Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سنة ٢٧٨
أبو العباس صوت الأقفال تكْسَر قال : ليس يريد هؤلاء إلاّ نفسى .
وأخذ سيفًا كان عنده ، فاستلّه ، وقعد مستوفزاً والسيف فى حجره ، وقال ٢١٢١/٣
لى : تنحَّ أنت، واللّه لا وصلوا إلىّ وفىَّ شىء من الروح. قال: فلما فُتِح
الباب كان أوّل من دَخَل عليه وصيف مُوْشْكير - وهو غلام أبى العباس -.
فلما رآه رمى السيف (١) من يده ، وعلم أنهم لم يقصدوا إلا الخير ، فأخرجوه
حتى أقعدوه عند أبيه ، وهو بعقب غشيته . فلما فتح أبو أحمد عينيه ، وأفاق
رآه ، فأدناه وقرّبه . ووافى المعتمد - ذلك اليوم الذى وجه إليه فى حمله، وهو
يوم الجمعة نصف النهار قبل صلاة الجمعة-مدينة السلام، لتسع خَلَوْن من
صفر ، ومعه ابنه جعفر المفوّض إلى اللّه ولىّ العهد وعبد العزيز ومحمد
وإسحاق بنوه ، فنزل على أبى الصقر. ثم بلغ أبا الصقر أنّ أبا أحمد لم يمت،
فوجّه إسماعيل بن إسحاق يتعرَّف له الخبر ؛ وذلك يوم السبت .
وجمع أبو الصقر القوّاد والجند، وشحن داره وما حولها بالرّجال والسلاح،
ومِن داره إلى الجسر كذلك، وقطع الجسرين ، ووقف قومٌ على الجسر فى
الجانب الشرقىّ يحاربون أصحاب أبى الصقر ، فقتل بينهم قتلى ، وكانت
بينهم جراحات .
وكان أبو طلحة أخو شَرْكَب مع أصحابه مقيمين بباب البستان ، فرجع
إسماعيل، فأعلم أبا الصقر أن أبا أحمد حىّ، فكان أوّل مَنْ مضى إليه من
القوّاد محمد بن أبى الساج، عبر من نهر عيسى ، ثم جعل(٢) الناس يتسلّلون؛
منهم مَن يعبر إلى باب أبى أحمد ، ومنهم مَنْ يرجع إلى منزله ، ومنهم من
يخرج من بغداد؛ فلما رأى أبو الصقر ذلك، وصحّت عنده حياة أبى أحمد ، ٢١٢٢/٣
انحدر هو وابناه إلى دار أبى أحمد ؛ فما ذاكره أبو أحمد شيئًا مما جَرَى ،
ولا ساء له (٣) عنه . وأقام فى دار أبى أحمد .
فلما رأى المعتمد أنه قد بقى فى الدار وحده ، نزل هو وبنوه وبكتمر ،
فركبوا زورقًا، ثم لقيهم طيّار أبى ليلى ابن عبد العزيز بن أبى دُلف،
فحملهم فى طيّاره، ومضى بهم إلى داره، وهى: دار علىّ بن جهشيار برأس
(١) س: ((بالسيف)).
(٣) س: ((سأله)).
(٢) س: ((وجعل)).

٢٢
سنة ٢٧٨
الجسر ، فقال له المعتمد : أريد أن أمضىَ إلى أخى فأحدره ومَنْ معه من
بيته إلى دار أبى أحمد . وانتُهبَتْ دار أبى الصقر وكلّ ما حوته حتى خرج
حُرَمُهُ حفاةً بغير إزار ، وانتُهبت دار محمد بن سليمان كاتبه ، ودار ابن
الواثقىّ انتُهبت وأحرقت، وانتُهبت دور أسبابه، وكسرت أبواب السجون،
ونُقبت الحيطان ، وخرج کلّ من كان فيها، وخرج كلّ من كان فى المطبق،
وانتُهب مجلسا الجسر، وأخذ كلّ ما كان فيهما ، وانتُهبت المنازل التى تقرب
من دار أبى الصقر. وخلع أبو أحمد على ابنه أبى العباس وعلى أبى الصقر ، فركبا
جميعًا ، والخلع عليهما من سوق الثلاثاء إلى باب الطَّاق ، ومضى أبو الصقر
مع أبى العباس إلى داره؛ دار صاعد . ثم انحدر أبو الصقر فى الماء إلى منزله
وهو منتَهب ، فأتوه من دار الشاه بحصير فقعد عليه ، فولىّ أبو العباس غلامه
٢١٢٣/٣ بدار الشرطة ، واستخلف محمد بن غانم بن الشاه على الجانب الشرقىّ ، وعيسى
النوشرىّ على الجانب الغربىّ ؛ وذلك لأربع عشرة خلت من صفر منها .
وفيها فى يوم الأربعاء لثمانٍ بقين من صفر، كانت وفاة أبى أحمد الموفق
ودفن ليلة الخميس فى الرُّصافة عند قبر والدته ، وجلس أبو العباس يوم الخميس
للناس للتعزية .
[ذكر خبر البيعة للمعتضد بولاية العهد ]
وفيها بايع القوّاد والغلمان لأبى العباس بولاية العهد بعد المفوّض ، ولقّب
بالمعتضد بالله، فى يوم الخميس، وأخرج للجند العطاء، وخُطِب يوم الجمعة
للمعتمد، ثم للمفوّض، ثم لأبى العباس المعتضد ؛ وذلك لسبع ليال بقين من صفر.
*
*
*
وفيها فى يوم الاثنين لأربع بقين من صفر قُبض على أبى الصقر وأسبابه
وانتهبت منازلهم، وطُلِب بنو الفرات - وكان إليهم ديوان السواد- فاختفوا،
وخلع على عبيد الله بن سلمان بن وهب يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر منها،
ووُلِّىَ الوزارة .
وفيها بعث محمد (١) بن أبى الساج إلى واسط ليردّ غلامه وصيفاً إلى مدينة
(١) ب: ((بمحمد).

٢٣
سنة ٢٧٨
السلام ، فمضى وصيفٌ إلى الأهواز، وأبى الانصراف إلى بغداد ، وأنهب
الطّيب ، وعاث بالسوس .
وفيها ظُفْر بأبى أحمد بن محمد بن الفرات ؛ فحُبس وطولب بأموال ،
وظُفر معه بالزّغل ، فحبِس ، وظُفر معه بمال .
وفيها وردت الأخبار بقتل علىّ بن الليث، أخى الصفار ، قتله رافع بن
هرثمة ، كان لحق به ، وترك أخاه .
ووردت الأخبار فيها عن مصر أن النيل غار ماؤه وغلت الأسعار عندهم. ٢١٢٤/٣
* *
ذكر ابتداء أمر القرامطة
وفيها وردت الأخبار بحركة قوم يُعرفون بالقرامطة بسواد الكُوفة ؛
فكان ابتداء أمرهم قدومُ رجل من ناحية خُوزِستان إلى سَوَاد الكوفة ومُقامه
بموضع منه يقال له النهرين، يُظهر الزّهد والتقشف، ويَسُفُّ الحُوصَ(١)،
ويأكل من كسبه ، ويُكثر الصلاة ، فأقام على ذلك مدّة ، فكان إذا قعد
إليه إنسان ذاكره أمرَ الدين، وزهَّده فى الدنيا، وأعلمه أنّ الصلاة المفترضة
على الناس خمسون صلاة فى كلّ يوم وليلة ؛ حتى فشا ذلك عنه بموضعه ،
ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام من أهل بيت الرسول ، فلم يزل على ذلك يقعُد
إليه الجماعة فيخبرهم من ذلك بما تعلّق قلوبهم ، وكان يقعد إلى بقّال فى القرية؛
وكان بالقرب من البقال نخلٌ اشتراه قوم من التجار، واتخذوا حظيرةً جمعوا
فيها ما صَرَمُوا (٢) من حمل النخل، وجاءوا إلى البقال فسألوه أن يطلب لهم رجلاً
يحفظ عليهم ما صرموا من النخل ، فأومى لهم إلى هذا الرجل ، وقال : إن أجابكم
إلى حفظ ثمرتكم ، فإنه بحيث تحبّون، فناظروه على ذلك، فأجابهم إلى ٢١٢٥/٣
حفظه بدراهم معلومة؛ فكان يحفظ لهم، ويصلّى أكثر نهاره ويصوم ، ويأخذ
عند إفطاره من البقال رطل تمر ، فيُفطر عليه ، ويجمع نوى ذلك التمر .
فلما حمل التجار ما لهم من التمر ، صاروا إلى البقّال ، فحاسبوا أجيرهم
هذا على أجرته ، فدفعوها إليه ، فحاسب الأجير البقال على ما أخذ منه من
التمر ، وحّط من ذلك ثمن النوى الذى كان دفعه إلى البقّال ؛ فسمع التجار
(٢) صرام النخلة: مطع ثمرتها.
(١) سف الخوص: نسجه.

٢٤
سنة ٢٧٨
ما جرى بينه وبين البقال فى حقّ النوى، فوثبوا عليه فضربوه، وقالوا: ألم ترضَ
أن أكلت تمرّنا حتى بعت النوى ! فقال لهم البقال : لا تفعلوا، فإنه لم يمسّ
تمركم ؛ وقصّ عليهم قصته ، فندموا على ضربهم إياه ، وسألوه أن يجعلهم
فى حِلّ ، ففعل . وازداد بذلك نُبْلاً عند أهل القرية لما وقفوا عليه من زُهده.
ثم مرض، فمكث مطروحًا على الطريق ، وكان فى القرية رجلٌ يُحمل
على أثوار له، أحمر العينين شديدة حمرتهما، وكان أهل القرية يسمونه كرميته
لحمرة عينيه، وهو بالنَّبطية أحمر العينين، فكلّم البقال كرميته هذا، فى أن يحمل
هذا العليل إلى منزله ، ويُوصى أهلَه بالإشراف عليه والعناية به ؛ ففعل وأقام
٢١٢٦/٣ عنده حتى برأ، ثم كان يأوى إلى منزله ، ودعا أهل القرية إلى أمره ، ووصف
لهم مذهبَه ، فأجابه أهلُ تلك الناحية ، وكان يأخذ من الرّجل إذا دخلَ
فى دينه دينارا ، ويزعم أنه يأخذ ذلك للإمام ؛ فمكث بذلك يدعُو أهلَ تلك
القرى فيجيبونه . واتّخذ منهم اثنى عشر نقيباً ، أمرهم أن يدعو الناس إلى
دينهم ، وقال لهم: أنتم كحواريِّى عيسى بن مريم ؛ فاشتغل أكترة تلك الناحية
عن أعمالهم بما رَسم لهم من الخمسين الصلاة التى ذكر أنها مفترضة عليهم .
وكان للهَيْصَم فى تلك الناحية ضياع، فوقف على تقصير أكرته فى
العمارة ، فسأل عن ذلك ، فأخبر أن إنسانًا طرأ عليهم ، فأظهر لهم مذهباً
من الدين ، وأعلمهم أنّ الذى افترضه الله عليهم خمسون صلاة فى اليوم
والليلة، فقد شغلوا بها عن أعمالهم، فوجه فىطلبه، فأخذ وجىء به إليه، فسأله عن
أمره ، فأخبره بقصّته ، فحلف أنه يقتله .
فأمر به فحبس فى بيت، وأقفل عليه الباب، ووُضع المفتاح تحت وسادته،
وتشاغل بالشرب، وسمع بعض مَنْ فى داره من الجوارى بقصّته، فرّقت له .
فلما نام الهيصم أخذت المفتاح من تحت وسادته، وفتحت الباب وأخرجته، وأقفلت
٢١٢٧/٣ الباب، وردّت المفتاح إلى موضعه. فلمّا أصبح الهيصم دعا بالمفتاح نفتح
الباب فلم يجده ، وشاع بذلك الخبر ، فقُّن به أهل تلك الناحية ، وقالوا :
رُفع ثم ظهر فى موضع آخر . ولقى جماعة من أصحابه وغيرهم فسألوه عن
قصّته ، فقال : ليس يمكن أحدًا أن يبدأنى بسوء، ولا يقدر على ذلك منى ،

:
٢٥
سنة ٢٧٨
فعظم فى أعينهم ، ثم خاف على نفسه ، فخرج إلى ناحية الشأم ، فلم يُعْرَف
له خبر ، وسمّىَ باسم الرّجل الذى كان فى منزله صاحب الأثوار كرميته ، ثم
خُفِّف فقالوا : قرمط .
ذکر هذه القصة بعض أصحابنا عمّن حدثه، أنه حضر محمد بن داود بن
الجرّاح ، وقد دعا بقوم من القرامطة من الحبس، فسألهم عن زكرويه ، وذلك
بعد ما قتله ، وعن قرمط وقصّته ، وأنهم أوموا له إلى شيخ منهم ، وقالوا له :
هذا سلف زكرويه ، وهو أخبر الناس بقصّته ، فَسلْه عما تريد ، فسأله فأخبره
بهذه القصة .
وذكر عن محمد بن داود أنه قال : قرمط رجل من سواد الكوفة ، كان
يحمل غلّت السواد على أثوار له، يسمَّى حمدان ويلقب بقرمط. ثم فشا أمرُ
القرامطة ومذهبهم ، وكثروا بسواد الكوفة ، ووقف الطائىّ أحمد بن محمد على
أمرهم ، فوظّف على كلّ رجل منهم فى كلّ سنة ديناراً ، وكان يجبى من
ذلك مالاً جليلا ، فقدم قوم من الكوفة فرفعوا إلى السلطان أمرَ القرامطة ،
وأنهم قد أحدثوا دينًا غير الإسلام، وأنهم يرْون السيف على أمَّةٍ محمد إلا مَنْ
بايعهم على دينهم ، وأن الطائىّ يخفى أمرهم على السلطان . فلم يلتفت إليهم، ٢١٢٨/٣
ولم يسمع منهم ، فانصرفوا، وأقام رجل منهم مدة طويلة بمدينة السلام ، يرفع
ويزعم أنه لا يمكنه الرجوع إلى بلده (١) خوفاً من الطائىّ . وكان فيما حكوا عن
هؤلاء القرامطة من مذهبهم أن جاءوا بكتاب فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم . يقول الفرج بن عثمان؛ وهو من قرية يقال لها
نَصْرانة، داعية إلى المسيح ، وهو عيسى، وهو الكلمة ، وهو المهدىّ، وهو
أحمد بن محمد بن الحنفيّة، وهو جبريل. وذكر أنّ المسيح تصور له فى جسم
إنسان، وقال له : إنك الدّاعية، وإنك الحجة ، وإنك الناقة، وإنك الدّابة،
وإنك روح القدس، وإنك يحيى بن زكرياء. وعرّفه أن الصلاة أربع ركعات :
(١) س: ((ناحية بلده)).

٢٦
سنة ٢٧٨
ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبها؛ وأنّ الأذان فى كلّ صلاة أن يقول:
اللّأكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله؛ مرتين
أشهد أنّ آدم رسول اللّه، أشهد أنّ نوحًا رسول الله، أشهد أنّ إبراهيم رسول
الله، أشهد أنّ موسى رسول الله، وأشهد أن عيسى رسول اللّه، وأشهد أن
محمداً رسول اللّه، وأشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفيّة رسول اللّه؛ وأن يقرأ
فى كلّ ركعة الاستفتاح ؛ وهى من المنزّل على أحمد بن محمد بن الحنفية .
والقبلة إلى بيت المقدس ، والحجّ إلى بيت المقدس، ويوم الجمعة يوم (١)
٢١٢٩/٣ الاثنين لا يُعمل فيه شىء، والسورة الحمد لله بكلمته، وتعالى باسمه، المتّخذ
لأوليائه بأوليائه . قل إن الأهلة مواقيت للناس ؛ ظاهرها ليعلم عدد السنين
والحساب والشهور والأيام ، وباطنُها أوليائى الذين عرّفوا عبادى سبيلى . اتقونٍ
يا أولى الألباب؛ وأنا الذى لا أسْأل عمّا أفعل، وأنا العليم الحكيم، وأنا الذى
أبلُوا عبادى ، وامتحن خَلْقِى؛ فمن صبر على بلائى ومحنتى واختبارى (٢)
ألقيتُه فى جنتى، وأخلدته فى نعمتى ، ومَنْ زال عن أمرى ، وكذّب رسلى ،
أخلدته مهانا فى عذابى، وأتممتُ أجلى ، وأظهرتُ أمرى؛ على ألسنة رُسُلِى ؛
وأنا الذى لم يعلُ علىّ جبار إلا وضعتُه، ولا عزيزٌ إلا أذاُتْه ؛ وليس الذى
أصرّ على أمره ودوام على جهالته ، وقالوا: لن نبرح عليه عا کفین، و به مؤمنین،
أولئك هم الكافرون .
ثم يركع ويقول فى ركوعه: سبحان ربى ربّ العزة وتعالى عما يصف الظالمون !
يقولها مرتين ، فإذا سجد قال: اللّه أعلى، اللّه أعلى، اللّه أعظم، الله أعظم.
ومن شرائعه أنّ الصوم يومان فى السنة ، وهما المهرجان والنوْروز ؛ وأن
النّبيذ حرام والخمر حلال ؛ ولا غُسْلَ من جنابة (٣) إلا الوضوء كوضوء الصلاة،
وأنّ مَنْ حار به (٤) وجب قتله ، ومن لم يحاربه ممن خالفه أخذَت منه الجزية
ولا يُؤكل كلّ ذى ناب ، ولا كلّ ذى مخْلب .
*
(١) س: ((ويوم الاثنين)).
(٣) ب: ((الجنابة)).
(٢) ابن الأثير: ((واختيارى)).
(٤) س: ((كل من حاربه)).

٢٧
سنة ٢٧٨
وكان مصير قَرْمط إلى سواد الكوفة قبل قتل صاحب الزَّنْج؛ وذلك ٢١٣٠/٣
أن بعض أصحابنا ذكر عن سلف زكرويه أنه قال: قال لى قَرْمط :
صرتُ إلى صاحب الزَّنْج ، ووصلت إليه ، وقلت له : إنى على مذهب ،
وورائى مائة ألف سيف ؛ فناظرْنى، فإن اتفقناعلى المذهب ملتُ بمَنْ معى
إليك ، وإن تكن الأخرى انصرفتُ عنك . وقلت له: تعطينى الأمان ؟ ففعل.
قال : فناظرته إلى الظهر، فتبّين لى فى آخر مناظرتى إياه أنه على خلاف
أمرى ، وقام إلى الصلاة ، فانسللت ، فمضيتُ خارجا من مدينته ، وصرت إلى
سواد الكوفة .
[ ذكر خبر غزوالروم ووفاة ازمان فى هذه الغزوة]
ولخمس بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة، دخل أحمد العُجيفىّ
مدينة طَرَسُوس، وغَزا مع يازمان غزاة الصّائفة ، فبلغ ◌َسَلَنْدو .
وفى هذه الغزاة مات يازمان ، وكان سببُ موته أن شظيّةً من حجر مِنْجنيق
أصاب أضلاعه وهو مقيم على حصن سَنْدُو؛ فارتحل العسكر ؛ وقد كانوا
أشرفوا على فتحه ، فتُوفِّىَ فى الطريق من غدِه يوم الجمعة ، لأربع عشرة ليلة
خلتْ من رجب ، وحُمِل إلى طَرَسُوس على أكتاف الرجال فدُ فن هناك(١).
وحجّ بالناس فى هذه السنة (٢) هارون بن محمد الهاشمىّ.
(١) س: ((بها)).
(٢) ب: ((فيها)).

٢٨
٢١٣١/٣
ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من أمر السلطان بالنداء بمدينة السلام؛ ألاّ يَقعُد على
الطريق ولا فى مسجد (١) الجامع قاص٣(٢) ولا صاحب نجوم ولا زاجر ؛
وحُلِّف (٢٣ الورّاقون ألا يبيعوا كتبَ الكلام والجدّل والفلسفة.
وفيها خُلع جعفر المفوّض من العهد لثمان بقين من المحرّم .
وفى ذلك اليوم بويع للمعتضد (٤) بأنه ولىّ العهد من بعد المعتمد ، وأنشئت
الكتب بخلع جعفر وتولية المعتضد ، ونفِّدَتْ إلى البلدان، وخُطب يوم
الجمعة للمعتضد بولاية العهد ، وأنشئت عن المعتضد كتب إلى العمال والولاة ؛
بأنّ أمير المؤمنين قد ولاّه العهد، وجعل إليه ما كان الموفق يليه من الأمر
والنهى والولاية والعزل .
وفيها قُبض على جرادة، كاتب أبى الصَّقْر لخمس خلوْن من شهر ربيع
الأول ، وكان الموفّق وجّهه إلى رافع بن هرئمة ، فقدِم مدينة السلام قبل أن
يُقبّض عليه بأيام .
وفيها انصرف أبو طلحة منصور بن مسلم من شهرزور لست بقين من
جُمادى الأولى - وكانت ضُمّت إليه - فقُبِض عليه وعلى كاتبه عَقامة ،
وأود عمّا السجْن ؛ وذلك لأربع بقين من جمادى الأولى .
*
[ ذكر خبر الفتنة بطرسوس ]
وفيها كانت الملحمة بطرَسُوس بين محمد بن موسى ومكنون غلام راغب
مولى الموفّق ؛ فى يوم السبت لتسع بقِينَ من جمادى الأولى ؛ وكان سبب
ذلك - فيما ذكر - أن طُغْج بن جُفّ، لقىَ راغبًا بحلب، فأعلمه أنْ
٢١٣٢/٣
(١) س: ((بمسجد)).
(٢) ب، س: ((قاض)).
(٣) ابن الأثير: ((وحلف)).
(٤) ب: ((المعتضد)).

٢٩
سنة ٢٧٩
خمارويه بن أحمد يحبّ لقاءه ، ووعده عنه بما يحبّ ؛ فخرج راغب من
حلَب ماضيًاً إلى مصر فى خمسة غلمان له ، وأنفذ خادمة مكنونًا مع الجيش
الذى كان معه وأمواله وسلاحه إلى طَرَسوس، فكتب طُغْج إلى محمد بن
موسى الأعرج يُعلمه أنه قد أنفذ راغبًا، وأن(١) كلّ ما معه من مال وسلاح
وغلمان مع غلامه مكنون ، وقد صار إلى طَرَسُوس ، وأنه ينبغى له أن يقبض
عليه ساعةَ يدخل وعلى ما معه. فلما دخل مكنون طَرَسُوس وثب به(٢)
الأعرج، فقبض عليه ووكّل بما معه ، فوثب أهل طرسوس على الأعرج ،
فحالوا بينه وبين مكنون ، وقبضوا على الأعرج فحبسوه فى يد مكنون ، وعلموا
أنّ الحيلة قد وقعت براغب ؛ فكتبوا إلى خمارويه بن أحمد يعلمونه بما فعل
الأعرج ، وأنهم قد وكتّلوا به، وقالوا: أطلق راغبا لينفذ إلينا حتى نطلق الأعرج،
فأطلق خمارويه راغبًا ، وأنفذه إلى طَرَسُوس، وأنفذ معه أحمد بن طُغان
واليًا على الثغور ، وعزل عنهم الأعرج ، فلمّا وصل راغب إلى طَرَسوس أطلِقٍ
محمد بن موسى الأعرج ، ودخل طَرَسوس أحمد بن طُغان واليًا عليها وعلى
الثغور ومعه راغب ، يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من شعبان .
*
*
[ خبر وفاة المعتمد ]
وفيها توفَّىَ المعتمد ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب ، وكان ٢١٣٣/٣
شرب على الشطّ فى الحَسنىّ يوم الأحد شرابا كثيراً، وتعشّى فأكثر ، فمات
ليلا، فكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وستة(٣) أيام - فيما ذُكر .
(١) ط: ((وأنه)).
(٢) ب: ((عليه)).
(٣) فى ابن الأثير: ((وستة أشهر)).

٣٠
سنة ٢٧٩
خلافة المعتضد
وفى صَبِيحة هذه الليلة بُويع لأبى العباس المعتضد بالله بالخلافة، فولّى
غلامه بدرًاً الشرطة وعبيد الله بن سليمان بن وهب الوزارة ومحمد بن الشاه بن
ميكال (١) الحرس، وحجبة الخاصة والعامة صالحًا المعروف بالأمين، فاستخلف
صالح خِفيفا السمرقندىّ .
ولليلتين خَلَتًا من شعبان فيها قدم على المعتضد رسولُ عمرو بن الليث
الصفّار بهدايا، وسأل ولاية خُراسان، فوجّه المعتضد عيسى النُّوشِرىّ مع الرسول،
ومعه خلع ولواء عقده له على خراسان ، فوصلوا إليه فى شهر رمضان من هذه
السنة ، وخُلع عليه ، ونُصب اللواء فى صحن داره ثلاثة أيام .
٠
وفيها ورد الخبر بموت نصر بن أحمد ، وقام بما كان إليه من العمل وراء
نهر بلْخ أخوه إسماعيل بن أحمد .
وفيها قدم الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصّاص من مصر رسولا
لخمارويه بن أحمد بن طولون، ومعه هدايا من العين؛ عشرون حملاً على بغال
٢١٣٤/٣ وعشرة من الخدم وصندوقان فيهما طراز وعشرون رجلا على عشرين نجيبا ،
بسروج محلاّة بحلية فضّة كثيرة ، ومعهم حراب فضّة، وعليهم أقِيةُ الدّيباج
والمناطق المحلاّة وسبع عشرة دابة (٢)، بسروج ولجم، منها خمسة بذهب والباقى
بفضة، وسبع وثلاثون دابّة بجلال مشهّرة ، وخمسة أبغل بسروج ولجم وزرّافة ،
يومَ الاثنين لثلاث خلوْن من شوّال ، فوصل إلى المعتضد ، فخلع عليه وعلى
سبعة نفر معه ، وسفَر ابن الجصاص فى تزويج ابنة خمارويه من علىّ بن
المعتضد، فقال المعتضد: أنا أتزوّجها (٣)، فتزوّجها .
(١) ابن الأثير: ((مالك)).
(٢) ب، س: ((وسبعة عشر دابة))، والدابة تذكر وتؤنث.
(٣) ب: ((وأنا أتزوجها)).

٣١
سنة ٢٧٩
وفيها ورد الخبر بأخذ أحمدبن عيسى بن الشيخ قَلْعة ماردين من محمد بن
إسحاق بن كُنْداج .
وفيها مات إبراهيم بن محمد بن المدبّر ، وكان يلِى ديوان الضياع، فَوُلِّىَ
مكانه محمد بن عبد الحميد ، وكان موته يوم الأربعاء لثلاث أو أربع عشرة
بقيت من شوال .
وفيها عُقد لراشد مولى الموفّق على الدينور، وخُلع عليه يوم السبت لسبع
بَقِين من شوّال ، ثم خرج راشد إلى عمله يوم الخميس لعشر خلوْن من
ذى القعدة .
وفى يوم النحر منها ركب المعتضد إلى المصلّى الذى اتخذه بالقرب من
الحَسَنىّ، وركب معه القوّاد والجيش(١)، فصلّى بالناس، فذُكرعنه أنه كبّر
فى الركعة الأولى ستّ تكبيرات ، وفى الركعة الثانية تكبيرة واحدة، ثم صعيد ٢١٣٥/٣
المنبر، فلم تُسمَعْ خطبته، وعُطّل المصلى العتيق فلم يصلَّ فيه .
وفيها كُتِب إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبى دُلف بمحاربة رافع بن هرثمة
ورافع بالرّىّ ، فزحف إليه أحمد ، فالتقوا يوم الخميس لسبع بقين من
ذى القعدة ؛ فانهزم رافع بن هرثمة، وخرج عن الرّىّ، ودخلها ابن عبد العزيز.
وحجّ بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد الهاشمىّ ؛ وهى آخر حجة
حجّها، وحجّ بالناس ست عشرة سنة، من سنة أربع وستين إلى هذه السنة .
(١) ب: ((والناس)).

٣٢
ثم دخلت سنة ثمانين ومائتين
ذكر الخبر عن الأحداث التى كانت فيها
فمن ذلك ما كان من أخذ المعتضد عبد الله (١) بن المهتدى ومحمد بن الحسن بن سهل
المعروف بشيْلَمة .- وكان شَيْلمة هذا مع صاحب الزَّنْج إلى آخر أيامه ، ثم
لحق بالموفّق فى الأمان فَآمنه ـ- وكان سبب أخذه إياهما أنّ بعض المستأمنة سعى
به إلى المعتضد، وأعلمه أنه يدعو إلى رجل لم يوقف على اسمه ، وأنه قد استفسد
جماعةً من الجند وغيرهم ، وأخذ معه رجل صيدنانىّ وابن أخ له من المدينة ،
٢١٣٦/٣ فقرّره المعتضد فلم يقرّ بشىء، وسأله عن(٢) الرجل الذى يدعُو إليه، فلم يقرّ
بشىء، وقال : لو كان تحت قدمى مارفعتهما عنه، ولو عملتنى كرْدَناك
لما أخبرتك به ؛ فأمر بنار فأوقِدَتْ، ثم شُدّ على خشبة من خشب الخيم ،
وأدير على النار حتى تقطَّع جلده ، ثم ضُربت عنقه ، وصُلب عند الجسر
الأسفل فى الجانب الغربىّ .
وحُبِس ابن المهتدى إلى أن وقف على براءته ، فأطلق ، وكان صَلْبُه
السبع خلوْن من المحرّم .
فذكر أن المعتضد قال لشيْلمة : قد بلغنى أنك تدعو إلى ابن المهتدى ،
فقال : المأثور عنى غير هذا، وأنى أتولّى آل ابن أبى طالب - وقد كان قرّر
ابنَ أخيه فأقرّ - فقال له: قد أقرّ ابنُ أخيك ، فقال له : هذا غلام حدث
تكلم بهذا خوفاً من القتل ، ولا يُقبل قوله . ثم أطلق ابن أخيه والصّيدنانىّ بعد
مدة طويلة .
٠
[ ذكر خبر قصد المعتضد بنى شيبان وصلحه معهم ]
ولليلة خلت من صفر يوم الأحد شخص المعتضد من بغداد يريد بنی شیبان،
فنزل بستان بشربن هارون ، ثم سار (٣) يوم الأربعاء منه ، واستخلف على داره
(١) ب: ((عبيد الله)).
(٣) ب: ((صار)).
(٢) س: ((من الرجل)).

سنة ٢٨٠
٣٣
وبغداد صالحًا الأمين حاجبه ، فقصد الموضع الذى كانت شيبان تتخذه معقلاً
من أرض الجزيرة؛ فلما بلغهم قصدُه إياهم؛ ضمُوا إليهم أموالهم وعيالاتهم.
ثم ورد (١) كتاب المعتضد أنه أسرَى إلى الأعراب من السنّ، فأوقع بهم، فقتل
منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق كثير فى الزابَيْن، وأخذ النساء والذرارىّ، ٢١٣٧/٣
وغنم أهل العسكر من أموالهم ما أعجزهم حمله ، وأخذ من غنمهم وإيلهم
ما كثر فى أيدى الناس حتى بيعت الشاة بدرهم والجمل بخمسة دراهم ، وأمر
بالنساء والذرارىّ أن يُحْفَظُوا حتى يُحْدَرُوا إلى بغداد. ثم مضى المعتضد
إلى الموصِل ، ثم إلى بلعَد ، ثم رجع إلى بغداد ، فلقيه بنو شيبان يسألونه الصفح
عنهم ، وبذلوا له الرهائن ، فأخذ منهم خمسمائة رجل - فيما قيل . ورجع
المعتضد يريد مدينة السلام ، فوافاه أحمد بن أبى الأصبغ بما فارق عليه أحمد
ابن عيسى بن الشيخ من المال الذى أخذه من مال إسحاق بن كُنْداج ،
وبهدايا ودوابٌ وبغال فى يوم الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول .
وفى شهر ربيع الأول ورد الخبر بأن محمد بن أبى الساج افتتح المراغة بعد
حصار شديد وحرب غليظة كانت بينهم ، وأنه أخذ عبد اللّه بن الحسين بعد
أن آمنه وأصحابهٌ، فقيّده وحبسه، وقرّره(٢) بيجميع أمواله، ثم قتله بعدُ (٣).
وفى شهر ربيع الآخر ورد الخبرُ بوفاة أحمد بن عبد العزيز بن أبى دُلف ،
وكانت وفاته فى آخر شهر ربيع الأول ، فطلب الجند أرزاقتَهم ، وانتهبوا منزل
إسماعيل بن محمد المنشئ ، وتنازع الرئاسة عمر وبكر ابنا عبد العزيز ، ثم قام
بالأمر عمر ، ولم يكتب إليه المعتضد بالولاية .
وفيها افتتح محمد بن ثوْر ◌ُمان، وبعث برءوس جماعة من أهلها . ٢١٣٨/٣
وذكر أنّ جعفر بن المعتمد توُفِّىَ فى يوم الأحد لاثنتى عشرة خلتْ من شهر
ربيع الآخر منها ؛ وأنه كان مُقامه فى دار المعتضد لا يخرج ولا يظهر ،
وقد كان المعتضد نادمه مراراً .
(١) س: ((وورد الخبر)).
(٣) س: ((بعده)).
(٢) س: ((وقرر)).

٣٤
سنة ٢٨٠
وفيها انصرف المعتضد إلى بغداد من خرجته إلى الأعراب .
وفيها، فى (١) جمادى الآخرة ورد الخبر بدخول عمرو بن الليث نَيْسابور:
فى جمادى الأولى منها .
وفيها وجّه يوسف بن أبى الساج اثنين وثلاثين نفسا من الخوارج ، من
طريق الموصل، فضُربت أعناق خمسة وعشرين رجلا منهم، وصُلِبوا، وحبس
سبعة منهم فى الحبس الجديد .
وفيها دخل أحمد بن أبًّا طَرَسُوس لغزاة الصائفة، لخمس خلْون من رجب
من قِبَل خمارويه، ودخل بعده بدر الحمّامِىُّ، فَغَزوا جميعًا مع العُجَيْق
أمير طَرَسُوس حتى بلغوا البلقسور .
وفيها ورد الخبر بغزو إسماعيل بن أحمد بلاد الترك وافتتاحه - فيما ذكر -
مدينة ملكهم ، وأسره إياه وامرأته خاتون ونحوًّا من عشرة آلاف ، وقتل منهم
خلقا كثيراً، وغنم من الدواب دوابٌ كثيرة لا يوقف على عددها ، وأنه أصاب
الفارس من المسلمين من الغنيمة فى المقسم ألف درهم .
ولليلتين بقيتا من شهر رمضان منها، تُوُفَّىَ راشد مولى الموفّق بالدينور،
وحُمِل فى تابوت إلى بغداد .
٢١٣٩/٣
ولثلاث عشرة خلت من شوال منها مات مسرور البلخىّ .
وفيها - فيما ذكر - فى ذى الحجة ورد كتاب من ◌ُدُبِيل بانكساف القمر
فى شوال لأربع عشرة خلت منها ، ثم تجلّى فى آخر الليل ، فأصبحوا صبيحة
تلك الليلة والدنيا مظلمة ، ودامت الظلمة عليهم ؛ فلما كان عند العصر هبّت
ريح سوداء شديدة، فدامت إلى ثلث الليل ؛ فلما كان ثلث الليل زُلِزِلوا ،
فأصبحوا وقد ذهبت المدينة فلم ينج من منازلها إلا اليسير، قدر مائة دار ، وأنهم
دفنوا إلى حين كُتب الكتاب ثلاثين ألف نفس يخرجون من تحت الهدم ،
(١) س: ((وفى)).

٣٥
سنة ٢٨٠
ويدفنون ، وأنهم زُلزلوا بعد الهدم خمس مرات .
وذكر عن بعضهم أن جملة من أخرج من تحت الهدم خمسون ومائة
ألف ميّت .
وحجّ بالناس فى هذه السنة أبو بكر محمد بن هارون المعروف بابن ترنجة (١).
+ـ
(١) س: ((ترحة)).

٣٦
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من موافاة تُرْك بن العباس عامل السلطان على ديار مُضَر
٢١٤٠/٣ مدينةَ السلام لتسع خَلَوْن من المحرّم بنيّف وأربعين نفسا من أصحاب
أبى الأغرّ(١) صاحب ◌ُسَمَيْسَاط، على جمال، عليهم برانس ودراريع حرير.
فضى بهم إلى دار المعتضد ، ثم رُدّوا إلى الحبس الجديد فحبسوا به ، وخُلع
على تُرْك، وانصرف إلى منزله .
وفيها ورد الخبر بوقعة كانت لوصيف خادم ابن أبى الساج بعمر بن
عبد العزيز بن أبى 'دلف وهزيمته (٢) إياه، ثم صار وَصيف إلى مولاه محمد
ابن أبى الساج ، فى شهر ربيع الآخر منها .
وفيها دخل طُغْج بن جُفّ طَرَسوس لغزاة الصائفة من قِبَل خمارويه
يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة - فيما قيل - وغزا، فبلغ طرايون ،
وفتح ملُورِيَة .
ولخمس ليال بقين من جمادى [الآخرة] مات أحمد بن محمد الطائىّ
بالكوفة ، ودفن بها فى موضع يقال له مسجد السهلة .
وفيها غارت المياه بالرّىّ وَطَبَرِّستان .
ولليلتين خلتا من رجب منها شخص المعتضد إلى الجبل ، فقصد ناحية
الدينور، وقدّد أبا محمد علىّ بن المعتضد الرّىّ وقتزوين وزَنْجان وأبْهر وقُمَّ
وهَمَذان والدينور ، وقدّد كتبته أحمد بن أبى الأصبغ ، ونفقات عسكره
٢١٤١/٣ والضّياع بالرّىّ الحسين بن عمرو الصرائىّ، وقلّد عمر بن عبد العزيز بن
أبى دُلف أصبهان ونَهاوَند والكَرَج، وتعجّل للانصراف (٣) من أجل غلاء السعر
؟
(١) ابن الأثير: ((ابن الأغر)).
(٣) س: ((الانصراف)).
(٢) ابن الأثير: ((فهزمه)).

٣٧
سنة ٢٨١
٠٫٠٠
وقلة الميرة ، فوافى بغداد يوم الأربعاء لثلاث خلون من شهر رمضان .
وفيها استأمن الحسن بن علىّ كوره عامل رافع على الرىّ إلى علىّ بن
المعتضد فى زُهاء ألف رجل ، فوجّهه إلى أبيه المعتضد . .
وفيها دخل الأعراب سامُرًا فَأسَرُوا ابن سيما (١) أنف فى ذى القعدة
منها وانتهبوا .
[ ذكر خبر الوقعة بين الأكراد والأعراب]
ولست ليال بقين من ذى القعدة خرج المعتضد الخرجة الثانية إلى الموصل
عامداً لحمدان بن حمدون ؛ وذلك أنه بلغه أنه مايَل هارون الشارى الوازقىّ ،
ودعا له . فورد كتاب المعتضدمن كَرْخَ جُدّان على نجاح الحرَمىّ الخادم
بالوقْعة بينه وبين الأعراب والأكراد؛ وكانت يوم الجمعة ستَلْخ ذى القعدة:
بسم الله الرحمن الرحيم . كتابى هذا وقت العدّمة ليلة الجمعة ، وقد نصر
الله - وله الحمد - على الأكراد والأعراب، وأظفرنا بعالم منهم وبعيالاتهم؛ ولقد
رأيتنا ونحن نسوق البقر والغنم كما كنا نسوقها عامًا أولا، ولم تزل الأسنّة والسيوف
تأخذهم ، وحال بيننا وبينهم الليل ، وأوقِدت النيران على رءوس الجبال ، ومن
غدٍ يومنا ، فيقع الاستقصاء ، وعسكرى يتبعنى إلى الكَرْخ . وكان وقاعُنا
بهم وقتلُنا إياهم خمسين ميلا، فلم يبق منهم مخبر والحمد لله كثيراً، فقد ٢١٤٢/٣
وجب الشكر لله علينا والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد نبيه وآ له
وسلم كثيراً .
وكانت الأعراب (٢) والأكراد لمّا بلغهم خروجُ المعتضد ، تحالفوا أنهم
يُقْتَلون على دم واحد ، واجتمعوا، وعبَّوْا عسكرهم ثلاثة كراديس(٣)؛ كردوساً
دون كردوس ، وجعلوا عيالاتهم وأولادهم فى آخر كُردوس ، وتقدّم المعتضد
عسكره فى خيل جريدة ، فأوقع بهم ، وقتل منهم ، وغرق فى الزّاب منهم
(١) ابن الأثير: ((فقتلوا ابن سيما)).
(٣) س: ((له كراديس)).
(٢) س: ((وكان من الأعراب)).

٣٨
سة ٢٨١:
خلق كثير، ثم خرج إلى الموْصِل عامداً لقلعة مارِدين ، وكانت فى يد حمدان
ابن حمدون ، فلمّا بلغه مجىء المعتضد هرب وخلّف ابنه بها ، فنزل عسكر
المعتضد على القَلْعة ، فحاربهم مَنْ كان فيها يومَهم ذلك ؛ فلما كان من
الغد ركب المعتضد ، فصعد القلعة حتى وصل إلى الباب ، ثم صاح : يابن
حمدون ، فأجابه : لبيك ! فقال له : افتح الباب ، ويلك ! ففتحه ، فقعد
المعتضد فى الباب، وأمر مَنْ دخل فنقل ما فى القلعة من المال والأثاث ، ثم
أمر بهدمها فهُدِ مَتْ، ثم وجّه خلْف حمدان بن حمدون ، فطُلب أشدّ
الطلب، وأخيذَت أموالٌ كانت له مودعة ، وجىء بالمال إلى المعتضد ، ثم
ظُفر به . ثم مضى المعتضد إلى مدينة يقال لها الحسنيّة ، وفيها رجل يقال له
٢١٤٣/٢ شداد، فى جيش كثيف، ذكر أنهم عشرة آلاف رجل ، وكان له قلعة فى
المدينة فظفر به المعتضد ، فأخذه فهدم (١) قلعته .
وفيها ورد الخبر من طريق مكة أنه أصاب الناس فى المصعد برد شديد
ومطر جَوْد وبرد أصيب فيه أكثر من خمسمائة إنسان .
٠
وفى شوال منها غزا المسلمون الرّوم ، فكانت بينهم الحرب اثنى عشر يومًا،
فظفِر المسلمون وغنموا غنيمة كثيرة وانصرفوا .
(١) س: ((ثم هدم)).

٣٩
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائتين
ذكر الأحداث التى كانت فيها
#
[ ذكر أمر النيروز المعتضدىّ ]
فمن ذلك ما كان من أمر المعتضد فى المحرّم منها بإنشاء الكتب إلى جميع
العمال فى النواحى والأمصار بترك افتتاح الخراج فى النيروز الذى هو نيروز
العجم ، وتأخير ذلك إلى اليوم الحادى عشر من حزيران، وسمى ذلك النَّيروز
المعتضدىّ ، فأنشئت الكتب بذلك من الموْصِل والمعتضد بها ، وورد كتابه
بذلك على يوسف بن يعقوب يعلمه أنه أراد بذلك الترفيهَ على الناس ، والرفق
بهم ، وأمر أن يُقْرَأ كتابه على الناس ، ففعل .
٠ ٠٠
وفيهاقدم ابن الجصاص من مصر بابنة أبى الجیش خمارويه بن أحمد بن
طولون التى تزوّجها المعتضد، ومعها أحد عمومتها، فكان دخولهم بغداد يوم الأحد
لليلتين خَلَتا من المحرّم، وأدخلت للحرم ليلة الأحد، ونزلت فى دار صاعد ٢١٤٤/٣
ابن محلّد ؛ وكان المعتضد غائبًا بالموصل .
وفيها مُنِع الناس من عمل ما كانوا يعملون فى نَيْروز العجم من صبّ
الماء ورفع النيران وغير ذلك .
٠ ٠
[ ذكر أمر المعتضد مع حمدان بن حمدون ]
وفيها كتب المعتضد من الموْصِل إلى إسحاق بن أيوب وحمدان بن حمدون
بالمصير إليه ؛ فأما إسحاق بن أيوب فسارعَ إلى ذلك ، وأما حمدان بن
حمدون فتحصّن فى قلاعه، وغيّب أمواله وحُرَمه. فوجّه إليه المعتضد الجيوش
مع وصيف مُوشْكير ونصر القُشورِىّ وغيرهما؛ فصادفوا الحسن بن علىّ كوره
وأصحابه مُنیخین علی قلعة حمدان ، بموضع یعرف بدیر الزعفران من أرض
الموصِل ، وفيها الحسين بن حمدان ، فلما رأى الحسين أوائل العسكر مقبلين
طلب الأمان فأومن . وصار الحسين إلى المعتضد ، وسلّم القلعة ، فأمر بهدمها ،

٤٠
سنة ٢٨٢
وأغذّ وصيف موشْكير السَّيْر فى طلب حمدان ؛ وكان قد صار بموضع يعرف
بياسُورين بين دجلة ونهر عظيم ، وكان الماء زائداً ، فعبر أصحاب وصيف
إليه ونذر بهم، فركب وأصحابه ودافعوا عن أنفسهم ، حتى قتل أكثرهم ،
٢١٤٥/٣ فألقى حمدان نفسه فى زورق كان معدًّا له فى دجلة، ومعه كاتب له نصرانى
يسمى زكرياء بن يحيى، وحمل معه مالا، وعبر إلى الجانب الغربىّ من دِجْلة
من أرض ديار ربيعة ، وقدَّر اللحاق بالأعراب لمّا حِيلَ بينه وبين أكراده
الذين فى الجانب الشرقىّ، وعبر فى أثره نفرٌ يسير من الجند فاقتصّوا أثره، حتى
أشرفوا على دير كان قد نزله ؛ فلما بَصُر بهم خرج من الدَّيْرِ هاربًا ومعه
كاتبه، فألقيا أنفسهما فى زَوْرق، وخلَّا المال فى الدَّيْر ، فحُمل إلى المعتضد،
وانحدر أصحاب السلطان فى طلبه على الظهر وفى الماء ، فلحقوه ، فخرج عن
الزَّوْرق خاسرًا إلى ضيعة له بشرقىّ دجلة، فركب دابة لوكيله ، وسار ليله أجمع
إلى أن وافتى مضرب إسحاق بن أيوب فى عسكر المعتضد ، مستجيراً به ،
فأحضره إسحاق مضرب المعتضد ، وأمر بالاحتفاظ به، وبثّ الخيل فى طلب
أسبابه، فظفيِر بكاتبه وعدّة من قراباته وغلمانه، وتتابع رؤساء الأكراد وغيرهم
فى الدّخول فى الأمان ؛ وذلك فى آخر المحرّم من هذه السنة .
*
*
وفى شهر ربيع الأول منها قُبض على بكتمر بن طاشتمر، وقُيَّد وحبس،
وقبض ماله وضياعه ودوره .
وفيها نُقلت ابنة خمارويه بن أحمد إلى المعتضد لأربع خَلَوْن من شهر
ربيع الآخر ، وذُودى فى جانبى بغداد ألا يعبر أحد فى دِجْلة يوم الأحد ،
وغُلِّقْت أبواب الدُّروب التى تلى الشطّ، ومُدّ على الشوارع النافذة إلى دِجْلة
٢١٤٦/٣ شراع، ووُكِّل بحافّى دجْلة مَنْ يمنع أن يظهروا فى دورهم على الشط.
فلما صلِّيت العتمة وافت الشَّذًا من دار المعتضد، وفيها خدم معهم الشمع ، فوقفوا
بإزاء دار صاعد ، وكانت أعِدّت أربع حرَّاقات شُدّت مع دار صاعد،
فلما جاءت الشذا أحْدرت الحرّاقات، وصارت الشَّذا بين أيديهم ؛ وأقامت
الحرّة يوم الاثنين فى دار المعتضد، وجُليَتْ عليه يوم الثلاثاء الخمس خلون