Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سنة ٢٨٢ :
من شهر ربيع الأول .
وفيها شخص المعتضد إلى الجبل، فبلغ الكرَج، وأخذ أموالا لابن أبى دُلف
وكتب إلى عمر بن عبد العزيز بن أبى ◌ُدُلف يطلب منه جوهراً كان عنده ،
فوجه به إليه ، وتنحی من بين يديه .
وفيها أطلِقٍ لؤلؤ غلام ابن طولون بعد خروج المعتضد ، وحُمِل على
دوابٌ وبغال .
وفيها وجِّهَ يوسف بن أبى الساج إلى الصَّيْمرة مدداً لفتح القلانسىّ ، فهرب
يوسف بن أبى الساج بمَنْ أطاعه إلى أخيه محمد بالمراغة ، ولقى مالاً للسلطان
فى طريقه فأخذه، فقال فى ذلك عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
بلا سبب يُجفَوْنَ والدهْرُ يَذهبُ
إِمامَ الهدى أَنصارُ كم آلُ طاهرٍ
وغيرُهُمُ يُعطَى ويُحبَى ويَهرُبُ
وقد خَلطوا صَبرًا بشُكر ورابطوا
وفيها وُجِّه المعتضد الوزير عبيدالله بن سليمان إلى الرىّ إلى أبى محمد ابنه. ٢١٤٧/٣
٠
وفيها وجّه محمد بن زيد العدوىّ من طَبَرِستان إلى محمد بن ورد العطار
باثنين وثلاثين ألف دينار، ليفرّقها على أهله ببغداد والكوفة ؛ ومكة والمدينة ،
فسُعِى بِهِ، فأحضر دار بدر، وسُئل عن ذلك، فذكر أن يوجّه إليه فى كلّ
سنة بمثل هذا المال، فيفرّقه على مَنْ يأمره بالتّفرقة عليه من أهله . فأعلم بدر
المعتضد ذلك ، وأعلمه أن الرجل فى يديه والمال ، واستطلع رأيه وما يأمر به .
فذكر عن أبى عبد الله الحسنىّ أنّ المعتضد قال لبدر: يا بدر، أما تذكر
الرؤيا التى خبرّتك بها ؟ فقال : لا يا أمير المؤمنين ، فقال : ألا تذكر أنّى
حدّثتك أنّ الناصر دعانى، فقال لى: اعلم أنّ هذا الأمر سيصير إليك ،
فانظر كيف تكون مع آل علىّ بن أبى طالب! ثم قال : رأيتُ فى النوم
كأنى خارج من بغداد أريد ناحية النهروان فى جيشى ، وقد تشوّف الناس
إلىّ ، إذ مررتُ برجل واقف على تلّ یصلى، لا يلتفت إلى ، فعجبت منه ومن
قلة اكتراثه بعسكرى ، مع تشوّف الناس إلى العسكر، فأقبلتُ إليه حتى

٤٢
سنة ٢٨٢
وقفت بين يديه ، فلما فرغ من صلاته قال لى : أقبل، فأقبلتُ إليه ، فقال :
أتعرفنى ؟ قلت : لا ، قال : أنا علىّ بن أبى طالب ؛ خذ هذه المِسْحاة ،
فاضرب بها الأرض- لمسحاة بين يديه - فأخذتها فضربت بها ضربات ،
فقال لى : إنه سيلى من ولدك هذا الأمر بقدر ما ضربت بها ، فأوصهم بولدی
٢١٤٨/٣ خيراً. قال بدر: فقلت: بلى يا أمير المؤمنين؛ قد ذكرت . قال: فأطلق
المال ، وأطلق الرجل وتقدّم(١) إليه أن يكتب إلى صاحبه بطبرستان أن يوجه
ما يوجه به إليه ظاهراً، وأن يفرّق محمد بن ورد ما يفرّقه ظاهراً، وتقدّم بمعونة
محمد على ما يريد من ذلك .
وفى شعبان لإحدى عشرة بقيتْ منها ، تُوُفِّىَ أبو طلحة منصور بن مسلم
فى حبس المعتضد .
وفيها لثمان خلوْن من شهر رمضان منها، وافتى عبيد الله بن سليمان الوزير
بغداد قادمًا من الرّىّ ، فخلع عليه المعتضد .
ولثمان بقين من شهر رمضان منها، ولدت ناعم جارية أم القاسم بنت محمد
ابن عبد الله للمعتضد ابنا سماه جعفراً، فسمّىَ المعتضد هذه الجارية شغب.
وفيها قدم إبراهيم ابن أحمد الماذ رائىّ لاثنتى عشرة بقيت من ذى الحجة من
دمشق على طريق البرّ، فوا فى بغداد فى أحد عشر يومًا، فأخبر المعتضد أن
خمارويه بن أحمد ذبح على فراشه، ذبحه بعض خدمه من الخاصّة ، وقيل :
إن قتله كان لثلاث خلون من ذى الحجة . وقيل إن إبراهيم وافى بغداد من
دمشق فى سبعة أيام ، وقُتِل من خدمه الذّين اتّهموا بقتله نيِّفٌ وعشرون
خادماً.
وكان المعتضد بعث مع ابن الجصّاص إلى خمارويه بهدايا، وأودعه إليه
٢١٤٩/٣ رسالة، فشخص ابن الجصاص لما وجِّه له، فلما بلغ سامرًا بلغ المعتضد مهلِك
خمارويه، فكتب إليه يأمره بالرجوع إليه فرجع، ودخل بغداد لسبع بقين من
ذى الحجة .
(١) س: ((واكتب)).

٤٣
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
#
[ خبر هارون الشارى والظفر به ]
فمن ذلك ما كان من شخوص المعتضد لثلاث عشرة بقيتْ من المحرم منها-
بسبب الشارى هارون إلى ناحية الموصل، فظفربه؛ ووَرَد كتابُ المعتضد بظفره
به إلى مدينة السلام يوم الثلاثاء لتسع خَلَوْن من شهر ربيع الأول . وكان
سبب ظفره به أنه وجّه الحسين بن حمدان بن حمدون فى جماعة من الفُرسان
والرّجّالة من أهل بيته وغيرهم من أصحابه إليه؛ وذُكر أن الحسين بن حمدان
قال للمعتضد : إن أنا جئت به إلى أمير المؤمنين فلى ثلاث حوائج إلى أمير
المؤمنين ، فقال : اذكرها ، قال : أولها إطلاق أبِى ، وحاجتان أسأله إياهما
بعد مجيء به إليه . فقال له المعتضد: لك ذلك فامض، فقال الحسين: أحتاج
إلى ثلاثمائة فارس أنتخبُهم ، فوجه المعتضد معه ثلاثمائة فارس مع موشکیر ،
فقال: أريد أن يأمره أمير المؤمنين ألاّ يخالفنى فيما آمره به ، فأمر المعتضد
موشْكير بذلك .
فضى الحسين حتى انتهى إلى مخاضة دجلة، فتقدّم إلى وصيف ومَنْ
معه بالوقوف على المخاضة، وقال له: ليس لهارون طريق إن هرب غيرُ هذا، ٢٢٠٠/٣
فلا تبرحنّ من هذا الموضع حتى يمرّ بك هارون؛ فتمنّعه العبور، وأجيئك أنا،
أو يبلغك أنى قد قُتلت . ومضى حسين فى طلب هارون فلقيه وواقعه ،
وكانت بينهما قتلى ، وانهزم الشارى هارون ، وأقام وصيفٌ على المخاضة
ثلاثة أيام ، فقال له أصحابه : قد طال مقامُنا بهذا المكان القَفْر ، وقد
أضرّ ذلك بنا ، ولسنا نأمن أن يأخذ حسين الشارىَ فيكونَ الفتح له دوننا ؛
والصواب أن نمضىَ فى آثارهم . فأطاعهم ومضى. وجاء هارون الشارى منهزما
إلى موضع المخاضة، فعبر ، وجاء حسين فى أثره، فلم يرَ وصيفاً وأصحابه بالموضع
الذى تركهم فيه ، ولا عرف لهارون خبراً ، ولا رأى له أثراً ، وجعل يسأل عن

٤٤
سنة ٢٨٣
خبر هارون حتى وقف على عبوره ، فعبر فى أثره ، وجاء إلى حىٍّ من أحياء
العرب ، فسألهم عنه فكتموه أمَرَه ، فأراد أن يُوقع بهم ، وأعلمهم أنّ المعتضد
فى أثره ؛ فأعلموه أنه اجتاز بهم ، فأخذ بعض دوابهم ، وترك دوابه عندهم -
وكانت قد كلَّت وأعيت - واتّبع أثره، فلحقه بعد أيام والشارى فى نحو من
مائة ، فناشده الشارى، وتوعّده، فأبى إلاّ محاربته، فحاربه؛ فذكرأن حسين
ابن حمدان رمى بنفسه عليه ، فابتدره أصحاب حسين فأخذوه ، وجاء به إلى
المعتضد سلمًا بغير عَقْد ولا عهْد، فأمر المعتضد بحلّ قيود حمدان بن
حمدون، والتوسعة عليه والإحسان إليه أن يقدم فيطلقه ويخلع عليه ؛ فلما
أسر الشارى، وصار فى يد المعتضد، انصرف راجعًا إلى مدينة السلام ، فوافاها
لثمان بقين من شهر ربيع الأول ، فنزل باب الشماسيّة، وعبّأ الجيش هنالك،
وخلع المعتضد على الحسين بن حمدان ، وطوّقه بطَوْق من ذهب ، وخلع
على جماعة من رؤساء أهله ، وزُيِّن الغيل بثياب الدِّيّاج ، واتُّخذ للشارِىّ
على الفيل كالمحفّة ، وأقعد فيها ، وألبِس درّاعة ديباج ، وجعل على رأسه
برنس حرير طويل .
٢١٥١/٣
#
#
ولعشر بقين من جمادى الأولى منها ، أمر المعتضد بالكتاب إلى جميع
النواحى بردّ الفاضل من سهام المواريث على ذوي الأرحام، وإبطال ديوان المواريث،
وصرف عمّالها؛ فنفذت الكتب بذلك ، وقرئت على المنابر .
وفيها خرج عمرو بن الليث الصفار من نيسابور ، فخالفه رافع بن هرثمة
إليها ، فدخلها وخطيب بها لمحمد بن زيد الطالبىّ وأبيه، فقال: اللهمّ أصلح
الداعى إلى الحق ؛ فرجع عمرو إلى نيسابور ، فعسكر خارج المدينة ، وخندق
على عسكره لعشر خلوْن من شهر ربيع الآخر ، فأقام محاصراً أهل نيسابور .
وفى يوم الاثنين لأربع خَلَوْن من جمادى الآخرة منها، وافى بغداد محمد
ابن إسحاق بن كنداجيق وخاقان المفلحىّ ومحمد بن كُمُشْجُور المعروف بسُندقة
وبدر بن جُفّ أخو طغج وابن حَسَنَج فى جماعة من القواد من مصر فى
الأمان .
وذكر أن سبب مجيئهم إلى المعتضد فى الأمان كان أنهم أرادوا أن يفتكوا
٢١٥٢/٣
:

٤٥
سنة ٢٨٣
يجيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون، فَسُعِىَ بهم إليه ، وكان راكبًا ،
وكانوا فى موكبه ، وعلموا أنه قد وقف على أمرهم ، فخرجوا من يومهم
وسلكوا البرِيّة ، وتركوا أموالهم وأهاليهم ، فتاهوا أيامًا، ومات منهم جماعة من
العطش ، وخرجوا على طريق مكة فوق الكوفة بمرحلتين أو ثلاثة . ووجّه السلطان
محمد بن سليمان صاحب الجيش إلى الكُوفة حتى كتب أسماءهم ، وأقيمت لهم
الوظائف من الكوفة ، فلما قربوا من بغداد، خرجت إليهم الوظائف والحيم
والطعام، ووصلوا إلى المعتضد يوم دخلوا، فخُلع عليهم، وحُمل كلّ قائد منهم
على دابّة بسرجه ولجامه ، وخُلع على الباقين ، وكان عددهم ستين رجلا .
وفى يوم السبت لأربع عشرة بقيت منها شخص الوزير عبيد الله بن سليمان
إلى الجَبَعَل لحرب ابن أبى دلف بأصبهان.
* * *
[ خبر حصر الصقالبة القسطنطينية ]
وفيها - فيما ذكر - ورد كتابٌ من طَرَسُوس أن الصَّقالبة غزت الروم
فى خلق كثير ، فقتلوا منهم وخرّبوا لهم قرّى كثيرة حتى وصلوا إلى قسطنطينية
وألجئوا الرّوم إليها ، وأغلقت أبواب مدينتهم ، ثم وجّه طاغية الروم إلى ملك
الصّقالبة أن ديننا ودينكم واحد ؛ فعلام نقتل الرجال بيننا ! فأجابه ملك الصقالبة
أن هذا ملك آبائى، ولست منصرفًا عنك إلاّ بغلبة أحدنا صاحبه ؛ فلما لمْ
يجد ملك الرّومِ خلاصًا من صاحب الصَّقَالبة، جَمَعَ مَنْ عنده من ٢١٥٣/٣
المسلمين ، فأعطاهم السلاح ، وسألهم معونته على الصّقالبة ، ففعلوا ، وكشفوا
الصقالبة، فلما رأى ذلك ملك الروم خافَهم على نفسه، فبعث إليهم فردّ هم،
وأخذ منهم السلاح ، وفرّقهم فى البلدان ، حذراً من أن يجنواعليه .
[ خلاف جند جيْش بن خمارويه عليه ]
وللنصف من رجب من هذه السنة ورد الخبر من مصر أن الجند من المغاربة
والبر بر وثبوا على جيش بن خمارويه ، وقالوا : لانرضى بك أميراً علنيا فتنحّ
عنا حتى نولَىَ عمَّك، فكلمهم كاتبه علىّ بن أحمد الماذَ رائىّ ، وسألهم أن
ينصرفوا عنه يومهم ذلك ، فانصرفوا، وعادوا من غدٍ، فعدا جيش على عمه
الذی ذکروا أنهم یؤمرونه ، فضرب عنقه وعنق عمّ له آخر ، ورمی بأرؤسهما

٤٦
سنة ٢٨٣
إليهم ، فهجم الجند على جيش بن خمارويه ، فقتلوه وقتلوا أمّه وانتهبوا
داره ، وانتهبوا مصر وأحرقوها ، وأقعدوا هارون بن خمارويه مكان أخيه .
وفى رجب منها أمر المعتضد بكترى 'ُدُجميل والاستقصاء عليه، وقلع
صخر فى فُوّهته كان يمنع الماء، فجُبِىَ لذلك من أرباب الضّياع والإقطاعات
أربعة آلاف دينار، وكسرٌ - فيما ذكر - وأنفِقِ عليه، وولىَ ذلك كاتب
زيرك وخادم من خدم المعتضد .
*
[ ذكر الفداء بين المسلمين والروم ]
وفى شعبان منها ، كان الفداء بين المسلمين والرّوم على يدى أحمد بن
٢١٥٤/٢ طُغان، وذُكر أن الكتاب الوارد بذلك من طَرَسوس كان فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم :
أعلمك أن أحمد بن طغان نادى فى الناس يحضرون الفداء يوم الخميس
لأربع خلون من شعبان سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وأنه قد خرج إلى لامس-
وهو معسكر المسلمين - يوم الجمعة لخمس خلوْن من شعبان ، وأمر الناس
بالخروج معه فى هذا اليوم ، فصلّى الجمعة ، وركب من مسجد الجامع ومعه
راغب ومواليه ، وخرج معه وجوه البلد والموالى والقُوّاد والمطوّعة بأحسن زىّ ،
فلم يزل الناس خارجين إلى لامس إلى يوم الاثنين لثمان خَلَوْن من شعبان ،
فجرى الفداء بين الفريقين اثنى عشر يومًا ؛ وكانت جملة من فُودِىَ به من
المسلمين من الرجال والنساء والصبيان ألفين وخمسمائة وأربعة أنفس ، وأطلق
المسلمون يوم الثلاثاء لسبع بقين من شعبان سميون رسول ملك الروم ، وأطلق
الرّومِ فيه يحيى بن عبد الباقى رسول المسلمين المتوجّه فى الفداء ، وانصرف الأمير
ومَنْ معه .
وخرج - فيما ذكر - أحمد بن طُغان بعد انصرافه من هذا الفداء فى هذا
الشهر فى البحر ، وخلاف دميانة على عمله على طَرَسوس، ثم وجّه بعده يوسف
ابن الباغمردىّ على طَرَسُوس ولم يرجع هو إليها .
٠٠٠
[ ذكر أمر المعتضد مع عمر بن عبد العزيز بن أبى دلف وأخيه بكر]
وفى يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من شهر رمضان من هذه السنة قُرئ كتاب

٤٧
سنة ٢٨٣
على المنبر بمدينة السلام فى مسجد جامعها ؛ بأن عمر بن عبد العزيز بن أبى
دلف صار إلى بدر(١) وعبيد الله بن سليمان(٢) فى الأمان يوم السبت لثلاث بقين ٢١٥٥/٣
من شعبان سامعًا مطيعًا منقاداً لأمير المؤمنين ، مذعنًا بالطاعة والمصير معهما
إلی بابه، وأنّ عبيد الله بن سلمان خرج إليه فتلقاه، وصار به إلى مضرب بدر،
فأخذ عليه وعلى أهل بيته وأصحابه البَيْعة لأمير المؤمنين، وخلع عليه بدر وعلى
الرؤساء من أهل بيته ، وانصرفوا إلى مضرِبٍ قد أعِدّ لهم ، وكان قبل ذلك
قد دخل بكر بن عبد العزيز فى الأمان على بدْر وعبيد الله بن سليمان، فولَّياه
عمل أخيه عمر ، على أن يخرج إليه ويحاربه ، فلما دخل عمر فى الأمان قالا
لبكر : إنّ أخاك قد دخل فى طاعة السلطان؛ وإنما كنا ولَّيناك عمله على أنه
عاصٍ ، والآن فأمير المؤمنين أعلَى عَيْنًا فيما يرى من أمركما ، فامضيا
إلى بابه .
وولىَ عيسى النُّوشرىّ أصبهان، وأظهر أنه من قِبَل عمر بن عبد العزيز،
فهرب بكر بن عبد العزيز فى أصحابه ، فكُتب بذلك إلى المعتضد ، فكتب
إلى بدْر يأمره بالمقام بموضعه إلى أن يعرف خبر بكر وما إليه يصير أمره ؛ فأقام
وخرج الوزير عبيد الله بن سليمان إلى أبى محمد علىّ بن المعتضد بالرَّىّ، ولحق
بكر بن عبد العزيز بن أبى ◌ُدُلف بالأهواز، فوجّه المعتضد فى طلبه وصيفاً
موشکیر ، فخرج من بغداد فى طلبه حتى بلغ حدود فارس ، وقد كان لحقه
- فيما ذكر - ولم يواقعه ، وباتا ؛ كلّ واحد منهما قريب من صاحبه، فارتحل
بكر بالليل (٣) فلم يتبعه وصيف، ومضى بكر إلى أصبهان، ورجع وصيف ٢١٥٦/٣
إلى بغداد ، فكتب المعتضد إلى بدر يأمره بطلب بكْر وعرَبِه ، فتقدّم بدر
إلى عيسى النُّوشرىّ بذلك، فقال بكر بن عبد العزيز :
هيهاتَ أُحْدِثُ زائداً لِلُوَامِ(٤)
عَنَّى مَلاَمُك ليس حين مَلَامٍ
أَوَانٌ شَراسَتى وعُرَامِى
ومصی
طارَتْ غَيَاياتُ (٥) الصِّبا عنْ مَفْرِفِى
(١) بدر غلام المعتضد
(٣) س: ((من الميل))
(٥) ط: ((عنايات)).
(٢) عبيد الله بن سليمان وزير المعتضد
(٤) ابن الأثير: ((أجدب رائد الأيام)).

٤٨
سنة ٢٨٣
أَلْقَى الأَحِبَّةُ بالعراقِ عِصِيَّهُمْ
وتَقَاذَفتْ بأَخِى النوى ورَمَتْ به
وَتَشَعَّبَ العربُ الذين تصدَّعوا
فيه تَماسُك ما وَهَى من أَمرِهِمْ
فلأَقْرَ عَنَّ صفاةَ دهرٍ نابهُمْ
ولِأَضر بنَّ الهامَ دونَ حريمِهِم
٢١٥٧/٣ ولأَتركَنَّ الواردينَ حياضَهمْ
يا بدرُ إِنَّكَ لو شهِدتَ مواقفِى
لَذَمَمْتَ رأيكَ فِى إِضاعةِ حُرمَتى
حرَّكتنى بعدَ السكونِ وإِنما
وعَجَمْتنى فعَجَمْتَ منِى مِرِجَماً
قلْ لِلأَميرِ أَبى محمدٍ الذى
أَسكنتنى ظِلَّ العلا فسكنتُهُ
حتى إذا حُلِّئْت عنه ذابَنِى
فلأَشكرنَّ جَمِيلَ ما أَوليتَنِى
٢١٥٨/٣ هذا أبو حفصٍ يَدِى وَذَخِيرنى
وبَقِيتُ نَصْب حوادثِ الأَيَّامِ
مَرْفَى البعيدِ قطِيعةُ الأرحام
فَذَبَبْتُ عن أَحسابِهِمْ بِحُسامى
والسُّمْرِ عند تصادُمِ الأَقوامِ
قرْعاً يَهُدّ رواسِىَ الأَعلامِ
ضَرْبَ القُدَارِ نَقيعةَ القدّام
لمواطِىءِ الْأَقدامِ(١)
بقَرارةِ
والمَوتُ يَلحظ. والصِّفاحُ دوامى
ولضاقَ ذرْعُك فى اطِّرَاحِ ذهامى
حرّكتَ مِنْ حِصْنِى جبالَ تَهَامِ
خَشِنَ المناكب كلَّ يومِ زحامٍ
يَجْلو بِغُرَّتِهِ دُجِى الإِظلامِ
فى عِيشَةٍ رَغدٍ وَعِزَّ نامِى
ما نابنى وتنكَّرَتْ أَيامِى
ما غَرَّدَتْ فِى الأَيكِ وُرْقُ حمامٍ
ومَمنامى
للنائباتٍ وعُدَّتِى
فهززتُ حَدَّ الصارمِ الصَّعصَامِ(٢)
أَو يَستكِينَ يَرُومُ غير مرامٍ
والبِيضَ مُصْلَتَةً لضرْبِ الهام
وقال بكر بن عبد العزيز يذكر هرب النّشرىّ من بين يديه ويعيِّر وصيفا
نادَيتُهُ فأَجابنى، وهَزَزْتَهُ
من رامَ أَن يُغْضِى الجفونَ على القَذى
ويَخيمُ حين يَرَى الأَسِنّة شرَّعاً
(١) ب: ((لمواطن الأقدام)).
(٢) س: ((الضارب الصمصام)).

٤٩
سنة ٢٨٣
بالإحجام عنه ويتهدّد بَدْرًا :
قالَتِ البِيض قد تغيّرَ بكرُ
لیس کالسیفِ مونِس حین یعُرو
أَوَقَدوا الحربَ بيننا فاصْطَلَوْها
وبَغَوْا شَرَّنا فهذا أَوَانٌ
قد رأَى النُّوشَرِىُّ لمّا التقَينا (٢)
جاءَ فِى فَسطَلٍ لُهَامٍ فصُلْنا
ولواءُ المُؤْشجِير أَفضَى إِلينا
فَرَّ بدْرًا حِلمِى وفضلُ أَناتِى
وبَدَا بعد وصلِهِ منه هَجْرُ
حادثٌ مُعْضِلٌ ويَفدَحُ أَمرُ
ثم حاصُوا، فأَينَ منها المفَرُّ! (١)
قد بدا شَرُّهُ ويتلوه شَرُّ
مَنِ إِذَا أُشْرِعَ الرِّماحُ يغيرُ
صَولةً دُونها الكماة تَهِرُّ
رُوِّيتْ عند ذاك بِيض وسُمُر
واحتمالى ، وذاك مما يَغْرٌ
لاحقات البطون جُونٌ وشقرُ
سوفَ يأَتِينَهُ شواذِبُ قُبُّ
من بنى وائلٍ أُسودٌ تَكُرٌ
يَتَبَارَينِ كَالسَّعَالِ عليها
لست بكرًا إِنْ لم أَدْعْهُمْ حديثاً
٢١٥٩/٣
ما سرَى كوكب وماكرَّ دَهرُ
وفى يوم الجمعة لسبع خَلَوْن من شوّال من هذه السنة مات علىّ بن محمد
ابن أبى الشوارب، فحُمل إلى سامُرًا من يومه فى تابوت ، وكانت ولايتُهُ
للقضاء على مدينة أبى جعفر ستة أشهر .
وفى يوم الاثنين لأربع بقين من شوّال منها دخل بغداد عمر بن عبد العزيزبن
أبى ◌ُدُلف قادمًا من أصبهان ، فأمر المعتضد - فيما ذكر - القوّاد باستقباله،
فاستقبله القاسم بن عبيد اللّه والقوّاد ، وقعد له المعتضد ، فوصل إليه ، وخلع
عليه ، وحمله على دابّة بسرْج ولحام محلّى بذهب، وخلع معه على ابنين له
وعلى ابن أخيه أحمد بن عبد العزيز وعلى نفسين من قوّاده، وأنزِل فى الدار
التى كانتْ لعبيد الله بن عبد اللّه عند رأس الجسر ؛ وكانت قد فُرشت له .
وفى هذه السنة قرئ على القوّاد فى دار المعتضد کتابٌ ورد من عمرو بن
(٢) ابن الأثير: ((حين التقينا)).
(١) س: ((ثم حاموا)).

٥٠
سنة ٢٨٣
الليث الصفار؛ بأنه واقَعَ رافع بن هرثمة وهزمه، وأنه مرّ هاربًا، وأنه على أن يتبعه .
وكانت الوقعة لخمس بقين من شهر رمضان، وقرىء الكتاب يوم الثلاثاء
٢١٦٠/٣ لاثنتى عشرة خَلَتْ من ذى القعدة.
وفى يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من ذى القعدة ، وردت خريطة
- فيما ذكر - من عمرو بن الليث على المعتضد ، وهو فى الحلبة ، فانصرف
إلى دار العامة ، وقرئ الكتاب على القوّاد من عمرو بن الليث يُخبر فيه أنه
وجّه فى أثر رافع بعد الهزيمة محمد بن عمرو البلخيّ مع قائد آخر من قوّاده،
وقد كان رافع صار إلى طوس فواقعوه ، فانهزم واتبعوا أثره، فلحق بخُوارزم ،
فقتل بخُوارزم، فأرسل بخاتمه مع الكتاب ، وذكر أنه قد حمّل الرسول فى
أمر الرأس ما يُخبر به السلطان .
وفى يوم الجمعة لثمان بقين من ذى القعدة منها قُرئت الكتب على المنابر
بقتل رافع بن هرثمة.

١
ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة
فمن ذلك ما كان من قدوم رسول عمرو بن الليث الصفار برأس رافع بن
هرثمة فى يوم الخميس لأربع خلوْن من المحرّم على المعتضد ، فأمر بنصبه فى
المجلس بالجانب الشرقيّ إلى الظهر، ثم تحويله إلى الجانب الغربىّ، ونصبه هنالك
إلى الليل ، ثم ردّه إلى دار السلطان . وخُلع على الرسول وقت وصوله إلى المعتضد
بالرأس .
وفى يوم الخميس لسبع خلون من صفر كانت ملحمة بين راغب ودميانة
. بطرَسوس، وكان سبب ذلك - فيما ذكر- أن راغبًا مولى الموفّق ترك الدعاء
لخمارويه بن أحمد ، ودعا لبدر مولى المعتضد ، فوقع بينه وبين أحمد بن
طُغان الخلاف؛ فلما انصرف ابن طغان من الفداء (١) الذى كان فى سنة ثلاث ٢١٦١/٣
وثمانين ومائتين ركب البحر ولم يدخل طَرَسوس، ومضى وخلّف دميانة للقيام
بأمر طَرَسوس؛ فلما كان فى صفر من هذه السنة ، وجّه يوسف بن الباغمردى
ليخلفه على طَرَسوس ؛ فلما دخلها وقوِىَ به دميانة ، كرهوا ما يفعله راغب
من الدعاء لبدر، فوقعت بينهم الفتنة ، وظفر بهم راغب ، فحمل دميانة وابن
الباغمردىّ وابن اليتيم مقيّدين إلى المعتضد .
ولعشر بقين من صفر فى يوم الاثنين من هذه السنة وردت خريطة من
الجبل؛ بأن عيسى النُّوشرىّ أوقع ببكر بن عبد العزيز بن أبى دلف فى حدود
أصبهان ، فقتل رجاله ، واستباح عسكره ، وأفلت فى نفر يسير .
وفى يوم الخميس لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول منها، خُلع على
أبى عمر يوسف بن يعقوب، وقُلِّد قضاءَ مدينة أبى جعفر المنصور مكان على
ابن محمد بن أبى الشوارب، وقضاء قطر بُل ومَسْكِنْ وبُزُرْجَسَابور
(١) ب: ((من الغد)).

٥٢
سنة ٢٨٤
والرذانيْن . وقعد للخصوم فى هذا اليوم فى المسجد الجامع ، ومكثت مدينة أبى
جعفر من لدن مات ابن أبى الشوارب إلى أن وليتها أبو عمر بغير قاض ، وذلك
خمسة أشهر وأربعة أيام .
٢١٦٢/٣
وفى يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلتْ منه فى هذه السنة ، أخذ خادم
نصرانىّ لغالب النصرانىّ متطبّب السلطان يقال له وَصيف، فرُفع (١) إلى
الحبس ، وشُهد عليه أنه شتم النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلم فحبس، ثم اجتمع
من غد(٢) هذا اليوم ناس من العامَّة بسبب هذا الخادم، فصاحوا بالقاسم بن
عبيد الله، وطالبوه بإقامة الحدّ عليه. بسبب(٣) ما شُهد عليه؛ فلما كان
يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت منه اجتمع أهلُ باب الطاق إلى قنطرة البَرّدان
وما يليها من الأسواق، وتداعَوْا، ومضوا إلى باب السلطان، فلقيَّهم أبو الحسين
ابن الوزير، فصاحوا به، فأعلمهم أنه قد أنهى خبره إلى المعتضد ، فكذَّبوه
وأسمعوه ما كره ، ووثبوا بأعوانه ورجاله حتى هربوا منهم ، ومضوْا إلى دار
المعتضد بالثريّاً، فدخلوا من الباب الأول والثانى فمُنِعوا من الدخول ، فوثبوا
على مَنْ منعتهم، فخرج إليهم من سألهم عن خبرهم، فأخبروه . فكتب به إلى
المعتضد ، فأدخِل إليه منهم جماعة، وسألهم عن الخبر فذكروه له ، فأرسل
معهم خفيفًا السمرقندىَّ إلى يوسف القاضى ، وتقدم إلى خفيف أن يأمر يوسف
بالنَّظر فى أمر الخادم ، وأن يُنْهِىَ إليه ما يقف عليه من أمره، فمضى معهم
خفيف إلى يوسف ، فكادوا يقتلونه ويقتلون يوسف لمَّاً دخلوا عليه (٤) ممَّاً
ازدحموا ، حتى أفلت يوسف منهم، ودخل باباً وأغلقه دونهم ، ولم يكن بعد
ذلك للخادم ذِكْر، ولا كان العامَّة فى أمره اجتماع
وفى هذا الشهر من هذه السنة قدم - فيما ذكر - قوم من أهل
طَرَسوس على السلطان يسألونه أن يولّى عليهم والٍ ، ويذكرون أن بلدهم
بغير وال ؛ وكانت طرسوس قبل فى يدى ابن طولون، فأساء إليهم ، فأخرجوا
عامله(٥) عن البلد، وراسلهم فى ذلك، ووعدهم الإحسان ، فأبوا أن يتركوا له
٢١٦٣/٣
(٢) ب: ((فى غد)).
(١) س: ((ورفع)).
(٣) س: ((بما)).
(٥) س: ((عاملهم)).
(٤) ب: ((إليه)).

٥٣
سنة ٢٨٤
غلامًا يدخل بلدهم ، وقالوا: مَنْ جاءنا من قبلك حاربناه ، فكف
عنهم .
وفى يوم الخميس لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر من هذه السنة - فيما
ذكر - ظهرت ظلمة بمصر، وحُمرة فى السماء شديدة؛ حتى كان الرجل ينظر
إلى وجه الآخر ، فيراه أحمر، وكذلك الحیطان وغير ذلك، ومكثوا كذلك من
العصر إلى العشاء الآخرة ، وخرج الناس من منازلهم يدعون الله ويتضرعون
إليه .
وفى يوم الأربعاء لثلاث خلوْن من جمادى الأولى ، ولإحدى عشرة ليلة
خلت من حزيران، نُودى فى الأرباع والأسواق ببغداد بالنَّهى عن وقود النيران
ليلة النيروز، وعن صبّ الماء فى يومه، ونُودى بمثل ذلك فى يوم الخميس، فلمَّا
كان عشيّة يوم الجمعة نودى على باب سعيد بن يكسين صاحب الشرطة بالجانب
الشرقىّ من مدينة السلام، بأنّ أمير المؤمنين قد أطلق للناس فى وقود النيران
وصبّ الماء، ففعلت العامة من ذلك ما جاوز الحدّ، حتى صبّوا الماء على أصحاب
الشرطة فى مجلس الجسر- فيما ذكر .
وفيها أغريَت (١) العامة بالصّياح بمن رأوامن الخدم السود (٢): يا عقيق، ٢١٦٤/٣
فكانوا يغضبون من ذلك، فوجَّه المعتضد خادمًا أسود عشيّة الجمعة برقعة
إلى ابن حمدون النديم؛ فلما بلغ الخادم رأسَ الجسر من الجانب الشرقىّ صاح
به صائح من العامة: يا عقيق ! فشتم الخادم الصائح، وقنَّعه، فاجتمعت جماعة
من العامة على الخادم فنكسوه وضربوه ، وضاعت الرقعة التى كانت معه. فرجع
إلى السلطان فأخبره بما صنع به، فأمر المعتضد طريفًا المخلدىّ الخادم بالركوب
والقبض على كلِّ مَنْ تولَّع بالخدم وضربه بالسياط . فركب طريف يوم
السبت لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى فى جماعة من الفرسان والرجَّالة ،
وقدَّم بين يديه خادمًا أسود؛ فصار إلى باب الطاقِ لِمَا أمر به من القبض
على من صاح بالخادم : يا عقيق ، فقبض فيما ذكر بباب الطابق على سبعة
أنفس ؛ ذكر أن بعضهم كان بِزِيًّا؛ فضُربوا بالسياط فى مجلس الشرطة
(١) ب، س: ((أعربت)).
(٢) س: ((السودان)).

٥٤
سنة ٢٨٤
بالجانب الشرقىّ. وعبر طريف فمضى إلى الكرْخ، ففعل مثل ذلك ، وأخذ
خمسة أنفس فضربهم فى مجلس الشرطة بالشرقيَّة، وحُمِل الجميع على جمال،
ونودى عليهم : هذا جزاء مَنْ أولِع بخدم السلطان ، وصاح بهم : ياعقيق ،
وحبسوا يومهم ، وأطلقوا بالليل .
وفى هذه السنة عزم المعتضد بالله على لعن معاوية بن أبى سفيان على المنابر،
وأمر بإنشاء كتاب بذلك يُقْرَأ على الناس، فخوّفه عبيد الله بن سليمان بن
وهب اضطراب العامة، وأنه لا يأمن أن تكون فتنة، فلم يلتفت إلى ذلك من قوله.
٢١٦٥/٣
وذُكر أن أول شىء بدأ به المعتضد حين أراد ذلك الأمر بالتقدّم إلى العامة
بلزوم أعمالهم ، وترك الاجتماع والقضية والشهادات عند السلطان، إلا أن يُسْألوا
عن شهادة إن كانت عندهم ، وبمنع القُصّاص من القعود على الطرقات،
وعملت بذلك نسخ قرئت بالجانبين بمدينة السلام فى الأرباع والمحال والأسواق،
فقرِئت يوم الأربعاء لستّ بقين من جمادى الأولى من هذه السنة، ثم مُضِع
يوم الجمعة لأربع بقين منها القصّاص من القعود فى الجامعيْن ، ومُنع أهل
الحلق فى الفتيا أو غيرهم من القعود فى المسجدين، ومُنع الباعة من القعود فى
رحابهما .
وفى جمادى الآخرة نودى فى المسجد الجامع بنهى الناس عن الاجتماع على
قاص أو غيره، ومنع القصاص وأهل الحلّق من القعود.
وفى يوم الحادى عشر- وذلك يوم الجمعة - نُودى فى الجامعْين بأنّ
الذمة بريَّة ممنَ اجتمع من الناس على مناظرة أو جدل، وأن من فعل ذلك
أحلّ بنفسه الضرب، وتقدم إلى الشرّاب والذين يسقون الماء فى الجامعين ألا
يترحَّموا على معاوية ، ولا يذكروه بخير .
...
[ذكر كتاب المعتضد فى شأن بنى أمية]
وتحدَّث الناس أن الكتاب الذى أمر المعتضد بإنشائه بلعن معاوية يقرأ بعد
صلاة الجمعة على المنبر ، فلما صلى الناس الجمعة بادروا إلى المقصورة ليسمعوا
قراءة الكتاب فلم يُقرأ .
فذُكر أن المعتضد أمر بإخراج الكتاب الذى كان المأمون أمر بإنشائه بلعْن

٥٥
سنة ٢٨٤
معاوية ، فأخرج له من الدّيوان، فأخذ من جوامعه نسخة هذا الكتاب، ٢١٦٦/٣
. وذكر أنها نسخة الكتاب الذى أنشئ المعتضد بالله :
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله العلىّ العظيم، الحليم الحكيم ، العزيز
الرحيم ، المنفرد بالوحدانية ، الباهر بقدرته ، الخالق بمشيئته وحكمته ؛ الذى
يعلمَ سوابق (١) الصدور، وضمائر القلوب، لا يخفى عليه خافيةٌ ، ولا يغْرُبُ
عنه مثقال ذرّة فى السموات العُلا ، ولا فى الأرضين السفلى ؛ قد أحاط بكل
شىء علمًا، وأحصى كلَّ شيء عددًا، وضرب(٢) لكل شىء أمداً، وهو
العليم الخبير . والحمد لله الذى برأ خلقه لعبادته ، وخلق عباده لمعرفته ، على
سابق علمه فى طاعة مطيعهم ، وماضى أمره فى عصيان عاصيهم ؛ فبيّن لهم
ما يأتون وما يتَّقون، ونهج لهم سبل النجاة ، وحذَّرهم مسالك الهلكة،
وظاهر عليهم الحجَّة، وقدّم إليهم المعذرة، واختار لهم دينه الذى ارتضى لهم،
وأكرمهم به، وجعل المعتصمين بحبله والمتمسكين بُعروته أولياءَه وأهل طاعته،
والعاندين عنه والمخالفين له أعداءَه وأهلَ معصيته؛ ليهلك مَنْ هَلَك
عن بينة ، ويحياً مَن حىّ عن بيِّنة، وإن اللّه لسميع عليم. والحمد لله الذى
اصطفى محمداً رسوله من جميع بريَّته ، واختاره لرسالته، وابتعثه بالهدی والدّین
المرتضى إلى عباده أجمعين ، وأنزل عليه الكتاب المبين المستبين ، وتأذّن له
بالنصر(٣) والتمكين، وأيده بالعزّ والبرهان المتين ، فاهتدى به من اهتدى ،
واستنقذ به مَن استجاب له من العمى، وأضلّ من أدبر وتولَّى ، حتى أظهر
الله أمرَه، وأعزّ نصرَه، وقهر مَنْ خالفه، وأنجزله وعده، وختم به رسله (٤)،
وقبضه مؤدّيًا لأمره ، مبلغًا لرسالته ، ناصحًا لأمته، مرضيًا مهتديًا إلى
أكرم مآب المنقلبين ، وأعلى منازل أنبيائه المرسلين ، وعباده الفائزين ؛ فصلى
اللّه عليه أفضلَ صلاة وأتمَّّها، وأجلّها وأعظمَها، وأزكاها وأطهرها؛ وعلى آله
الطيبين .
٢١٦٧/٣
والحمدُ لله الذى جعل أمير المؤمنين وسلفه الرّاشدين المهتدين ورثة"
(٢) س: ((وجعل)).
(١) س: ((أسرار)).
(٤) س: ((رسالته)).
(٣) س: ((النصرة)).

٥٦
سنة ٢٨٤
خاتم النبيين وسيّد المرسلين والقائمين بالدّين، والمقوّمين لعباده المؤمنين ،
والمستحفظين ودائع الحكمة ، ومواريث النبوة ، والمستخلَفين فى الأمة ،
والمنصورين بالعزّ والمنعة ، والتأييد والغلبة؛ حتى يظهر اللّه دينَه على الدّين
كله ولو كره المشركون .
وقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعةٌ من العامة من شُبْهة قد دخلتهم
فى أديانهم ، وفساد قد لحقهم فى معتقدهم ، وعصبية قد غلبت عليها
أهواؤهم ، ونطقت بها ألستُهم ، على غير معرفة ولا روية ، وقلدوا فيها قادة
الضلالة بلا بَيِّنّة ولا بصيرة، وخالفوا السنن المتبعة، إلى الأهواء المبتدعة، قال
قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَضَلّ مِمِنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدّى مِنَ
٢١٦٨/٣ اللّه إنّ اللّهَ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الظالِمِين)(١)، خروجًا عن الجماعة،
ومسارعة إلى الفتنة وإيثاراً للفرقة، وتشتيتًا للكلمة وإظهاراً لموالاة (٢) مَنْ قطع
الله عنه الموالاة، وَبَتَرَ منه العصمة، وأخرجه من الملة، وأوجب عليهِ اللعنة،
وتعظيمًا لمن صغّر الله حقه ، وأوهن أمره ، وأضعف ركنه ، من بنى أمية
الشجرة الملعونة ، ومخالفةً لمن استنقذهم اللّه به من الهلكة ، وأسبغ عليهم به
النّعمة؛ من أهل بيت البركة والرحمة، قال الله عزوجل: ﴿يَخْتَصُّ بِرْحَتِهِ
مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ (٣). فأعظم أميرُ المؤمنين ما انتهى إليه
من ذلك ، ورأى فى ترك إنكاره حرجًا عليه فى الدين ، وفساداً لمن قلّده الله
أمره من المسلمين، وإهمالاً لما أوجبه اللّه عليه من تقويم المخالفين
وتبصير الجاهلين ، وإقامة الحجة على الشاكّين ، وبسْط اليد على
العاندین .
وأمير المؤمنين يرجع إليكم معشر الناس بأنّ اللّه عز وجل لمّا ابتعث
محمداً بدينه ، وأمره أن يصدع بأمره ، بدأ بأهله وعشيرته ، فدعاهم إلى ربه ،
وأنذرهم وبشَّرهم ، ونصحَ لهم وأرشدهم ، فكان مَن استجاب له وصدَق
قولَه واتّبع أمره نفرٌ يسير من بنى أبيه ، من بين مؤمنٍ بما أتى به من ربِّه ،
وبين ناصر له وإن لم يتّبع دينه؛ إعزازاً له ، وإشفاقًاً عليه، لماضى علم الله
(١) سورة القصص ٥٠ .
(٢) ب: ((الموالاة)).
(٣) سورة آل عمران ٧٤ .

٥٧
سنة ٢٨٤
فيمن اختار منهم ، ونفذت مشيئته فيما يستودعه إياه من خلافته وإرْث نبيّه ؛
فمؤمنهم مجاهد بنُصرته وحميّته، يدفعون مَن نابذَه، وينهرون مَنْ عارَّه ٢١٦٩/٣
وعانده(١)، ويتوثّقون له ممن كانفه وعاضده، ويبايعون له مَنْ سمح بنصرته،
ويتجسَّسون له أخبار أعدائه ، ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأى
العين ؛ حتى بلغ المدَى ، وحان (٢) وقت الاهتداء ، فدخلوا فى دين الله وطاعته
وتصديق رسوله ، والإيمان به، بأثبت بصيرة ، وأحسن هدى ورغبة ، فجعلهم!]
اللّه أهل بيتِ الرّحمة، وأهل بيت الدين(٣) - أذهب عنهم الرّجس وطهرهم
تطهيراً - ومعدن الحكمة ، وورثة النبوّة وموضع الخلافة ، وأوجب لهم الفضيلة،
وألزم العباد لهم الطاعة .
وكان ممن عانده ونابذه، وكذّبه وحاربه من عشيرته، العددُ (٤) الأكثر،
والسواد الأعظمُ ؛ يتلقّوْنَه بالتكذيب والتثريب، ويقصدونه بالأذيّة
والتخويف (٥)، ويبادونه بالعداوة، وينصبون له المحاربة، ويصدّون عنه مَنْ
قصده ، وينالون بالتعذيب من اتّبعه. وأشدُّهم فى ذلك عداوةً وأعظمهم له
مخالفة، وأولهم فى كلّ حرب ومناصّبَة، لا يُرفع على الإسلام رايةٌ إلا كان
صاحبها وقائدها ورئيسها، فى كلّ مواطن الحرب(٦)، من بدر وأحد والخندق
والفتح ... أبوسفيان بن حَرْب وأشياعه من بنى أمية، الملعونين فى كتاب الله، ثم
الملعونين على لسان رسول اللّه فى عيدّة مواطن، وعدّة مواضع، لماضى علم اللّه
فيهم وفى أمرهم، ونفاقهم وكفر أحلامهم؛ فحارب مجاهداً ، ودافعمكابداً،
وأقام منابذاً حتى قهره السيف، وعلا أمر الله وهم كارهون؛ فتقوَّل بالإسلام ٢١٧٠/٣
غير منطوٍ عليه، وأسرَّ الكفر (٧) غير مقلع عنه، فعرفه بذلك رسول الله صلى الله
عليه وسلم والمسلمون ، وميّز له المؤلفة قلوبُهم ، فقبله وولده على علم منه ؛
فممّا لعنهم الله به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنزل به كتابًا قوله :
(١) ب، س: ((ويقهرون))، وعارّه : قاتله.
(٣) س: ((البيت الذين)).
(٥) ب: ((بالتخويف)).
(٧) س: ((بالكفر)).
(٢) س: ((وحاز)).
(٤) ب : ((العدو)).
(٦) ب: ((مواطن الحروب)).

٥٨
سنة ٢٨٤
﴿وَالشجَرَةَ المَلْعونَةَ فى القُرْآنَ ونُخَوّفُهمْ فِمَا يَزِيدُهُم إلاَّ طُغْيَانًا
كَبيراً﴾(١). ولا اختلاف بين أحد أنه أراد بها بنى أمية .
ومنه قول الرسول عليه السلام وقد رآه مقبلا على حمار ومعاوية يقوُد به ويزيد
ابنه يسوق به: (( لعن الله القائد والرّاكب والسائق)). ومنه ما يرويه الرّواة من قوله:
يا بني عبد مناف تلقّوها تلقّف الكرة ، فما هناك جنة ولا نار. وهذا كفر صُراح
يلحقه به اللعنة من اللّه كما لحقت ﴿الذين كفروا من بنى إسرائيل عَلَى لِسَانٍ داوُدّ
وَعِيسِى ابن مَرْيِمَ ذَلِكَبِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون﴾(٢). ومنه مايروون من
وقوفه على ثنية أحد بعد ذَهَاب بصره ، وقوله لقائده: ها هنا ذببنا محمداً
وأصحابه، ومنه الرؤيا التى رآها النبى صلى الله عليه وسلم فوجَم لها ، فما رُنى
ضاحكًا بعدها، فأنزل الله: ﴿وما جعلنا الرؤيا التى أريْناك إلا فتنة للناس)(١)؛
فذكروا أنه رأى نفراً من بنى أمية ينزون على منبره . ومنه طرد رسول الله صلى
الله عليه وسلم الحكم بن أبى العاص لحكايته إياه، وألحقه اللّه بدعوة رسوله
آيةً باقية حين رآه يتخلّج، فقال له: ((كن كما أنت))، فبقىَ على ذلك سائر عمره،
إلى ما كان من مروان فى افتتاحه أوّل فتنة كانت فى الإسلام ، واحتقابه لكلّ
دم حرام سُفِك فيها أو أريق بعدها .
٢١٧١/٣
ومنه ما أنزل الله على نبيه فى سورة القدر: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مَنْ
ألفٍ شَهْرٍ﴾(٣)، من مُلْك بنى أمية. ومنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم دعا بمعاوية ليكتب بأمره بين يديه، فدافع بأمره ، واعتلّ بطعامه ،
فقال النبىّ: ((لا أشبع اللّهُ بطنه))، فبقى لا يشبع، ويقول: والله ما أترك(٤) الطعام
شبعًا؛ ولكن إعياء(٥). ومنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يطلع من هذا
الفجّ رجلٌ من أمتى يُحشر على غير ملتى))، فطلع معاوية . ومنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إذا رأيتم معاوية على منبرى فاقتلوه)). ومنه
الحديث المرفوع المشهور أنه قال: (( إن معاوية فى تابوت من نار فى أسفل
(٢) سورة المائدة ٧٨. (٣) سورة القدر ٣.
(١و١) سورة الإسراء ٦٠ .
(٤) فى ط: ((أنزل)) تحريف. (٥) فى ط: ((أعيا))، تحريف.

٥٩
سنة ٢٨٤
دَرَك منها ينادى : يا حنّان يا منّان، الآن وقد عصيتُ قبلُ وكنتُ من
المفسدين .
ومنه انبراؤه بالمحاربة لأفضل المسلمين فى الإسلام مكانًا، وأقدمهم إليه
سبقا، وأحسنهم فيه أثراً وذكراً؛ علىّ بن أبى طالب ، ينازعه حقه بباطله ،
ويجاهد أنصاره بضُلاًّ له وغَواته، ويحاول ما لم يزل هو وأبوه يحاولانه ، من ٢١٧٢/٣
إطفاء نور الله وجحود دينه، ويأبى الله إلا أن يُتمّ نوره ولو كره المشركون.
يستهوى أهلَ الغباوة (١)، ويموّه على أهل الجهالة بمكرِه وبغيه ، الذين قدّم
رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر عنهما، فقال لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية تدعوهم
إلى الجنة ويدعونك إلى النار))، مؤثراً للعاجلة (٢)، كافراً بالآجلة، خارجاً من رِبْقة
الإسلام، مستحلاًٌ للدّم الحرام، حتى سفك فى فتنته"، وعلى سبيل ضلالته ما لا
يحصى عددُه من خيار المسلمين الذابّين عن دين الله والناصرين لحقه ،
مجاهداً لله، مجتهداً فى أن يُعصى الله فلا يُطاع، وتُبطَل أحكامه فلا تُقام،
ويُخالَف دينه فلا يُدان . وأن تعلوَ كلمة الضلالة ، وترتفع دعوة الباطل؛
وكلمة الله هى العليا ، ودينه المنصور ، وحكمه المتّبع النافذ، وأمره الغالب ،
وكيد من حادّه المغلوب الدَّاحض؛ حتى احتمل أوزار تلك الحروب وما اتّبعها،
وتطوّق تلك الدماء وما سُفك بعدها، وسنَّ سنن الفساد التى عليه إثمها وإثم
من عمل بها إلى يوم القيامة ، وأباح المحارم لمن ارتكبها ، ومنع الحقوق
أهلها ؛ واغترّه الإملاء ، واستدرجه الإمهال، واللّه له بالمرصاد .
ثم مما أوجب الله له به اللعنة، قتلُهُ مَنْ قتل صبراً من خيار الصحابة
والتابعين وأهل الفضل والديانة ؛ مثل عمرو بن الحَمِقِ وحُجْر بن عدىّ،
فيمن قتل [ من ] أمثالهم، فى أن تكون له العزّة والملك والغلبة، ولله العزة والملك
والقدرة ، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يقتلْ مُؤْمنا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ
٢١٧٣/٣
خَالِدًا فيها وغَضِبَ الله عَلْيْهِ وَلَعَنْهُ وَأَعدّ لَهُ عَذَاباً عَظيماً﴾(٣).
ومما استحقّ به اللعنة من الله ورسوله ادّعاؤه زياد بن سُميّة، جرأةً على
اللّه؛ والله يقول: ﴿ادْعُوهُمُ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ، عِنْدَاللهِ﴾(٤) ورسول الله صلى الله
(١) س: ((الغباء)). (٢) س: ((العاجلة)).
(٣) سورة: النساء ٩٣. (٤) سورة الأحزاب ٥.

٦٠
سنة ٢٨٤
عليه وسلم ، يقول: ((ملعون مَن ادّعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه))،
ويقول: (الولد للفراش وللعاهر الحجر))، فخالف حكم الله عز وجل وسنة
نبيه صلى الله عليه وسلم جهاراً ، وجعل الولد لغير الفراش ، والعاهر لا يضرّه
عهرُهُ، فأدخل بهذه الدعوة من محارم الله ومحارم رسوله فى أمّ حبيبة زوجة
النبيّ صلى الله عليه وسلم وفى غيرها من سُفُور وجوهِ ما قد حرّمه الله، وأثبت
بها قربى قد باعدها الله، وأباح بها ما قد حظره الله، مما لم يدخل على الإسلام
خلل مثله ، ولم ينل الدين تبديل شبهُه .
ومنه إيثاره بدين الله، ودعاؤه عباد الله إلى ابنه يزيد المتكبّر الخمِّر،
صاحب الدّيوك والفهود والقُرود، وأخذُه البيعة له على خيار المسلمين بالقَهْر
والسطوة والتوعيد والإخافة والتهدّد والرهبة ، وهو يعلم سفَهه ويطّلع على خبثه
ورَهقه ، ويعاين سكّرَانه(١) وفجوره وكفره . فلما تمكن منه ما مكّنه منه،
ووطَّأه له، وعصى الله ورسوله فيه، طلَبَ بتأرات المشركين وطوائلهم عند
المسلمين ، فأوقع بأهل الحَرّة الوقيعة التى لم يكن فى الإسلام أشنعُ منها
٢١٧٤/٣ ولا أفحش؛ ممَّا ارتكب من الصالحين فيها، وشفى بذلك عبد(٢) نفسه وغليله،
وظن أن قد انتقم من أولياء الله، وبلغ النَّوى(٣) لأعداء الله، فقال مجاهراً بكفره
ومظهراً لشركه :
جَزَعَ الخزْرَجِ من وقع الأَسِلْ
ليتَ أَشیاخی ببدرٍ شهدوا
وعدَلنا ميْلَ بدر فاعتدَلْ
قد قتلنا القَوْم من ساداتكمْ
ثم قالوا : يا يزيد لا تُسَلْ
فأَهَلَّوا واستهدُّوا فرحاً
من بنى أَحمدَ ما كان فعلْ
لسْتُ من خندِفَ إِن لم أَنتقم
خبرٌ جاءَ ، ولا وحىُ نزَلْ
وَلِعَتْ هَاشِمُ بالمُلكِ فلا (٤)
هذا هو المروقُ من الدين ، وقول من لا يرجع إلى اللّه ولا إلى دينه ولا إلى
كتابه ولا إلى رسوله، ولا يؤمن بالله ولا بما جاء من عند الله.
ثم مِنْ أغلظ من انتهك، وأعظم ما اخترم سفكُه دم الحسين بن علىّ
(١) السكران : السكر .
(٢) العبد، بالفتح: الغضب .
(٣) النوى هنا: الحاجة والوجه الذى تنويه. (٤) من أبيات فى ابن هشام ٣: ٩٦، ٩٧