّ بن عيسى بخيلاً، فأبغضه الناس لذلك .
ووردت الأخبار بدخول صاحب إِفريقية الإسكندرية وتغلّبه على بَرْقة وغيرها ،
وكتب تكين الخاصة والى مصر يطلب المدد ، ويستصرخ السلطان ، فعظم ذلك على المقتدر
ورجاله . وكانوا من قَبْلُ مستخفّين بأمر عبيد اللّه الشَّيعِىّ وبأبى عبدالله القائم بدعوته ،
وكانوا قد فحصوا عن نَسَبِهِ ومكانه ، وباطن أمره .
قال محمد بن يحيى الصولى : حدّثنا أبوالحسن عليّ بن سراج المصرىّ ،
وكان حافظاً لأخبار الشيعة: إن عبيد اللّه هذا القائم بإفريقيّة هو عبيد الله بن عبدالله بن
سالم من أهل عسكر مُكُرَم بن سندان الباهليّ صاحب شرطة زياد ، ومن مواليه وسالم
جدّه ، قتله المهدىّ على الزندقة .
قال : وأخبرنى غير ابن سراج أن جده كان ينزل بنى سهم من باهلة بالبصرة ،
وكان يدّعى أنه يعرف مكان الإمام القائم وله دعاة فى النواحى ، يجمعون له المال بسببه ،
فوجّه إلى ناحية المغرب رجلاً يعرف بأبى عبد الله الصوفى المحتسب ، فأرى الناس
نُسْكاً ، ودعاهم سرّاً إلى طاعة الإمام، فأفسد على زيادة اللّه بن الأغلب القيروان ،
وكان عبيد اللّه هذا مقيماً بسَلَمْيَه(١) مدّة ، ثم خرج إلى مصر فطُلب بها، وظفر به محمد
ابن سليمان ، فأخذ منه مالاً ، وأطلقه، ثم ثار المحتسبُ علَى ابن الأغلب وطرده عن
القيروان ، وقدم عليه عبيد اللّه، فقال المحتسب للناس : إلى هذا كنت أدعو،
وكان عبيد اللّه يُعَرَف أوَّلَ دخوله القيروان بابن البصرى ، فأظهر شرب الخمر
والغناء ، فقال المحتسب : ماعلى هذا خرجنا، وأنكر فعله ، فدسّ عليه عبيد الله رجلاً
من المغاربة يعرف بابن خنزير ، فقتله، وملك عبيدُ اللّه البلاد ، وحاصر أهل طرابلس
حتى فتحها ، وأخذ أموالاً عظيمة . ثم ملك برقة وأقبل جيشُه يريد مصر ، وقدم ولد
(١) كذا ضبطت فى ياقوت ، وهى بلدة من أعمال حماةً .
1

٥٢
سنة ٣٠٢
عبيد اللّه الإسكندرية ، وخطب فيها خطباً كثيرة محفوظة ، لولا كفرٌ فيها لاجتلبتُ
بعضَها .
ولما وردت الأخبار باستطالة صاحب القيروان بجهة مصر ، أنهض المقتدر
مؤنساً الخادم وندب معه العساكر ، وكتب إلى عمال أجناد الشأم بالمصير إلى مصر .
وكتب إلى ابنى كيغلغ وذكا الأعور، وأبى قابوس الخراسانىّ باللّحاق بتكين لمحاربته .
وخلع على مؤنس فى شهر ربيع الأول سنة ثنتين وثلثمائة وخرج متوجّهاً إلى مصر ، وتقدم
علىّ بن عيسى الوزير بترتيب الجمّازات(١) من مصر إلى بغداد ليروَح عليه الأخبار
فى كلّ يوم، فورد الخبر بأن جيش عبيد اللّه الخارج مع ابنه ، ومع قائده حباسة
انهزموا وشّر علىّ بن عيسى بذلك المقتدر، فتصدّق فى يومه بمائة ألف درهم ، ووصل علىّ
ابن عيسى بمال عظيم، فلم يقبله ثم رجع علىّ وقد باع له ابنُ ماشاء اللّه ضيعةً بأربعة آلاف
دينار ، وفرقها كلها شكراً لله عز وجل ، ودخل مؤنس الخادم بالجيوش مصر فى جمادى
الآخرة ، وقد انصرف كثير من أهل المغرب عن الإسكندرية ونواحيها ، وانصرف
ولد عبيد اللّه قافلا إلى القيروان. وكتب محمد بن علىّ الماذَرائى يذكر ضيق الحال
بمصر وكثرة الجيوش بها وما يحتاج إليه من الأموال لها، فأنفذ إليه المقتدر مائتى بَدْرة
دراهم على مائتى جمّازة مع جابر بن أسلم صاحب شرطة الجانب الشرقى ببغداد .
وورد الخبر من مصر فى ذى القعدة بأنّ الأخبار تواترتْ عليهم بموت عبيد اللّه
الشيعىّ فانصرف مؤنس يريد بغداد ، وعزل المقتدر تكين عن مصر ، وولاه دمشق
ونقل ذكا الأعور من حلب إلى مصر .
وفى هذه السنة صَرَف أبو إبراهيم بن بشر بن زيد أبا بكر الكريزىّ العامل عن أعمال
قصر ابن هبيرة ونواحيه ، فطالبه وضربه بالمقارع حتى مات، وحمل إلى مدينة السلام
فى تابوت .
وفيها مات القاسم بن الحسن بن الأشیب ، ویکنی أبا محمد ، وكان قد حدّث وحمل
عنه الناس. توفى لليلتين بقيتا من جمادى الأولى، ولم يتخلف عن جنازته قاض ولا فقيه
ولا عدل .
وفيها ماتت بدْعة جارية عُريب مولاة المأمون لستُّ خلون من ذى الحجة
(١) جمازات: جمع جمازة ، وهى الدابة السريعة السير.
٠

٥٣
سنة ٣٠٢
وصلّى عليها أبوبكر بن المهتدى ، وخلّفت مالاً كثيراً وجوهراً وضياعاً وعقارات ،
فأمر المقتدرُ بالله بقبض ذلك كله ، وتُقِّيت ولها ستون سنة ماملكها رجل قطّ .
وقُطع فى هذه السنة بطريق مكة على حاتم الخراسانى وعلى خلق عظيم معه، خرج
عليهم رجل من الحُسينية مع بنى صالح بن مدرك الطائى ، فأخذوا الأموال واستباحوا
الحَرَم ومات مَنْ سلم عطشا ، وسَلِمت القوافل غير قافلة حاتم .
وأقام الحجّ للناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمى .

٥٤
سنة ٣٠٣
ثم دخلت سنة ثلاث وثلثمائة
ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس
فيها ورد الخبر بأن رجلاً من الطالبتين ثار بجهة واسط وانضمّ إليه جماعة من
الأعراب والسّواد ، وكان للأعراب رئيس يقال له محرز بن رَبَاح ؛ وذلك أنه
بلغهم بأن صاحب فارس والأهواز والبصرة بعث إلى حضرة السلطان من المال المجتمع
قبله ثلثمائة ألف دينار ، حملت فى ثلاث شَذَوَات(١) ، فطمعوا فى انتهابها وأخذها ،
وكمنوا للرسل فى بعض الطريق، فقطن بهم أهل الشَّذَوات، فأفلتت منها واحدة ،
وصاعدت، ورجعت الاثنتان إلى البصرة ، ولم يظفر الخارجون بشىءٍ. فصاروا
إلى عَقْر واسط ، وأوقعوا بأهلها ، وأحرقوا مسجدها ، واستباحوا الحرم . وبلغ حامد بن
العباس خبرهم ، وكان يتقلّد أعمال الخراج والضياع بكَسْكَر وكور دجلة وما اتّصل
بذلك ، فوجَّه مِنْ قِبَله محمد بن يوسف المعروف بخزرى ، وكان يتقلّد له معونة
واسط ، وضمّ إليه غلمانه وقوماً فرض لهم فرضاً ، وكتب إلى السلطان بالخبر ، فأمدّه
بلؤلؤ الطولونى ، فلم يبلغ إليه لؤلؤ حتى قتل الطالبىّ ومحرز بن رباح وأكثر الأعراب
الخارجين معهماً ، وأَسِر منهم نحو مائة أعرابى، وكتب حامد بالفتح إلى المقتدر ،
وبعث بالأسرى ، فأدخلُوا مدينة السلام فى جمادى الأولى وقد أُلبسوا البرانس ،
وحُمِلُوا على الجمال ، فضجوا وعجّوا. وزعم قوم منهم أنهم براء ، فأمر المقتدر بردُّهم
إلى حامد ليطلق البرىءَ ، ويقتل النّطف ، فقتلهم أجمعين على جِسْر واسط ، وصَلَبهم .
وفى هذه السنة فى جمادى الأولى ورد الخبر بأن الرّوم حشدوا وخرجوا على المسلمين ،
فظفروا بقوم غُزاة من أهل طَرَسوس ، وظفرت طائفة منهم أخرى بخلق كثير من أهل
مَرْعَش وشمشاط ، فسَبَواً من المسلمين نحواً من خمسين ألفاً ، وعظم الأمر فى ذلك ،
وعَمّ حتى وجّه السلطان بمال ورجال إلى ذلك الثَّغر ، فدارت على الروم بعد ذلك
وقعات كثيرة .
(١) الشذوات : نوع من السفن .

٥٥
سنة ٣٠٣
وفيها كانت لهارون بن غريب الخال جناية وهو سكران بمدينة السلام ، على رجل من
الخَزر يعرف بجوامرد ، ولقيه ليلاً فضرب رأسه بطبرزين(١) كان فى يده ، فقتله بلا
سبب ، فشغَب رفقاؤه الذين كان فى جملتهم ، وطلبوا هارون ليقتلوه ، فمنع منهم
وكانوا نحو المائة ، فشكوا أمره ، وترددوا طالبين لأخذ الحق منه ؛ فلم ينظر لهم . فلما
أعوزهم ذلك ، خرجوا بأجمعهم إلى عسكر ابن أبى الساج ، وكان قد تحرّك على
السلطان ، وأنفذ إليه المقتدر رشيقاً الحرمىّ ختَن نصر الحاجب رسولاً ليصرفه
عن مذهبه ، فحبسه ابن أبى الساج عند نفسه ، ومنعه أن يكتب كتاباً إلى المقتدر . ثم
إنه أطلقه بعد ذلك ، وبعث بهدايا ومال . فرضی عنه .
وفيها عظم أمر الحسين بن حمدان بنواحى الموصل ، فأنفذ إليه السلطان أبا مسلم
رائقاً الكبير ، وكان أسنَّ الغلمان المعتضدية وأعلاهم رتبة ، وكان فيه تصاونٌ وتديّن
وحسنُ عقل ، فشخص ومعه وجوه القواد والغلمان ، فحارب الحسين بن حمدان ، وهو
فى نحو خمسة عشر ألفاً، فقتل رائق من قواد ابن حمدان جماعةٍ منهم الحسن بن محمد
ابن أبًا التركى، وكان فارساً شجاعاً مقداماً وأبو شيخ خَتَن ابن أبى مسعر الأرمينى . ووجّه
الحسين بن حمدان إلى رائق جماعة يسأله أن يأخذ له الأمان ، وإنما أراد أن يشغله بهذا
عن محاربته، ومضى الحسين مصعداً ومعه الأكراد والأعراب وعشر عماریات ، فيها
حرمه . وكان مؤنس الخادم قد انصرف من الغزاة وصار إلى آمِد، فوجه القواد والغلمان
فى أثر الحسين ، فلحقوه وقد عَبَر بأصحابه وأثقاله وادياً، وهو واقف يريد العبور
في خمسين فارساً ، ومعه العماريات؛ فكابرهم حتى أخذوه أسيراً ، وسلّم عياله
وأخذ ابنه أبوالصقر أسيراً . فلمّا رأى الأكراد هذا عطفوا على العسكر فنهبوه وهرب
ابنه حمزة وابن أخيه أبو الغطريف، ومعهما مال، فقطِن بهما عامل آمِد ، وكان
العامل سيما غلام نصر الحاجب ، فأخذ ما معهما من المال وحبَسهما .
ثم ذكر أن أبا الغطريف مات فى الحبس ، فأخذ رأسه ، وكان الظفر بحسين بن
حمدان يوم الخميس للنصف من شعبان ، ورحل مؤنس يريد بغداد ، ومعه الحسين
ابن حمدان وإخوته على مثل سبيله ، وأكثر أهله ، فصيّر الحسينَ على جمل مصلوباً على
(١) الطبرزين؛ قال فى المعرب: هو فأس السرج كانت يحمله فرسان العجم ، يقاتلون بها .
1

٥٦
سنة ٣٠٣
نِقْنِقٍ (١)، وتحته كرسى ، ويدير النقنق رجل ، فيدور الحسين من موقفه يميناً
وشمالاً، وعليه دُراعة (٢) ديباج سابغة قد غطت الْرّجُل الذى يدير النّقنق، مايراه
أحد ، وابنه الذى كان هرب من مدينة السلام أبو الصقر قد حمل بين يديه على
جمل ، وعليه قَباء ديباج وبُرنس، وكان قد امتنع من وضع البرنس على رأسه، فقال له
الحسين : البَسْه يابنىّ فإن أباك ألبس البرانس أكثر هؤلاء الذين تراهم - وأوما إلى
القَّال وجماعة من الصفّارية - ونُصبت القباب بباب الطاق ، وركب أبو العباس
محمد بن المقتدر بالله وبین یدیه نصر الحاجب،ومعه الحر بة وخلفه مؤنس وعلىّ بن عيسى
وأخوه الحسين خلف جملة عظيمة ، عليهم السواد فى جملة الجيش .
ولما صار الحسين بسوق يحيى قال له رجل من الهاشميين: الحمد لله الذى أمكن
منك ، فقال له الحسين : والله لقد امتلأت صناديقى من الجلع والألوية ، وأفنيتُ
أعداء الدولة ؛ وإنما أصارنى إلى هذا الخوف على نفسى ، وما الذى نزل بى إلا دون
ماسينزل بالسلطان إذا فَقَد من أوليائه مثلى. وبُلغ الدار ووقف بين يدى المقتدر بالله ،
ثم سلِّم إلى نذير الحرمىّ فحبسه فى حجرة من الدار ، وشغب الغلمان والرجّالة يطلبون
الزيادة، ومُنِعُوا من الدخول على مؤنس أو على أحد من القواد ، ومضوا إلى دار علىّ بن
عيسى الوزير ، فأحرقوا بابه ، وذبحوا فى إصطبله دوابّه وعسكروا بالمصلّى . ثم
سُفر بالأمر بينهم ، فدخلوا واعترفوا بخطئهم وكان الغلمان سبعمائة ، وكان الرّجّالة
خلقاً كثيراً ، فوعدهم مؤنس الزيادة ، فزِيدوا شيئاً يسيراً، فرضوا .
وفى آخر شهر رمضان أدخل خمسة نفر أسارى من أصحاب الحُسَين ، فيهم حمزة
ابنه ورجل يقال له علىّ بن النّاجى لثلاث بقين من هذا الشهر ، ثم قُبض على عبيد الله
وإبراهيم ابنى حمدان ، وحبسا فى دار غريب الخال ثم أطلقا .
وفى هذه السنة فى صفر قلّد ورقاء بن محمد الشيبانىّ معونة الكوفة وطريق مكة ،
وعزل عن الكوفة إسحاق بن عمران، وكان عقده على طريق مكّة وقصبة الكوفة وأربعة
من طَسَاسيجها : طسُّوج السّيلحين، وطسّوج فرات بادَقلا ، وطّوج بابل وخُطَرِّية
والخرِب ، وطسّوج سورا ، وخلع عليه وعقد له لواء .
(١) النقنق: الظليم ، وهو ذكر النعام.
(٢) الدّاعة : ضرب من الثياب .

٥٧
سنة ٣٠٣
وفى هذه السنة أغلظ علىّ بن عيسى لأحمد بن العباس أخى أم موسى ، وقال له :
قد أفنيت مال السلطان ترتزق فى كلّ شهر من شهور الأهلّة سبعة آلاف دينار ، وکتب
رقعة بتفصيلها، فلم تزلْ أم موسى ترفق لعلىّ بن عيسى إلى أن أمسك عنه .
وفى هذه السنة نظر علىّ بن عيسى بعين رأيه إلى أمر القرامطة فخافهم على الحاجّ
وغيرهم ، فشغلهم بالمكاتبة والمراسلة والدخول فى الطاعة ، وهاداهم وأطلق لهم التسوق
بسيراف ، فردّهم بذلك وكفّهم ، فخطّأه الناس . فلمّا عاينوا بعد ذلك ما فعله القرامطة
حين أُخْرجوا ، علموا أن الذى فعله علىّ صواب كلّه وشُنَع على علىّ بن عيسى بهذا السبب أنه
قرمطىّ، ووجَد حُسّادُه السبيل إلى مطالبته بذلك؛ وكان الرجل أرجَح عقلاً ،
وأحْسَن مذهباً من الدخول فيما نسب إليه .
وفى هذه السنة مات أبو الهيثم بن ثوابة الأكبر بالكوفة فى الحبس بعد أن أخذ منه
إسحاق بن عمران مالاً جليلاً للسلطان ولنفسه . وقيل إنه احتال فى قتله خوف أن
يقرّ عليه يوماً بما أخذ منه لنفسه .
وفيها مات الفضل بن يحيى بن فُّخان شاه الدَّيرانىّ النصرانىّ من دير قنًا (١ )فقبض
السلطان على جميع أملاكه ، وكانت له عند رجل مائة وخمسون ألف دينار ، فأخذت
من الرجل ، ووجّه شفيع المقتدرى ومعه غلمان وخدم إلى قُنّا فأحْصَوْا تركته وضياعه .
وفيها مات إدريس بن إدريس العدْل فى القادسّية وهو حاجّ إلى مكة ، وكان
أمْرُهُ قد علا فى التجارة والمكانة عند السلطان ، وكان يحجّ فى كلّ سنة ، ويحمل
معه مالاً ينفقه على من احتاج إلى النفقة . قال محمد بن يحيى الصولى : أناسمعته يوماً
يقول : يلزمنى كلّ سنة فى الحجّ نفقة غير ما أُصرفه فى أبواب البر خمسة آلاف
دينار .
وفيها مات أبو الأغرّ السُّكمىّ فجاءة لسبع خلون من ذى الحجة قال نصف النهار
بعد أن تغدّى ثم خُرِّك للصلاة فُوجد ميتاً .
وأقام الحج للناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمى .
(١) درقنا ذكره ياقوت وقال: ((على ستة عشر فرسخاً من بغداد.

٥٨
سنة ٣٠٤
ثم دخلت سنة أربع وثلاثمائة
ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس
وفى المحرم من هذه السنة ورد كتاب صاحب البريد بكرمان يذكرُ أنّ خالد
ابن محمد الشعرانىّ المعروف بأبى يزيد - وكان علىّ بن عيسى الوزير ولاه الخراج
بكِرْمان وسجِسْتان - خالف على السلطان ، ودعى أميراً ، وجمع الناس إلى نفسه ،
وضمِّن لهم الأموال على أن ينهضوا معه لمحاربة بدر الحمامىّ صاحب فارس ، وضمن
لقواد كانوا معه مالاً عظيماً، وعجّل لهم منه بعضه حتى اجتمع له نحو عشرة آلاف
فارس وراجِل ؛ وكان ضعيفَ الرأى ناقصَ القريحة ، فكتب المقتدر إلى بدر
الحمامىّ فى إنفاذ جيش إليه ومعاجلته ، فوجّه إليه بدر قائداً من قواده يعرف بدَرَك
وضمّ إليه من جنده ورجال فارس عسكراً كثيراً ، وكتب بدر قبل إنفاذ الجيش
إلى أبى يزيد الشعرانىّ يرغُّبه فى الطاعة ، ويتضمّن له العافية ، مع الإنهاض فى المنزلة ،
وخوفه وبالَ المعصية، فجاوبه أبو يزيد : والله ماأخافك لأنى فتحت المصحف
فبدر إلىّ منه قول الله عز وجل: (لا تخاف دركاً ولا تخشى)(١) . ومع ذلك ففى طالعى
كوكب بيبانىّ لابدّ أن يبلغنى غاية ما أريد ، فأنفذ بدر الجيش إليه ، وحُوصر حتى
أُخِذ أسيراً فقيلت فيه أشعار منها :
٠
لاتَغْتَرِرْ بالكوَكَبِ البَيْبانىِ
يابا يزيدٍ قائِلَ الْبُهتانِ
باعَ الهدى بالغَىِّ والعصيانِ
واعلمْ بأنّ القتلَ غايةُ جاهِلٍ
مَن ذا الذى أغراكَ بالسلطان
قد كنتَ بالسُّلطانِ عالِىَ رُتْبَةٍ
ثم أتى الخبرُ بأن أبا يزيد هذا مات فى طريقه ، فحمل رأسه إلى مدينة السلام
ونُصب على سور السجن الجديد ، وعزل يمن الطولونى عن إمارة البصرة ، ووليَها
الحسن بن خليل بن ريمال، على يدى شفيع المقتدرى ، إذ كانت إمارتها إليه .
( ١ ) سورة طه ٧٧
٠

سنة ٣٠٤
٥٩
ذكر التقبض على علىّ بن عيسى الوزير
وولاية علىّ بن الفرات ثانية
وقبض فى هذه السنة على الوزير علىّ بن عيسى يوم الاثنين ، لثمان ليال خَلْون
من ذى الحجة، ونهبت منازل إخوته ومنازل حاشيته وذويه ، وحُبس فى دار المقتدر ،
وقلّد الوزارة فى هذا اليوم علىّ بن محمد بن موسى بن الفرات ، وخُلِع عليه سبعُ خلع ،
وحمل على دابة بسرجه ولجامه ، فجلس فى داره بالمخِّم المعروفة بدار سليمان بن
وهب، وردّت عليه أكثر ضياعه التى كانت قُبضت منه عند التسخط عليه ، وظهر
مَنْ كان استتر بسببه من صنائعه ومواليه .
وذُكِر عنه أنه لما ◌َُّ ابن الفرات الوزارة وخُلِع عليه بالغداة ، زاد ثمن الشمع
فى كلّ منِّ منه قيراط ذهب ، لكثرة ما كان ينفقه منه فى وقيده (١) ، وينفق بسببه
وزاد فى ثمن القراطيس لكثرة استعماله إياها . فعدّ الناس ذلك من فضائله ، وكان
اليوم الذى خلع علیه فیه يوماً شديد الحرّ .
فحدثنى ابن الفضل بن وارث أنه ◌ُقى فى داره فى ذلك اليوم ، وتلك الليلة
أربعون ألف رطل من الثلج ، وركب علىّ بن محمد إلى المسجد الجامع ومعه موسى بن
خلف صاحبه فصيّح به الهاشميون : قد أُسلِمنا ، وضجّوا فى أمر أرزاقهم ، فأمر ابن
الفرات مَنْ كان معه ألَّا يكلمَهم فى شىء ، فأفرطوا فى القول ؛ فأنكر ذلك المقتدر
وأمر بأن يحجب أصحاب المراتب عن الدّار ، فصار مشايخهم إلى ابن الفرات
واعتذروا إليه ، وقالوا له : هذا فعلُ جُهّالنا ، فكلّم الخليفة فيهم حتى رضى عنهم ،
وضمّ إلى ابن الفرات جماعة من الغلمان الحجرية ، ليركبوا بركوبه ويكونوا معه
فی کل موضع یکون فيه .
وفيها ورَدَ الكتاب من خُراسان يذكر فيه أنه وجد بالقَنْدهار فى أبراج سورها بُرْج
متّصل بها فيه خمسة آلاف رأس ، فى سِلال من حشيش ؛ ومن هذه الرءوس تسعة
وعشرون رأساً، فى أذن كلّ رأس منها رقعة مشدودة بخيط إبريسم ، باسم كلّ رجل منهم .
(١) الوقيد : الخطب .

٦٠
سنة ٣٠٤
والأسماء : شُرَيح بن حيان ، خبّاب بن الزبير ، الخليل بن موسى التميمى ، الحارث
ابن عبد اللّه، طَلق بن معاذ السلمى، حاتم بن حَسَنة، هانئ بن عروة ، عمر بن علان،
جرير بن عبّاد المدنى، جابر بن خُبيب بن الزبير ، فَرْقد بن الزبير السّعدى ، عبد الله
ابن سليمان بن عمارة ؛ سليمان بن عمارة ، مالك بن طرخان صاحب لواء عقيل
ابن السهيل بن عمرو ، عمرو بن حیان ، سعید بن عتاب الکندی ، حبيب بن أنس ،
هارون بن عروة ، غيلان بن العلاء ، جبريل بن عبادة ؛ عبد اللّه البجلى ، مطرف
ابن صبح خَتَن عثمان بن عفان رضى الله عنه ، وجدوا على حالهم إلا أنهم قد جفَّت
جلودهم والشعر عليها بحالته لم يتغيَّر، وفى الرقاع من سنة سبعين من الهجرة .
وفى هذه السنة عُزل يمن الطولونى عن شرطة بغداد ، ووليها نزار بن محمد
الضى .
وفى المحرم من هذه السنة تُوَُّ عبدالعزيز بن طاهر بن عبدالله بن طاهر أخو
محمد بن طاهر ، وكان عبداً صالحاً حسن المذهب ، كثير الخير ، ودفن فى مقابر
قريش ، وصلّى عليه مطهّر بن طاهر .
٠
وفيها مات محدّث عدل يعرف بأبى نصر الخُراسانى فى جمادى الأولى .
وفيها مات أبوالحسن أحمد بن العباس بن الحسن الوزير فى شعبان ، وكان
قد عُنِىَ بالأدب ورشّح نفسه للوزارة ، وأهَّله قوم لها .
وفيها مات لؤلؤ غلام ابن طولون .
وفيها مات أبو سليمان داود بن عيسى بن داود بن الجراح قبل القبض على أخيه
علىّ بن عيسى بشهرين، فلم يتخلّف أحد عن جنازته من الأجلّاء.
وفى هذه السنة قدم طرخان بن محمد بن إسحاق بن كنداجيق من الدّينور
حاجًا فى شهر رمضان ، فركب إلى الوزير علىّ بن عيسى يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة
بقيت من شوال ، وليس عنده خبر ، فعزّه الوزير عن أبيه ، فجزع عليه جزءاً شديداً
وخلع عليه فى يوم الخميس بعد ثلاثة أيام وُقد له لواء على أعمال أبيه ، فكتب
٠