Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سنة ٢٥٦
ودخل يوم السبت بايكباك ويارجوخ وأساتكين وعلىّ بن بارس وسيما الطويل
وخطارمش إلى الدار ، فحبس بايكباك وأحمد بن خاقان خليفته ، وصُرف
الباقون، فاجتمع أصحاب بايكباك وغيره من الأتراك، وقالوا: لم يُحبَسُ قائدنا؟
ولمّ قتل أبو نصر؟ فخرج إليهم المهتدى يوم السبت - ولم يكن بينهم حرب - ١٨٢١/٣
فرجع، وخرج يوم الأحد وقد اجتمعوا له (١)، وجمع هو المغاربة والأتراك البرّانيين
والفراغنة فصير على الميمنة مسرورًا البلخىّ، وعلى الميسرة يارجوخ ، والمهتدى
فى القلب مع أساتكين وطبايغوا وغيرهما من القوّاد .
فلما حمييت الشمس ، قرب القوم بعضهم من بعض ، وهاجت الحرب ،
وطلبوا بايكباك ، فرمى إليهم المهتدى برأسه - وكان عتّاب بن عتاب أخرجه
من بركة قبائه - فلما رأوه شدّ أخوه طغوتيا فى جماعة من خاصّته على جمع
المهتدى، وعطفت الميمنة والميسرة من عسكر المهتدى ، فصاروا معهم ، وانهزم
الباقون عن المهتدى ، وقُتل جماعة من الفريقين .
فذكر عن حَبْشون بن بغا ، أنه قال : قُتِل سبعمائة وثمانون إنسانًا،
وتفرّق الناس ، ودخل المهتدى الدار ، فأغلق الباب الذى دخل منه ، وخرج
من باب المصافّ حتى خرج من الباب المعروف بإيتاخ، ثم إلى سويقة مسرور ،
ثم درب الواثق ؛ حتى خرج إلى باب العامة ، وهو ينادى : يا معشر الناس،
أنا أمير المؤمنين ؛ قاتلوا عن خليفتكم . فلم تجبه العامة إلى ذلك ، وهو يمرّ فى
الشارع وينادى ، فلم يرهم ينصرونه ، فصار إلى باب السجن ، فأطلق مَنْ
فيه ، وهو يظنّ أنهم يعينونه؛ فلم يكن منهم إلا الهرب، ولم يجبه أحد . فلمّا
لم يجيبوه ، صار إلى دار أبى صالح عبد الله بن محمد بن يزداد ، وفيها أحمد بن
جميل صاحب الشّرطة (٢) نازل، فدخل عليه، فأخرج من ناحية ديوان الضياع ،
ثم صيّر به إلى الجوسق، فحبس فيه عند أحمد بن خاقان ، وانتهب دار أحمد
ابن حُمَيل .
١٨٢٢/٣
وكان ممن قتل فى المعركة من قواد المغاربة نصر بن أحمد الزبيرىّ ، ومن
(١) س: ((إليه)).
(٢) س: ((الشرط)).

٤٦٢
سنة ٢٥٦
قوّاد الشاكرية عتّاب بن عتاب حين جاء برأس بايكباك إليهم ، وقَّل المهتدى
- فيما قيل - فى الوقعة عدة كثيرة بيده ، ثم جری بينهم و بينه بعد أن حُبس
كلام شديد ، وأرادوه على الخلع فأبى ، واستسلم للقتل ، فقالوا : إنه كان
كتب رُقعة بيده لموسى بن بغا وبايكباك وجماعة من القوّاد ؛ أنه لا يغدر بهم
ولا يغتالهم، ولا يفتك بهم ، ولا يهمّ بذلك ، وأنه متى فعل ذلك بهم أو بأحد
منهم ووقفوا عليه فهمْ فى حلَّ من بيعته، والأمر إليهم يُقعدون من شاءوا .
فاستحلُّوا بذلك نقضّ أمره .
وقد كان يارجوخ بعد انهزام الناس صار إلى الدار ، فأخرج من ولد المتوكل
جماعة ، فصار بهم إلى داره ، فبايعوا أحمد بن المتوكل المعروف بابن فتْيان
يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب ، وسُمَّى المعتمد على اللّه، وأشهد يوم
الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من رجب على وفاة المهتدى محمد بن الواثق ،
وأنه سليم ليس به إلاّ الجراحتان اللتان نالتاه يوم الأحد فى الوقعة ؛ إحداهما من
سَهْمُ والأخرى من ضَرْبة ، وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد وعدّة من إخوة
أمير المؤمنين ، ودُفِن فى مقبرة المنتصر ، ودخل موسى بن بغا ومفلح سامراً يوم
السبت لعشر بقين من رَجب ، فسلّم على المعتمد فخلَع عليه ، وصار إلى
منزله وسكن الناس .
وقال بعضهم-وذكرأنه كان شاهداً أمرهم: لمّا كان ليلة الاثنين لليلة خلت
من رجب ثار أهل الكرْخِ والدّور جميعًا، فاجتمعوا ، وكان المهتدى يوجّه
إليهم إذا تحرّكوا أخاه عبد اللّه ، فوجه إليهم فى هذا اليوم عبد اللّه أخاه
کما کان یوجهه ، فصار إليهم؛ فوجدهم قد أقبلوا يريدون الجوْسق، فكلّمهم،
وضمِن لهم القيام بحوائجهم ، فأبوْاً وقالوا : لا نرجع حتى نصيرَ إلى
أميرالمؤمنين ونشكُو إليه قصتنا . فانصرف منهم عبد الله، وفى الدار فى هذا الوقت
أبو نصر محمد بنبغا وحَبْشون وكَيْغَلغ ومسرور البلخىّ وجماعة؛ فلما أدّى
عبد اللّه إلى المهتدى ما دار بينه وبينهم ، أمره بالرجوع إليهم ، وأن يأتى بجماعة
منهم فيوصلَهم إليه ؛ فخرج فتلقاهم قريبًا من الجوْسَق ، فأدارهم على أن
يقفوا بموضعهم ، ويوجّهوا معه جماعة منهم فأبوا. فلمّا تناهى الخبر
١٨٢٣/٣

٤٦٣
سنة ٢٥٦
إلى أبى نصر ومَنْ كان معه فى الدّار بأنّ جمعهم قد أقبل، خرجوا جميعاً ١٨٢٤/٣
من الدار مما يلى باب النزالة، فلم يبق فى الدّار إلا مسرور البلخىّ وألطون
خليفة كيْفَلَغ، ومن الكتّاب عيسى بن فَرُّخانشاه، ودخل الموالى مما يلى باب القصر
الأحمر ، فملئوا الدار زُهاء أربعة آلاف ، فصاروا إلى المهتدى ، فشكوا إليه
حالهم .
وكان اعتمادهم فى مسألتهم أن يعزل عنهم أمراءهم ، ويضمّ أمورهم إلى
إخوة أمير المؤمنين ، وأن يُؤخذ الأمراء والكتّاب بالخروج مما اختانوه من أموال
الساطان ؛ وذكروا أن قدره خمسون ومائة ألف ألف . فوعدهم النظر فى أمرهم
وإجابتهم إلى ما سألوا، فأقاموا يومتَهم ذلك فى الدّار ، فوجّه المهتدى محمد
ابن مباشر الكرخىّ ، فاشترى لهم الأسوقة ، ومضى أبو نصر بن بغا من فورِه
ذلك ؛ حتى عسكر فى الخَيْر بالقرب من موضع الحلبة، فلحق به زهاء خمسمائة
رجل ، ثم تفرّقوا عنه فى ليلتهم ؛ فلم يبقَ إلاّ فى أقلّ من مائة ، ومضى فصار
إلى المحمّدية ، وأصبح الموالى فى غداة يوم الأربعاء يطالبون بما كانوا يطالبون
به أولا ، فقيل لهم: إنّ هذا الأمر الذى تريدونه أمرٌ صعب، وإخراج الأمر
عن أيدى هؤلاء الأمراء ليس بسهل عليكم ؛ فكيف إذا جمع إلى ذلك أخذهم
بالأموال ! فانظروا فى أموركم ؛ فإن كنتم تظنون أنكم تصبرون على هذا الأمر
حتى يبلغَ منه غايته أجابكم إليه أمير المؤمنين، وإن تكن الأخرى فإنّ ١٨٢٥/٣
أمير المؤمنين يحسن لكم النظر. فأبوا إلا" ما سألوه أولا، فدعوا إلى أيمان البيعة على
أن يقيموا على هذا القول، ولا يرجعوا عنه، وأن يقاتلوا مَنْ قاتلهم فيه، وينصحوا
لأمير المؤمنين ويوالُوه . فأجابوه إلى ذلك ، فأخذت عليهم أيمان البيعة ، فبايع
فى ذلك اليوم زُهاء ألف رجل وعيسى بن فرّخا نشاه الذى تجرى على يده الأمور،
ومقامه مقام الوزير . ثم كتبوا إلى أبى نصر كتابًا عن أنفسهم ؛ كتبه لهم
عيسى بن فرّخانشاه ، يذكرون فيه إنكارهم خروجه من الدار عن غير سبب ،
وأنهم إنما قصدوا أميرَ المؤمنين ليشكوا إليه حاجتهم، وأنهم لما وجدوا الدار
فارغة أقاموا فيها، وأنهم إذا عاد ردّ وه إلى حاله، ولم يهيجوه . وكتب عيسى
عن الخليفة بمثل ذلك إليه ، فأقبل من المحمّدية بين العصر والعشاء ، فدخل

٤٦٤
سنة ٢٥٦
الدار ، ومعه أخوه حْبشون وكيغلغ وبكالبا وجماعة منهم ، فقام الموالى فى
وجوههم معهم السلاح ، وقعد المهتدى ، فوصل إليه أبو نصر ومَنْ معه ،
فسلّم عليه، ودنا فقبل يد المهتدى ورجله والبساط ، وتأخّر فخاطبه المهتدى
بأن قال له : يا محمد ، ما عندك فيما يقول الموالى ؟ قال : وما يقولون ؟ قال :
يذكرون أنكم احتجتم الأموال ، واستبددتم بالأعمال ، فما تنظرون فى شىء
من أمورهم ، ولا فيما عاد لمصلحتهم(١). فقال محمد: يا أميرَ المؤمنين ؛ وما أنا
والأموال! ما كنتُ كاتبَ ديوان، ولا جرتْ على يدى أعمال(٢). فقال له:
فأين هى الأموال ؟ وهل هى إلا عندك وعند أخيك ، وكتّابكم وأصحابكم !
ودنا الموالى ، فتقدّم عبد الله بن تكين وجماعة منهم ، فأخذوا بيد أبى نصر
وقالوا : هذا عدوّ أمير المؤمنين ، يقوم بين يديه بسيفٍ ، فأخذوا سيفته ،
ودخل غلام لأبى نصر كان حاضراً يقال له ثيتل ، فسلّ سيفه ، وخطا ليمنعهم
من أبى نصر، وكانت خطوته تلِى الخليفة، فسبقه عبد الله بن تكين ، فضرب
رأسه بالسيف، فما بقّىَ فى الدار أحدٌ إلا سلَّ سيفه ، وقام المهتدى ، فدخل
بيتًا كان بقربه، وأخذ محمد بنُ بغا ، فأدخِلِ حجرة فى الدار ، وحُبْس
أصحابه الباقون، وأراد القوم قتل الغلام، فمنعهم المهتدى ، وقال : إنّ لى
فى هذا نظرًا. ثم أمر(٣) فأعطِىَ قميصًا من الخزانة ، وأمر بغسل رأسه من
الدّم ، وحُبِس .
فأصبح الناس يوم الأربعاء وقد كثرُوا، والبيعة تؤخذ، ثمّ أمر عبد الله
ابن الواثق بالخروج إلى الرفيف فى ألف رجل من الشاكرية والفراغنة وغيرهم ؛
وكان ممن أمر بالخروج من قوّاد خراسان محمد بن يحيى الواثقىّ وعتاب بن
عتاب وهارون بن عبد الرحمن بن الأزهر وإبراهيم أخو أبى عون ويحيى بن
محمد بن داود وولد نصر بن شيث وعبد الرحمن بن دينار وأحمد بن فريدون
وغيرهم .
ثم إن عبد اللّه بن الواثق بلغه عن هؤلاء القوّاد أنهم يقولون : إنه ليس
بصواب شخوصهم إلى تلك الناحية ، فترك الخروج إليها .
(٢) س: ((أموال)).
(١) س: ((إلى مصلحتهم)).
١٨٢٦/٣
١٨٢٧/٣
(٣) س: ((وأمر)).

٤٦٥
سنة ٢٥٦
ثم إنهم أرادوا أن يكتبوا إلى موسى ومفلح بالانصراف وتسليم العسكر إلى
مَنْ فيه من القوّاد، فأجمعوا (١) على أن يكتبوا إليهما بذلك كتاباً ، وكتبا
إلى بعض القوّاد فى تسلّم (٢) العسكر منهما، وكتُبًا إلى الصغار بما سأل أصحابهم
بسامُرًا ؟ وما أجيبوا إليه ، وأمر بنسخ الكتب التى كنتبت إلى القوّاد ، وأن
ينظروا ؛ فإن سارع موسى ومفلح إلى ما أميرا به من الإقبال إلى الباب فى غلمانهم
وتسليم العسكر إلى مَن أميرا بتسليمه إليه؛ وإلاّ شدّوهما وثاقاً، وحملوهما إلى
الباب، ووجّهوا هذه الكتب مع ثلاثين رجلا منهم ، فشخصوا عن سامرًا ليلة
الجمعة لخمس خلون من رجب من هذه السنة ، وأجْرِىَ على مَنْ أخذت
عليه البيعة فى الدار على كلّ رجل منهم فى اليوم درهمان، فكان المتولى التفرقة
ذلك عليهم عبد الله بن تکین ، وهو خال ولد کنجور.
ولما تناهى الخبر إلى موسى وأصحابه اتّهم كنجور ، وأمر بحبسه بعد
أن ناله بالضرب، وموسى حينئذ بالسنّ . ولما انتهى الخبر إلى بايكباك وهو
بالحديثة أقبل إلى السنّ ، فاستخرج كنجور من الحبس ، واجتمع العسكر
بالسنّ، ووصل إليهم الرسل، وأوصلوا الكتب، وقرءوا بعضها على أهل العسكر،
وأخذوا عليهم البيعة بالنصرة لهم، فارتحلوا حتى نزلوا قنطرة الرفيف يوم الخميس
لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب ؛ وخرج المهتدى فى هذا اليوم إلى الحیر ،
وعرض الناس ، وسار قليلاً ، ثم عاد وأمر أن تخرج الخيام والمضارب فتضرب
فى الحَيْر، وأصبح الناس يوم الجمعة، وقد انصرف مين عسكر موسى زهاء
ألف رجل ؛ منهم كوتکین وحشنج .
١٨٢٨/٣
ثم خرج المهتدى إلى الحَيْر، ثم صيّر ميمنته عليها كوتكين ، وميسرته
عليها حشتَج ، وصار هو فى القلب ، ثم رجع الرسل تختلف بين العسكرين .
والذى يريد موسى بن بغا أن يُولَّى ناحية ينصرف إليها ، والذى يريد القوم من
موسى أن يُقبل فى غلمانه ليناظرهم ؛ فلم يتهيّأ بينهم فى ذلك اليوم شىء .
فلما كان ليلة السبت ، انصرف مَنْ أراد الانصراف عن موسى ، ورجع
موسى ومفلح يريدان طريق خُراسان فى زهاء ألف رجل ، ومضى بايكباك
(١) س: ((فاجتمعوا)).
(٢) س: ((تسليم)).

٤٦٦
سنة ٢٥٦
وجماعة من قوّاده فى ليلتهم مع عيسى الكرخىّ ، فباتوا معه ، ثم أصبحوا يوم
السبت، وأقبل بايكباك ومَنْ معه حتى دخلوا الدار ، فأخذت سيوفهم بايكباك
ويارجوخ وأساتكين وأحمد بن خاقان وخطارمش وغيرهم . فوصلوا جميعًا إلى
المهتدِى، فسلّموا ، فأمِروا بالانصراف إلاّ بايكباك ؛ فإنّ المهتدى أمر أن
يوقّف بين يديه، ثم أقبل يعدّد عليه ذنوبه، وما ركب من أمر المسلمين والإسلام.
ثم إنّ الموالى اعترضوه ، فأدخلوه حجرة فى الدار ، وأغلقوا عليه الباب ،
ثم لم يلبث إلا قدر خمس ساعات حتى قُتِل يوم السبت من الزّوال . واستوى
الأمر، فلم تكن حركة، ولا تكلّم أحد إلاّ نفر يسير أنكروا أمر بايكباك ،
ولم يُظهروا كلّ الجزع. فلما كان يوم الأحد ، أنكر الأتراك مساواة الفراغنة
لهم فىالدار ودخولهم معهم ، ووضح عندهم أن التدبير إنما جری فی قتل رؤسائهم
حتى يقدم عليهم الفراغنة والمغاربة ، فخرجوا من الدّار بأجمعهم ، وبقيت
الدّار على الفراغنة والمغاربة، وأنكر الأتراك بناحية الكَرْخ ذلك ، وأضافوا
إليه طلب بايكباك لاجتماع أصحاب بايكباك معهم ، فأدخل المهتدى إليه
جماعة من الفراغنة، وأخبرهم بما أنكره الأتراك، وقال لهم: إِنْ كنتم تعلمون
أنكم تقومون بهم ؛ فما يكره أمير المؤمنين قربكم ؛ وإن كنتم بأنفسكم تظنّون
عجزًا عنهم أرضيناهم بالمصير إلى محبتهم من قَبْل تفاقم الأمر . فذكر الفراغنة
أنهم يقومون بهم ويقهرونهم ، إذا اجتمعت كلمتهم وكلمة المغاربة ، وعدّدوا
أشياء كثيرة من تقديمهم عليهم . وأرادوا المهتدى على الخروج إليهم ؛ فلم
يزل كذلك إلى الظهر، ثم ركب وأكثر الفرسان الفراغنة وأكثر الرجالة المغاربة،
ووجّه إليهم وهُمُ بين الكرخ والقطائع والأتراك زُهاء عشرة آلاف، وهم فى
ستة آلاف لم يكن معهم من الأتراك إلّ أقل من ألف ، وهم أصحاب صالح
ابن وصيف وجماعة مع يارجوخ. فلما التقى الزّحفان ، انحاز يارجوخ بمَن
معه من الأتراك ، وانهزم أصحاب صالح بن وصيف ، فرجعوا إلى منازلهم
وخرج طاشتُمُر من خلف الدكّة، وكانوا جعلوا كمينًا ، وتصادم القوم ،
فكانت الحرب، بينهم ساعة من النهار ، ضربًا وطعنًا ورمياً .
ثم وقعت الهزيمة على أصحاب المهتدى ، فثبت وأقبل يدعوهم إلى نفسه ،
١٨٢٩/٣
١٨٣٠/٣

٤٦٧
سنة ٢٥٦
ويقاتل حتى يئس من رجوعهم ؛ ثم انهزم وبيده سيف مشطّب ، وعليه دِرْع
وقباء ؛ ظاهَرَ به حرير أبيض معيّن ، فمضى حتى صار إلى موضع خشبة
بابك ، وهو يحثّ الناس على مجاهدة القوم ونُصربه ؛ فلم يتبعه أحد إلا جماعة
من العيّارين؛ فلما صاروا إلى باب السجن تعلقوا باجامه، وسألوه إطلاق من
فى السجن ، فانصرف بوجهه عنهم ، فلم يتركوه حتى أمر بإطلاقهم ، فانصرفوا
عنه ، واشتغلوا بياب السجن ، وبقىَ وحده ، فمرّ حتى صار إلى موضع دار
أبى صالح بن يَزْداد، وفيها أحمدبن ◌ُجَميل، فدخل الدار وأغلقت الأبواب،
فنزع ثيابه وسلاحه ؛ وكانت به طعنة فى ور كه، فطلب قميصاً وسراويل ،
فأعطاه أحمد بن جميل، وغسل الدّم عن نفسه، وشرب ماء وصلّى، فأقبل
جماعة من الأتراك مع يارْجوخ نحو من ثلاثين رجلا ؛ حتى صاروا إلى دار
أبى صالح، فضربوا الباب حتى دخلوها؛ فلما أحسّ بهم أخذ السيف وسعى،
فصعِد على درجة فى الدار ، ودخل القوم ؛ وقد علا السطح، فأراد بعضُهم
الصعود لأخذه ، فضربه بالسيف فأخطأه، وسقط الرجل عن الدّرجة(١)،
فرمَوْه بالنشاب، فوقعت نُشابة فى صدره ، فجرحته جراحة خفيفة، وعلم (٢)
أنه الموت ؛ فأعطى بيده ، ونزل فرمى بسيفه فأخذوه ، فجعلوه على دابة بين يدى
أحدهم، وسلكوا الطريق الذى جاء منه، حتى صيروه إلى داريارْ جوخ فى القطائع،
وأنهبوا الجوسق؛ فلم يبق فيه شىء ، وأخرجوا أحمد بن المتوكل المعروف بابن
فتْيان- وكان محبوساً فى الجوسق. وكتبوا إلى موسى بن بغا وسألوه الانصراف
إليهم، فأقام المهتدى عندهم لم يُحدثوا فى أمره شيئًا ؛ فلما كان يوم الثلاثاء
بايعوا أحمدبن المتوكل فى القطائع ، وصاروا به يوم الأربعاء إلى الجوْسق
فبايعه الهاشميون والخاصّة ، وأرادوا المهتدى على الخلع فى هذه الأيام ، فأبى
ولم يجبهم ، ومات يوم الأربعاء ، وأظهروه يوم الخميس لجماعة الهاشميّين
والخاصّة ، فكشفوا عن وجهه وغسلوه ، وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد يوم
الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين .
١٨٣١/٣
وقدم موسى بن بغا يوم السبت لعشر بقين من رجب وركب أحمد بن
(١) س: ((على الدرجة)).
(٢) س: ((فعلم)).

٤٦٨
سنة ٢٥٦
فتيان إلى دار العامة يوم الاثنين لثمان بقين من رجب، فبايعوه بيعة العامة .
فذكر عن محمد بن عيسى القرشىّ أنه قال: لما صار المهتدى فى أيديهم
أبى أن يخلع نفسه ، فخلعوا أصابع يديه ورجليه من کفیه وقدميه ، حتى
ورمت كفاه وقدماه ، وفعلوا به غير شىء حتى مات .
١٨٣٢/٣
وقد ذكر فى(١) سبب قتل أبى نصر محمد بن بغا أنه كان خرج من سامرًا
يريد أخاه موسى ، فوجّه إليه المهتدى أخاه عبد الله فى جماعة من المغاربة
والفراغنة ، فلحقوه بالرّفیف ، فجیء به فحبس،و کان قد دخل على المهتدى
مسلّما قبل خلافهم ، فقال له : يا محمد ؛ إنما قدم أخوك موسى فى جيشه
وعبيده حتى يُقتل(٢) صالح بن وصيف وينصرف، قال: يا أميرَ المؤمنين؛
أعيذك بالله! موسى عبدُك وفى طاعتك ؛ وهو مع هذا فى وجه عدوّ كلِب ،
قال : قد كان صالحٌ أنفَعَ لنا منه، وأحسنَ سياسة للملك، وهذا العَكَوَىّ
قد رجع (٣) إلى الرَّىّ، قال: وما حيلته يا أمير المؤمنين ؟ قد هزمه وقتل أصحابه
وشرّد به كلّ مشرّد، فلما انصرف عاد، وهذا فعله أبدًا؛ اللهمّ إلاّ أن
تأمره بالمقام بالرّىّ دهرَه . قال : دع هذا عنك، فإنّ أخاك ما صنع شيئًا
أكثر من أخذ الأموال واحتجانها لنفسه . فأغلظ له أبو نصر ، وقال : يُنظر
فيما صار إليه وإلى أهل بيته منذ وليتَ الخلافة فيردّ ، ويُنْظَر ما صار إليك
وإلى إخوتك فيردّ. فأمر به فأخذ وضُرِب وحُبِس، وانتُهِبت داره ودار ابن
ثوابة ، ثم أباح دم الحسن بن مَخْلَد وابن ثوابة وسليمان بن وهب القطان كاتب
مُفلح، فهربوا فانتهِبت (٤) دورهم. ثم جاء المهتدى بالفراغنة والأشر وسنية
والطبرية والديالمة والإشتاخنيّة ومَنْ بقى من أتراك الكرخ وولد وصيف، فسألهم
النصرة على موسى ومفلح ، وضرب بينهم ، وقال : قد أخذوا الأموال واستأثروا
بالفىء ، وأنا أخاف أن يقتلونى، وإن نصرتمونى أعطيتكُم جميعَ ما فاتكم ،
وزدتكم فى أرزاقكم . فأجابوه إلى نصره والخلاف على موسى وأصحابه ، ولزموا
١٨٣٣/٣
(١) س: ((عن سبب)).
(٣) س: ((قد خرج)).
(٢) س: ((ليقتل)).
(٤) س: ((فنهبت)).

٤٦٩
سنة ٢٥٦
الجَوْسق، وبايعوه (٤١ بيعة جديدة وأمر بالسويق والسكر فاشتُرِى لهم،
وأجرى على كلّ رجل منهم فى كلّ يوم درهمين ، وأطعموا فى بعض أيامهم
الخبز واللحم. وتولى أمر جيشه أحمد بن وصيف وعبد الله بن بُغا الشرابىّوالتقّتْ،
معهم بنو هاشم ، وجعل يركب فى بنى هاشم ، ويدور فى الأسواق ، ويسأل
الناس النصرة ، ويقول : هؤلاء الفساق يقتلون الخلفاء ، ويثبون على مواليهم ،
وقد استأثروا بالفىء، فأعينوا أمير المؤمنين وانصروه. وتكلّم صالح بن يعقوب
ابن المنصور وغيره من بنى هاشم، ثم كتب بعدُ إلى بايكياك يأمره أن يضم
الجيش كله إليه ، وأنه الأمير على الجيش أجمع، ويأمره بأخذ موسى ومفلح.
ولما هلك المهتدى طلبوا أبا نصر بن بغا ، وهم يظنُّون أنه حَىّ ، فدُلُوا
على موضعه ، فنُبِش فوجدوه مذبوحًا ، فحمل إلى أهله ، وحُمِلت جثّة
بايكباك فدُفنت وكسرت الأتراك على قبر محمد بن بغا ألف سيف ، وكذلك
يفعلون بالسيد منهم إذا مات . وقيل إنّ المهتدى لما أبى أن يخلعها ، أمروا
مَنْ عَصَر خصيته حتى مات ؛ وقيل: إنّ المهتدى لما احتُضر قال:
أَهُمّ بِأَمْر الحزْمِ لو أَسْتطيعُهُ وقدْ حيلَ بينَ العيرِ والنّزوان
وقيل إنّ محمد بن بغا لم يحدثوا فى أمره يوم حُبِس شيئًا، وطالبوه بالأموال،
فدفع إليهم نيّقًا وعشرين ألف دينار ، ثم قتلوه بعد ؛ بعجوا بطنه ، وعصروا
حَلْقه، وألْقِىَ فى بئر من القناة، فلم يزل هنالك حتى أخرجه الموالى بعد أسرهم
المهتدى بيوم ، فدفن .
١٨٣٤/٣
وكانت خلافة المهتدى كلها إلى أن انقضى أمره أحدَ عشر شهراً وخمسة
وعشرين يوماً ، وعمره كله ثمان وثلاثون سنة . وكان رحْبَ الجبهة ، أجْلَح،
جهم الوجه ، أشْهَلَ ، عظيم البطن ، عريض المنكبين، قصيراً، طويل اللحية.
وكان ولد بالقاطول .
(١) س: ((وبايعوا)).

٤٧٠
سنة ٢٥٦
[ذكر أخبار صاحب الزنج مع جُعلان ]
وفى هذه السنة وافى جعلان البصرة لحرب صاحب الزنج .
* ذكر الخبر عما كان من أمرهما هنالك :
ذكر أن جُعلان لما صار إلى البصرة زحف بعسكره منها ، حتى صار بينه
وبين عسكر صاحب الرَّنْج فرسخ، فخندق على نفسه ومَنْ معه ، فأقام
ستة أشهر فى خندقه ، فوجّه الزينيُّ وُبَريه وبنو هاشم ومَنْ خفّ لحرب
الخبيث من أهل البصرة فى اليوم الذى تواعدهم جعلان للقائه ، فلما التقوْا لم
يكن بينهم إلاّ الرمىُ بالحجارة والنشاب، ولم يجد جعلان إلى لقائه سبيلا لضيق
الموضع بما فيه من النخل والدّغل عن مجال الخيل ، وأصحابه أكثرهم فرسان.
١٨٣٥/٣
فذكر عن محمد بن الحسن أن صاحب الزنج قال: لمّا طال مقام جُعلان
فیخندقه،رأيتُ أن أخفى له من أصحابى جماعة يأخذون عليه مسالك الخندق،
ويبيّتونه فيه، ففعل ذلك ، وبيته فى خندقه ، فقُتِل جماعة من رجاله ،
ورِيع الباقون رَوْعًا شديداً . فترك جعلان عسكره ذلك، وانصرف إلى البصرة ؛
وقد كان الزينبيّ قبل بيات الخبيث جعلان جمع مقاتلة البلالية والسعدية ، ثم
وجّه لهم من ناحية نهر نافذ وناحية هزّارْدر، فواقعوه(١) من وجهين ، ولقيهم
الزَّنْج، فلم يثبتوا لهم ، وقهرهم (٢) الزّنج، فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، وانصرفوا
مفلولين ، وانحاز جعلان إلى البصرة ، فأقام بها وظهر عجزه للسلطان .
٥
وفيها صرف جُعلان عن حرب الخبيث ، وأمر سعيد الحاجب بالشخوص
إليها لحربه .
وفيها تحوّل صاحب الزَّنْج من السَّبَخة التى كان ينزلها إلى الجانب الغربىّ
(١) س: ((فوافقوه)).
(٢) س: ((فهزمهم)).

٤٧١
سنة ٢٥٦
من النهر المعروف بأبى الخصيب .
وفيها أخذ صاحب الزّنج- فيما ذكر - أربعة وعشرين مركبًا من مراكب
البحر، كانت اجتمعت تريد البصرة ، فلمّا انتهى إلى أصحابها خبره وخبر
مَن معه من الزّنج وقطعهم السبيل، اجتمعت آراؤهم على أن يشدُّوا مرا كبهم
بعضها إلى بعض ؛ حتى تصير كالجزيرة ، يتصل أولها بآخرها ، ثم يسيروا بها
فى دِجْلة . فاتّصل به خبرها ، فندب إليها أصحابه ، وحرّضهم عليها ،
وقال لهم : هذه الغنيمة الباردة .
١٨٣٦/٣
قال أبو الحسن : فسمعت صاحب الزَّنْج يقول: لمّا بلغنى قربُ المراكب
منى(١) نهضت للصلاة، وأخذت فى الدعاء والتضرّع، فخوطبتُ بأن قيل لى :
قد أطلّك فتح عظيم، والتقتُّ فلم ألبث أن طلعت المراكب ، فنهض أصحابى
إليها فى الجريبيّات؛ فلم يلبثوا أن حَوَّوْها وقتلوا مقاتلتها، وسبَوْا ما فيها من
الرّقيق، وغنموا منها أموالاً عظامًا لا تُحصى ولا يعرف قدرها ، فأنهب ذلك
أصحابه ثلاثة أيام ، ثم أمر بما بقى فحِيَز له .
#
#
[ ذكر الخبر عن دخول الزنج الأبلة]
ولخمس بقين من رجب من هذه السنة ، دخل الزَّنج الأبلّة، فقتلوا
بها خلقاً كثيراً وأحرقوها .
* ذكر الخبر عنها وعن سبب الوصول إليها :
ذ کر أن صاحب الزّنج لما تنحتی جعلان عن خندقه بشاطئ عثمان الذى
كان فيه، وانحاز إلى البصرة ألحَّ بالسرايا على أهل الأبُلَّه، فجعل يحاربهم من
ناحية شاطئ عثمان بالرجالة، وبما خفّ له من السفن من ناحية دِجْلة ،
وجعلت سراياه تضرب إلى ناحية نهر مَعْقِل .
فذكر عن صاحب الزّنج، أنه قال: ميّلت (٢) بين عبّادان والأبُلّة، فلتُ
(٢) ميلت، أى أخذت أرجح وأوزان.
(١) س: ( منهم)).

٤٧٢
سنة ٢٥٦
إلى التوجّه إلى عَبَّادان، وقدبتُ الرّجالة لذلك، فقيل لى: إن أقرب العدو
داراً، وأولاه بألاّ تتشاغل بغيره عنه أهلُ الأبُلة ، فرددت الجيش الذى كنت
سيّرتُ نحو عبّادان إلى الأبُلّة. فلم يزالوا يحاربون أهل الأبُلّة إلى ليلة الأربعاء
لخمس بقين من رجب سنة ست وخمسين ومائتين. فلما كان فى هذه الليلة
اقتحمها الزنج مما يلى دِجْلة ونهر الأبُلّة ، فقتل بها أبو الأحوص وابنه ،
وأضرمت ناراً ، وكانت مبنية بالساج محفوفة بناء متكاثفًا . فأسرعت فيها النار ،
ونشأت ريحٌ عاصف، فأطارت شرر ذلك الحريق حتى وصلت بشاطئ عثمان ،
فاحترق. وقُتِل بالأبُلّة خلقٌ كثير ، وغرق خلق كثير، وحُويت الأسلاب ،
فكان ما احترق من الأمتعة أكثر مما انتُهب .
وقتل فى هذه الليلة عبدُ الله بن حميد الطوسى" وابنٌ له؛ كانا فى شَذَاة
بنهر مَعْقِل مع نُصير المعروف بأبى حمزة .
٠
[ ذكر خبر استيلاء صاحب الزنج على عبادان]
وفيها استسلم أهل عبادان لصاحب الزّنج فسّلموا إليه حصنهم .
* ذكر الخبر عن السبب الذى دعاهم إلى ذلك :
◌ُذكر أنّ السبب فى ذلك أنّ الخبيث لما فعل أصحابُه من الزّنج بأهل
الأبُلّة ما فعلوا ، ضعفت قلوبهم، وخافوهم على أنفسهم وحُرمهم ، فأعطوا
بأيديهم ، وسلموا إليه بلدهم ، فدخلها أصحابه، فأخذوا مَنْ كان فيها من
العبيد(١)، وحملوا ما كان فيها من السلاح إليه ، ففرّقه عليهم .
[ ذكرخبر دخول أصحاب صاحب الزنج الأهواز]
وفيها دخل أصحابه الأهواز وأسروا إبراهيم بن المدبر .
: ذكر الخبر عن سبب ذلك :
٠
وكان الخبيث لما أوقع أصحابه بالأبُلّة، وفعلوا بها ما فعلوا ، واستسلم له
(١) ب: ((العسكر)).
١٨٣٧/٣

٤٧٣
سنة ٢٥٦
أهلُ عَبَّادان، فأخذ مماليكهم ، فضمّهم إلى أصحابه من الزَّنْج ، وفرّق
بينهم(١) ما أخذ من السلاح الذى كان بها ، طمع فى الأهواز، فاستنهض ١٨٣٨/٣
أصحابه نحو جُبّ ، فلم يثبتْ لهم أهلها ، وهربوا منهم ، فدخلوا . فقتلوا
وأحرقوا ، ونهبوا وأخربوا ما وراءها ؛ حتى وافوا الأهواز ، وبها يومئذ سعيد بن
يكسين والٍ وإليه حربُها ، وإبراهيم بن محمد بن المدّبر وإليه الخراج
والضّياع ؛ فهرب الناس منهم أيضًا فلم يقاتلهم كثير أحد ، وانحاز سعيد
ابن تكسين فيمن كان معه من الجُند ، وثبت إبراهيم بن المدّبر فيمن كان
معه من غلمانه وخَدَمِه، فدخلوا المدينة، فاحتوَوْها، وأسروا إبراهيم بن محمد
بعد أن ضُرب ضربةً على وجهه، وحوَوْا كلّ ما كان يملك من مال وأثاث
ورقيق ؛ وذلك يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ست
وخمسين ومائتين .
ولما كان من أمره ما كان بالأهواز بعد الذى كان منه بالأبُلّة ،
رعب أهل البصرة رعبًاً شديداً ، فانتقل كثير من أهلها عنها ، وتفرّقوا فى
بلدان شتَّى ، وكثرت الأراجيف من عوامها .
وفى ذى الحجة من هذه السنة وجّه صاحب الزَّنْج إلى شاهين بن بسْطام
جيشًا عليهم يحيى بن محمد البحرانىّ لحربه؛ فلم يَنَّلْ يحيى من شاهين ما أمثل
وانصرف عنه .
وفى رجب من هذه السنة وافى البصرة سعيد بن صالح المعروف بالحاجب
من قِبَل السلطان لحرب صاحب الزَّنْج .
وفيها كانت بين موسى بن بُغا الذين كان توجهوا معه إلى ناحية الجبل ١٨٣٩/٣
مخالفينْ لمحمد بن الواثق وبين مساور بن عبد الحميد الشارى وقعة بناحية خانقين
ومُساور فى جمع كثير وموسى وأصحابه فى مائتين ، فهزموا مساوراً وقتلوا من
أصحابه جماعة كثيرة.
(١) س: ((عليهم)).

٤٧٤
سنة ٢٥٦
خلافة المعتمد على الله
وفيها بويع أحمد بن أبى جعفر المعروف بابن فِتْيان، وسُمَّ المعتمد على
الله ، وذلك يوم الثلاثاء لأربع عشرة بقيت من رجب.
٠٠
وفيها بعث إلى موسى بن بغا وهو بخانقين بموت محمد بن الواثق وبيعة
المعتمد ، فوافى سامُرًا لعشر بقين من رجب .
ولليلتين خَلَتا من شعبان ، ولِىَ الوزارة عبيد الله بن يحيى بن خاقان.
وفيها ظهر بالكوفة علىّ بن زيد الطالبىّ، فوجّه إليه الشاه بن ميكال فى
عسكر كثيف ، فلقيه علىّ بن زيد فى أصحابه ، فهزمه وقتل جماعة كثيرة
من أصحابه ، ونجا الشاه .
وفيها وثب محمد بن واصل بن إبراهيم التميمىّ ؛ وهو من أهلِ فارس ،
ورجلٌ من أكرادها يقال له أحمد بن الليث بالحارث بن سيما الشرابىّ عامل
فارس، فحارباه ، فقتل الحارث ، وغلب محمد بن واصل على فارس .
وفيها وجّه مفلح لحرب مساور الشارى وكنجور لحرب علىّ بن زيد الطالبی
بالكوفة .
١٨٤٠/٣
وفيها غَلَب جيش الحسن بن زيد الطالبىّ على الرىّ، فى شهر رمضان
منها .
وفيها شخص موسى بن بغا- لإحدى عشرة ليلةً خلت من شَوَّال منها -
من سامرًا إلى الرىّ ، وشيعه المعتمد .
وفيها كانت بين أماجور وابن لعيسى بن الشيخ على باب دمشق وقعة ،
فسمعتُ مَنْ ذكر أنه حضر أماجور ، وقد خرج فى اليوم الذى كانت فيه
هذه الوقعة من مدينة دمشق مرقاداً لنفسه عسكراً وابنُ عيسى بن الشيخ وقائد
لعيسى يقال له أبو الصهباء فى عسكر لهما بالقرب من مدينة دمشق ، فاتصل

٤٧٥
سنة ٢٥٦
بهما خبرُ خروج أماجور ، وأنه خرج فى نفر من أصحابه يسير ، فطمعا
فيه ، فزحفا بمَنْ معهما إليه، ولا يعلم أماجور بزحُوفهما إليه حتى لقياه ،
والتحمت الحرب بين الفريقين ، فقتل أبو الصهباء ، وهُزم الجمع الذى كان
معه ومع ابن عيسى؛ ولقد سمعتُ مَنْ يذكر أنّ عيسى وأبا الصهباء كانا
يومئذ فى زهاء عشرين ألفًا من رجالهما ، وأن أماجور فى مقدار مائتين إلى
أربعمائة .
وفى يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من ذى الحجة منها قدم أبو أحمد
ابن المتوكل من مكة إلى سامرا .
١٨٤١/٣
وفيها وجّه إلى عيسى بن الشيخ إسماعيل بن عبد اللّه المروزىّ المعروف
بأبى النصر ومحمد بن عبيد الله الكريزىّ القاضى والحسين الخادم المعروف بعرق الموت،
بولاية أرمينية ، على أن ينصرف عن الشأم آمناً ؛ فقبل ذلك وشخص عن
الشأم إليها .
وحج بالناس فى هذه السنة محمد بن أحمد بن عيسى بن أبى جعفر
المنصور .

٤٧٦
ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة
#
[ ذكر خبر مسير يعقوب بن الليث إلى فارس وانصرافه عنها]
فمن ذلك ما كان من مصير يعقوب بن الليث إلى فارس ، وبعثة المعتمد
إليه طُغتا (١) وإسماعيل بن إسحاق وأبا سعيد الأنصارىّ فى شعبان منها، وكتاب
أبى أحمد بن المتوكل إليه بولاية بَلْخ وطَخارستان إلى ما يلى ذلك من كَرْمان
وسجستان والسّنّد وغيرها، وما جعل له من المال فى كلّ سنة، وقبوله ذلك
وانصرافه .
وفى ربيع الآخر منها قدم رسول يعقوب بن الليث بأصنام ذكر أنه أخذها
من كابل .
ولا ثنى عشرةٍ خلت من صفر عقد المعتمد لأخيه أبى أحمد على الكوفة
وطريق مكة والحرمين واليمن، ثم عقد له أيضًا بعد ذلك لسبع خَلَوْن من شهر
رمضان على بغداد والسواد وواسط وكُور دجلة والبصرة والأهواز وفارس ،
وأمر أن يُوَلّى صاحب بغداد أعماله، وأن يُعْقد ليارْجوخ على البصرة وكُور
دجْلة واليمامة والبحرين مكان سعيد بن صالح ، فولّى يارجوخ منصور بن
جعفر بن دينار البصرة وكُور دجلة إلى ما يلى الأهواز .
١٨٤٢/٣
( ذكر خبر انهزام الزنج أمام سعيد بن الحاجب]
وفيها أمِرِ بُغراج باستحثاث سعيد الحاجب فى المصير إلى دِجْلة والإناخة
بإزاء عسكر صاحب الزَّنج ، ففعل ذلك بُغراج - فيما قيل - ومضى سعيد
الحاجب لما أُمر به من ذلك فى رجب من هذه السنة .
(١) م: ((طغبا)).

٤٧٧
سنة ٢٥٧
فذكر أن سعيدا لمّا صار إلى نهر مَعْقِل وجد هنالك جيشاً لصاحب
الزَّنِج بالنهر المعروف بالمُرْغاب - وهو أحد الأنهار المعترضة فى نهر معقل -
فأوقع بهم فهزمهم، واستنقذ ما فى أيديهم من النِّساء والنهب، وأصابت سعيدًا فى
تلك الوقعة جراحات، منها جراحة فى فيه . ثم سار سعيد حتى صار إلى الموضع
المعروف بعسكر أبى جعفر المنصور ، فأقام به ليلة، ثم سار حتى أناخ بموضع
يقال له هتطمة من أرض الفرات، فأقام هنالك أيامًا يعبِى أصحابه ، ويستعدّ
للقاء صاحب الزَّنْج . وبلغه فى أيام مقامه هنالك ، أن جيشاً لصاحب الزَّنْج
بالفُرات ، فقصد لهم بجماعة من أصحابه، فهزمهم، وكان فيهم عمران زَوْج
جدّة ابن صاحب الزّنج المعروف بأنكلاى، فاستأمن عمران هذا إلى بُغراج ،
وتفرّق ذلك الجمع. قال محمد بن الحسن : فلقد رأيتُ المرأة من سكان الفرات
تجد الزنجىَّ مستتراً بتلك الأدغال ، فتقبض عليه حتى تأتى به عسکر سعيد
ما به منها امتناع . ثم قصد سعيد حرب الخبيث فعبر إلى غربىّ دجلة ، فأوقع
به وقعات فى أيام متوالية ، ثم انصرف سعيد إلى معسكره بهَطمة ، فأقام به
يحاربه باقى رجب وعامّة شعبان .
١٨٤٣/٣
#
[خلاص ابن المدبّر من صاحب الزنج]
وفيها تخلص إبراهيم بن محمد بن المدبر من حبس الخبيث ، وكان سبب
تخلصه منه - فيما ذكر - أنه كان محبوسًا فى غرفة فى منزل يحيى بن محمد
البحرانيّ، فضاق مكانه على البَحْرانىّ، فأنزله إلى بيت من أبيات داره ، فحبسه
فيه ، وكان موكَّلا به رجلان ، ملاصقٌ مسكنهما المنزل الذى فيه إبراهيم ،
فبذل لهما، ورغّبهما ، فسرّبَا له سرّباً إلى الموضع الذى فيه إبراهيم من ناحيتهما،
فخرج هو وابن أخ له يعرف بأبى غالب ورجل من بنى هاشم كان محبوساً
معهما .

٤٧٨
سنة ٢٥٧
[ ذكر خبر إيقاع صاحب الزنج بسعيد وأصحابه]
وفيها أوقع أصحاب الخبيث بسعيد وأصحابه فقتلوه ومَنْ معه.
. ذكر الخبر عن هذه الوقعة :
ذكر أن الخبيث وجّه إلى يحيى بن محمد البحرانىّ وهو مقيم بنهر مَعْقِل
فى جيش كثيف يأمره بالتوجّه بألف رجل من أصحابه ، يرتّس عليهم سليمان
ابن جامع وأبا الليث ، ويأمرهما بالقَصْد لعسكر سعيد ليلا حتى يوقعا به فى
وقت طلوع الفجر . ففعل ذلك ، فصارا إلى عسكر سعيد ، فصادفا منهم
غِرّةً وغفلة، فأوقعا بهم وقْعَةً، فقتلا منهم مقتلة عظيمة ، وأحرق الزَّنج
يومئذ عسكر سعيد، فضعف سعيد ومَنْ معه، ودخل أمرهم خللٌ للبيات
الذى تهيّأ عليهم ، ولاحتباس الأرزاق عنهم، وكانت سبّبتْ لهم من مال
الأهواز ؛ فأبطأ بها عليهم منصور بن جعفر الخياط ، وکان إليه يومئذ حرب
الأهواز ، وله من ذلك بدٌّ فى الخراج.
ولما كان من أمر سعيدبن صالح ما كان، أمر بالانصراف إلى باب السلطان
وتسليم الجيش الذى معه وما إليه من العمل هنالك إلى منصور بن جعفر ؛
وذلك أنّ سعيداً ترك(١) بعد ما كان منبیاتالزّنْج أصحابه وإحراقهمعسكره؛
فلم يكن له حركة إلى أن صُرِف عمّا كان إليه من العمل هنالك .
[خبر الوقعة بين منصور بن جعفر وصاحب الزنج ]
وفيها كانت وقعة بين منصور بن جعفر الخياط وبين صاحب الزنج ،
قُتل فيها من أصحاب منصور جماعة كثيرة .
• ذكر الخبر عن صفة هذه الوقعة :
"ذكر أن سعيداً الحاجب لمّا صُرف عن البصرة، أقام بُغْرَاج بها يحمى
أهلها ، وجعل منصور يجمع السفن التى تأتى بالمِيرة ، ثم يُبَذْرِقِها فى الشَّذَا
إلى البصرة ، فضاق بالزنج الميرة . ثم عبّأ منصور أصحابه ، وجمع إلى الشذا
(١) ط: (نزل)).
١٨٤٤/٣

٤٧٩
سنة ٢٥٧
التى كانت معه الشَّذَا الجنّابيات والسفن، وقصد صاحبَ الزَّنج فى عسكره ،
فصعد قصراً على دجلة ، فأحرقه وما حوله ، ودخل عسكر الخبيث من ذلك
الوجه، ووافاه الزَّنج ، وكمنوا له كمينًا، فقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة ،
وأجئ الباقون الى الماء ، فغرق منھم خلق کثیر ،وحمیل من الرءوس يومئذ ۔۔ فما
ذكر - زهاء خمسمائة رأس إلى عسكر يحيى بن محمد البحرانىّ بنهر معقِل ،
وأمر بنصبها هنالك .
١٨٤٥/٣
وفيها ظَهر من بغداد بموضع يقال له برْكةُ زلزلٍ ، على خنّاق، وقد قتل
خلقاً كثيراً من النساء ودفنهنّ فى دار كان فيها ساكناً، فحمل إلى المعتمد ؛
فبلغنى أنه أمَرَ بضربه ، فضُرِب ألفى سوط وأربعمائة أرزن فلم يمت حتى
ضرب الجلاّدون أنثييْه بخشب العقابيْن، فمات، فرُدّ إلى بغداد فصُلب بها ثم
أحرقت جثته .
[ خبر مقتل شاهين بن بسطام وهزيمة إبراهيم بن سيما ]
وفيها قتل شاهين بن بسطام وهزم إبراهيم بن سيما .
• ذكر الخبر عن سبب مقتل شاهين وانهزام إبراهيم :
ذكر أن البحرانىّ كان كتب إلى الخبيث يُشير عليه بتوجيه جيش إلى
الأهواز للمقام بها ، ويرغّبه فى ذلك ، وأن يبدأ بقطع قنطرة أرْبُك؛ لئلا يصلّ
الخيل إلى الجيش . وإن الخبيث وجّه علىّ بن أبان لقطع القنطرة، فلقيه إبراهيم
ابن سيما منصرفًا من فارس؛ وكان بها مع الحارث بن سيما فى الصَّحْراء المعروفة
بدَّتَسْت أربُك، وهى صحراء بين الأهواز والقنطرة . فلما انتهى علىّ بن أبان
إلى القنطرة، أقام مُخْفِيًا نفسه ومَنْ معه، فلمّا أصحرت الخيل ، خرجت
عليه من جهات، فَقَتَلَتْ من الزَّنْجِ خَلْقًا كثيراً، وانهزم علىّ، وتبعته
الخيل إلى الفسَنْدم، وأصابته طعنة فى أخمَصِه، فأمسك عن التوجّه إلى الأهواز ،
وانصرف على وجهه إلى جُبَّىء، وصُعرف سعيد بن يكسين وولىَ إبراهيم بن
١٨٤٦/٣

٤٨٠
سنة ٢٥٧
سما ، وكاتبه شاهين، فأقبلا جميعًا، إبراهيم بن سيما على طريق الفرات قاصدًا
لذُنَابة نهر جُبِىّ، وعلىّ بن أبان بالخيزرانيّة؛ فأقبل شاهين بن بِسْطام على
طريق نهر موسى ، يقدّر لقاء إبراهيم فى الموضع الذى قصد إليه، وقد اتّعدا
لمواقعة علىّ بن أبان ، فسبق شاهين . وأتى علىّ بن أبان رجلٌ من نهر موسى
فأخبره بإقبال شاهين إليه؛ فوجّه علىّ نحوه ، فالتقيا فى وقت العصر على نهر
يعرف بأبى العباس - وهو نهر بین نهر موسى ونهر جُبّ - ونشبت الحرب
بينهما ، وثبت أصحاب شاهين ، وقاتلوا قتالا شديداً، ثم صدمهم الزّنج
صدمة صادقة، فولّوْا منهزمين ؛ فكان أوّل مَنْ قتل يومئذ شاهين وابن عم
له يقال له حيّان، وذلك أنه كان فى مقدّمة القوم ، وقُتِل معه من أصحابه
بشر كثير ، وأتى علىّ بن أبان مخبر فأخبره بورود إبراهيم بن سيما؛ وذلك بعد
فراغه من أمرشاهين، فسار من فوره إلى نهر جُبّى، وإبراهيم بن سيما معسكر
هنالك لا يعلم خبر شاهين ، فوافاه علىّ فى وقت العشاء الآخرة ، فأوقع بهم
وقعة غليظة قتل فيها جمعاً كثيراً؛ وكان قتلُ شاهين والإيقاع بإبراهيم فيما بين
العصر والعشاء والآخرة .
١٨٤٧/٣
قال محمد بن الحسن : فسمعت علىّ بن أبان يحدّث عن ذلك ، قال :
لقد رأيتُنى يومئذ ، وقد ركبنى حُمّى نافض (١) كانت تعتادنى ، وقد كان
أصحابى حين نالوا ما نالوا من شاهين تفرّقوا عنى ، فلم يصر إلى عسكر
إبراهيم بن سيما معى إلا نحو من خمسين رجلا ، فوصلت إلى العسكر ، فألقيت
نفسى قريبًا منه ، وجعلت أسمع ضجيج أهل العسكر وكلامهم ؛ فلما
سكتتْ حركتهُم ، نهضت فأوقعتُ بهم .
ثم انصرف علىّ بن أبان عن جُبَّى لمّا قُتِل شاهين، وهُزم إبراهيم بن
سيما ، لورود كتاب الخبيث عليه بالمصير إلى البصرة لحرب أهلها .
(١) حمتى الناقض : حمى الرعدة.