Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
سنة ٢٥٦
بالحرم ، وقالت له : إن فيه نصيحة ، وإن منزلى فى موضع كذا فإن أردتمونى
فاطلبونى هناك ، فأوصل الكتاب إلى المهتدى ، فلما طلبت فى الموضع الذى
وصفت حين احتيج إلى بحثها عن الكتاب لم توجد، ولم يعرف لها خبر .
١٧٩٢/٣
وقد ذُكر أن المهتدى أصاب ذلك الكتاب ، ولم يدر (١) من رمى به ،
فذكر أن المهتدى دعا سليمان بن وهب بحضرة جماعة من الموالى فيهم موسى
ابن بغا ومفلح وبایکباك و یاجور ویکالبا وغیرهم ؛ فدفع (٢) الکتاب إلى سلیمان،
وقال له: تعرف هذا الخطّ؟ قال: نعم، هذا خطّصالح بن وصيف، فأمره أن
يقرأه عليهم، فإذا صالح يذكر فيه أنه مستخفٍ بسامرًا، وأنه إنما استر متخيراً
للسلامة وإبقاءً على الموالى، وخوفاً من إيصال الفتن بحرب إن حدثت بينهم ،
وقصداً لأن يبيت القوم ، ويكون ما يأتونه بعد بصيرة مما ذكر فى هذا الباب .
ثم ذكر ما صار إليه من أموال الكتّاب، وقال: إنّ عِلْم ذلك عند الحسن
ابن خْلَد، وهو أحدهم ، وهو فى أیدیکم . ثم ذكر من وصل إليه ذلك المال
وتولّى تفريقه ، وذكر ما صار إليه من أمر قبيحة ، وأشار إلى أن علم ذلك عند
أبى صالح بن يزداد وصالح العطار ، ثم ذكر أشياء فى هذا المعنى ،
بعضها يعتذر به وبعضها يحتج به ، ومخرج القول فى ذلك يدلّ على قوّة
فى نفسه .
فلما فرغ سليمان من قراءة الكتاب وصله المهتدى بقول منه يحثُّ على
الصاح والهدنة والألفة والاتفاق، ويكرّه إليهم الفرقة والتفانى والتباغض، فدعا ذلك-
القوم إلى تُهمته ، وأنه يعلم بمكان صالح ، وأنه يتقدّمهم عنده ، فكان بينهم ١٧٩٣/٣
فى ذلك (٣) كلام كثير ومناظرات طويلة ، ثم أصبحوا يوم الخميس لليلتين
بقيتا من المحرّم سنة ست وخمسين ومائتين، فصاروا جميعًا إلى دار موسى بن
بغا فى داخل الجوسق يتراطنون ويتكلمون. واتصل الخبر بالمهتدى .
فذكر عن أحمد بن خاقان الواثقفىّ أنه قال: من ناحيتى انتهى الخبر إلى
(١) ب: ((ولا يدرى)).
(٣) س: ((هذا)).
(٢) س: ((فوقع)).

٤٤٢
سنة ٢٥٦
المهتدى ؛ وذلك أنى سمعت بعض مَنْ كان حاضر المجلس وهو يقول: أجمع
القوم على خلع الرجل .
قال : فصرت إلى أخيه إبراهيم ، فأعلمته بذلك ، فدخل عليه فأعلمه
ذلك ، وحكاه عنى ؛ فلم أزل خائفًا أن يعجل أمير المؤمنين فيخبرهم عنى
بالخبر ، فرزق الله السلامة.
وذكر أن أخا بايكباك قال لهم فى هذا المجلس لما أطلعوه على ما كانوا عزموا
عليه : إنكم قتلتم ابن المتوكل ، وهو حسن الوجه ، سخی الکف ، فاضل
النفس ، وتريدون أن تقتلوا هذا وهو مسلم يصوم ولا يشرب النبيذ من غير
ذنب! والله لئن قتلتم هذا لألْحَقن" بحراسان، ولأشيعنّ أمركم هناك.
فلما اتصل الخبر بالمهتدی خرج إلى مجلسه متقلداً سيفًا ، وقد لبس ثيابًا
نظافاً، وتطيّب ، ثم أمر(١) بإدخالهم إليه ، فأبوا ذلك مليًّا، ثم دخلوا عليه ،
فقال لهم: إنه قد بلغنى ما أنتم عليه من أمرى؛ ولستُ كَمَنْ تقدّمنى مثل
أحمد بن محمد المستعين ، ولا مثل ابن قبيحة؛ والله ما خرجتُ إليكم إلاّ وأنا
متحنّط، وقد أوصيتُ إلى أخى(٢) بولدى، وهذا سيفى؛ واللّه لأضربنّ به
ما استمسك قائمهُ بيدى؛ والله لئن سقط من شعرى شعرة ليهلكنّ أو ليذهبنّ
بها أكثركم. أما دين! أما حياء! أمَارِعة ! كم يكون هذا الخلاف على
الخلفاء والإقدام والجرأة على اللّه! سواء عليكم مَنْ قصد الإبقاء عليكم ومن
كان إذا بلغه مثل هذا عنكم دعا بأرطال الشراب فشربها مسروراً بمكروهكم
وحباً لبوار کما خبّرونی عنكم ؛ هل تعلمون أنه وصل إلىّ من دنیا کم هذه شىء!
أما إنك تعلم يا بايكباك أنّ بعض المتصلين بك أيسر من جماعة إخوتى وولدى؛
وإن أحببتَ أن تعرف ذلك فانظر : هل ترى فى منازلهم فرشاً أو وصائف أو
خدماً أو جوارىّ ! أو لهم ضياع أو غلات ! سوءة لكم ! ثم تقولون : إنى أعلم
علم صالح ، وهل صالحٌ إلاّ رجل من الموالى ، وكواحد منكم ! فكيف
الإقامة معه إذا ساء رأيكم فيه! فإن آ ثرتم الصلح كان ذلك ما أهوى لجمعكم ،
١٧٩٤/٣
(١) س: ((ثم تطيب وأمر)).
(٢) ب: ((إخوتى)).

٤٤٣
سنة ٢٥٦
وإن أبيتم إلاّ الإقامة على ما أنتم عليه فشأنكم؛ فاطلبوا صالحاً، ثم ابلغوا شفاء
أنفسكم؛ وأما أنا فما أعلم علمه. قالوا: فأحلف لنا على ذلك . قال : أمّا
اليمين فإنى أبذلها لكم ؛ ولكنى أوخرها حتى تكون بحضرة الهاشميين والقضاة
والمعدّلين وأصحاب المراتب غداً إذا صلّيت الجمعة . فكأنهم لانوا قليلا،
ووجّه فى إحضار الهاشميين فحضروا فى عشيّتهم ، فأذن لهم ، فسلّموا ولم يذكرْ
لهم شيئًا، وأمروا بالمصير إلى الدار لصلاة الجمعة ، فانصرفوا ، وغدا الناس يوم
الجمعة ولم يحدثوا (١) شيئًا، وصلّى المهتدى، وسكن الناس وانصرفوا هادنين .
١٧٩٥/٣
وذُكِرِ عن بعض مَنْ سمع الكلام فى يوم الأربعاء يقول: إن المهتدى
لما خُوّن صالح قال : إن بايكباك قد كان حاضراً ما عمل به صالح فى أمر
الكتّاب ومال ابن قبيحة، فإن كان صالح قد أخذ من ذلك شيئًا فقد أخذ مثل
ذلك بايكباك ؛ فكان ذلك الذى أحفظ بايكباك .
وقال آخر : إنه سمع هذا القول ، وإنه ذكر محمد بن بغا ، وقال : قد
كان حاضراً وعالمًا بما أجَرْوا عليه الأمر، والشريك فى ذلك أجمع . فأحفظ
ذلك أبا نصر.
وقد قيل : إن القوم من لدن قدم موسى كانوا مضمرين هذا المعنى ،
منطوين على الغِلّ ؛ وإنما كان يمنعهم منه خوف الاضطراب وقلة الأموال ؛
فلما ورد عليهم مال فارس والأهواز تحرّكوا ، وكان ورود(٢) ذلك عليهم
يوم الأربعاء لثلاث بقين من المحرّم، ومبلغه سبعة عشر ألف ألف درهم وخمسمائة
ألف درهم .
[ ذكر الخبر عن خروج العامة على المهتدى ]
فلما كان يوم السبت انتشر الخبر فى العامة أنّ القوم على أن يخلعوا
المهتدى ، ويفتكوا به ، وأنهم أرادوه على ذلك ، وأرهقوه ، وكتبوا الرقاع
وألقوْها فى المسجد الجامع والطرقات ؛ فذكر بعض (٣) من زعم أنه قرأ رقعة
منها فيها :
(١) س: ((فلم يحدثوا)).
(٣) س: ((بعضهم).
(٢) ب: ((ورد )) .

٤٤٤
١٧٩٦/٣
سنة ٢٥٦
بسم الله الرحمن الرحيم، يا معشر المسلمين، ادعوا الله الخليفتكم
العدْل الرضىّ المضاهى لعمر بن الخطاب أن ينصرَه على عدّوه ، ويكفيه مؤنة
ظالمهِ، ويتمّ النعمة عليه وعلى هذه الأمة ببقائه ؛ فإن الموالىَ قد أخذوه بأن
يخلع نفسه وهو يعذَّب منذ أيام ، والمدبّر لذلك أحمد بن محمد بن ثوابة
والحسن بن مَخْلَد، رحم الله من أخلص النيّة ودعا وصلى على محمد صلى اللّه
علیه وسلم !..
فلما كان يوم الأربعاء لأربع خلوْن من صفر من هذه السنة ، تحرّك
الموالى بالكرْخ والدّور ، ووجّهوا إلى المهتدى على لسان رجل منهم يقال له
عيسى : إنّا نحتاج أن نلقى إلى أمير المؤمنين شيئًا، وسألوا أن يوجّه أمير المؤمنين
إليهم أحد إخوته ، فوجّه إليهم أخاه عبد الله أبا القاسم، وهو أكبر إخوته ،
ووجه معه محمد بن مباشر المعروف بالكرخىّ ، فمضيا إليهم ، فسألاهم عن
شأنهم ، فذكروا أنهم سامعون مطيعون لأمير المؤمنين ، وأنه بلغهم أن موسى
ابن بغا وبايكباك وجماعة من قوّادهم يريدونه على الخلع ، وأنهم يبذلون دماءهم
دون ذلك ، وأنهم قد قرءوا بذلك رقاعًا ألْقِيَتْ فى المسجد والطرقات ،
وشكوا مع ذلك سوء حالهم ، وتأخُّر أرزاقهم ، وما صار من الإقطاعات إلى
قوّادهم التى قد أجحفت بالضياع والخراج ، وما صار نكبرائهم من المعاون
والزيادات من الرسوم القديمة مع أرزاق النساء والدّخلاء الذين قد استغرقوا
أكثر أموال الخراج . وكثر كلامهم فى ذلك ، فقال لهم أبو القاسم عبد اللّه
ابن الواثق : اكتبوا هذا فى كتاب إلى أمير المؤمنين، أتولَّى إيصاله لكم ؛
فكتبوا ذلك ، وكاتبهم فى الذى يكتبون محمد بن ثقيف الأسود ؛ وكان يكتب
لعيسى (١) صاحب الكرخ أحياناً . وانْصرف أبو القاسم ومحمد بن مباشر ،
فأوصلا الكتاب إلى المهتدى ، فكتب جوابتَه بخطّه ، وختمه بخاتمه ، وغدا
أبو القاسم إلى الكَرْخ ، فوافاهم. فصاروا به إلى دار أشناس وقد صيروها مسجداً
جامعاً له ، فوقف ووقفوا له فى الرَّحَبة ، واجتمع منهم زهاء مائة وخمسين
فارسًا ونحو من خمسمائة راجل ، فأقرأهم من المهتدى السلام ، وقال : يقول
١٧٩٧/٣
(١) س: ((يلقب بعيسى)).

٤٤٥
سنة ٢٥٦
لكم أمير المؤمنين : هذا كتابى إليكم بخطّى وخاتمى ، فاسمعوه وتدّبروه ، ثم
دفع الكتاب إلى كاتبهم فقرأه، فإذا فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وصلى الله على محمد النبيّ وعلى آله
وسلم تسليماً كثيراً، أرشدنا الله وإياكم، وكان لنا ولكم وليًّا وحافظًا. فهمت
كتابَكُم، وسرّفى ما ذكرتم من طاعتكم وما أنتم عليه؛ فأحسن الله جزاءكم،
وتولی حیاطتكم؛ فأما ما ذ کرتم من خلتگم وحاجتكم، فعزیز على ذلك فيكم ،
ولوددت واللّه أنّ صلاحكم يهيّاً بألا آكل ولا أطعم ولدى وأهلى إلاّ القوت
الذى لا شبع دونه ، ولا ألبس أحدًا من ولدى إلا ما ستر العورة ، ولا
واللّحاطكم اللهما صار إلىّ منذ تقلدت أمر كم لنفسى وأهلى وولدى ومتقدمی
غلمانىّ وحشمى إلا خمسة عشر ألف دينار، وأنتم تقفون على ما ورد ویَرد ،
كلّ ذلك مصروف إليكم ، غير مدّخر عنكم . وأما ما ذكرتم مما بلغكم ،
وقرأتم به الرّقاع التى ألقيت فى المساجد والطرق، وما بذلتم من أنفسكم ؛ فأنتم
أهل ذلك . وأين تعتذرون مما ذكرتم ونحن وأنتم نفس واحدة ! فجزاكم الله
عن أنفسكم وعهود كم وأمانتكم خيرًا. وليس الأمر كما بلغكم ، فعلى ذلك
فليكن عملكم إن شاء الله. وأما ما ذكرتم من الإقطاعات والمعاون وغيرها،
فأنا أنظر فى ذلك وأصير منه إلى محبّتكم إن شاء اللّه والسلام عليكم . أرشدنا
الله وإياكم، وكان لنا ولكم حافظًا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله
على محمد النبى وآ له وسلم تسليماً كثيراً .
١٧٩٨/٣
فلما بلغ القارئ من الكتاب إلى الموضع الذى قال: ((ولم يصل إلىّ إلا
قدر خمسة عشر ألف دينار))، أشار أبو القاسم إلى القارئ ، فسكت ثم قال :
وهذا ماَ قدِّر ، هذا قد كان أمير المؤمنين فى أيام إمارته يستحق فى أقلّ من
هذه المدة ماهو أكثر منه بأرزاقه وأنزاله ومعونته، وقد تعلمون ما كان مَنْ تقدّمه
يصرفه فى صلات المخنثين والمغنين وأصحاب الملاهى وبناء القصور وغير ذلك ،
فادعوا الله لأمير المؤمنين . ثم قرأ الكتاب حتى أتى على الكتاب.

٤٤٦
سنة ٧٥٦
٠١٧٩٩/٣
فلما فرغ كثُر الكلام وقالوا قولا ، فقال لهم أبو القاسم : اكتبوا بذلك
كتاباً صدّروه على مجارى الكتب إلى الخلفاء ، واكتبوه عن القوّاد وخلفائهم
والعُرفاء بالكرخ والدّور وسامرًا. فكتبوا- بعد أن دعوا الله فيه لأمير المؤمنين:
إن الذی يسألون ،أن تردّ الأمور إلى أمیر المؤمنین فی الخاص والعام، ولا يعترض
عليه معترض ، وأن تردَّ رسومهم إلى ما كانت عليه أيام المستعين بالله؛ وهو
أن يكون على كلّ تسعة منهم عريف ، وعلى كل خمسين خليفة ، وعلى كل
مائة قائد، وأن تسقط النساء والزيادات والمعاون، ولا يدخل (١) مولى فى قبالة
ولا غيرها ، وأن يوضع لهم العطاء فى كلّ شهرين على ما لم يزل ، وأن تبطل
الإقطاعات ، وأن يكون أمير المؤمنين يزيد مَنْ شاء ويرفع مَنْ شاء. وذكروا
أنهم صائرون فى أثر كتابهم إلى باب أمير المؤمنين ، ومقيمون هناك إلى أن
تقضى حوائجُهم . وإنه إن بلغهم أنّ أحداً اعترض أمير المؤمنين فى شىء من
الأمور أخذوا رأسه ، وإن سقط من رأس أمیر المؤمنین شعرة قتلوا به موسى بن
بغا و بايكباك ومفلحاً وياجور وبكالبا وغيرهم .
ودعوا الله لأمير المؤمنين ودفعوا الكتاب إلى أبى القاسم . فانصرف به حتى
أوصله ، وتحرّك الموالى بسامرًا، واضطرب القوّاد جدًّاً، وقد كان المهتدى قعد
للمظالم وأدخل الفقهاء والقضاة ، وأخذوا مجالسهم ، وقام القوّاد فى مراتبهم ،
وسبق دخول أبى القاسم دخول المتظلّمين .
فقرأ المهتدى الكتاب قراءة ظاهرة ، وخلا بموسى بن بغا ، ثم أمر
سليمان بن وهب أن يوقّع فى رقعتهم بإجابتهم إلى ما سألوا ، فلما فعل ذلك فى
فصل من الكتاب أو فصلين، قال أبو القاسم: يا أمير المؤمنين ، لا يقنعهم
إلا خطّ أمير المؤمنين وتوقيعه ، فأخذ المهتدى كتابهم فضرب على ما كان
سليمان وقع فى ذلك، ووقع فى كل باب بإجابتهم(٢) إلى ما سألوا، وبأن يفعل ذلك.
ثم كتب كتاباً مفرداً بخطّه وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أبى القاسم، فقال أبو القاسم
لموسى وبايكباك ومحمد بن بغا: وجّهوا إليهم معى رسلا يعتذرون إليهم مما بلغهم
عنكم . فوجّه كل واحد منهم رجلاً، وصار أبو القاسم إليهم وهم فى مواضعهم،
١٨٠٠٣
(١) س: (( وألا)).
(٢) س: (( إحابتهم)).

٤٤٧
سنة ٢٥٦
وقد صاروا زهاء ألف فارس وثلاثة آلاف راجل ؛ وذلك فى وقت الظهر من
يوم الخميس لخمس ليال خلون من صفر من هذه السنة ، فأقرأهم من
أمير المؤمنين السلام، وقال لهم: إنّ أمير المؤمنين، قد أجابكم إلى كلّ ما سألتم،
فادعوا الله لأمير المؤمنين . ثم دفع كتابهم إلى كاتبهم ، فقرأه عليهم بما فيه
من التوقيعات ؛ ثم قرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين ؛ فإذا فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله وحده، وصلى الله على محمد النبي وآ له
وسلم ؛ أرشدكم الله وحاطكم، وأمتع بكم ، وأصلح أموركم وأمور المسلمين بكم؟
وعلى أيديكم . فهمتُ كتابكم ، وقرأته على رؤسائكم ، فذكروا مثل الذى
ذكرتم ، وسألوا مثل الذى سألتم، وقد أجبتكم إلى جميع ما سألتم محبّةً لصلاحكم
وألفتكم واجتماع كلمتكم، وقد أمرت بتقرير أرزاقكم ، وأن تصير دارَّة عليكم ،
فليست لكم حاجة إلى حركة ، فطيبُوا نفسًا، والسلام. أرشدكم الله وحاطكم
وأمتع بكم ، وأصلح أموركم وأمور المسلمين بكم ، وعلی أیدیکم !
فلما فرغ القارئ من الكتاب ، قال لهم أبو القاسم : وهؤلاء رسل رؤسائكم
يعتذرون إليكم من شىء إن كان بلغكم عنهم ، وهم يقولون: إنما أنتم إخوة ؛
وأنتم منّا وإلينا .
وتكلم الرسل بمثل ذلك ، فتكلّموا أيضًا كلامًا كثيراً، ثم كتبوا كتاباً يعتذرون
فيه بمثل العذر الأوّل إلى أمير المؤمنين ، وذكروا فيه خصالا مما ذكروه فى
الكتاب الذى قبله ، ووصفوا أنه لا يقنعهم إلاّ أن ينفذ إليهم خمس توقيعات ،
توقيعاً بحط الزيادات ، وتوقيعاً برد" الإقطاعات، وتوقيعاً بإخراج الموالى البوابين
من الخاصّة إلى عداد البرانيّين ، وتوقيعًا برد" الرسوم إلى ما كانت عليه أيام
المستعين ، وتوقيعاً بردّ التلاجئ حتى يدفعوها إلى رجل يضمُّون إليه خمسين
رجلاً من أهل الدور ، وخمسين رجلا من أهل سامُرًا ينتجزون من الدواوين ،
ثم يصير أمير المؤمنين الجيش إلى أحد إخوته أو غيرهم ممن يرى ليسفر بينه
وبينهم بأمورهم، ولا يكون رجلا منالموالى، وأن يؤمر صالح بن وصيف فيحاسب
هو وموسى بن بغا على ما عندهم من الأموال ، وأنه لا يرضيهم دونَ ما سألوا
فى كتبهم كلها مع تعجيل العطاء ، وإدرار أرزاقهم عليهم فى كلّ شهرين ،
١٨٠١/٣

٤٤٨
سنة ٢٥٦
وأنهم قد کتبوا إلى أهل سامرًا والمغاربة فى موافاتهم ، وأنهم صائرون إلى باب
أمير المؤمنين لينجز ذلك لهم، ودفعوا الكتاب إلى أبى القاسم أخى أمير المؤمنين،
وكتبوا كتاباً آخر إلى موسى بن بغا وبايكباك ومحمد بن بغا ومفلح وياجور
وبكالبا وغيرهم من القوّاد الذين ذكروا أنهم كتبوا كتابًا، ذكروا فيه أنهم قد
كتبوا إلى أمير المؤمنين بما كتبوا، وأن أمير المؤمنين لا يمنعهم ما سألوا (١) إلا
أن يعترضوا عليه، وأنهم إن فعلوا ذلك وخالفوهم لم يوافقوهم على شىء، وأنّ
أمير المؤمنين إن شاكتْه شوكة أو أخذ من رأسه شعرة ، أخذوا رءوسهم جميعاً ،
وأنه ليس يقنعهم إلاّ أن یظهر صالح بن وصیف حتى يجمع بينه وبين موسی
ابن بُغا ، حتى ينظر أين موضع الأموال ؛ فإن صالحاً قد كان وعدهم قبل
استتاره أن يعطيتهم أرزاق ستة أشهر .
١٨٠٢/٣
ثم دفعوا هذا الكتاب إلى رسول موسى ، ووجّهوا مع أبى القاسم عدّة نفر
منهم ؛ ليوصلوا إلى أمير المؤمنين كتابهم ، وليستمعوا كلامه .
فلما رجع أبو القاسم وجّه موسی زهاء خمسمائة فارس ، فوقفوا على باب
الحيْر بين الجوسق والكرْخ، فمال إليهم أبو القاسم ورسل القوم ورسل أنفسهم،
فدفع رسول موسى إلى موسى كتاب القوم إليه وإلى أصحابه - وفى الجماعة
سليمان بن وهب وولده وأحمد بن محمد بن ثّواية وغيرهم من الكتاب -
فلما قرأ الكتاب عليهم أعلمهم أبو القاسم أنّ معه كتاباً من القوم إلى
أمير المؤمنين ، ولم يدفعه إليهم . فركبوا (٢) جميعًا وانصرفوا إلى المهتدى،
فوجدوه فى الشمس قاعداً على لِبد ، قد صلَّى المكتوبة ؛ وكسر جميع ما كان
فى القصر من الملاهى وآلاتها وآلات اللعب والهنَزْل ، فدخلوا فأوصلوا إليه
الكتب ، وخلوا مليًا . ثم أمر المهتدى سليمان بن وهب بإنشاء الكتب على ماسألوا
فى خمس رقاع ، فأنفذها المهتدى فى درج كتاب منه بخطّه ، ودفعه إلى
أخيه ، وكتب القُوّاد إليهم جواب كتابهم ، ودفعوه إلى صاحب سوسی ،
فصار إليهم أبو القاسم فى وقت المغرب ، فأقرأهم من المهتدى السلام ، وقرأ
عليهم كتابه ، فإذا فيه :
١٨٠٣/٣
(١) س: ((ما سألوا)).
(١) س: ((فرجعوا)).

٤٤٩
سنة ٢٥٦
بسم الله الرحمن الرحيم ، وفقنا الله وإياكم لطاعته وما يرضيه . فهمت
كتابكم . حاطكم الله، وقد أنفذت إليكم التوقيعات الخمس على ما سألتم ،
فوكّلوا منْ يتنجّزها من الدواوين إن شاء الله . وأما ما سألتم من تصبير أمركم
إلى أحد إخوتی لیوصل إلى أخبارکم ، ويؤدى إلىّ حوائجكم؛ فوالله إنى لأحب
أن أتفقّد ذلك بنفسى، وأن أطلع على كلّ أمركم وما فيه مصلحتكم ، وأنا
مختار لكم الرجل الذى سألتم ، من إخوتى أو غيرهم إن شاء اللّه ؛ فاكتبوا إلىّ
بحوائجكم وما تعلمون أن فيه صلاحكم ؛ فإنى صائر من ذلك إلى ما تحبّون
إن شاء اللّه، وفّقنا الله وإياكم لطاعته وما يرضيه .
وأوصل إليهم رسول موسى كتاب موسى وأصحابه ؛ فإذا فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم. أبقاكم الله وحفظكم، وأتمّ نعمته عليكم ، فهمنا
كتابكم ؛ وإنما أنتم إخواننا وبنوعمنا ، ونحن صائرون إلى ما تحبّون ، وقد أمر
أمير المؤمنين أعزه الله فى كل ما سألتم بما تحبون وأنفذ التوقيعات به إليكم .
وأما ذكرتم من أمر صالح مولى أمير المؤمنين وتغيّرنا له فهو الأخ وابن العم ،
وما أردنا من ذلك ما تكرهون ؛ فإن وعدكم أن يعطيكم أرزاق ستة أشهر فقد
رفعنا إلى أمير المؤمنين رقاعاً، نسأله مثل الذى سألتم. وأما ما قلتم من ترك الاعتراض
على أمير المؤمنين وتفويض الأمر إليه ، فنحن سامعون مطيعون لأمير المؤمنون ،
والأمور مفوَّضة إلى الله وهو مولانا ونحن عبيده، وما نعترض (١) عليه فى شىء
من الأمور أصلا. وأما ما ذكرتم أنا نريد بأمير المؤمنين سوءاً، فمَنْ أراد ذلك
فجعل الله دائرة السوء عليه، وأخزاه فى دنياه وآخرته . أبقاكم الله وحفظكم ،
وأتمّ نعمته عليكم !
١٨٠٤/٣
فلما قرأ الكتابات (٢) عليهم، قالوا لأبى القاسم : هذا المساء قد أقبل،
ننظر فى أمرنا الليلة ، ونعود بالغداة لنعرّفك رأينا. فافترقوا، وانصرف أبو القاسم
إلى أمير المؤمنين .
(١) س: ((ولا نعترض)).
(٢) س: ((الكتاب))، ابن الأثير: ((الكتابين)).

٤٥٠
١٨٠٥/٣
سنة ٢٥٦
ثم أصبح القوم من غداة يوم الجمعة ، فلما كان فى آخر الساعة الأولى ،
ركب موسى بن بغا من دار أمير المؤمنين ، وركب الناس معه وهم قدر ألف
وخمسمائة رجل ؛ حتى خرج من باب الحيْر الذى يَلِى القطائع من الجوْسق
والكَرْخ ، فعسكر هناك، وخرج أبو القاسم أخو المهتدى ، ومعه الكرخىّ ،
حتى صار إلى القوم ، وهم زهاء خمسمائة فارس وثلاثة آلاف راجل ؛ وقد
كان أبو القاسم انصرف فى الليل ومعه التوقيعات ؛ فلما صار بينهم أخرج
كتابًا من المهتدى نسخته شبيه بالكتاب الذى فى درجه التوقيعات(١) . فلما
قرأ الكتاب ضجّوا، واختلفتْ أقاويلهم، وكَثُرُ مَنْ يلحقُ بهم من رجّالة
الموالى من ناحية سامراً فى الحيثر (٢)؛ فلم يزل أبو القاسم ينتظر أن ينصرف
من عندهم بجواب يحصّله يؤديه إلى أمير المؤمنين ، فلم يتهيأ ذلك إلى الساعة
الرابعة ، وانصرفوا، فطائفة يقولون: نريد أن يعزّ اللّه أمير المؤمنين، ويوفّر علينا
أرزاقنا ؛ فإنا قد هلكنا بتأخيرها عنا . وطائفة يقولون : لا نرضى حتى
يوَلَّىَ عليها أمير المؤمنين إخوته، فيكونَ واحدٌ بالكرْخ، وآخر بالدّور ،
وآخر بسامُرًا ، ولا نريد أحداً من الموالى يكون علينا رأسًا . وطائفة تقول :
نريد أن يظهر صالح بن وصيف - وهى الأقل .
فلما طال الكلام بهذا منهم ، انصرف أبو القاسم إلى المهتدى بجملة من
الخبر ، وبدأ بموسى فى الموضع الذى هو معسكر فيه ؛ فانصرف بانصرافه ،
فلما صلّى المهتدى الجمعة صير الجيش إلى محمد بن بغا ، وأمره بالمصير إلى
القوم مع أخيه أبى القاسم ، فركب معه محمد بن بُغا فى زهاء خمسمائة فارس ،
ورجع موسى إلى الموضع الذى كان فيه بالغداة ، ومضى أبو القاسم ومحمد
ابن بغا حتى خالطا القوم ، وأحاط الجميع به ، فقال أبو القاسم لهم : إنّ
أمير المؤمنين يقول : قد أخرجت التوقيعات لكم بجميع ما سألتم ، ولم يبق لكم
ما تحبّون شىء إلاّ وأمير المؤمنين يبلغ فيه الغاية ؛ وهذا أمان لصالح بن وصيف
بالظهور . وقرأ عليهم أماناً لصالح ، بأنّ موسى وبايكباك سألا أمير المؤمنين
أعزّه اللّه ذلك، فأجابهما إليه، وأكده بغاية التأكيد ، ثم قال : فعلام
١٨٠٦/٣
(١) س: ((فى درج التوقيعات)).
(٢) س: ((الحيز)).

٤٥١
سنة ٢٥٦
اجتماعكم ! فأكثروا الكلام ؛ فكان الذى حصّله عند انصرافه أن قالوا : نريد
أن يكون موسى فى مرتبة بُغا الكبير ، وصالح فى مرتبة وصيف أيام بُغا، وبايكباك
فى مرتبته الأولى ، ويكون الجيش فى يد من هو فى يده ؛ إلى أن يظهر صالح
ابن وصيف ، فيوضع(١) لهم العطاء ، وتتنجّز لهم الأرزاق بما فى التوقيعات.
فقال : نعم .
فانصرف القوم ، فلما صاروا على قدر خمسمائة ذراع اختلفوا ، فقال
قوم : قد رضينا ، وقال قوم : لم نرض ، وانصرف رسل المهتدى إليه: إنّ
القومَ قدتفرقوا؛ وهم على أن ينصرفوا، فانصرف موسى عند ذلك، وتفرق الناس إلى
مواضعهم من الكَرْخ والدّور وسامرًا. فلما كان غداة يوم السبت ، ركب
ولد وصيف وجماعة من مواليهم وغلمانهم ، وتنادى الناس : السلاح ! وانتوب
دوابّ العامة الرّجالة؛ رجّالة أصحاب صالح بن وصيف، ومضوا فعسكروا بسامرً!
فى طرف وادى إسحاق بن إبراهيم، عند مسجد لُجَين أمّ ولد المتوكل. وركب
أبو القاسم عند ذلك يريد دار المهتدى ، فمرّ بهم فى طريقه ، فتعلّقوا به وبمن
كان معه من حشمه وغلمانه ، فقالوا له : تؤدى إلى أمير المؤمنين بعنا رسالة ؟
فقال لهم : قولوا ، فخلطوا ولم يتحصل من قولهم شيئًا إلا: إنا نريد صالحًا،
فضى حتى أدى إلى أمير المؤمنين ذلك وإلى موسى ، وجماعة القواد حضور .
فذُكر عمّن حضر المجلس أنّ موسى بن بغا ، قال : يطلبون صالحًا منى؛
كأنى أنا أخفيتُه وهو عندى! فإن كان عندهم (٢) فينبغى لهم أن يظهروه.
وتأكد عندهم الخبر باجتماع القوم، وتحلُّب الناس إليهم ، وتهايجوا من دار
أمير المؤمنين ؛ فركبوا فى السلاح ، وأخذوا فى الحبْرحتى اجتمعوا ما بين
اندكة (٣) وظهر المسجد الجامع؛ فاتّصل الخبر بالأتراك ومَنْ كان ضَوَى
إليهم ، فانصرفوا ركضًا وعدْواً لا يلوى فارس على راجل ، ولا كبير على صغير
حتى دخلوا الدروب والأزقة ، ولحقوا بمنازلهم، وزحف موسى وأصحابه جميعًا ،
فلم يبق بسامُرًا قائد يركب إلى دار أمير المؤمنين إلا" ركب معه، ولزموا الحيْر
١٨٠٧/٣
(١) س: ((فيوقع)).
(٢) س: ((الرحبة)).
(٢) س ((عندكم)).

٤٥٢
سنة ٢٥٦
حتى خرجوا مما يلى الحائطين . ثم خرجوا ؛ فأما مفاح وواجن ومن انضم إليهما
فسلكوا شارع بغداد حتى بلغوا سوق الغنم ، ثم عطفوا إلى شارع أبى أحمد ،
حتى لحقوا بجيش موسى . وأما موسى وجماعة القواد الذين كانوا معه مثل ياجور
وساتكين ويارْجُوخ وعيسى الكرخىّ ، فإنهم سلكوا على تَسْت شارع
أبى أحمد ، حتى صاروا إلى الوادى، وانصرفوا إلى الجوْسق؛ فكان تقدير الجيش
الذين كانوا مع موسى فى هذا اليوم - وهو يوم السبت - أربعة آلاف فارس
فى السلاح والقسىّ الموتّرة والدّروع والجواشن(١) والرّماح والطبر زينات (٢).
وكان أكثرُ القوّاد الذين كانوا بالكرْخ يطلبون صالحًا (٣) مع موسى فى هذا
الجيش يريدون محاربة مَنْ يطلب صالحاً .
١٨٠٨/٣
وقد ذكر عن بعض من تخيّر أمرهم ؛ أنّ أكثر مَنْ كان راكبًا مع
موسى كان هواه مع صالح ، ولم يكن للكرخيين والدّوريِّين فى هذا اليوم
حركة؛ فلمّا وصل القوم إلى الجوسق كان أوّل ما ظهر منهم (٤) النداء بأن مَنْ
لم يحضر دار أمير المؤمنين فى غداة يوم الأحد من قُوّاد صالح وأهله وغلمانه
وأصحابه أسقط(٥) اسمه، وحُرّب منزله، وضرب وقُيِّد وحُذّر إلى المطبق؛
ومن وُجد بعد ثالثة من هذه الطبقة ظاهراً بعد استتار ، فقد حلّ به مثل ذلك ،
ومن أخذ دابّة لعامىّ أو تعرّض له فى طريق ؛ فقد حلّت به العقوبة الموجعة .
وبات الناس ليلة الأحد لثمان خلون من صَفَر على ذلك ؛ فلما كان غداة
يوم الاثنين انتهى إلى المهتدى أنّ مساورا(٦) الشارى صار إلى بلد، فقتل بها
وحرّق ، فنادى فى مجلسه بالنفير ، وأمر موسى ومفلحاً وبايكباك بالخروج ،
وأخرج موسى (٧) مضاربه ؛ فلمّا كان يوم الأربعاء لإحدى عشرة مضت
من صَفَر بطل أمر موسى ومحمد بن بغا ومُفْلح فى الخروج ، وقالوا : لا يبرح
(١) الجواشن: جمع جوشن ؛ وهو نوع من الدروع.
(٢) فى معرب الجواليقى: ((الطبرزين فارسى، وتفسيره فأس السرج؛ لأن فرسان العجم
(٣) ب: ((صلحا)).
تحمله معها يقاتلون به )) .
(٤) س: ((عنهم)).
(٥) س: ((سقط)).
(٦) س : ((مشاور))
(٧) ب: ((مفلح)).

٤٥٣
سنة ٢٥٦
أحدٌ منا (١) حتى ينقطع أمرنا وأمر صالح ؛ وهم مجمعون على ذلك ، يخافون
من صالح أن يخلفهم بمكروه .
وذكر عن بعض الموالى أنه قال : رأيت بعض بنى وصيف - وهو الذى
كان جمع تلك الجموع-يلعب مع موسى وبايكباك بالصوالحة فى ميدان بغا
الصغير يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر . ثم جدّ هؤلاء فى
طلب صالح بن وصيف، فهُجم بسببه على جماعة ممن كان متصلا به قبل
ذلك. وممّن اتهموه أنه آواه، منهم إبراهيم بن سعدان النحوىّ وإبراهيم الطالبيّ
وهارون بن عبد الرحمن بن الأزهر الشيعىّ وأبو الأحوص بن أحمد بن سعيد
ابن سلم بن قُتيبة وأبو بكر خَتَن أبى حَرملة الحجّام وشارية المغنية والسرخسىّ
صاحب شُرطة (٢) الخاصة وجماعة غيرهم.
١٨٠٩/٣
فذكر عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مصعب بن زريق ، قال :
حدّثنى صاحب رُبع القبّة - وهو رُبع تلقاء دار صالح بن وصيف - قال :
بينا(٣) نحن قعود يوم الأحد ، إذا غلام قد خرج من زُقَاق ، وأراه مذعوراً،
فأنكرناه ، فأردنا مسألته عن شأنه ؛ ففاتنا؛ فلم نلبث أن أقبل عَيَّار من موالى
صالح بن وصيف يعرف بروزبه ، ومعه ثلاثة نفر أو أربعة ، فدخلوا الزّقاق ،
فأنكرناهم، فلم يلبثوا أن خرجوا ، وأخرجوا صالح بن وصيف ، فسألنا عن الخبر ،
فإذا الغلام قد دخل داراً فى الزّقاق يطلب ماءً ليشربه . قال : فسمع قائلا
يقول بالفارسية : أيها الأمير تنحّ ، فإن غلاماً قد جاء يطلب ماء ؛ فسمع
الغلام ذلك، وكان بينه وبين هذا العبّار معرفة(٤)، فجاء فأخبره ، فجمع العيّار
ثلاثة أناسىّ ، وهجم عليه فأخرجه .
وذكر عن العيّار الذى هجم عليه ، أنه قال : قال لى الغلام ما قال ،
فأقبلت ومعى ثلاثة نفر، فإذا بصالح بن وصيف بيده مرآة ومُشط ، وهو
يسرّح لحيته ، فلما رآنى بادر فدخل بيتاً ، فخفت أن يكون قصد لأخذ
سيف أو سلاح، فتلوّمت ثم نظرت إليه ؛ فإذا هو قد لجأ إلى زاوية ، فدخلت ٣/ ١٨١٠
(١) س: ((منا أحد)).
(٣) س: ((بينما)).
(٢) س: ((شرط)).
(٤) س: ((مقة)) .

٤٥٤
سنة ٢٥٦
إليه فاستخرجتُه فلم يزدنى على التضرّع شيئًا . قال : فلما تضرّع إلىّ قلت :
ليس إلى تركك سبيل ؛ ولكنى أمرّ بك على أبواب إخوتك وأصحابك وقوّادك
وصنائعك ؛ فإن اعترض لى منهم اثنان أطلقتُك فى أيديهم . قال : فأخرجته
فما لقيت إلاّ مَنْ هو عونى على مكروهه .
فذكر أنه لما أخذ مضى به نحو ميلين ، ليس معه إلا أقلّ من خمسة نفر
من أصحاب السلطان . وذكر أنه أخذ حين آخذ ، وعليه قميص ومبطنة
ملحم وسراويل ، وليس على رأسه شىء وهو حاف .
وقيل إنه حمل على بِرْذون صِنابىّ(١) والعامة تعدو خلفه وخمسة من
الخاصّة يمنعون منه ؛ حتى انتهوا به إلى دار موسى بن بُغا ؛ فلما صاروا به
إلى دار موسى بن بغا أتاه بايكباك ومُفْلح وياجور وساتكين وغيرهم من القوّاد،
ثمّ أخرجوه من باب الحيْر الذى يلى قِبْلة المسجد الجامع ؛ ليذهبوا به إلى
الجوسق ، وهو على بغل بإكاف ، فلمّا صاروا به إلى حدّ المنارة ، ضربه رجل
من أصحاب مفلح ضربة من ورائه على عاتقه كاد يقِذْهُ منها، ثم احتزُّوا رأسه
وتركوا جيفته هناك، وصاروا به إلى المهتدى ؛ فوافوا به قبيل المغرب وهو فى
يرْكة قباء رجل من غلمان مفلح يقطر دماً ، فوصلوا به إليه ، وقد قام الصلاة
المغرب ، فلم يره، فأخرجوه ليصلَح (٢)، فلما قضى المهتدى صلاته ، وخبّروه
أنهم قتلوا صالحاً ، وجاءوا برأسه لم يزدهم على أن قال: وارُوه ؛ وأخذ فى تسبيحه.
ووصل الخبر إلى منزله ، فارتفعت الواعية وباتوا ليلتهم .
١٨١١/٣
فلما كان يوم الاثنين لسبع بقين من صفر حمل رأس صالح بن وصيف
على قناة ، وطِيف به ، ونودى عليه: هذا جزاء مَنْ قتَل مولاه، ونصب
بباب العامة ساعة ثم نُحى، وفُعِل به ذلك ثلاثة أيام تتابعاً ، وأخرِ ج رأس
بغا الصغير فى وقت صلب رأس صالح يوم الاثنين، فدُفع إلى أهله ليدفنوه .
فذكر عن بعض الموالى أنه قال : رأيت مفلحًا وقد نظر إلى رأس بغا ،
(١) برذون صنابى: أشقر أو كميت .
(٣) س: ((ليصل)).

٤٥٥
سنة ٢٥٦
فبكى وقال: قتلنى اللّه إنْ لم أقتل قاتلك ؛ فلما كان يوم الخميس لأربع بقين
من صفر، وجّه موسى بالرأس إلى أمّ الفضل ابنة وصيف ، وهى امرأة النوشرىّ،
وكانت قبله عند سلَمة بن خاقان .
فذُكِرِ عن بعض بنى هاشم أنه قال: هَنَّأْتُ موسى بن بغا بقتل صالح
فقال : كان عدوّ أمير المؤمنين استحقّ القتل. قال: وهنّأتُ بايكباك بذلك؛
فقال: مالى أنا وهذا! إنما كان صالح أخِى ، فقال السَّولىّ لموسى إذ قتل
صالح بن وصيف :
وجئتَ إِذْ جئتَ يا مُوسى على قَدرِ
وَزِلْتَ وِتْرَكَ من فرعون حينَ طَغَى
١٨١٢/٣
يَرِيكَ بالظّلم والعُدْوانِ عن وَتَرٍ
ثلاثةٌ كُلُّهُم باغٍ أَخو حَسَد
بالجسْرِ محتَرِقٌ بالجمر والشَّررِ
وصيفُ بالكرْخِ ممثُولٌ به وبُغَاً
فى الحيْرِ جيفَتُه، والرُّوحُ فى سَقَرِ
وصالحُ بن وصيفٍ بَعَدُ مُنْعَفِرٌ
#
وفى مستهلّ جُمادى الأولى من هذه السنة رحل (١) موسى بن بغا وبايكباك
إلى مساور ، وشيّعهم محمد بن الواثق .
وفى جمادى الأولى أيضًا منها التّى مُساور بن عبد الحميد وعبيدة العُمروسىّ
الشارى بالكُحيل، وكانا مختلفى الآراء ، فظفر مساور بعبيدة فقتله .
وفى هذا الشهر من هذه السنة التقى مساور الشارى ومفلح ، فحُدّثت
عن مساور ، أنه انصرف من الكُحيل بعد قتله العمروسىّ، وقد كُلِيمٍ كثير
من أصحابه فلم تندمل كُلُومهم ، ولَغِبوا من الحرب التى كانت جرت بين
الفريقين إلى عسكر موسى ومن ضمه ذلك العسكر وهم حامون ، فأوقع بهم ؛
فلما لم يصل إلى ما أراد منهم من الظفر بهم ، وكان التقاؤهم بجبل زينى تعلق
هو وأصحابه بالجبل فصاروا إلى ذر وته (٢)، ثم أوقدوا النيران ، ور کزوا رماحهم،
(١) س: ((ترحل)).
(٢) س: ((فى دروته)).
١٨١٣/٣

٤٥٦
سنة ٢٥٦
وعسكر موسى بسفح الجبل ثم هبط مساور وأصحابه من الجبل، من غير الوجه
الذى عسكر به موسى، فمضى وموسى وأصحابه يحسبون أنهم فوق الجبل ففاتوهم.
٠ ٠
[ ذكر الخبر عن خلع المهتدى ثم موته]
وفى رجب من هذه السنة لأربع عشرة ليلة خلت منه خُلِع المهتدى ،
وتوفّىَ يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من رجب .
* ذكر الخبر عن سبب خلعه ووفاته :
ذكر أن ساكنى الكرخ بسامرًا (١) والدور تحرّكوا لليلتين خَلًّا من
رجب من هذه السنة ، يطلبون أرزاقهم ، فوجّه إليهم المهتدى طبايغو الرئيس
عليهم وعبد الله أخا المهتدى، فكلّمهم فلم يقبلوا منهما ، وقالوا : نحن نريد
أن نكلِّم أميرَ المؤمنين مشافهةً. وخرج أبو نصر بن بُغا تحت ليلتِهِ إلى
عسكر أخيه ، وهو بالسّنّ بالقرب من الشارى ، ودخل دار الجوْسق جماعة
منهم ؛ وذلك يوم الأربعاء ، فكلّمهم المهتدى بكلام كثير ، وقطع العطاء عن
الناس يوم الأربعاء والخميس والناس متوقّفون حتى يعرفوا ما يصنع موسى بن
بُغا، وكان موسى وضع العطاء فى عسكره لشهر ، وكان على مناجزة الشارى
إذ استوى (٢) أصحابه ، فوقع الاختلاف ، ومضى موسى يريد طريق خُراسان.
١٨١٤/٣
واختُلف فى سبب الاختلاف الذى جرى ، فصار من أجله موسى إلى
طريق خُراسان ، والسبب الذى من أجله خرج المهتدى لحرب من حاربه من
الأتراك ، فقال بعضهم: كان السبب الذى من أجْله تنحّى موسى عن وجه
الشارى وترك حربه وصار إلى طريق خُراسان ، أنّ المهتدى استمال بايكباك ،
وهو مع موسى مقيم فى وجه الشارى مساور ، وكتب إليه يأمره أن يضمّ العسكر
الذى مع موسى إلى نفسه ، وأن يكون هو الأميرَ عليهم ، وأن يقتل موسى بن
بغا ومُفُلحاً ، أو يحملَهما إليه مقيَّديْن . فلما وصل الكتاب إلى بايكباك ،
أخذه ومضى به إلى موسى بن بغا ، فقال : إنى لستُ أفرح بهذا ؛ وإنما هذا
(١) س: ((بسر من رأى)).
(٢) س: ((إذا استوى)).

٤٥٧
سنة ٢٥٦
تدبير علينا جميعاً، وإذا فُعِل بك اليوم شىء فُعِل بى غداً مثلُه ، فما ترى؟
قال : أرى أن تصير إلى سامراً ، فتخبره أنك فى طاعته، وناصره على ٠وسى
ومفلح ؛ فإنه يطمئنّ إليك ، ثم ندبّر فى قتله .
فقدم بايكباك فدخل على المهتدى ، وقد مضوا إلى منازلهم كما قدموا من
عند الشارى ؛ فأظهر له المهتدى الغضب ، وقال : تركتَ العسكر ، وقد
أمرتُك أن تقتل موسى ومفلحاً ، وداهنتَ فى أمرهما ! قال : يا أمير المؤمنين ،
وكيف لى بهما؟ وكيف يتهيأ لى قتلهما ؟ وهما أعظم جيشًا منى، وأعزّ منى !
ولقد جرى بينى وبين مفلح شىء فى بعض الأمر ؛ فما انتصفتُ منه؛ ولكنی
قد قدمتُ بحيشى وأصحابى ومَنْ أطاعنى لأنصرْك عليهما ، وأقوّى أمرك ؛
وقد بقى موسى فى أقلّ العدد . قال : ضعْ سلاحك ، وأمر بإدخاله داراً ،
فقال : يا أميرَ المؤمنين ، ليس هذا سبيل مثلى إذا قدم من مثل هذا الوجه ؛
حتى أصير إلى منزلى، وآمر أصحابى وأهلى بأمرى . قال : ليس إلى ذلك(١)
سبيل ، أحتاج إلى مناظرتك . فأخذ سلاحَه ، فلما أبطأ خبرُه على أصحابه
سعى فيهم أحمد بن خاقان حاجب بايكباك ، فقال : اطلبوا صاحبتكم قبل
أن يحدُث به حدث ؛ فجاشت الترك ، وأحاطوا بالجوسق . فلما رأى ذلك
المهتدى وعنده صالح بن على بن يعقوب بن أبى جعفر المنصور شاوره ، وقال:
ما ترى؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ إنه لم يبلغْ أحد من آبائك ما بلغته (٢) من
الشجاعة والإقدام ، وقد كان أبو مسلم أعظم شأناً عند أهل خراسان من هذا
التركىّ عند أصحابه ؛ فما كان إلاّ أن طرح رأسه إليهم حتى سكنوا(٣)، وقد
كان فيهم مَنْ يعبده ويتّخذه ربًّا، فلو فعلتَ مثل ذلك سكنوا ؛ فأنت
أشدّ من المنصور إقدامًا، وأشجع قلباً. فأمر المهتدى الكرخىّ- واسمه محمد
ابن المباشر ، وكان حدّاداً بالكرخ يطرق المسامير، فانقطع إلى المهدى ببغداد
فوثق به ولزمه - فأمره بضرب عنق بايكباك ، فضرب عنقه، والأتراكُ مصطفون
فى الجوسق فى السلاح ، يطلبون بايكباك ؛ فأمر المهتدى عتّاب بن عتّاب القائد
١٨١٥/٣
(١) ب: ((هذا)).
(٣) ب: ((فسكنوا)).
(٢) ب: ((بلغت)).

٤٥٨
١٨١٦/٣
١٨١٧/٣
سنة ٢٥٦
أن يرميهم برأسه فأخذ عتّاب الرأس ؛ فرمى به إليهم ، فتأخّروا وجاشوا ، ثم
شدّ رجل منهم على عتّاب، فقتله، فوجّه المهتدى إلى الفراغنة والمغاربة
والأوكشيّة والأشر وسنيّة والأتراك الذين بايعوه(١) على الدرهمين والسويق، فجاءوا،
فكانت بينهم قتلى كثيرة، كثر فيها الناسُ ، فقيل: قُتل من الأتراك الذين
قاتلوا نحو من أربعة آلاف ، وقيل ألفان وقيل ألف ؛ وذلك يوم السبت
لثلاث عشرة خلتْ من رجب من هذه السنة .
ثمّ تتامّ القوم يوم الأحد، فاجتمع جميع الأتراك ، فصار أمرهم واحداً ،
فجاء منهم زُهاء عشرة آلاف رجل ، وجاء طوغيتا أخو بايكباك وأحمد بن
خاقان حاجب بايكباك فى نحو من خمسمائة ؛ مع مَنْ جاء مع طوغيتا من
الأتراك والعجم ، وخرج المهتدى ومعه صالح بن علىّ ، والمصحفُ فى عنقه ،
يدعو الناس إلى أن ينصروا خليفتهم . فلما التحم الشرّ مال الأتراك الذين مع
المهتدى إلى أصحابهم الذين مع أخى بايكباك ، وبقى المهتدى فى الفراغنة
والمغاربة ومَنْ خفّ معه من العامة، فحمل عليهم طوغيتا أخو بايكباك حَمْلَة
ثائر حرّان موتور، فنقض تعبيتتهم ، وهزمهم ، وأكثر فيهم القتل وولَّوْا
منهزمين ، ومضى المهتدى يركضُ منهزمًا، والسيف فى يده مشهور، وهو
ينادى: يا معشرّ الناس، انصروا خليفتكم؛ حتى صار إلى دار أبى صالح
عبدالله بن محمد بن يزداد وهى بعد خشبة بابك؛ وفيها أحمد بن جميل صاحب
المعونة ، فدخلها ووضع سلاحه ، ولبس البياض ليعلوّ داراً وينزل أخرى
ويهرب . فطُلِب فلم يُوجَد ، وجاء أحمد بن خاقان فى ثلاثين فارسًا يسأل
عنه حتى وقف على خبره فى دار ابن جميل ، فبادرهم ليصعد ، فرمى بسهم
وبُعِج بالسيف، ثم حمله أحمد بن خاقان على دابة أو بغل ، وأردف خلفه
سائسًا حتى صار به إلى داره ، فدخلوا عليه ، فجعلوا يصفعونه ويبزُقون فى
وجهه ، وسألوه عن ثمن ما باع من المتاع والحُرْنِىّ، فأقرّ لهم بستمائة ألف قد
أودعها الكرخىّ الناس ببغداد، وأصابوا عنده خسفَ الواضحة مُغنّية، فأخذوا
رقعته بستمائة ألف دينار ؛ ودفعوه إلى رجل ، فوطئ على خُصيَيْه حتى قتله .
(١) س: ((بايعوا)».

٤٥٩
سنة ٢٥٦
وقال بعضهم : كان السببُ وأول الخلاف، أنّ اللاحقين من أولاد
الأتراك اجتمعوا، وقالوا : لا نرضى أن يكون علينا رئيسٌ غير أمير المؤمنين ،
وكتبوا إلى موسى بن بُنا وبايكباك ؛ وهما فى وجه الشارى ، فوافى موسى فى
رجاله حتى صار إلى قنطرة فى ناحية الوزيريّة يوم الجمعة ، وعسكر المهتدى
فى الخَيْر، وقرب منهم ، ثم خرج إلى الجوْسق ، وعليه السلاح ؛ فلما كان
يوم السبت لثلاث عشرة خلتْ من رجب ، دخل بايكباك طائعاً ، ومضى
موسى إلى ناحية طريق خراسان فى نحو من ألفى رجل ، وجاء المهتدى رجلٌ
من الموالى ؛ فقال له : إنّ بايكباك قد وعد موسى أن يفتك بك فى الجوسق ،
فأخذ المهتدى بايكباك ، وأمر بنزع سلاحه وحبسه ، فحُبس يوم السبت إلى
وقت(١) العصر، ثم خرج أهل الكرخ وأهل الدّور يطلبونه، وانصرفوا وبكّروا
يوم الأحد ، فلم يتخلفْ منهم أحد إلا حضر راكبًا وراجلا فى السلاح ، فلما
صاروا إلى الجوْسق ، صلّى المهتدى الظهر، وخرج إليهم فى الفراغنة والمغاربة،
فتطارد لهم الأتراك ، فحملوا عليهم . فلمّا تَبِعوهم خرج كمين لهم، فقتل من
الفراغنة والمغاربة جماعةً كبيرة ، وهرب المهتدى ، ومرّ على باب أبى الوزير
وغلام له يصيح: يا معشرَ الناس، هذا خليفتكم؛ وتراكض الأتراكُ خلفه،
فدخل دار أحمد بن جميل ، وتسلق المهتدى من دار إلى دار ، وأحدق
الأتراك بتلك الناحية كلها ، فأخرجوه من دار غلام لعبد الله بن عمر البازيار ،
وحملوه وبه طعنةٌ فى خاصرته على برْذون أعجف ، فی قميص وسراويل ،
وانتهبوا دار الكرخىّ ودور بنى ثَوَابة وجماعة من الناس؛ فلمّا كان يوم الاثنين
حمل أحمد بن المتوكل المعروف بابن فتيان إلى دار يارْجوخ، والأتراك يدورون
فى الشوارع ، ويحمدون العامة إذ لم يتعرّضوا لهم.
١٨١٨/٣
وقال آخرون : بل كان السبب فى ذلك ؛ أنّ أهل دور سامرًا والكرخ
تحرّكوا فى يوم الاثنين لليلة خلتْ من رجب من هذه السنة ، واجتمعوا بالكرْخ
وفوقها ، فوجّه المهتدى إليهم كيفَلَغ وطبايغو بن صول أرتكين وعبد اللّه أخا ١٨١٩/٣
نفسه ، فلم يزالوا بهم حتى سكنوا ورجعوا إلى الدار ، وبلغ أبا نصر محمد بن
(١) ب: ((فى)).

٤٦٠
١٨٢٠/٣
سنة ٢٥٦
بغا الكبير أنّ المهتدى قد تكلّم فيه وفى أخيه موسى، وقال للموالى: إنّ الأموال
عندهم ، فتخوّفه وإياهم ، فهرب فى ليلة الأربعاء لثلاث خلون من رجب ،
فكتب إليه المهتدى أربعة كتب يعطيه فيها الأمان على نفسه ومَنْ معه ،
ووصل كتابان إليه وهو بالمحمّدية مع أبرتكين بن برنمكاتكين ، ووصل الآخران
إليه مع فرج الصغير ، فوثق بذلك ، فرجع حتى دخل الدار هو وأخوه حَبْشون
ويكالبا ، فحبسوا وحُبِس معهم كَيْغَلع، فأفرد أبو نصر عنهم ؛ فطلب
منه المال ، فقبض من وكيله خمسة عشر ألف دينار ، وقتل يوم الثلاثاء لثلاث
خلوْن من رجب، ورُمِى به فى بئر من آبار القناة ، وأخرج من البئر يوم
الاثنين للنصف من رجب، ومضى به إلى منزله وقد أراح ، فاشتُرِى له ثلثمائة
مثقال مسك وستمائة مثقال كافور، وصُّر عليه فلم تنقطع الرائحة ، وصلى عليه
الحسن بن المأمون ، وكتب المهتدى إلى موسى بن بُغا عند حبسه أبا نصر يأمره
بتسليم العسكر إلى بايكباك والإقبال إلى سامراً فى مواليه ، وكتب إلى بايكباك
فى تسلم العسكر والقيام بقتال الشارى ، فصار بايكباك بالكتاب إلى موسى فقرأه،
فاجتمعوا على الانصراف إلى سامرًا ، وبلغ المهتدى ذلك ، وأنهم على خلافه ،
فجمع الموالى ، فحضّهم على الطاعة ، وأمرهم بلزومه فى الدّار وترك الإخلال
به ، وأجرى على كل رجل من الأتراك ومَنْ يجرى مجراهم فى كلّ يوم
درهمين ، وعلى كلّ رجل من المغاربة درهمًا. فاجتمع له من الفريقين وأخدائهم
زهاء خمسة عشر ألف إنسان، منهم من الأتراك المعروف بالكاملى فى الجوْسق
وغيره من المقاصير. وكان القيم بأمر الدار بعد حبس كيفلغ مسرور البلخىّ
والرئيس من القوّاد طبايغو، والقيم بحبس من حُبس من هؤلاء عبد الله بن تكين.
وبلغ موسى ومفلحاً وبايكباك حبسُ أبى نصر وحبشون ومَنْ حُبِس ، فأخذوا
حذرهم .
وجرت الرسل والكتب بينهم وبين المهتدى يوم الخميس ، وخرج المهتدى
يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلتْ من رجب بجمعه متوقّعًا ورود القوم
عليه ؛ فلم يأت أحد . فلما كان يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من رجب
صحّ الخبر بأنّ موسى قد عَرَج عن طريق سامرًا إلى ناحية الجبل مع مفلح ،