Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ ثم دخلت سنة ثلاث وتسعینومائتین ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من ورود الخبر لخمس بَقِين من صفر ؛ بأن الخليجىّ المتغِّلِّب على مصر، واقع أحمد بن كَيْغَلَغَ وجماعةً من القوّاد بالقرب من العريش، فهزمهم أقبح هزيمة ، فنُدب للخروج إليه جماعة من القوّاد المقيمين بمدينة(١) ٢٢٥٥/٣ السلام ، فيهم إبراهيم بن كَيَغْلَغ ، فخرجوا . ولسبعٍ خلوْنٍ (٢) من شهر ربيع الأول منها، وافى مدينة" السلام قائد من قوّاد طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث الصفار مستأمنًا ، يعرف بأبى قابوس، مفارقًا عسكر السِّجْزيّة، وذلك أن طاهر بن محمد - فيما ذكر - تشاغل باللهو والصيد، ومضى إلى سِجِسْتان للصّيد والنزهة، فغلب على الأمر بفارس الليث ابن علىّ بن الليث وسبكرى مولى عمرو بن الليث، ودبّر الأمر فى عمل طاهر والاسم له ، فوقع بينهم وبين أبى قابوس تباعد ، ففارقهم وصار إلى باب السلطان، فقبله السلطان ، وخلع عليه وعلى جماعة معه وحباه وأكرمه ، فكتب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث إلى السلطان، يسأله ردّ أبى قابوس إليه، ويذكر أنه استكفاه بعض أعمال فارس، وأنه جَبَى المال ، وخرج به معه ، ويسأل إن لم يردّ إليه أن يحسب له ما ذهب به من مالٍ فارس ممّا صُودر عليه ؛ فلم يجبه السلطان إلى شىء من ذلك . * [ ذكرا الخبر عن ظهور أخى الحسين بن زكرويه ] وفى هذا الشهر من هذه السنة ورد الخبر أن أخاً للحسين (٣) بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة ظهر بالدّالية من طريق الفرات فى نفر ، وأنه اجتمع إليه نفر من الأعراب والمتلصّصة، فسار بهم نحو دمشق على طريق البرّ، وعاث ٢٢٥٦/٣ بتلك الناحية ، وحارب أهلها ، فنُدب للخروج إليه الحسين بن حمدان بن (٣) ب: ((الحسين)). (٢) س: ((بقين)). (١) س: ((بالمدينة)). ١,٢٢ سنة ٢٩٣ حمدون ، فخرج فى جماعة كثيرة من الجند، وكان مصير هذا القرمطيّ إلى دمشق فى جمادى الأولى من هذه السنة. ثم ورد الخبر أنّ هذا القرمطيّ صار إلى طَبِريّة فامتنعوا من إدخاله، فحاربهم حتى دخلها، فقَتَّل عامة مَنْ بها من الرّجال والنساء ، ونهبها ، وانصرف إلى ناحية البادية . وفى شهر ربيع الآخر ورد الخبر بأنّ الداعية الذى بنواحى اليمن صار إلى مدينة صنعاء ، فحاربه أهلُها، فظفر بهم، فقتّل أهلها، فلم ينفلت منهم إلا القليل ، وتغلّب على سائر مدن اليمن . ٠٠ ٠ عاد الخبر إلى ما كان من أمرأخی ابن زکرَ وْيُه فذكر عن محمد بن داود بن الجراح أنه قال : أنفذ زکرويه بن مهرويه بعد ما قتيل ابنه صاحبُ الشامة رجلاً كان يعلّم الصبيان بقرية تدعى الزّابوقة من عمل الفدُّوجة ، يسمّى عبد الله بن سعيد، ويكنى أبا غانم ، فتسمى نصراً ليعمى أمره ، فدار على أحياء كَلْب يدعوهم إلى رأيه ، فلم يقبله منهم أحد سوى رجل من بنى زياد، يسمّى مقدام بن الكيّال، فإنه استغوى له طوائف من الأصبغيّين المنتمين إلى الفواطم وسواقط من العُليصِيّين وصعاليك من سائر بطون كلب، وقصد ناحية الشأم، وعاملُ السلطان على دمشق والأردن" أحمد بن كَسْغَلَغ، وهو مقيم بمصر على حرب ابن خليج، الذى كان خالف محمد بن ، سليمان، ورجع إلى مصر، فغلب عليها ، فاغتنم ذلك عبد الله بن سعيد هذا ، وسار إلى مدينتىْ بُصرى وأذرِعات من كُورتىْ حُوران والبثنيّة، فحارب أهلها ثم آمنهم. فلما استسلموا قَتل مقاتلتَهم ، وسبى ذراريّهم ، واستصفى أموالهم ، ثم سار يؤمّ دمشق، فخرج إليه جماعة ممن كان مرسوماً بتشحينها من المصريّين كان خلّفهم أحمد بن كيغلغ مع صالح بن الفضل ، فظهروا عليهم ، وأثخنوا فيهم . ثم اغترّوهم ببذل الأمان لهم ، فقتلوا صالحًا، وفضُّوا عسكره، ولم يطمعوا فى مدينة دمشق ، وكانوا قد صاروا إليها ، فدافعهم أهلُها عنها ، فقصدوا نحو طبريّة مدينة جند الأردن، ولحق (١) بهم جماعة افتتنت من ٢٢٥٧/٣ (١) س: ((ولحقهم)). ٦ ١٢٣ سنة ٢٩٣ ٢٢٥٨/٣ الجند بدمشق، فواقعهم يوسف بن إبراهيم بن بغامردى عامل أحمد بن كَيْغَلَغ على الأردن٣)، فكسروه وبذلوا الأمان له، ثم غدروا به، فقتلوه ونهبوا مدينة الأردن" ، وسبوا النساء ، وقتلوا طائفةً من أهلها ، فأنفذ السلطان الحسين بن حمدان لطلبهم ووجوهًا من القوّاد، فورد دمشق وقد دخل (١) أعداء الله طبريّة، فلما اتصل خبره بهم عطفوا نحو السماوة ، وتبعهم الحسين يطلبهم فى برَّيّة السَّرة، وهم ينتقلون من ماء إلى ماء، ويعوّرونه حتى لجئوا إلى الماءين المعروفين بالدّمْعَانة (٢) والحالة، وانقطع الحسين من اتباعهم لعدمه الماء، فعاد إلى الرّحبه. وأسرى القرامطةُ مُع غاويهم المسمّى نصراً إلى قرية هيت، فصبّحوها وأهلُها غارّون لتسع بقين من شعبان مع طلوع الشمس، فنهب رَبَضُها، وقتل مَنْ قدر عليه من أهلها ، وأحرق المنازل، وانتهب السفن التى فى الفرات فى غرضتها، وقتل من أهل البلد - فيما قيل- زهاء مائتى نفس ما بين رجل وامرأة وصبىّ، وأخذ ما قدر عليه من الأموال والمتاع ، وأوقر - فيما قيل - ثلاثة آلاف راحلة، كانت معه زهاءَ مائتى كرّ حنطة بالمعدَّل ومن البُرّ والعطر والسقط جميع ما احتاج إليه ، وأقام بها بقية اليوم الذى دخلها والذى بعده، ثم رحل عنها بعد المغرب إلى البرّيّة. وإنما أصاب ذلك مِنْ رَبِضِها، وتحصّن منه أهلُ المدينة بسورها، فشخص محمد بن إسحاق بن كُنْداجيق إلى هيت فى جماعة من القوّاد فى جيش كثيف بسبب هذا القرمطيّ ، ثم تبعه بعد أيام مؤنس الخازن . وذكر عن محمد بن داود ، أنه قال : إنّ القرامطة صبّحوا هيت وأهلُها غارّون ، فحماهم اللّه منه بسورها ، ثم عجّل السلطان محمد بن إسحاق بن كُنْدَاجيق نحوهم ، فلم يقيموا بها إلا ثلاثًا، حتى قرب محمد بن إسحاق منهم، فهربوا منه نحو الماءين، فنهض محمد نحوهم ، فوجدهم قد عوّروا المياه بينه وبينهم ، فأنفيِذت (٣) إليه من الحضرة الإبل والروايا والزّاد. وكُتب إلى الحسين ابن حمدان بالنفوذ من جهة الرّحبة إليهم ليجتمع هو ومحمد بن إسحاق على الإيقاع بهم ، فلما أحسّ الكلبيّون بإشراف الجند عليهم، ائتمروا بعدوّ اللّه ٢٢٥٩/٣ (١) س: ((ورد)). (٢) س: ((بالدمغانة)). (٣) س: ((وأنفذت إلىبم)). ١٢٤ سنة ٢٩٣ المسمّى نصراً ، فوثبوا عليه، وفتكوا به ، وتفرّد بقتله رجلٌ منهم يقال له الذئب ابن القائم، وشخص إلى الباب متقرّبًا بما كان منه، ومستأمينًا لبقيتهم ، فأسنِيت له الجائزة ، وعُرف له ما أتاه، وَكُفّ عن طلب قومِهِ، فمكث أيامًا ثم هرب، وظفرت بطلائع محمد بن إسحاق برأس المسمّى بنصر ، فاحتزّوه وأدخلوه مدينة السلام ، واقتتلت القرامطة بعده ، حتى وقعت بينهما الدماء ، فصار مقدام بن الكيّال إلى ناحية طيّ مفلتًا بما احتوى عليه من الحُطام ، وصارت فرقة منهم كرهت أمورَهم إلى بنى أسد المقيمين بنواحى عين التمر ، فجاوروهم وأرسلوا ٢٢٦٠/٣ إلى السلطان وفداً يعتذرون مما كان منهم، ويسألون إقرارهم فى جوار بنى أسد، فأجيبوا إلى ذلك ، وحصلت على الماءين بقية الفَسَقة المستبصرة فى دين القرامطة. وكتب السلطان إلى حسين (١) بن حمدان فى معاودتهم باجتثاث أصولهم ، فأنفذز كرويه إليهم داعيةً له من أكترة أهل السواد يسمى القاسم بن أحمد بن علىّ، ويعرف بأبى محمّد، من رستاق نهر تلحانا ، فأعلمهم أنّ فعل الذئب بن القائم قد أنفره عنهم ، وثقّل قلبه عليهم ؛ وأنهم قد ارتدوا عن الدين ، وأن وقت ظهورهم قد حضر . وقد بايع له بالكُوفة أربعون ألف رجل، وفى سوادها أربعمائة ألف رجل ، وأن يوم موعدهم الذى ذكره الله فى كتابه فى شأن موسى كليمه صلى الله عليه وسلم، وعدوه فرعون إذ يقول: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وأن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحِّى﴾(٢). وأن زكرويه يأمرهم أن يخفوا أمرهم، ويظهروا الانقلاع نحو الشأم، ويسيروا نحو الكوفة حتى يصبحوهافى غداة يوم النحر، وهو يوم الخميس لعشر تخلو من ذى الحجة سنة ثلاث وتسعين ومائتين، فإنهم لا يُمنعون منها ، وأنه يظهر لهم ، وينجز لهم وعده الذى كانْت رسله تأتيهم به ، وأن يحملوا القاسم بن أحمد معهم . فامتثلوا أمره ، ووافوْا باب الكوفة ، وقد انصرف ٢٢٦١/٣٠ الناس عن مصلاّهم مع إسحاق بن عمران عامل السلطان بها ، وكان الذين وافوا باب الكوفة فى هذا اليوم - فيما ذكر - ثمانمائة فارس أو نحوها ، رأسهم الذبلانىّ ابن مهروبه من أهل الصوعر. وقيل له من أهل جُنْبُلاَء ، عليهم الدّروع والجواشن والآلة الحسنة ، ومعهم جماعة من الرّجالة على الرّواحل، فأوقعوا (٢) سورة طه ٥٩ (١) س: ((الحسين)). ١٢٥ سنة ٢٩٣ بمَنْ لحقوه من العوام"، وسلبوا جماعة، وقتلوا نحواً من عشرين نفسًا. وبادر الناس إلى الكوفة فدخلوها ، وتنادَوْا السلاح . فنهض إسحاق بن عمران فى أصحابه ، ودخل مدينة الكوفة من القرامطة زهاء مائة فارس من الباب المعروف بباب كندة ، فاجتمعت العوام وجماعة من أصحاب السلطان، فرموْهم بالحجارة وحاربوهم ، وألقوا عليهم السُّتُر، فقتِل منهم زهاء عشرين نفسًا، وأخرجوهم ن المدينة ، وخرج إسحاق بن عمران ومَن معه من الجند ، فصافُّوا القرامطة الحرب . وأمر إسحاق بن عمران أهل الكوفة بالتحارس لئلاّ يجد القرامطة غِرّة منهم، فيدخلوا المدينة ، فلم يزل الحرب بينهم إلى وقت العصر يوم النّحر ، ثم انهزمت القرامطة نحو القادسيّة ، وأصلح أهل الكوفة سورهم وخندقهم ، وقاموا مع أصحاب السلطان يحرُسون مدينتهم ليلاً ونهاراً . ٢٢٦٢/٣ وكتب إسحاق بن عمران إلى السلطان يستمدّه (١)، فندب للخروج إليه جماعة من قوّاده، منهم طاهر بن على بن وزير ووصيف بن صوار تكين التركىّ والفضل بن موسى بن بغا، وبشر الخادم الأفشينىّ وجنى الصَّفوانىّ ورائق الخزرىّ. وضمّ إليه جماعةً من غلمان الحُجَر وغيرهم. فشخص أولهم يوم الثلاثاء للنصف من ذى الحجة ، ولم يرأس واحد منهم ؛ كلّ واحد منهم رئيس على أصحابه . وأمر القاسم بن سيما وغيره من رؤساء الأعراب بجمع الأعراب من البوادى بديار مُضَر وطريق الفرات ودَقُوقاء وخانيجار وغيرها من النواحى، لينهضوا إلى هؤلاء القرامطة إذْ كان أصحاب السلطان متفرّقين فى نواحى الشام ومصر، فمضت الرسائل بذلك إليهم، فحضروا. ثم ورد الخبر فيها بأنّ الذين شخصوا مدداً لإسحاق بن عمران خرجوا إلى زكرويه فى رجالهم، وخلّفوا إسحاق بن عمران بالكوفة مع مَنْ معه من رجاله ليضبطها، وصاروا إلى موضع بينه وبين القادسيّة أربعة أميال ، يعرف بالصور وهى فى البرّيّة فى العرض ، فلقيهم زكرويه هنالك فصافّوه يوم الاثنين لتسع بقين من ذى الحجة . وقد قيل كانت الوقعة يوم الأحد لعشر بقين منه ، وجعل أصحاب السلطان بينهم وبين سوادهم نحواً من ميل ، ولم يخلّفوا أحداً من المقاتلة عنده، واشتدّت (١) ب: ((يستمد)). ١ ١٢٦ سنة ٢٩٣ ٢٢٦٣/٣ الحرب بينهم. وكانت الدّبَرة أوّل هذا اليوم على القرمطيّ وأصحابه حتى كادوا أن يظفروا بهم، وكان زكرويه قد كَمّن عليهم كمينًا من خلفهم، ولم يشعروا به . فلما انتصف النهار خرج الكمين على السواد فانتهبه ، ورأى أصحاب السلطان السيف من ورائهم ، فانهزموا أقبَحَ هزيمة ، ووضع القرمطىّ وأصحابه السيفَ فى أصحاب السلطان ، فقتلوهم كيف شاءوا ، وصبر جماعة من غلمان الحجر من الخزر وغيرهم ، وهم زهاء مائة غلام ، وقاتلوا حتى قُتلوا جميعًاً بعد نكاية شديدة نَكَوْها فى القرامطة ، واحتوت القرامطة على سواد أصحاب السلطان فحازوه، ولم يُفلِت من أصحاب السلطان إلاّ مَنْ كان فى دابته فَضْل فنجا به ، أو من أنخِنِ بالجراح ، فطرح نفسَه فى القتلى، فتحامل بعد انقضاء الوقعة حتى دخل الكوفة . وأخيِذ للسلطان فى هذا السّواد، مما كان وجه به مع رجاله من الجمّازات، عليها السلاح والآلة زهاء ثلثمائة جمتازة، ومن البغال خمسمائة بغل . وذكر أن مبلغ مَنْ قتل من أصحاب السلطان فى هذه الوقعة سوى غلمانهم والحمّالين ومَنْ كان فى السواد ألف وخمسمائة رجل ، فقوىَ القرمطيّ وأصحابه بما أخذوا فى هذه الوقعة ، وتطرّف بيادرَ كانت إلى جانبه ، فأخذ منها طعامًا وشعيراً، وحمله على بغال السلطان إلى عسكره ، وارتحل من موضع الوقعة نحواً من خمسة أميال فى العرض إلى موضع يقرب من الموضع المعروف بنهر المثنيّة ، !) وذلك أن روائح القتلى آذتهم . ٢٢٦٤/٣ وذكر عن محمد بن داود بن الجراح أنه قال: وافى بابَ الكوفة الأعرابُ الذين كان زكرويه راسلهم ، وقد انصرف المسلمون عن مصلاّهم مع إسحاق بن عمران، فتفرّقوا من جهتين ، ودخلوا أبيات الكوفة ، وقد ضربوا على القاسم بن أحمد داعية زكرويه قُبّة، وقالوا : هذا ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ود عَوْا : يال ثارات الحسين ! يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب بباب جسر مدينة السلام ، وشعارهم : يا أحمد يا محمدٌفـ يعنون ابنىْ زكرويه المقتولين. وأظهروا الأعلام البيض، وقدّرُوا أن يستغووا رعاع الكوفيّين بذلك القول، فأسرع إسحاق بن عمران ومَنْ معه المبادرة نحوهم ، ودفعهم وقتل مَنْ ثبت له منهم، تے. ١٢٧ سنة ٢٩٣ ٢٢٦٥/٣ وحضر جماعةٌ من آل أبى طالب ، فحاربوا مع إسحاق بن عمران ، وحضر جماعة من العامّة ؛ فحاربوا . فانصرف القرامطة خاسئين ، وصاروا إلى قرية تدعى العشيرة؛ من آخر عمل طَسُّوج السالحين ونهر يوسف مما يلى البرّ من يومهم، وأنفذوا إلى عدوّ اللّه زكرويه بن مهرويه من استخرجه من نقير فى الأرض، كان متطمترًا فيه سنين كثيرة بقرية الدرية وأهل قرية الصّوعر يُتلفونَه على أيديهم، ويسمونه ولىّ اللّه. فسجدوا له لِمَا رأوْه، وحضر معه جماعة من دعاته وخاصَّته ، وأعلمهم أنّ القاسم بن أحمد أعظم الناس عليهم مِنّةً ، وأنه ردّهم إلى الدّين بعد خروجهم منه، وأنهم إذا امتثلوا أمره أنجز مواعيدَهم، وبلغهم آمالهم. ورمز لهم رموزاً ؛ وذكر فيها آيات من القرآن، نقلها عن الوجه الذى أنزلت فيه، واعترف لزكرويه جميع مَنْ رسخ حبُّ الكفر فى قلبه ؛ من عربىّ ومولى ونبَطَىّ وغيرهم أنه رئيسهم المقدّم ، وكهفهم وملاذُهم، وأيقنوا بالنصر وبلوغ الأمل، وسار بهم وهو محجوب عنهم يدعونه السيّد، ولا يبرزونه لمن فى عسكرهم، والقاسم يتولّى الأمور دونه ، ويُمضيها على رأيه إلى مؤاخرسِقْ الفرات من عمل الكوفة ، وأعلمهم أنّ أهل السواد قاطبة خارجون إليه، فأقام هنالكَ نَيفًا وعشرين يومًا؛ يبثّ رسلَه فى السواديّين مستلحقين، فلم يلحق بهم من السواديين إلا من لحقته الشقوة، وهم زهاء خمسمائة رجل بنسائهم وأولادهم، وسرّب إليه السلطان الجنود ، وكتب إلى كلّ مَن كان نفذ نحو الأنبار وهيت لضبطها (١) خوفًا من معاودة المقيمين ، كانوا بالماءين إليها بالانصراف نحو الكوفة ، فعجّل إليهم جماعة من القوّادمنهم، بشر الأفشينىّ وحتى الصفوانىّ ونحرير العمرىّ، ورائق فتى أمير المؤمنين والغلمان الصّغار المعروفين بالحُجَريّة، فأوقعوا بأعداء الله بقرب قرية الصوعر ، فقتلوا رجالتهم وجماعة من فرسانهم، وأسلموا بيوتهم فى أيديهم ، فدخلوها ، وتشاغلوا بها ، فعطفت القرامطة عليهم فهزموهم . ٢٢٦٦/٣ وذُكر عن بعض مَنْ ذُكر أنه حضر مجلس محمد بن داود بن الجراح ، وقد أدخيل إليه قوم من القرامطة، منهم سِلْفُ زكرويه، فكان مما حدّثُه أن قال : کان زکرویه مختفيًا فىمنزلی فی سرداب فی داری علیه باب حدید ، (١) س: ((وضبطها)). ١٢٨ سنة ٢٩٣ وكان لنا تنُّور ننقله ، فإذا جاءنا الطلب وضعنا التنُّور على باب السرداب ، وقامت امرأة تسجُرُه ؛ فمكث كذلك أربع سنين ، وذلك فى أيام المعتند. وكان يقول : لا أخرج والمعتضد فى الأحياء . ثم انتقل من منزلى إلى دار قد جُعل فيها بيت وراء باب الدار، إذا فُتح باب الدار انطبق على باب البيت، فيدخل الداخل فلا يرى باب البيت الذى هو فيه ، فلم يزل هذه حاله حتى مات المعتضد، فحينئذ أنفذ الدّعاة ، وعمل فى الخروج . ولما ورد خبر الوقعة التى كانت بين القرمطىّ وأصحاب السلطان بالصور على السلطان والناس، أعظموه، ونُدب للخروج إلى الكوفة مَنْ ذكرت من القواد ، وجُعلت الرئاسة لمحمد بن إسحاق بن كُنْدَاج، وضم إليه جماعة من أعراب بنى شيبان والنّمسِر زهاء ألفىْ رجل، وأعطُوا الأرزاق . ٢٢٦٧/٣ # ولاثنتى عشرة بقيت من جمادى الأولى قدم بغداد من مكة جماعة نحو العشرة ، فصاروا إلى باب السلطان، وسألوه توجيه جيش إلى بلدهم، لأنهم على خوف من الخارج بناحية اليمن أن يطأ بلدهم ، إذ كان قد قرب منها بزعمهم . وفى يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلتْ من رجب، قرى على المنبر ببغداد كتابٌ ورد على السلطان، أنّ أهل صنعاء وغيرهم من مُدن اليمن اجتمعوا على الخارجىّ الذى كان تغلّب (١) عليها، فحاربوه وهزموه ، وفلُّوا جُموعه ، فانحاز إلى موضع من نواحى اليمن ، ثم خلع السلطان لثلاث خلوْن من شوال على مظفر ابن حاجّ، وعقد له على اليمن، فخرج ابن حاجٌ لخمس خلون من ذى القعدة، ومضى إلى عمله باليمن، فأقام بها حتى مات . ولسبعٍ بقين من رجب من هذه السنة، أخر ج مضرب المكتفى، فضرب بباب الشماسيّة على أن يخرج إلى الشأم بسبب ابن الخليج ، فوردت خريطة لستّ بقين منه من مصر من قبل فاتك، يذكر أنه والقوّاد زحفوا إلى الخليجىّ، وكانت بينهم حروب كثيرة، وأن آخر حرب جرت بينهم وبينه قتل فيها أكثر أصحابه ، (١) ب: ((يتغلب)). % ١٢٩ سنة ٢٩٣ ثم انهزم الباقون، فظفروا بهم، واحتَوْوا على معسكرهم ، فهرب الخليجىّ حتى دخل الفسطاط ، فاستتر بها عند رجل من أهل البلد ، ودخل الأولياءُ الفسطاط. فلما استقرّوا بها دُلّ على الخليجى، وعلى مَنْ كان استترمعه ممن شایعه ، فقبض عليهم وحبسهم قبّله، فكتب إلى فاتك فى حمل الخليجى ومَنْ أخذ معه إلى مدينة السلام، فرُدّت مضارب المكتفى التى أخرجت إلى باب الشماسة، ووجّه فى ردّ خزائنه . فردّت . وقد كانت جاوزت تكريت . ٢٢٦٨/٣ ثم وجّه فاتك بالخليجى من مِصْر وجماعة ممّن أسِر معه مع بِشْر مولى محمد بن أبى الساج إلى مدينة السلام . فلمّا كان فى يوم الخميس للنصف من شهر رمضان من هذه السنة أدخل مدينة السلام من باب الشماسية ، وقُدّم بين يديه إحدى وعشرون رجلاً على جمال ، وعليهم برانس ودراريع حرير، منهم ابنا بينَك - فيما قيل - وابن أشكال الذى كان صار إلى السلطان من عسكر عمرو الصفار فى الأمان، وصندل المزاحمىّ الخادم الأسود . فلما وصل الخليجىّ إلى المكتفى ، فنظر إليه أمر بحبسه فى الدار ، وأمر بحبس الآخرين فى الحديد ، فوجّه بهم إلى ابن عمرويه ، وكانت إليه الشرطة ببغداد ، ثم خلع المكتفى على وزيره العباس بن الحسن خلعًا ، لحسن تدبيره فى هذا الفتح ، وخلع على بشر الأفشينىّ . ولخمس خلوْن من شوال أدخل بغداد رأس القرمطيّ المسمى نصراً الذى كان انتهب هيت منصوبًا على قناة . ولسبع خلون من شوّال ورد الخبر مدينة السلام أنّ الرّوم أغاروا على قُورس، فقاتلهم أهلُها ، فهزموهم ، وقتلوا أكثرهم، وقتلوا رؤساء بنى تميم ، ودخلوا المدينة، وأحرقوا مسجدَها ، واستاقوا مَنْ بَقى من أهلها . وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمىّ . ٢٢٦٩/٣ ١٣٠ ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها (١) من الأحداث الجليلة فممّا كان فيها من ذلك دخول ابن كيغَلغ طَرَسُوس غازيًا فى أوّل المحرّم ، وخرج معه رُستَم ، وهى غزاة رستم الثانية ، فبلغوا سلندوا، ففتح الله عليهم ، وصاروا إلى آلِس ، فحصل فى أيديهم نحو من خمسة آلاف رأس ، وقتلوا مِن الروم مقتلَةً عظيمة ، وانصرفوا سالمين . [ خبر زکرويه بن مهرويه القرمطيّ ] ولاثنتى عشرة خلتْ من المحرّم ورد الخبر مدينة السلام أن زكرويه بن مهرويه القرمطىّ ارتحل من الموضع المعروف بنهر المثنية، يريد الحاجّ، وأنه وافتى موضعاً بينه وبين واقصة أربعة أميال . وذكر عن محمد بن داود أنهم مَضَوْا فِى البرّ مِن جهة المشرق ، حتى صاروا بالماء المسمّى سَكْمان، وصارما بينهم وبين السوادمفازة، فأقام بموضعه يريد الحاجّ ينتظر القافلة الأولى، ووافت القافلة واقصة لستَّ- أوسبعٍ - خلوْن من المحرّم ، فأنذرهم أهلُ المنزل ، وأخبر وهم أنّ بينهم وبينهم أربعة أميال . فارتحلوا ولم يقيموا، فنَجْوا . وكان فى هذه القافلة الحسن بن موسى الرّبَعِىّ وسيما الإبراهيمىّ، فلما أمعنت القافلة فى السّيْر صار القرمطيّ إلى واقصة ، فسألهم عن القافلة فأخبروه أنها لم تُقم بواقصة ، فاتّهمهم بإنذارهم إياهم ، فقتّل من العلافين بها جماعة ، وأحرق العلف، وتحصّن أهلُها فى حصنهم (٢)، فأقام بها أيامًا ، ثم ارتحل عنها نحو زبالة . وذكر عن محمد بن داود أنه قال : إن العساكر سارت فى طلب زکرويه نحو عيون الطفّ ، ثم انصرفت عنه لمّا علمت بمكانه بسلْمان، ونفذ علاّن بن كُشمَرْد مع قطعة من فرسان الجيش متجرّدة على طريق جادّة مكةنحو زكرويه، حتى نزلوا السُّبال ، فمضى نحو واقصة حتى نزلها بعد أن جازت القافلة ٢٢٧٠/٣ (١) س: ((ماكان)). (٢) س: ((بالحصن)). ١٣١ سنة ٢٩٤ الأولى ، ومرّ زكرويه فى طريقه بطوائف من بنى أسد ، فأخذها من بيوتها معه ، وقصد الحاجّ المنصرفين عن مكة ، وقصد الجادّة بحوهم . ووافى خبرُ الطير من الحوفة لأربع عشر بقيتْ من المحرّم من هذه السنة بأن زكرويه اعترض قافلة الخراسانيّة يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من المحرّم بالعقبة من طريق مكة ، فحاربوه حرباً شديداً، فساءلهم : وقال : أفيكم السلطان ؟ قالوا: ليس معنا سلطان ، ونحن الحاجّ ، فقال لهم : فامضوا فلستُ أريدكم. فلماسارت القافلة تبعها فأوقع بها ، وجعل أصحابه ينخسون الجمال بالرّماح ، ويبعجونها بالسيوف ، فنفرت، واختلطت القافلة ، وأكبّ أصحاب الخبيث على الحاجّ يقتلونهم كيف شاءوا، فقتلوا الرّجال والنساء، وسَبْوا من النساء من أرادوا، واحتووا على ما كان فى القافلة، وقد كان لقىَ بعض مَنْ أفلت من هذه القافلة علاّن بن كشمرد، فسأله عن الخبر ، فأعلمه ما نزل بالقافلة الخراسانية ، وقال له: ما بينك وبين القوم إلاّ قليل ، والليلةَ أو فى غد توافى القافلة الثانية ، فإن رأوا عَلَما للسلطان قويتْ أنفسهم. واللّهَ اللّهَ فيهم! فرجع عَلآن من ساعته، وأمر مَنْ معه بالرجوع ، وقال : لا أعرّض أصحاب السلطان للقتل ، ثم أصعد زكرويه ، ووافته القافلة الثانية . ٢٢٧١/٣ وقد كان السلطان كتب إلى رؤساء القافلتين الثانية والثالثة ومن كان فيهما من القوّاد والكُتّاب مع جماعة من الرّسل الذين تنكَّبوا طريق الجادّة بخبر الفاسق وفعله بالحاجّ ، ويأمرهم بالتحرّز منه، والعدول عن الجادّة نحو واسط والبصرة ، أو الرجوع إلى فَيْد أو إلى المدينة، إلى أن يلحق بهم الجيوش. ووصلت الكتب إليهم فلم يسمعوا ولم يقيموا ، ولم يلبثوا. وتقدّم أهل القافلة الثانية وفيها المبارك القُمّىّ وأحمد بن نصر العُقيلىّ وأحمد بن علىّ بن الحسين الهمذانىّ، فوافوا الفجرة، وقد رحلوا عن واقصة، وعوَّروا مياهها، وملئوا بركها وبثارها يجيف الإبل والدواب التى كانت معهم ، مشقّقة بطونها، ووردُوا منزل العقبة فى يوم الاثنين لاثنتى عشرة خلتْ من المحرّم ، فحاربهم أصحاب القافلة الثانية . وكان أبو العشائر مع أصحابه فى أوّل القافلة ومبارك القمّىّ فيمن معه فى ساقتها ، فجرت بينهم حربٌ شديدة حتى كشفوهم ، وأشرفوا على الظفر بهم ، فوجد الفجرة من ساقتِهِم غِرّة ، فركبوهم من جهتها ، ووضعوا رماحهم فى جنوب إبلهم ٢٢٧٢/٣ ١٣٢ سنة ٢٩٤ وبطونها ، فطحنتهم الإبل وتمكنوا منهم ، فوضعوا السيف فيهم فقتلوهم عن آخرهم ، إلا مَن استعبدوه . ثم أنفذوا إلى ما دون العقبة بأميال فوارس لحقوا المُفلتة من السيف ، فأعطوْهم الأمان ، فرجعوا فقتلوهم أجمعين ، وسَبَوْا من النساء ما أحبُّوا، واكتسحوا الأموال والأمتعة . وقُتل المبارك القمىّ والمظفر ابنه ، وأسر أبو العشائر، وجُمع القتلى، فُوضع بعضهم على بعض، حتى صاروا كالتلّ العظيم. ثم قطعت يدا أبى العشائر ورجلاه ، وضربت عنقه، وأطلِقٍ من النساء مَنْ لم يرغبوا فيه ، وأفلت من الجرحى قومٌ وقعوا بين القتلى، فتحاملوا فى الليل ومضوا؛ فمنهم من مات، ومنهم مَنْ نجا وهم قليل . وكان نساءُ القرامطة يَطُفْن مع صبيانهم فى القتلى يعرضون عليهم الماء، فمَن كلّمهم أجازوا عليه . وقيل إنه كان فى القافلة من الحاجّ زهاء عشرين ألف رجل ، قُتل جميعهم غير نفر يسير ممّن قوىَ على العدوّ، فنجا بغير زاد ومَن وقع فى القتل وهو مجروح، وأفلت بعدُ، أو مَن استعبدوه لخدمتهم . وذكر أن الذى أخذوا من المال والأمتعة الفاخرة فى هذه القافلة قيمةُ ألفى ألف دينار . وذكر عن بعض الضرّابين أنه قال: وردت علينا كتب الضرّابين بمصر أنكم ٢٢٧٣/٣ فى هذه السنة تستغنون، قد وجّه آل ابن طولون والقوّاد المصريون الذين أشخصوا إلى مدينة السلام، ومَنْ كان فى مثل حالهم فى حمل ما لهم بمصر إلى مدينة السلام، وقد سبكوا آنية الذهب والفضة والحلى نِقَاراً، وحُمل إلى مكة ليوافوا به مدينة السلام مع الحاجّ، فحُمِل فى القوافل الشاخصة إلى مدينة السلام، فذهب ذلك كله . وذكر أن القرامطة بينا هم يقتلون وينهبون هذه القافلة يوم الاثنين ، إذ أقبلت قافلة الخراسانية ، فخرج إليهم جماعةٌ من القرامطة ، فواقعوهم ، فكان سبيلُهم سَبَيلَ هذه . فلما فرغ زكرويه من أهل القافلة الثانية من الحاجّ، وأخذ أموالهم، واستباح حريمتهم، رحل مِنْ وقته من العقبة بعد أن ملأ البرك والآبار بها بالجيف من الناس والدواب. وكان ورد خبر قطعه على القافلة ١٣٣ سنة ٢٩٤ الثانية من قوافل السلطان مدينة السلام فى عشيّة يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من المحرّم ، فعظم ذلك على الناس جميعًا وعلى السلطان ، وندب الوزيرُ العباس بن الحسن بن أيوب محمدَ بن داود بن الجرّاح الكاتب المتوَلِّى دواوين الخراج والضياع بالمشرق وديوان الجيش للخروج إلى الكوفة ، والمقام بها لإنفاذ الجيوش إلى القرمطىّ. فخرج من بغداد لإحدى عشرة بقيتْ من المحرّم، وحمل معه أموالا كثيرة لإعطاء الجند . ثم سار زكرويه إلى زُبالة فنزلها ، وبثّ الطلائع أمامه ووراءه خوفًا من أصحاب السلطان المقيمين بالقادسيّة أن يلحقوه ، ومتوقّعًا ورود القافلة الثالثة التى فيها الأموال والتجار . ثم سار إلى الثعلبيّة، ثم إلى الشقوق ، وأقام بها بين الشقوق والبطان فى طرف الرّمل فى موضع يعرف بالطليح ، ينتظر القافلة الثالثة ، وفيها من القوّاد نفيس المولدىُّ وصالح الأسود ، ومعه الشَّمْسَة والخزانة . وكانت الشمسة جعل فيها المعتضد جوهراً نفيسًا . ٢٢٧٤/٣ وفى هذه القافلة ، كان إبراهيم ابن أبى الأشعث - وإلیه کان قضاء مكة والمدينة وأمر طريق مكة والنفقة فيه لمصالحه - وميمون بن إبراهيم الكاتب - وكان إليه أمر ديوان زمام الخراج والضياع - وأحمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن الهزلّج، والفرات بن أحمد بن محمد بن الفرات، والحسن بن إسماعيل قرابة العباس بن الحسن - وكان يتولى بريد الحرمين - وعلىُ بن العباس النَّهيكىّ. فلما صار أهل هذه القافلة إلى فيْد بلغهم خبرُ الخبيث زكرويه وأصحابه ، وأقاموا بِفَيْد أيامًا ينتظرون تقويةً لهم من قِبَل السلطان . وقد كان ابن كشمرد رجع من الطريق إلى القادسية فى الجيوش التى أنفذها السلطان معه وقبله وبعد . ثم سار زكرويه إلى فَيْد، وبها عامل السلطان، يقال له حامد بن فيروز، ٢٢٧٥/٣] فالتجأ منه حامد إلى أحد حصنيها فى نحو من مائة رجل كانوامعه فى المسجد، وشحيَّن الحصن الآخر بالرّجال، فجعل زكرويه يراسل أهل فَيْد، ويسألهم أن يُسلموا إليه عاملهم ومَنْ فيها من الجند، وأنهم إن فعلوا ذلك آمنهم . فلم ١٣٤ سنة ٢٩٤ يجيبوه إلى ما سأل . ولمّا لم يجيبوه حاربهم ، فلم يظفر منهم بشئ . قال: فلما رأى أنه لا طاقة له بأهلها، تنحتى فصار إلى النّاج، ثم إلى حُفير أبى موسى الأشعرىّ . وفى أول شهر ربيع الأول أنهض المكتفى وصيف بن صوارتكين - ومعه من القوّاد جماعة - فنفذوا من القادسية على طريق خَفَّان، فلقيه وصيف يوم السبت لثمان بقين من شهر ربيع الأول ، فاقتتلوا يومتهم ، ثم حجز بينهم الليل ، فباتوا يتحارسون ، ثم عاودهم الحرب ، فقتَل جيش السلطان منهم مقتلة عظيمة، وخلصوا إلى عدوّ اللّه زكرويه، فضربه بعض الجند بالسيف على قفاه وهو مولّ ضربةً اتصلت بدماغه . فأخذ أسيراً وخليفته وجماعة من خاصّته وأقربائه ، فيهم ابنه وكاتبه وزوجته ، واحتوى الجند على ما فى عسكره . وعاش زكرويه خمسة أيام ثم مات ، فشُقَّ بطنه ، ثم حُمِل بهيئته ، وانصرف بمن كان بقى حيًّاً فى يديه من أسرى الحاج . * وفيها غزا ابن كَيْغلغ من طَرَسوس ، فأصاب من العدّو أربعة آلاف ٢٢٧٦/٣ رأس سبْى ودواب" ومواشى كثيرة ومتاعًا. ودخل بِطْريق من البطارقة إليه فى الأمان ، وأسلم . وكان شخوصه من طَرَسوس لهذه الغزاة فى أول المحرم من هذه السنة . وفيها كاتب أندرو نقس البطريق السلطانَ يطلب الأمان ، وكان على حرب أهل الثغورِ من قِبَل صاحب الروم ، فأعطِىَ ذلك، فخرج، وأخرج نحواً من مائتى نفس من المسلمين كانوا أسرى فى حِصْنه ، وكان صاحب الرّوم قد وجّه إليه مَنْ يقبض عليه ، فأعطى المسلمين الذين كانوا فى حصنه أسرى السلاح ، وأخرج معهم بعض بنيه ، فكبسوا البِطْريق الموجه إليه للقبض عليه ليلا ؛ فقتلوا ممّن معه خَلْقًا كثيراً، وغنموا ما فى عسكره . وكان رستم قد خرج فى أهل الثغور فى جمادى الأولى قاصداً أندرونفس ليتخلّصه ، فوافتى رستم قونية بعقب الوقْعة . وعلم البطارقة بمسير المسلمين إليهم فانصرفوا ، ووجبّه أندرونفس ابنه إلى رستم ، ووجّه رستم كاتبه وجماعة من البحريين ، ١٣٥ سنة ٢٩٤ فباتوا فى الحصن ، فلما أصبحوا خرج أندرونقس وجميعٌ مَنْ معه من أسارى المسلمين، ومَنْ صار إليهم منهم، ومَنْ وافقه على رأيه من النصارى ، وأخرج ماله ومتاعه إلى معسكر المسلمين ، وخرّب المسلمون قونية ، ثم قفلوا إلى طَرَسُوس وأندر ونقس وأسارى المسلمين ومَنْ كان مع أندرونقس من النصارى. وفى جمادى الآخرة منها كانت بين أصحاب حسين بن حمدان بن حمدون ٢٢٧٧/٣ وجماعة من أصحاب زكرويه كانوا هربوا من الوقعة التى أصابه فيها ما أصابه ، وأخذوا طريق الفرات (١) يريدون الشأم، فأوقع بهم وقعة ، فقتل جماعة منهم، وأسر جماعة من نسائهم وصبيانهم . وفيها وافتَى رسل ملك الروم أحدهم خال ولده اليون وبسيل الخادم ، ومعهم جماعة باب الشماشيّة بكتاب منه إلى المكتفى يسأله الفداء بمَنْ فى بلاده من المسلمين، مَنْ فى بلاد الإسلام من الرّوم، وأن يوجّه المكتفى رسولاً إلى بلاد الروم ليجمع الأسرى من المسلمين الذين فى بلاده ، وليجتمع هو معه على أمر يتفقان عليه ، ويتخلّف بسيل الخادم بطرسوس ليجتمع إليه الأسرى من الروم فى الثغور ليصيّرهم مع صاحب السلطان إلى موضع الفداء . فأقاموا بباب الشماسيّة أيامًا ، ثم أدخلوا بغداد ومعهم هدية من صاحب الروم عشرة من أسارى المسلمين ، فقبلت منهم . وأجيب صاحب الروم إلى ما سأل . وفيها أخِذ رجل بالشأم ـ- زعم أنه السفيانيّ - فحمل هو وجماعة معه من الشأم إلى باب السلطان ، فقيل إنه موسوس . # وفيها أخذ الأعراب بطريق مكة رجليْن يعرف أحدهما بالحداد والآخر بالمنتقم ، وُذكر أن المعروف بالمنتقم منهما أخو امرأة زكرويه، فدفعوهما ٢٢٧٨/٣ إلى نزار بالكوفة، فوجّههما نزار إلى السلطان ، فذكر عن الأعراب أنهما كانا صارا إليهما يدعوانهم إلى الخروج على السلطان . وفيها وجّه الحسين بن حمدان من طريق الشأم رجلا يعرف بالكيال مع (١) ت: ((العراق)). ١٣٦ سنة ٢٩٤ ستين رجلا من أصحابه إلى السلطان كانوا استأمنوا إليه من أصحاب زكرويه . وفيها وصل إلى بغداد أندرونقس البطريق . وفيها كانت وقعة بين الحسين بن حمدان وأعراب كليب والنَّمر وأسد وغيرهم ، اجتمعوا عليه فى شهر رمضان منها ، فهزموه حتى بلغوا به باب حلب . وفيها حاصر أعراب طيّئ وصيف بن صوارتكين بفَيْد، وكان وُجُّه أميراً على الموسم، فحوصر ثلاثة أيام ، ثم خرج إليهم، فواقعهم فقتل منهم قتلى، ثم انهزمت الأعراب ورحل وصيف من فيْد بمن معه من الحاجٌ . وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمىُّ . ١٣٧ ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من خروج عبد الله بن إبراهيم المسمعىّ عن مدينة أصبهان إلى قرية من قراها على فراسخ منها وانضمام نحو من عشرة آلاف من الأكراد وغيرهم- فيما ذكر- إليه مظهراً الخلاف على السلطان. فأمر بدر الحمامىّ بالشخوص ٢٢٧٩/٣ إليه ، وضُمّ إليه جماعة من القوّاد ونحو من خمسة آلاف من الجند . وفيها كانت وقعة للحسين بن موسى على أعراب طيّئ الذين كانوا حاربواوصيف بن صوارتكين على غرّة منهم، فقتل من رجالهم - فيما قيل-سبعين، وأسرّ من فرسانهم جماعة . وفيها تُوُفِّىَ أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد عامل خراسان وما وراء النهر فى صفر منها، لأربع عشرة خلت منه، وقام ابنه أحمد بن إسماعيل بن أحمد فى عمل أبيه مقامه، ووليِىَ أعمال أبيه. وذكر أن المكتفى لأربع ليال خلون من شهر ربيع الآخر فَعَد، فعقد بيده لواء ودفعه إلى طاهر بن علىّ بن وزير، وخلع عليه وأمره بالخروج باللواء إلى أحمد بن إسماعيل . وفيها وُجُّه منصور بن عبد الله بن منصور الكاتب إلى عبد الله بن إبراهيم المسمعىّ، وكتب إليه يخوّفه عاقبة الخلاف إليه ، فتوجّه إليه ، فلما صارإليه ناظره ، فرجع إلى طاعة السلطان، وشخص فى نفر من غلمانه، واستخلف على عمله بأصبهان خليفة ، ومعه منصور بن عبد اللّه ، حتى صار إلى باب السلطان ، فرضىَ عنه المكتفى ، ووصله وخلع عليه وعلى ابنه . وفيها أوقع الحسين بن موسى بالكردىّ المتغلّب كان على نواحى الموصل ، فظفر بأصحابه ، واستباح عسكره وأمواله ، وأفلت الكردىّ فتعلق بالجبال فلم يدرك . ١٣٨ سنة ٢٩٥ وفيها فتح المظفر بن حاج بعض ما كان غلب عليه بعض الخوارج باليمن ، وأخذ رئيساً من رؤسائهم يعرف بالحكيمىّ . وفيها لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة أمر خاقان المفلحىّ بالشخوص إلى أذْرَبيجان لحرب يوسف بن أبى الساج، وضمّ إليه نحو أربعة آلاف رجل من الجند . ولثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان دخل بغداد رسول أبى مُضَر زيادة الله بن الأغلف، ومعه فتح الأعجمىّ، ومعه هدايا وجّه بها إلى المكتفى .: ٥٤ وفيها تمّ الفداء بين المسلمين والروم فى ذى القعدة؛ وكانت عدّة من فُودِى به من الرجال والنساء ثلاثمائة آلاف نفس . وفى ذى القعدة لاثنتى عشرة ليلة خلت منها تُوفِىَ المكتفى باللّه، وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوماً، وكان يوم تُوُفِّىَ ابنَ اثنتين وثلاثين سنة يومئذ ، وكان وُلد سنة أربع وستين ومائتين ، ويكنى أبا محمد ، وأمه أم ولد تركية تسمى جيجك . وكان رَبَعةً جميلا ، رقيق اللون ، حسن الشعر ، وافر الحمّة، وافر اللحية . (١) س: ((ما قد كان)). ٢٢٨٠/٣ سنة ٢٩٥ ١٣٩ خلافة المقتدر بالله ثم بويع جعفر بن المعتضد بالله؛ ولما بويع جعفر بن المعتضد لقّب المقتدر بالله وهو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وأحد وعشرين يومًا. وكان مولده ليلة ٢٢٨١/٣ الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان من سنة اثنتين وثمانين ومائتين ، وكنيته أبو الفضل ، وأمه أمُّ ولد يقال لها شغب، فذكر كان فى بيت المال يوم بويع خمسة عشر ألف ألف دينار . ولما بويع المقتدر غسّل المكتفى وصلّى عليه ، ودُفن فى موضع من دار محمد بن عبد الله بن طاهر . # * وفيها كانت بين عجّ بن حاج والجند وقعة فى اليوم الثانى من أيام منى، قتِل فيها جماعة، وجرح منهم، بسبب طلبهم جائزة بيعة المقتدر، وهرب الناس الذين كانوا بمنى إلى بستان ابن عامر، وانتهب الجند مضرب أبى عدنان ربيعة بن محمد بمنى. وكان أحد أمراء القوافل ، وأصاب المنصرفين من مكة فى منصرفهم فى الطريق من القطع والعطش أمر غليظ، مات من العطش - فيما قيل- منهم جماعة. وسمعت بعض من يحكى أن الرجل كان يبول فى كفّه ، ثم يشربه . وحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمىّ . ١٤٠ ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ٢٢٨٢/٣ فمن ذلك ما كان من اجتماع جماعة من القوّاد والكتاب والقضاة على خلع المقتدر ، وتناظرهم فيمن يُجعل فى موضعه، فاجتمع رأيهم على عبد الله بن المعتز وناظروه فی ذلك ، فأجابهم إلى ذلك على ألاًّ یکون فی سفك ذلك دم ولا حرب، فأخبر وه أنّ الأمر يسلّم إليه عفواً، وأن جميع مَنْ وراءهم من الجند والقواد والكتاب قد رضُوا به . فبايعهم على ذلك ، وكان الرأس فى ذلك محمد بن داود ابن الجراح وأبو المثنّ أحمد بن يعقوب القاضى ، وواطأ محمد بن داود بن الجراح جماعةً من القوّاد على الفتْك بالمقتدر والبيعة لعبد الله بن المعتزّ ، وكان العباس بن الحسن على مثل رأيهم . فلما رأى العباس أمره مستوثقًا له مع المقتدر، بدا له فيما كان عزم عليه من ذلك ، فحينئذ وثب به الآخرون فقتلوه ، وكان الذى تولَّى قتلَه بدرٌ الأعجمى والحسين بن حمدان ووصيف بن صوارتكين ، وذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول . ولما كان من غدٍ هذا اليوم - وذلك يوم الأحد - خلع المقتدر القوّاد والكتاب وقضاة بغداد ، وبايعوا عبد الله بن المعتزّ، ولقبوه الراضى باللّه. وكان الذى أخذ له البيعة على القوّاد وتولّى استحلافهم والدعاء بأسمائهم محمد بن سعيد الأزرق كاتب الجيش . وفى هذا اليوم كانت بين الحسين بن حمدان وبين غلمان الدار حرب شديدة من غدوه إلى انتصاف النهار . وفيه (١) انفضّت الجموع التى كان محمد بن داود جمعها لبيعة ابن المعتزّعنه؛ وذلك أن الخادم الذى يدعى مؤنسًا حمل غلمانًا من غلمان الدار فى شَدَوَات ، (١) ب: ((وفيها)).