Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سنة ٢٩٠
ما فعل أخوانى ؟ قلت: بخير ، وشكوت ما نالنا يعده من الضّيق ، فمضى بى ٢٢٢٧/٣
إلى منزله ، وجلس بين يدىّ ، وجعل يسائلنى عن أخبارنا ، فخبّرته ، ثم قال :
دعينى من هذا وأخبرينى (١) ما دينك؟ فقلت: يا بنىّ أما تعرُّفنى! فقال:
وكيف لا أعرفك! فقلت: ولمَ تسألنى من دينى وأنت تعرفنى وتعرف
دينى! فقال: كلّ ما كنّا فيه باطل ، والدّين ما نحن فيه الآن، فأعظمتُ
ذلك وعجبت منه، فلما رآنى كذلك خرج وتركنى . ثم وجّه إلىّ بخبز ولجم
وما يصلحنى، وقال: اطبخيه، فتركتُه ولم أمسته ، ثم عاد فطبخه، وأصلح أمر
منزله ، فدقّ الباب داقٌ ؛ فخرج إليه فإذا رجل يسأله ، ويقول له :
هذه القادمة عليك تُحسن أن تصلح من أمر النساء شيئًا ؟ فسألنى فقلت :
نعم، فقال: امضى معى، فمضيت فأدخلنى داراً، وإذا امرأة تطلق، فقعدت بين
يديها ، وجعلت أكلّمها ، فلا تكلّمنى، فقال لى الرجل الذى جاء بى إليها:
ما عليك من كلامها ، أصلحى أمر هذه، وَدَعِى كلامها ، فأقمتُ حتى
ولدت غلامًا ، وأصلحتُ من شأنه ، وجعلت أكلّمها وأتلطف بها
وأقول لها : يا هذه ، لا تحتشمينى ؛ فقد وجب حقّى عليك ، أخبرينى خبرك
وقصّتك ومَن والد هذا الصبىّ(٢)، فقالت: تسألينى عن أبيه لتطالبيه بشىء
يهبه لك! فقلت : لا ، ولكن أحبّ أن أعلم خبرك، فقالت لى : إنى امرأة
هاشميّة - ورفعْت رأسها؛ فرأيت أحسن الناس وجهاً - وإن (٣) هؤلاء ٢٢٢٨/٣
القوم أتْونا ، فذبحوا أبى وأمىّ وإخوتى وأهلى جميعًا ، ثم أخذنى رئيسهم ،
فأقمتُ عنده خمسة أيام ، ثم أخرجنى، فدفعنى إلى أصحابه ، فقال : طهّروها
فأرادوا قتلى ، فبكيتُ. وكان بين يديه رجل من قوّاده، فقال : هبها لى ، فقال :
خذها ، فأخذنى ، وكان بحضرته ثلاثة أنفس قيام من أصحابه ، فسلُّوا سيوفهم ،
وقالوا : لا نسلّمها إليك؛ إمَّا أن تدفعها إلينا، وإلاّ قتلناها. وأرادوا قتلى،
وضجّوا ، فدعاهم رئيسهم القرمطيّ، وسألهم عن خبرهم فخبَّروه،
فقال : تكون لكم أربعتكم ، فأخذونى، فأنا مقيمة معهم أربعتهم ، والله ما
أدرى ممن هو هذا الولد منهم !
(١) ب: ((حدثينى)).
(٢) ب: ((هذا الفتى)).
(٣) س: ((وقالت إن)).

١٠٢
سنة ٢٩٠
قالت : فجاء بعد المساء رجل فقالت لى : هنّه فهنأته بالمولود ، فأعطانى
سبيكة فضة، وجاء آخر وآخر، أهنِّئُّ كلّ واحد منهم ، فيعطينى سبيكة
فضة ؛ فلما كان فى السحر جاء جماعة مع رجل وبین یدیه شمع، وعليه ثياب
خزّ تفوح منه رائحة المسك ، فقالت لى: هنّيه، فقمت إليه ، فقلت: بيَّض
الله وجهك، والحمد لله الذى رزقك هذا الابن ، ودعوت له ، فأعطانى سبيكة
فيها ألف درهم ، وبات الرجل فى بيت ، وبتّ مع المرأة فى بيت ، فلما
أصبحت قلت للمرأة: يا هذه، قد وجب عليك حقّى، فالله الله فىّ، خلصینی !
قالت: ممّ(١) أخلصك؟ فخبرّتُها خبر ابنى، وقلت لها: إنى جئتُ راغبة إليه ،
٢٢٢٩/٣ وإنه قال لى كيت وكيت، وليس فى يدى منه شىء، ولى بنات ضعاف (٢)
خلفتهنّ بأسوأ حال، فخلِّصينى من هاهنا لأصلَ إلى بناتى، فقالت: عليك
بالرّجل الذى جاء آخر القوم، فسليه ذلك، فإنه يخلصك . فأقمتُ يومى إلى
أن أمسيتُ ؛ فلما جاء تقدّمت إليه ، وقبّلتُ يده ورجله ، وقلت :
يا سيدى قد وجب حقّى عليك، وقد أغنانى الله على يديك بما أعطيتنى، ولى
بنات ضعاف فقراء ، فإن أذنت لى أن أمضى فأجيئك ببناتى حتى يخدمنك
ويكنّ بين يديك ! فقال: وتفعلين ؟ قلت : نعم ، فدعا قومًا من غلمانه ،
فقال : امضوا معها حتى تبلغوا بها موضع كذا وكذا ، ثم اتركوها وارجعوا .
فحملونى على دابّة، ومضْوا بى . قالت : فبينما نحن نسير ، وإذا أنا بابنى
يركض ، وقد كنا سِرْنا عشرة فراسخ- فيما خبرنى به القوم الذين معی- فلحقی
وقال: يا فاعلة ، زعمتِ أنك تمضين وتجيئين ببناتِك! وسلّ سيفه ليضربنى؛.
فمنعه القوم ، فلحقنى طرف السيف ، فوقع فى كتفى ، وسلّ القوم سيوفَهم ،
فأرادوه ، فتنحتى عنى . وساروا بى حتى بلغوا بى الموضع الذى سّه لهم صاحبهم ،
فتركونى ومضوا، فتقدّمت إلى ها هنا وقد طفتُ لعلاج جرحى ، فوُصف لى
هذا الموضع ، فجئت إلى ها هنا . قالت : ولما قدم أمير المؤمنين بالقرمطىّ
٢٢٣٠/٣ وبالأسارى من أصحابه خرجتُ لأنظر (٣) إليهم؛ فرأيت ابنى فيهم على جمل ؛
(٢) س: ((ضعفاء)).
(١) س: ((من)).
(٣) س: ((انظر)).

١٠٣
سنة ٢٩٠
عليه برنس وهو يبكى وهو فتّ شابّ، فقلت له : لا خفّف اللّه عنك
ولا خلّصك! قال المتطبّب : فقمت معها إلى المتطبّبة لما جاءت ، وأوصيتُها
بها ، فعالجت جرحتَها وأعْطَتْها مرهمًا، فسألت المتطبّبة عنها بعد منصرفها،
فقالت : قد وضعت يدى على الجرح ، وقلت : انفحى ، فنفحت فخرجتُ
الريح من الجرح من تحت يدى، وما أراها تبرأ منه، ومضت فلم تعد إلينا .
ولإحدى عشرة بقيتْ من شوّال من هذه السنة، قبض القاسم بن عبيد اللّه
على الحسين بن عمرو النصرانىّ ، وحبسه، وذلك أنه لم يزل يسعى فى أمره إلى
المكتفى ، ويقدح فيه عنده ؛ حتى أمره بالقبض عليه ، وهرب كاتب الحسين
ابن عمرو حين قبض على الحسين المعروف بالشيرازيّ، فطُلب وكُيست منازل
جيرانه ، ودُودى : مَنْ وجده فله كذا وكذا ، فلم يوجد .
ولسبع بقين منه صُرف الحسين بن عمرو إلى منزله، على أن يخرج منبغداد .
وفى الجمعة التى بعدها خرج الحسين بن عمرو وحُدر إلى ناحية واسط على
وجه النفى ، ووُجد الشيرازيُّ كاتبه لثلاث خلون من ذى القعدة .
ولليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه السنة أمر المكتفى بإعطاء الجند
أرزاقَهم والتأهّب للشخوص لحرب (١) القرمطىّ بناحية الشأم، فأطلق للجند
فى دفعة واحدة مائة ألف دينار؛ وذلك أنّ أهل مصر كتبوا إلى المكتفى يشكُون ٢٢٣١/٣
ما لقُوا من ابن زكرويه المعروف بصاحب الشامة ، وأنه قد أخرب البلاد ،
وقتل الناس، وما لَقُوا من أخيه قبله وقتلهما رجالهم، وأنه لم يبق منهم إلا العدد
اليسير .
ولخمس خلوْن من شهررمضان أخرجت مضارب المكتفى ، فضُربت
بباب الشماسيّة .
ولسبع خلون منه خرج المكتفى فى السّحَر إلى مضربه بباب الشّماسية ،
ومعه قواده وغلمانه وجيوشه .
ولاثنتى عشرة ليلة من شهر رمضان، رحل المكتفى من مضربه بباب الشماسيّة
فى السَّحَر ، وسلك طريق الموصل .
(١) س: ((إلى حرب)).

١٠٤
سنة ٢٩٠
والنصف من شهر رمضان منها مضى أبو الأغرّ إلى حلب ، فنزل وادى
بُطْنَان قريبًا من حلَّب ، ونزل معه جميع أصحابه ، فنزع - فيما ذكر-
جماعة من أصحابه ثيابهم، ودخلوا الوادى يتبرّدون بمائة، وكان يومًا شديدالحرّ؛
فبيناهم كذلك إذ وافى جيش القرمطىّ المعروف بصاحب الشامة ، وقد
بدرهم المعروف بالمطوَّق ، فكبسهم على تلك الحال، فقتل منهم خلقًا كثيراً
وانتهب العسكر ، وأفلت أبو الأغرّ فى جماعة من أصحابه ، فدخل حلّب ،
وأفلت معه مقدار ألف رجل ، وكان فى عشرة آلاف بين فارس وراجل ،
وكان قد ضُمّ إليه جماعة ممن كان على باب السلطان من قوّاد الفراغنة ورجالهم،
فلم يفلِتْ منهم إلا اليسير . ثم صار أصحاب القرمطىّ إلى باب حلّب ،
فحاربهم أبو الأغرّ ومَن بقىَ معه من أصحابه وأهل البلد ، فانصرفوا عنه بما
أخذُوا من عسكره من الكُراع والسلاح والأموال والأمتعة بعد حرب
٢٢٣٢/٣ كانت بينهم، ومضى المكتفى بمَنْ معه من الجيش حتى انتهى إلى الرّقة،
فنزلها، وسرّح الجيوش إلى القرمطيّ جيشًا بعد جيش .
ولليلتين خلتا من شوّال ورد مدينة السلام كتابٌ من القاسم بن عبيد الله،
يخبر فيه أن كتابًا ورد عليه من دمشق من بدر الحمامىّ صاحب ابن طولون ،
يخبر فيه أنه واقع القرمطيّ صاحب الشامة ، فهزمه ووضع فى أصحابه السيف ،
ومضى مَنْ أفلت منهم نحو البادية، وأنّ أمير المؤمنين وجّه فى أثره الحسين بن
حمدان بن حمدون(١) وغيره من القوّاد .
وورد أيضًا فى هذه الأيام - فيما ذكر - كتاب من البحرين من أميرها
ابن بانوا، يذكر فيه أنه كبس حصنا للقرامطة، فظفر بمن فيه .
ولثلاث عشرة خلت من ذى القعدة منها - فيما ذكر - ورد كتاب آخر
من ابن بانوا من البحرين ، يذكر فيه أنه واقع قرابة لأبى سعيد الجنابىّ ،
وولىّ عهده من بعده على أهل طاعته ، فهزمه . وكان مقام هذا المهزوم بالقطيف
فوُجد بعدما انهزم أصحابه قتيلا بين القتلى ، فاحتزّ رأسه، وأنه دخل القطيف
فافتتحها .
(١) ب: ((أحمد)).

سنة ٢٩٠
١٠٥
ومن كتب صاحب الشامة إلى بعض عماله :
بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله أحمد بن عبد الله المهدىّ
المنصور باللّه الناصر لدين الله القائم بأمر الله الحاكم بحكم اللّه، الداعى إلى
كتاب الله، الذاب عن حرم الله، المختار من ولد رسول الله أمير المؤمنين ٢٢٣٣/٣
وإمام المسلمين ، ومذلّ المنافقين خليفة الله على العالمين، وحاصد الظالمين، وقاصم
المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين، ومهلك المفسدين، وسراج المبصرين،
وضياء المستضيئين، ومشتّت المخالفين، والقيّم بسنة سيد المرسلين، وولدخير الوصيّين،
صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيّبين، وسلم كثيراً، إلى جعفر بن حميد الكردىّ:
سلام عليك؛ فإنىّ أحمَدُ إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلّىَ
على جَدّى محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. أما بعد ؛ فقد أُنهِىَ إلينا
ما حدث قبلك من أخبار أعداء اللّه الكفرة، وما فعلوه بناحيتك ، وأظهروه من
الظلم والعَيْث والفساد فى الأرض ، فأعظمنا ذلك، ورأينا أن ننفذ إلى ما هناك
من جيوشنا مَنْ ينقم اللّه به من أعدائه الظالمين ، الذين يسعون فى الأرض
فساداً ، وأنفذنا عُطيراً داعيتنا وجماعة من المؤمنين إلى مدينة حمص ،
وأمددناهم بالعساكر ، ونحن فى أثرهم ، وقد أوعزنا إليهم فى المصير إلى
ناحيتك لطلب أعداء اللّهحيث كانوا، ونحن نرجوأن يُجريَنا اللّهُ فيهم على أحسن
عوائده عندنا فى أمثالهم؛ فينبغى أن تشدّ قلبك وقلوب مَنْ معك من أوليائنا،
وتثق بالله وبنصره الذى لم يزل يعوّدناه فى كل من مرق عن الطاعة وانحرف ٢٢٣٤/٣
عن الإيمان، وتبادر إلينا بأخبار الناحية، وما يتجدّد فيها، ولا تُخْفِ عنى شيئًا
من أمرها إن شاء الله .
سبحانك اللهم، وتحيتهم فيها سلام ، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب
العالمين، وصلى الله على جدّى محمد رسول الله، وعلى أهل بيته وسلم كثيراً.
نسخة كتاب عامل له إليه :
بسم الله الرحمن الرحيم . لعبد الله أحمد الإمام المهدىّ المنصور باللّه، ثم الصدر
كلّه على مثال نسخة صدر كتابه إلى عامله الذى حكينا فى الكتاب الذى قبل هذا

١٠٦
سنة ٢٩٠
الكتاب، إلى ولد خير الوصيّين صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين وسلم كثيراً .
ثم بعد ذلك من عامر بن عيسى العنقائىّ .
سلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ؛ أما بعد أطال الله بقاء
أمير المؤمنين، وأدام الله عزّه وتأييده، ونصره وسلامته ، وكرامته ونعمته وسعادته،
وأسبغ نعمه عليه ، وزاد فى إحسانه إليه ، وفضله لدیه . فقد كان وصل کتاب
سيّدى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ، يُعلِمه فيه ما كان من نفوذ بعض الجيوش
المنصورة مع قائد من قوّاده إلى ناحيتنا لمجاهدة أعداء اللّه بنى الفصيص والخائن
ابن دُحيم ، وطلبهم حيث كانوا ، والإيقاع بهم وبأسبابهم وضياعهم ، ويأمرنى
٢٢٣٥/٣ أدام الله عزّه عند نظرى فى كتابه بالنهوض فى كلّ من قدرتُ عليه من أصحابى
وعشائرى للقائهم ومكانفة الجيش ومعاضدتهم والمسير بسيرهم، والعمد كلّ ما يُومون
إليه ويأمرون به، وفهمتُه، ولم يصل إلىّ هذا الكتاب أعز الله أمير المؤمنين حتى
وافت الجيوش المنصورة؛ فنالت طرفًا من ناحية ابن دُحيم، وانصرفوا بالكتاب الوارد
عليهم من مسرور بن أحمد الدّاعية ليلقوْه بمدينة أفاميَة . ثم ورد علىّ كتاب
مسرور بن أحمد فى درجة الكتاب الذى اقتصصتُ ما فيه فى صدر كتابى هذا،
يأمرنى فيه بجمع من تهيأ مَنْ أصحابى وعشيرتى والنهوض إلى ما قبله، ويحذّنی
التخلّف عنه. وكان ورود كتابه علىّ وقتَ صحّ عندنا نزول المارق سُبْك
عبد مفلح مدينة عَرْقة فى زهاء ألف رجل، ما بين فارس وراجل . وقد شارف
بلدنا ، وأطلّ على ناحيتنا، وقد وجدّه أحمد بن الوليد عبد أمير المؤمنين أطال
الله بقاءه إلى جميع أصحابه ، ووجهت إلى جميع أصحابى ، فجمعناهم
إلينا ، ووجّهنا العيون إلى ناحية عَرْقة لنعرف أخبار هذا الخائن، وأين يريد،
فيكون قصدنا ذلك الوجه ، ونرجو أن يُظفر اللّه به، ويمكّن منه بمنه وقدرته .
ولولا هذا الحادث، ونزول هذا المارق فى هذه الناحية ، وإشرافه على بلدنا
لما تأخرت فی جماعة أصحابی عنالنهوض إلی مدینة أفامیة،لتکون یدی مع أيدى
٢٢٣٦/٣ القوّاد المقيمين بها لمجاهدة (١) مَن بتلك الناحية حتى يحكم الله بيننا وهو خير
الحاكمين . وأعلمت سيدى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه السبب فى تخلّى عن
(١) ب. س: ((المجاهدة)).

١٠٧
سنة ٢٩٠
مسرور بن أحمد، ليكونَ على علم منه ، ثم إن أمرنى أدام الله عزه بالنفوذ إلى
أفامية كان نفوذى برأيه، وامتثلتُ ما يأمرنى به إن شاء الله. أتمّ اللّه على أمير
المؤمنين نعمه وأدام عزّه وسلامته ، وهنّأه كرامته، وألبسه عفوه وعافيته.
والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ والحمد لله ربّ العالمين، وصلى
الله على محمد النبى وعلى أهل بيته الطاهرين الأختيار .
وفيها وجّه القاسم بن عبيد اللّه الجيوشَ إلى صاحب الشامة، وولّ حربه
محمد بن سليمان الكاتب الذى كان إليه ديوان الجيش ، وضمّ جميع القواد
إليه ، وأمرهم بالسمع له والطاعة ، فنفذ من الرّقة فى جيش كثيف ، وكتب إلى
مَنْ تقدمه من القوّاد بالسمع له والطاعة .
٠ ٠
*
وفيها ورد رسولا صاحب الروم ؛ أحدهما خادم، والآخر فحل ، يسأله
الفِداء بمن فى يده من المسلمين أسير، ومعهما هدايا من صاحب الروم وأسارى
من المسلمين بعث بهم إليه ، فأجبنا إلى ما سألا ، وخلع عليهما .
وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس
ابن محمد .

١٠٨
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين
٢٢٣٧/٣
ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور(١) الجليلة
[ ذكر خبر الوقعة بين أصحاب السلطان وصاحب الشامة ]
فمن ذلك ما كان من أمر الوقعة بين أصحاب السلطان وصاحب الشامة .
ذكر الخبر عن هذه الوقعة :
قال أبو جعفر : قد مضى ذكرى شخوصَ المكتفى من مدينة السلام نحو
صاحب الشامة لحربه ومصيره إلى الرّقة ، وبثه جيوشَه فيما بين حلب وحِمْص ،
وتوليته حرب صاحب الشامة محمد بن سليمان الكاتب وتصييره أمْرَ جيشه
وقوّاده إليه ؛ فلما دخلت هذه السنة كتب وزيره القاسم بن عبيد الله إلى محمد
ابن سليمان وقوّاد السلطان يأمره وإيّاهم بمناهضة ذى الشامة وأصحابه ، فساروا
إليه حتى صاروا (٢) إلى موضع بينهم وبين حماة - فيما قيل - اثنا عشر ميلا،
فلقُوا به أصحابَ القرمطيّ فى يوم الثلاثاء لست خَلَوْن من المحرّم ، وكان
القرمطىّ قدّم أصحابه وتخلّف هو فى جماعة من أصحابه، ومعه مالٌ
قد كان جمعه ، وجعل السَّواد وراءه ، فالتحمت الحرب بين أصحاب السلطان
وأصحاب القرمطىّ ، واشتدّت ، فهُزم أصحاب القرمطىّ، وقتلوا، وأسِرَ من
رجالهم بشرٌ كثير ، وتفرّق الباقون فى البوادى، وتَبَعهم أصحابُ السلطان
ليلة الأربعاء لسبع خلوْن من المحرّم . فلمّا رأى القرمطيّ ما نزل بأصحابه من
الفُلول والهزيمة حمل - فيما قيل - أخًا له يكنى أبا الفضل مالا، وتقدّم إليه
أن يلحق بالبوادى إلى أن يظهر فى موضع ، فيصير إليه، وركب هو وابن عمّه
المسمّى المدثّر والمطوّق صاحبه وغلام له رومىّ. وأخذ دليلا، وساريريد الكوفة
عرَضًا فى البريّة، حتى انتهى إلى موضع يعرف بالدّاليّة من أعمال طريق الفُرات،
٢٢٣٨/٣
(١) س: ((الأحداث)).
(٢) س: ((إلى أن صاروا)).
١

١٠٩
سنة ٢٩١
فنفد ما كان معهم من الزّاد والعلف ، فوجّه بعض من كان معه ليأخذ
له ما يحتاجون إليه، فدخل الدالية المعروفة بدالية ابن طَوْق لشراءِ حاجِه ،
فأنكروا زيّه، وسُئِل عن أمره فمجمج (١)، فأعلم المتولى مسلحة هذه الناحية بخبره،
وهو رجل يعرف بأبى خُبْزَة خليفة أحمد بن محمد بن كُشَمْرد عامل أمير المؤمنين
المكتفى على المعاون بالرّحبة وطريق الفرات . فركب فى جماعة ، وسأل هذا
الرجل عن خبره ، فأخبره أن الشامة خلف رابية هنالك فى ثلاثة نفر .
فمضى إليهم، فأخذهم وصار بهم إلى صاحبه، فتوجّه بهم ابن كُشَمْرد وأبو
خبزة إلى المكتفى بالرّقة، ورجعت الجيوش من الطلب بعد أن قتلوا وأسروا جميعَ
مَنْ قدروا عليه من أولياء القرمطيّ وأشياعه، وكتب محمد بن سليمان إلى الوزير
بالفتح :
بسم الله الرحمن الرحيم. قد تقدّمت كتبى إلى الوزير أعزه الله فى خبر
القرمطيّ اللعين وأشياعه؛ بما أرجو أن يكون قد وصل إن شاء الله. ولمّا كان فى ٢٢٣٩/٣
يوم الثلاثاء لست ليال خلون من المحرّم رحلتُ من الموضع المعروف بالقروانة ،
نحو موضع يعرف بالعليانة ، فى جميع العسكر من الأولياء ، وزحفنا بهم على
مراتبهم فى القلب والميمنة والميسرة وغير ذلك ؛ فلم أبعد أن وافانى الخبر بأن
الكافرالقرمطيّ أنفذ النعمان ابن أخى إسماعيل بن النعمان أحد دعاته فى ثلاثة آلاف
فارس، وخلْق من الرّجّالة ، وإنه نزل بموضع يعرف بتمنع ، بينه وبين حماة
اثنا عشر ميلاً ، فاجتمع إليه جميع مَنْ كان بمعرّة النعمان وبناحية الفصيصى"
وسائر النواحى من الفرسان والرّجّالة، فأسررت ذلك عن القوّاد والناس جميعاً
ولم أظهره ، وسألتُ الدّليلِ الذى كان معى عن هذا الموضع ، وكم بيننا وبينه،
فذكر أنه ستة أميال ، فتوكلّت على اللّه عزّ وجلّ ، وتقدّمت إليه فى المسير
نحوه ، فمال بالناس جميعًا ، وسرنا حتى وافيتُ الكفرة ، فوجدتهم على تعبئة ،
ورأينا طلائعهم . فلمّا نظروا إلينا مقبلين زحفوا نحونا، وسرنا إليهم، فافترقوا
ستّة كراديس ، وجعلوا على ميسرتهم - على ما أخبرنى من ظفرتُ به من
رؤسائهم - مسروراً العُليصىّ وأبا الحمل وغلام هارون العُليصىّ، وأبا
(١) قال فى اللسان: ((مجمح بى يمجمج؛ إذا ذهب بك فى الكلام مذهباً غير الاستقامة وردك
من حال إلى حال )).

١١٠
:
سنة ٢٩١
العذاب ورجاء وصافى وأبا يعلى العلوىّ، فى ألف وخمسمائة فارس ، وكمنوا
كميناً فى أربعمائة فارس خلْف ميسرتهم بإزاء ميمنتنا ، وجعلوا فى القلب النعمان
٢٢٤٠/٣ العُليصيّ والمعروف بأبى الحَطّى، والحمارىّ وجماعة من بطلانهم فى ألف
وأربعمائة فارس وثلاثة آلاف راجل ، وفى ميمنتهم كليبًا العليصىّ والمعروف
بالسديد العليصىّ والحسين بن العليصى وأبا الجراح العليصى وحميد العليصىّ ،
وجماعة من نظرائهم فى ألف وأربعمائة فارس ، وكمنوا مائتى فارس ؛ فلم يزالوا
زِفًّا إلينا ونحن نسير نحوهم غير متفرّقين، متوكلّين على الله عزّ وجل .
وقد استحثثتُ الأولياء والغلمان وسائر الناس غيرهم ، ووعدتهم . فلما رأى .
بعضنا بعضًا حمل الكردوس الذى كان فى ميسرتهم ضربًا بالسياط، فقصد
الحسين بن حمدان ، وهو فى جناح الميمنة ، فاستقبلهم الحسين - بارك
اللّه عليه وأحسن جزاءه - بوجهه وبموضعه من سائر أصحابه برماحهم ،
فكسروها فى صدورهم ، فانفلّوا عنهم ، وعاود القرامطة الحمل عليهم ، فأخذوا
السيوف، واعترضوا ضربًا للوجوه، فصُّرِع من الكفار الفجرة ستمائة فرس (١)
فى أوّل وقعة، وأخذ أصحاب الحسين خمسمائة فرس وأربعمائة طوْق فضة، وولّوْا
مدبرين مفلولين ، واتّبعهم الحسين ، فرجعوا عليه، فلم يزالوا حملة وحملة ، وفى
خلال ذلك يصرع منهم الجماعة بعد الجماعة ؛ حتى أفناهم الله عزّ وجلّ ،
فلم يفلت منهم إلاّ أقل من مائتى رجل .
وحمل الكردوس الذى كان فى ميمنتهم على القاسم بن سيما ويُمْن الخادم
٢٢٤١/٣ ومَنْ كان معهما من بنى شيبان وبنى تميم، فاستقبلوهم بالرّماح حتى كسرُوها(٢)
فيهم ؛ واعتنق بعضُهم بعضاً، فقتل من الفجرة جماعةٌ كثيرة ، وحمل عليهم
فى وقت حملتهم خليفة بن المبارك ولؤلؤ، وكنت قد جعلته جناحًا لخليفة فى
ثلثمائة فارس ، وجميع أصحاب خليفة ؛ وهم يعاركون بنى شيبان وتميم، فقتل
من الكفرة مقتلة عظيمة ، واتبعوهم ، فأخذ بنو شيبان منهم ثلثمائة فرس
ومائة طوْق، وأخذ أصحاب خليفة مثلَ ذلك ؛ وزحف النعمان ومَنْ معه
فى القَلْب إلينا، فحملتُ ومَنْ معى ، وكنت بين القلب والميمنة ، وحمل خاقان
(١) س: ((فارس)).
(٢) ب: ((وكسروها)).

١١١
سنة ٢٩١
ونصر القشورىّ ومحمد بن كُمُشجُورومَنْ كان معهم فى الميمنة ، ووصيف
مُوشكير ومحمد بن إسحاق بن كُنْداجيق وابنا كَيْغلَغ والمبارك القمّى وربيعة بن
محمد ومهاجر بن طليق والمظفر بن حاج وعبد الله بن حمدان وحىّ الكبير
ووصيف البكتمرىّ وبشر البكتمرىّ ومحمد بن قَرَاطُغان.
وكان فى جناح الميمنة جميعُ من حمل على مَنْ فى القلب ومَن انقطع ممّن
كان حمل على الحسين بن حمدان ، فلم يزالوا يقتلون الكفار فرسانهم ورجالتهم
حتى قُتلوا أكثر من خمسة أميال . ولما أن تجاوزتُ المصافّ بنصف
ميل خفتُ أن يكون من الكفار مكيدة فى الاحتيال على الرّجالة والسواد،
فوقفتُ إلى أن لحقونى. وجمعتهم وجمعت الناس، إلىّ وبين يدى المطرد المبارك ،
مطرد أمير المؤمنين، وقد حملت فى الوقت الأول ، وحمل الناس. ولم يزل عيسى
النوشرى ضابطًا للسواد من مصافّ(١) خلفهم مع فرسانه ورجّالته على
ما رسمتُه له ، لم يَزُل من موضعه إلى أن رجع الناس جميعًا إلىّ من كلّ موضع ،
وضربت مضربى فى الموضع الذى وقفت فيه ؛ حتى نزل الناس جميعًا ، ولم أزل
واقفاً إلى أن صلّيتُ المغربَ ، حتى استقرّ العسكر بأهلِهِ، ووجَّهت فى الطلائع
ثم نزلت ؛ وأكثرت حمد الله على ما هنّأنا به من النصر ، ولم يُبق أحد من قوّاد
أمير المؤمنين وغلمانه ولا العجم وغيرهم غاية فى نصر هذه الدولة المباركة فى
المناصحة لها إلاّ بلغوها ؛ بارك الله عليهم جميعًا !
٢٢٤٢/٣
ولمّا استراح الناس خرجت والقوّاد جميعًا لنقيم خارج العسكر إلى أن يصبح
الناس خوفًا من حيلة تقع ، وأسأل الله تمام النعمة وإيزاع الشكر؛ وأنا - أعزّالله
سيدنا الوزير - راحل إلى حماة، ثم أشخص إلى سلمية بمن اللّه تعالى وعونه ،
فمن بقىّ من هؤلاء الكفار مع الكافر فهم بسلمية؛ فإنه قد صار إليها منذ
ثلاثة أيام ، وأحتاج إلى أن يتقدم الوزير بالكتاب إلى جميع القوّاد وسائر بطون
العرب من بنى شَيْبان وتغلب وبنى تميم، يجزيهم جميعًا الخير على ما كان
فى هذه الوقعة ؛ فما بقی أُحد منهم ۔۔ صغیر ولا کبیر-غاية، والحمد لله على
ما تفضّل به، وإياه أسأل تمام النعمة ،
(١) س: ((فى مضاف)).

١١٢
سنة ٢٩١
ولما تقدّمت فى جمع الرءوس، وُجِد رأس أبى الحمل ورأس أبى العذاب
٢٢٤٣/٣ وأبى البغل . وقيل إن النعمان قد قُتِل؛ وقد تقدّمت فى طلبه ، وأخذ رأسه
وحمله(١) مع الرءوس إلى حضرة أمير المؤمنين إن شاء الله.
وفى يوم الاثنين الأربع بقين من المحرّم، أدخِل صاحب الشامة إلى الرّقة
ظاهراً للناس على فالج ، علیه برنس حریر ودرّاعة ديباج، وبین یدیه المدّر
والمطوّق على جملين .
ثم إن المكتفى خلّف عساكره مع محمد بن سليمان، وشخص فى خاصّته
وغلمانه وخدمه ، وشخص معه القاسم بن عبيد اللّه من الرّقة إلى بغداد،
وحمل معه القرمطىّ والمدثّر والمطوّق وجماعة من أسارى (٢) الوقعة، وذلك فى أول
صفر من هذه السنة .
فلما صار إلى بغداد عزم - فيما ذكر - على أن يدخل القرمطيَّ مدينة
السلام مصلوبًا على دَقَل ، والدّقل على ظهر فيل؛ فأمر بهدم طاقات الأبواب
التى يجتاز بها الفيل ، إن كانت أقصر من الدَّقل ؛ وذلك مثل باب الطاق
وباب الرّصافة وغيرهما.
ثم استسمج المكتفى - فيما ذكر - فعل ما كان عزم عليه من ذاك ، فعمل
له دميانة- غلام يا زمان- كرسيًّا، وركّب الكرسىّ على ظهر الفيل، وكان ارتفاعه
عن ظهر الفيل ذراعيْن ونصف ذراع - فيما قيل -ودخل المكتفى مدينة السلام
بغداد صبيحة يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، وقُدّم الأسرى بين
يديه على جمال مقيّدين، عليهم دراريع حرير وبرانس حرير، والمطوّق فى
وسطهم، غلام ما خرجتْ لحيته، قد جُعل فى فيه خشبة مخروطة، وشُدّت
٢٢٤٤/٣ إلى قفاه كهيئة اللجام، وذلك أنه لما أدخِل الرّقة كان يشتم الناس إذا دعوا
عليه ، ويبزق عليهم، فَفُعل ذلك به لئلا يشتم إنسانًا .
ثم أمر المكتفى ببناء دكّة فى المصلّى العتيق من الجانب الشرقىّ، تكسيرها
عشرون ذراعاً فى عشرين ذراعًا، وارتفاعها نحو من عشرة أذرُع، وبِىَ
(١) ب: ((ويحمله)).
(٢) س: ((أسرى)).

١١٣
سنة ٢٩١
لها درج يصعد منها إليها . وكان المكتفى خلّف مع محمد بن سليمان عساكره
بالرّقة عند منصَرفه إلى مدينة السلام، فتلقّط محمد بن سليمان مَنْ كان فى
تلك الناحية من قُوّاد القرمطيّ وقضاته وأصحاب شُرَّطه، فأخذهم وقيّدهم،
وانحدر والقوّاد الذين تخلّقوا معه إلى مدينة السلام على طريق الفرات، فوافى
باب الأنبار ليلة الخميس لاثنتى عشرة خلت من شهر ربيع الأول، ومعه
جماعة من القوّاد، منهم خاقان المفلحىّ ومحمد بن إسحاق بن كنداجيق وغيرهما:
فأمر القوّاد الذين ببغداد بتاقِى محمد بن سليمان والدخول معه ، فدخل بغداد
وبين يديه نيّف وسبعون أسيراً، حتى صار إلى الثريّا، فخُلع عليه، وطُوّق
بطوق من ذهب وسُوّر بسواريْن من ذهب ، وخُلِع على جميع القوّاد القادمين
معه، وطُوّقوا وسُوّروا وصُرفوا إلى منازلهم، وأمر بالأسرى إلى السجن .
وذكر عن صاحب الشامة أنه أخذَ وهو فى حبس المكتفى سكرّجة من
المائدة التى تدخل إليه فكسرها ، وأخذ شظيّة منها فقطع بها بعض عروق
نفسه ، فخرج منه دم كثير ، ثم شَدّ يده . فلما وقف المولّ خدمته على
ذلك سأله : لمَ فعل ذلك ؟ فقال: هاج بى (١) الدم فأخرجته. فترك
حتى صلح ، ورجعت إليه قوّته .
ولما كان يوم الاثنين لسبع بقين من شهر ربيع الأوّل أمر المكتفى القوّاد
والغلمان بحضور الدّكة التى أمر ببنائها ، وخرج من الناس خلقٌ كثير
لحضورها ، فحضروها، وحضر أحمد بن محمد الواثِقِىّ وهو يومئذ يلى الشرطة
بمدينة السلام ومحمد بن سليمان كاتب الجيش الدّكة ، فقعدا عليها، وحميل
الأسرى (٢) الذين جاء بهِم المكتفى معه من الرَّقة والذين جاء بهم محمد بن سليمان
ومَنْ كان فى السجن من القرامطة الذين جُمعوا من الكوفة، وقومٌ من أهل
بغداد كانوا على رأى القرامطة، وقومٌ من الرّفوغ من سائر البلدان من غير
القرامطة - وكانوا قليلا - فجىء بهم على جمال، وأحضِروا الدّكة ، ووقفوا
على جمالهم، ووكِّل بكلّ رجل منهم عونان ، فقيل : إنهم كانوا ثلثمائة ونیقًا
وعشرين ، وقيل ثلثمائة وستين ، وجىء بالقرمطىّ الحسين بن زكرويه المعروف
٢٢٤٥/٣
(١) س: ((فى الدم)).
(٢) س: ((الأسرى)).

١١٤
سنة ٢٩١
بصاحب الشامة ؛ ومعه ابن عمه المعروف بالمدّثر على بغل فى عماريّة ، وقد
أسبل عليهما الغشاء ، ومعهما جماعة من الفرسان والرّجّالة، فصعد بهما إلى
الدكة وأقعدا ، وقدّم أربعة وثلاثون إنسانا من هؤلاء الأسارى، فقُطعت
أيديهم وأرجلهم، وضُربت أعناقهم واحداً بعد وأحد، كان يُؤخذ الرجل فيبطح
على وجهه فيقطع يمنى يديه ، ويحلّق بها إلى أسفل ليراها الناس، ثم تُقطع
رجله اليسرى، ثم يسرى يديه ، ثم يمنى رجليه، ويُرمى بما قطع منه إلى أسفل ،
ثم يقعد فيمدّ رأسه، فيضرب عنقه، ويرمى برأسه وجئته إلى أسفل. وكانت
جماعة من هؤلاء الأسرى قليلة يضجّون ويستغيثون ، ويحلفون أنهم ليسوا من
القرامطة .
٢٢٤٦/٣
فلما فُرِغ من قتل هؤلاء الأربعة والثلاثين النفس - وكانوا من وجوه
أصحاب القرمطيّفيما ذكر-وكبرائهم قُدّم المدّتر، فقطعت يداه ورجلاه وضربت
عنقه ، ثم قدّم القرمطىّ فضُرِب مائتى سوط ، ثم قطعت يداه ورجلاه ،
وكوِىَ فغُشِىّ عليه، ثم أخذ خشب فأضرمت فيه النار، ووُضع فى خواصرِهِ
وبطنه، فجعل يفتح عينيه ثم يغمضهما؛ فلما خافوا أن يموت ضربت عنقه،
ورُفع رأسه على خشبة ، وكبّر مَن على الدكة وكبّر سائر الناس. فلما قُتِل
انصرف القوّاد ومَنْ كان حضر ذلك الموضع للنظر إلى ما يُفعل بالقرمطىّ.
وأقام الواثقى فى جماعة من أصحابه فى ذلك الموضع إلى وقت العشاء الآخرة ، حتى
ضُرب أعناق باقى الأسرى الذين أحضروا الدّكة ؛ ثم انصرف .
فلما كان من غد هذا اليوم حُملت رءوس القتلى من المصلّى إلى الجسر ،
وصُلِب بَدَن القرمطيّ فى طرف الجسر الأعلى ببغداد، وحفرت لأجساد القتلى
فى يوم الأربعاء آبار إلى جانب الدّكة، وطُرحت فيها وطُمّت، ثم أمِر بعد
أيام بهدم الدكة ففعل .
ولأربع عشرة خلتْ من شهر ربيع الآخر وافى بغداد القاسم بن سيما(١)
منصرفًا عن عمله بطريق الفرات ، ومعه رجلٌّمن بنى العُلَيص من أصحاب
القرمطيّ صاحب الشامة؛ دخل (٢) إليه بأمان، وكان أحد دعاة القرمطيّ،
٢٢٤٧/٣
(١) س: ((عبيد اللّه)).
(٢) س: ((ودخل)).

...... ١
١١٥
سنة ٢٩١
يكنى أبا محمد . وكان سبب دخوله فى الأمان أنّ السلطان راسله ، ووعده
الإحسان إن هو دخل فى الأمان ؛ وذلك أنه لم يكن بقى من رؤساء
القرامطة بنواحى الشأم غيره ، وكان من موالى بنى العليص ، فرّ وقتَ الوقعة إلى
بعض النواحى الغامضة ، فأفلت . ثم رغب فى الدّخول فى الأمان والطاعة خوفًا
على نفسه، فوافى هو ومَنْ معه مدينة السلام، وهم نَيّفٌ وستون رجلا ،
فأومنوا وأحسن إليهم، ووُصِلوا بمال حمِل إليهم، وأخرج هو ومَنْ معه
إلى رَحبة مالك بن طَوْق مع القاسم بن سيما، وأجريت لهم الأرزاق، فلماوصل
القاسم بن سيما إلى عمله وهم معه، أقاموا معه مدّة، ثم أجمعوا على الغدر بالقاسم بن
سيما، وذاتمروا به، ووقف على ذلك من عزمهم ، فبادرهم ووضع السيف فيهم
فأبارهم ، وأسر جماعة منهم ، فارتدع مَنْ بقى من بنى العليص ومواليهم ،
وذلّوا، ولزموا أرض السَّارة وناحيتها مدة حتى راسلهم الخبيث زكرويه ، وأعلمهم
أنّ مما أوحى إليه، أن المعروف بالشيخ وأخاه يُقتلان، وأن إمامَه الذى يوحَى
إليه يظهر بعدهما ويظفر .
#
*
وفى يوم الخميس لتسع خلون من جمادى الأولى زوّج المكتفى ابنه محمّداً ٢٢٤٨/٣
ويكنى أبا أحمد بابنة أبى الحسين القاسم بن عبيد الله على صداقٍ مائة ألف
دينار .
وفى آخر جمادى الأولى من هذه السنة ورد - فما ذكر - كتاب من ناحية
جُبَّى ، يذكر فيه أن جُبّ وما يليها جاءها سيل فى وادٍ من الجبل ، فغرّق نحواً
من ثلاثين فرسخًا، غرق فى ذلك خلقٌ كثير، وغرقت المواشى والغَلاّت،
وخرجت المنازل والقُرى، وأخرج من الغرقى ألف ومائتا نفس ، سوى من لم
يلحق منهم .
وفى يوم الأحد غرّة رجب خلَع المكتفى على محمد بن سليمان كاتب
الجيش وعلى جماعة من وجوه القوّاد ، منهم محمد بن إسحاق بن كتُنداجيق ،
وخليفة بن المبارك المعروف بأبى الأغرّ وابنا كيغلغ ، وبندقة بن كُمُشجور
وغيرهم من القوّاد ، وأمرهم بالسمع والطاعة لمحمد بن سلمان ، وخرج محمد بن

١١٦
سنة ٢٩١
سليمان والخِلَعَ عليه حتى نزل مضربه بباب الشماسيّة، وعسكر هنالك ، وعسكر
معه جماعة القوّاد الذين أخرجوا وبرزوا ، وكان خروجهم ذلك قاصدين
لدمشق (١) ومصر لقبض الأعمال من هارون بن خمارويه؛ لِما تبيّن للسلطان
من ضعفه وضعف مَنْ معه وذهاب رجاله بقتل مَنْ قتل منهم القرمطىّ .
٢٢٤٩/٣ ثم رحل لستّ خلون من رجب محمد بن سليمان من باب الشماسيّة ومن ضمّ
إليه من الرجال ، وهم زهاء عشرة آلاف رجل، وأمر بالجدّ فى المسير.
ولثلاث بقين من رجب قرئ فى الجامعين بمدينة السلام كتابٌ ورد من
إسماعيل بن أحمد من خراسان ، يذكر فيه أنّ الترك قصدوا المسلمين فى جيش
عظيم وخلق كثير، وأنه كان فى عسكرهم سبعمائة قبّة تركيّة، ولا يكون
ذلك إلاّ للرؤساء منهم ، فوُجّه إليه برجل من قُوّاده فى جيش ضمّه إليه ،
ونودى فى الناس بالنّفير ، فخرج من المطّوّعة ناس كثير ، ومضى صاحب
العسكر نحو الترك بمَنْ معه، فوافاهم المسلمون وهم غارَّون ، فكبسوهم مع
الصّبح ، فقُتِل منهم خلق كثير ، وانهزم الباقون ، واستبيح عسكرهم ،
وانصرف المسلمون إلى موضعهم سالمين غانمين .
وفى شعبان منها ورد الخبر أنّ صاحب الروم وجّه عشرة صلبان معها
مائة ألف رجل إلى الثّغور ، وأن جماعة منهم قصدت نحو الحدث ، فأغاروا
وسَبَعَوْا مَنْ قدروا عليه من المسلمين ، وأحرقوا.
وفى شهر رمضان منها ورد كتاب من القاسم بن سيما من الرّحبة على السلطان .
يذكر فيه أن الأعراب الذين استأمنوا إلى السلطان وإليه من بنى العُليص ومواليهم
ممنّ كان مع القرمطىّ نكثوا وغدروا، وأنهم عزموا على أن يكبسوا الرّحبة فى يوم
الفطر ، عند اشتغال الناس بصلاة العيد، فيقتلوا مَنْ يلحقون ، وأن يحرقوا
وينهبوا ، وإنى أوقعت عليهم الحيلة حتى قتلت منهم وأسرت خمسين ومائة
نفس، سوى من غرق منهم فى الفرات، وإنى قادم بالأسرى وفيهم جماعة من
رؤسائهم وبرءوس مَنْ قتل منهم.
٢٢٥٠/٣
وفى آخرشهر رمضان من هذه السنة ورد كتاب من أبى معدان من الرّقة - فيما
(١) س: ((إلى دمشق)).

١١٧
سنة ٢٩١
قيل - باتصال الأخبار به من طَرَسوس أنّ اللّه أظهر المعروف بغلام زرافة
فى غزاة غزاها الرّوم فى هذا الوقت بمدينة تدعى أنطالية ، وزعموا أنها تعادل
قسطنطينيّة ، وهذه المدينة على ساحل البحر ، وأن غلام زرافة فتّحها
بالسيف عنوة ، وقتل - فيما قيل - خمسة آلاف رجل ، وأسر شبيهاً
بعدّتهم ، واستنقذ من الأسارى أربعة آلاف إنسان . وأنه أخذ للروم ستين
مركبًا، فحمّلها ما غنم من الفضة والذهب والمتاع والرقيق ، وأنه قدّر نصيب
كلّ رجل حضر هذه الغزاة، فكان ألف دينار. فاستبشر المسلمون بذلك. وبادرتُ
بکتابی هذا ليقف الوزير على ذلك .
وكتب يوم الخميس لعشر خلون من شهر رمضان .
*
وأقام الحجّ للناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس
ابن محمد .
مے
'؟

١١٨
٢٢٥١/٣
ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائتين
ذكرما كان فيها من الأحداث الجليلة
فمن ذلك ما كان من توجيه نزار بن محمد من البصرة إلى السلطان ببغداد
رجلاً ذكر أنه أراد الخروج على السلطان ، وصار إلى واسط ، وأن نزاراً وجنّه
فى طلبه مَنْ قبض عليه بواسط، وأحدره إلى البصرة ، وأنه أخذ بالبصرة
قومًا ، ذكر أنهم بايعوه . فوجته نزار جميعهم فى سفينة إلى بغداد ، فوقفوا
فى فُرْضة البصريّين، ووجّه جماعة من القواد إلى فرضة البصريين ، فحمل هذا
الرجل على الفالج ، وبين يديه ابن له صبيّ على جمل ، ومعه تسعة وثلاثون
إنسانًا على جمال، وعلى جماعتهم برانس الحرير ودراريع الحرير ، وأكثرهم
يستغيث ويبكى، ويحلف أنه برىء، وأنه لا يعرف مما ادّعى عليه شيئًا، وجازوا
بهم فى التمارين وباب الكرخ والخلد حتى وصلوا إلى دارالمكتفى ، فأمر بردّ هم،
وحبسهم فى السجن المعروف بالجديد .
وفى المحرّم منها أغار أنْدُ رونقس الرومىّ على مسَرْعَش ونواحيها، فنفر أهل
المصّصة وأهل طَرَسوس ، فأصيب أبو الرّجال بن أبى بكار فى جماعة
من المسلمين .
وفى المحرّم منها صار محمد بن سليمان إلى حدود مصر لحرب هارون بن
٢٢٥٢/٣ خمارويه، ووجّه المكتفى دميانة غلام يا زمان من بغداد، وأمره بركوب البحر
والمضىّ إلى مصر ودخول النيل، وقطع الموادّ عمّن بمصر(١) من الجند، فمضى
ودخل النيل حتى وصل إلى الجسر ، فأقام به ، وضيّق عليهم . وزحف إليهم
محمد بن سليمان فى الجيوش على الظهر حتى دنا من الفسطاط ، وكاتب القوّاد
الذين بها، فكان أوّل مَنْ خرج إليه بدر الحمامىّ .- وكان رئيس القوم -
فكسرهم ذلك ، ثم تتابع مَنْ يستأمن إليه من قوّاد المصريّين وغيرهم ؛ فلما
رأى ذلك هارون وبقية مَنْ معه ، زحفوا إلى محمد بن سليمان ، فكانت بينهم
(١) س: ((عن مصر).

١١٩
سنة ٢٩٢
وَقَعات - فيما ذكر - ثم وقع بين أصحاب هارون فى بعض الأيام عصبيّة
فاقتتلوا، فخرج هارون ليُسكنتهم، فرماه بعض المغاربة بزانة فقتله .
وبلغ محمد بن سليمان الخبرُ ، فدخل هو ومَنْ معه الفسطاط ، واحتوى على
دور آل طولون وأسبابهم ، وأخذهم جميعًا وهم بضعة عشر رجلا، فقيّدهم
وحبسهم ، واستصفتى أموالهم ، وكتب بالفتح ، وكانت الوقعة فى صفر من هذه
السنة .
وكتب إلى محمد بن سليمان فى إشخاص جميع آل طولون وأسبابهنم من
القوّاد ، وألا يترك أحداً منهم بمصر ولا بالشأم(١)، وأن يبعث بهم إلى بغداد.
ففعل ذلك .
ولثلاث خلوْن من شهر ربيع الأول منها سقط الحائط الذى على رأس
الجسر الأول من الجانب الشرقى من الدار التى كانت لعبيد اللّه بن عبد الله بن
طاهر على الحسين بن زكرويه القرمطيّ ، وهو مصلوب بقرب ذلك الحائط ،
فطحنه، فلم يُوجد بعد منه شىءٍ (٢) .
٢٢٥٣/٣
وفى شهر رمضان منها ورد الخبر على السلطان بأنّ قائداً من قوّاد المصريّين
يُعرف بالخليجىّ ، يسمى إبراهيم، تخلّف عن محمد بن سليمان فى آخر حُدود
مصر مع جماعة استمالهم من الجند وغيرهم ، ومضى إلى مصر مخالفًا للسلطان ،
وصار معه فى طريقه جماعة تحبّ الفتنة ، حتى كثر جمعه . فلما صار إلى مصر
أراد عيسى النُّوشرىّ محاربته، وكان عيسى النُّوشرىّ العامل على المعونة بها
يومئذ ، فعجز عن ذلك لكثرة من مع الخليجىّ ، فانحاز عنه إلى الإسكندرية
وأخلَى مصر فدخلها الخليجىّ .
وفيها ندب السلطان لمحاربة الخليجىّ وإصلاح أمر المغرب فاتكاً مولى
المعتضد، وضمّ إليه بدراً الحمامىّ، وجعله مشيراً عليه فيما يعمل به، وضم إليه جماعة
من القوّاد وجنداً كثيراً .
ولسبع خلون من شوال منها خلع على فاتك وبدر الحمامىّ لِمنا ندبا إليه من
(١) س: ((ولا السام)).
(٢) س: ((منه بعد ذلك)).

١٢٠
سنة ٢٩٢
٢٢٥٤/٣ الخروج إلى مصر، وأمرا بسرعة الخروج .. ثم شخص فاتك وبدر الحمامىّ
لاثنتى عشرة خلت من شوال .
والنصف من شوّال منها دخل مدينة طَرَسُوس رستم بن بردوا واليًا عليها
وعلى الثغور الشأمية .
وفيها كان الفداء بين المسلمين والرّوم ، وأوّل يوم من ذلك كان لستّ بقين
من ذى القعدة منها، فكان جملة مَنْ فُودى به من المسلمين - فيما قيل -
ألفًا ونحواً من مائتى نفس . ثم غدر الرُّوم ، فانصرفوا، ورجع المسلمون بمن بقى
معهم من أسارى الروم، فكان عهد الفداء والهدنة من أبى العشائر والقاضى ابن
مكرم؛ فلما كان من أمر أنْدُرُ ونقس ما كان من غارته على أهل مَرْعش وقتله
أبا الرّجال وغيره، عزل أبو العشائر وولّىَ رستم ، فكان الفداء على يديه ، وكان
المتولِى أمر الفداء من قبل الروم رجلٌ يدعى أسطانه .
وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس
ابن محمد .