Indexed OCR Text

Pages 1-20

ذخائر العرب
٣٠
تاريخ الطبري
تاريخ الرّسل والملوك
لأَبِى جَعْفى محمّد بْن جَرِيرُ الطَّبَرَىّ
٢٢٤ - ٣١٠ هـ
الجزء التاسع
تحقیق
محمد أبو الفضل إبراهيم
( الطبعة الثانية منقحة )
دار المعارف بمصر

الناشر: دار المعارف بمصر - ١١١٩ كورنيش النيل - القاهرة ج.م.ع.

تاريخ الطبري

بِسِِْاللهِ الرّمنِ الرََّيَمْمِ
بیان
بيـ
يبدأ الجزء التاسع من هذه الطبعة بحوادث سنة ٢١٩ هـ ، وينتهى بآخر
حوادث سنة ٢٧٠ هـ ؛ وقد اشتمل على جزء من أخبار الخليفة المعتصم ، ثم
أخبار الواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدى وبعض أخبار المعتمد ؛
من الخلفاء العباسيين ؛ مع ذكر ما وقع فى أعصارهم من حروب وفتوح وفتن
وقصص وأشعار ؛ وكان من أهمّ الأحداث التى أوردها المؤلف فى هذا الجزء ،
الفتنة التى حمل لواءها دعىّ آل علىّ ، خارجاً على الخلفاء ، وانضم إليه الشذّاذ
من العبيد والزنوج والأتراك؛ ودارت وقائعها فى الأهواز والبصرة والأبُلَّة وبغداد ؛
واستمرت أكثر من أربعة عشر عاماً ، بدأت بخروج الداعية فى رمضان
سنة ٢٥٥ هـ، وانتهت بمقتله فى صفر سنة ٢٧٠ هـ، وقد بسط القول فيها
بسطاً ؛ مما يجعله عمدة المؤرخين فى هذا الموضوع .
وقد رجعت فى تحقيق هذا الجزء من المخطوطات التى لم يرجع إليها مصححو
الطبعة الأوربية إلى ما يأتى :
١ - جزء مصوّر من مكتبة أحمد الثالث بإستانبول برقم ٢٩٢٩، محفوظ
بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية ، يوافق الجزء الثانى عشر من تجزئة الناسخ
لهذه النسخة ، يقع فى ٢٥٦ ورقة ، يبدأ بحوادث سنة ٢٠٤، وينتهى بأثناء
الكلام على حوادث سنة ٢٥١ فى خلافة المستعين، وعليه وقفية المقرّ الأشرف
الجمالى محمود الأستادار على مدرسته التى أنشأها بخط الموازنيين بالشارع الأعظم
بالقاهرة، وهى الوقفية الموجودة على بقية الأجزاء . وهو جزء مكتوب بخط نسخی
واضح مضبوط بالشكل ؛ ويغلب عليه الإتقان والصحة ؛ ويبدو أنه كتب فى

٦
أواخر القرن السادس أو أوائل القرن السابع ؛ فى كل صفحة عشرون سطراً ،
وفى كل سطر عشر كلمات تقريباً ؛ وقد رمز إليه بالحرف ( ١ )؛ وبالرجوع
إلى هذا الجزء أصلح كثير من الأخطاء وأكملت مواضع النقص ؛ مما هو فى
الطبعة الأوربية .
٢ - جزء مخطوط بدار الكتب برقم ١٦٠٢ تاريخ ، وقد رمز له بالحرف
(د ) ، وسبق وصفه فى مقدمة الجزء الثامن .
ويلى هذا الجزء ، الجزء العاشر، وأوله حوادث سنة ٢٧١ هـ، وينتهى بآخر
حوادث سنة ٣٠٢هـ ؛ وهو نهاية الكتاب، وسيلحق به إن شاء الله الفهارس العامة
التفصيلية ؛ أما ذيول الكتاب فسيظهر كل ذيل منها مستقلا بفهارسه .
والله ولى التوفيق .
محمد أبو الفضل إبراهيم
رجب سنة ١٣٨٧ هـ
أكتوبر سنة ١٩٦٧ م

◌ِرَمِ الرَّيَسْمِ
بي
ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
#
[ ذكر خلاف محمد بن القاسم العلوىّ ]
فمن ذلك ما كان من ظهور محمّد بن القاسم بن مُمر بن علىّ بن الحسين
ابن علىّ بن أبى طالب بالطالقان من خُراسان ، يدعو إلى الرضا من آل محمد
صلى الله عليه وسلم ؛ فاجتمع إليه بها ناس كثير ؛ وكانت بينه وبين قوّاد
عبد الله بن طاهر وقعات بناحية الطالقان وجبالها ، فهُزِم هو وأصحابه، فخرج
هاربًایریدبعض كور خُراسان، كان أهله كاتبوه؛ فلماصار بنسا، وبها والدلبعض
مَنْ معه، مضى الرّجل الذى معه من أهل ذّا إلى والده ليسلِّم عليه، فلما لقى أباه
سأله عن الخبر ، فأخبره بأمرهم ، وأنهم (١) يقصدون كورة" كذا ، فمضى
أبو ذلك الرّجل إلى عامل نَسا، فأخبره بأمر محمد بن القاسم؛ فذُ كرأنْ
العامل بذل له عشرة آلاف درهم على دلالته عليه فدلّه عليه، فجاءٍ (٢)
العامل إلى محمد بن القاسم، فأخذه واستوثق منه؛ وبعث به إلى عبد الله بنطاهر ،
فبعث به عبد الله بن طاهر إلى المعتصم، فتقُدم به عليه يوم الاثنين لأربع عشرة
ليلة خلت من شهر ربيع الآخر؛ فحبس - فيما ذكر - بسامرًا عند مسرور
الخادم الكبير فى محبس (٣) ضيق، يكون قدر ثلاث أذرع فى ذراعين، فمكث
فيه ثلاثة أيام، ثم حُوّل إلى موضع أوسعَ من ذلك، وأجرِىّ عليه طعام، ووُكّل
به قومٌ يحفظونه؛ فلمّاً كان ليلة الفطر ، واشتغل الناس بالعيد والتهنئة
احتال للخروج، ◌ُذكر أنه هرب من الحبس بالليل، وأنهُ دُلَّ إليهحبل من
كُوَّةٍ كانت فى أعلى البيت، يدخل عليه منها الضّوء؛ فلما أصبحوا أتوا بالطعام
١١٦٦/٣
(١) ف: ((أنهم)) بدون وأو.
(٢) ف: ((وجاء)).
(٣) س: ((حبس)). د: ((مجلس)).
٧

٨
سنة ٢١٩
للغداء افتقد(١)، فذكر أنه جُعيل لمن دلّ عليه مائة ألف درهم، وصاح
بذلك الصائح، فلم يعرّف له خبر .
وفى هذه السنة قدم إسحاق بن إبراهيم بغداد من الجبل، يوم الأحد لإحدى
عشرة ليلة خلَتْ من جمادى الأولى ، ومعه الأسرى من الخرّميّة والمستأمنة .
وقيل: إن إسحاق بن إبراهيم قتل منهم فى محاربته إياهم نحواً من مائة ألف،
سوى النساء والصبيان .
٠ ٠
[ ذكر الخبر عن محاربة الزّط]
١١٦٧/٣
وفى هذه السنة وجّه المعتصم عنجيف بن عنبسة فى جمادى الآخرة منها
لحرب الزُّطّ الذين (٢ كانوا قد عائوا فى طريق البصرة٢)، فقطعوا فيه الطريق ،
واحتملوا الغلَّتِ من البيادر بكَسْكَر وما يليها من البَصْرة ، وأخافوا السبيل،
ورتّب الخيل فى كلّ سكة من سكك البرُد تركض بالأخبار ، فكان الخبر
يخرج من عند عُجيْف ، فيصل إلى المعتصم من يومِه ؛ وكان الذى يتولى
النفقة على عُجيف من قِبل المعتصم محمد بن منصور كاتب إبراهيم بن
البَخْترىّ ؛ فلما صار عُجْيف إلى واسط، ضرب عسكره بقرية أسفل واسط
يقال لها الصافية فى خمسة آلاف رجل ، وصار عنجيف إلى نهر يحمل من
دجلة يقال له بَرْدُودَّا؛ فلم يزل مقيماً عليه حتى سدّه. وقيل إنّ عُجَيَفًا
إنما ضرب عسكره بقرية أسفل واسط يقال لها نجيدا ، ووجّه هارون بن نعيم
ابن الوضاح القائد الخراسانىّ إلى موضع يقال له الصافية فى خمسة آلاف
رجل، ومضى عُجيف فى خمسة آلاف إلى بَرْدُ ودا ، فأقام عليه حتى سدّه
وسدّ أنهاراً أُخمر كانوا يدخلون منها ويخرجون ، فحصرهم (٣) من كل وجه ؛
وكان من الأنهار التى سدّها عجيف، نهر يقال له العروس؛ فلما أخذ عليهم
طرقهم حاربهم ، وأسر منهم خمسمائة رجل ، وقتل منهم فى المعركة ثلثمائة
(١) كذا فى ا، د، وفى ط: ((فقد)).
(٢ - ٢) ابن الأثير: ((الذين كانوا غلبوا على طريق البصرة وعاثوا)).
(٣) س: ((وحصرهم)).

٩
سنة ٢١٩
رجل ، فضرب أعناق الأسرى(١)، وبعث برءوس جميعهم (٢) إلى باب
المعتصم ؛ ثم أقام عُجيف بإزاء الزُّطْ خمسة عشر يومًا، فظفر منهم بخلْق
كثير. وكان رئيس الزَّط رجلا يقال له محمد بن عثمان؛ وكان صاحب أمره ١١٦٨/٣
والقائم بالحرب سملق، ومكث عُجَيف يقاتلهم - فيما قيل - تسعة أشهر.
وحجّ بالناس فى هذه السنة صالح بن العباس بن محمد .
...
P
(١) ف: ((الأسارى)).
(٢) ف: ((برءوسهم)).

١٠
ثم دخلت سنة عشرين ومائتين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
[ ذكر ظفر عجيف بالزط ]
فمن ذلك ما کان من دخول عمجيف بالزّط بغداد، وقهره إياهم حتى طلبوا
منه الأمان فآمنهم ، فخرجوا إليه فى ذى الحجة سنة تسع عشرة ومائتين على
أنهم آمنون على دمائهم وأموالهم؛ وكانت عِدّتهم(١) - فيما ذُكِر- سبعة
وعشرين ألفًا؛ المقاتلة منهم اثنا عشر ألفًا؛ وأحصاهم عمُجَيف سبعة وعشرين
ألف إنسان ؛ بينرجل وامرأة وصىّ، ثم جعلھم فیالسفن، وأقبل بهم حتى نزل
الزعفرانيّة، فأعطى أصحابه دينارين دينارين جائزة ، وأقام بها يومًا، ثمّ عبّأهم(٢)
فى زواريقهم على هيئتهم فى الحرب ؛ معهم البوقات، حتى دخل بهم بغداد
يوم عاشوراءسنة عشرين ومائتين والمعتصم بالشماسيّة فى سفينة يقال لها الزَّوْ، حتى
مرّ به الزُّط على تعبئتهم ينفخون بالبوقات ؛ فكان أولهم بالقُفْص وآخرهم
بحذاء الشماسيّة ، وأقاموا فى سُفنهم ثلاثة أيام، ثم عُبربهم إلى الجانب الشرقىّ؛
فدفِعُوا إلى بشر بن السميدع، فذهب بهم إلى خانقين ، ثم نقلوا إلى الثَّغْر
إلى عين زربة ، فأغارت عليهم الرّوم ؛ فاجتاحوهم فلم يفلِتْ منهم أحد ،
فقال شاعرهم :
١١٦٩/٣
شوقاً إلى تمرٍ بَرْنِ وشُهْرِيزٍ
يا أُهلَ بغدادَ موتوا دامَ غَيظكُمُ
قَسرًا وسُقناكُمُ سَوْقَ المعاجيزِ
نحن الذينَ ضربناكمْ مجاهَرَةً
ولم تحوطوا أياديه بتَعزِيز
لم تشكروا اللهَ نَعماهُ التى سَلِفَتْ
مِنْ يازمانَ ومن بلجٍ ومن تُوز
فاستَنْصِرُوا العبدَ من أبناءِ دولتِكُمْ
المُعلِمِينَ بديباجٍ وإِبْريز
ومن شِناسَ وأفشِينٍ، ومن فرجٍ
(٢) ط: ((وعبأهم)).
(١) أ: ((وكان عددهم)).

١١
سنة ٢٢٠
واللابسِى كيمخار الصين قدخَرَطَت
والحاملين الشُّكى نِيطتْ علائقها
يَفرى ببيضٍ من الهندىّ هامَهُمَ
فوارسٌ خيلُها دُهْ مودَّعةٌ
مسخَّرات لها فى الماءِ أَجنِحةٌ
متى تروموا لنا فى غَمرٍ لجَّتِنا
أوِ اختِطافاً وإزهاقاً كما اختُطفت
ليسَ الجلادُ جِلادَ الزطِّ فاعترفوا
نحن الذين سقينا الحربَ دِرَّتَها
لنَسْفَعَنَّكُمُ سفعاً يَذِلّ له
فابكوا على الثَّمر أَبكى اللهُ أَعيُنُكْمْ
أَردانَه دَرْزُ بَرْوَازِ الدَّخاريز
إِلى مناطقِ خاصٍ غيرِ مَخروز
بنو بَهِلَّةَ فى أَبناءِ فيروز
على الخراطيمِ منها والفراريز
كالآبَنوس إِذا اسْتحضِرْنَ والِّبيز
حِذْرًا نَصيدُكُمُ صِيدَ المعافيزِ
طَيرُ الدِّحال حثاثاً بالمناقيزِ
أَكلَ الثَّريدِ ولا شُرْبَ القوافيز
ونقنقنا مقاساة الكواليز
رب السَّرِير ويُشچِى صاحبَ التِّيز
فی کلّاضحى، وفى فطرٍ ونيروزِ
١١٧٠/٣
[ ذكر خبر مسير الأفشين لحرب بابك ]
وفى هذه السنة عقد المعتصم للأفشين خيذر(١) بن كاوس على الجبال، ووجّه به ١١٧١/٣
لحرب بابك ؛ وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة ؛ فعسكر
بمصلّى بغداد ، ثم صار إلى بَرْزَنْد .
* ذكر الخبر عن أمر بابك ومخرجه :
*ذكر أن ظهور بابك كان فى سنة إحدى ومائتين ، وكانت قريته ومدينته
البَذّ ؛ وهزّم من جيوش السلطان ، وقتَل من قواده جماعة؛ فلما أفضى الأمر
إلى المعتصم، وجّه أباسعيد محمدبن يوسف إلى أرد بيل، وأمره أن يبنى الحصون"
التى خرّبها بابك فيما بين زَنْجان وأردَ بِيل، ويجعل فيها الرّجال مسالح لحفظ
الطريق لمن يجلب المِيرَة إلى أرد بيل؛ فتوجّه أبو سعيد لذلك، وبنى الحصون
التى خرّبها بابك ، ووجه بابك سرّية له فى بعض غاراته ، وصيّر أميرهم رجلاً
(١) ط: ((حيدر))، وانظر الفهرس.

١٢
سنة ٢٢٠
يقال له معاوية ؛ فخرج فأغار على بعض النواحى ، ورجع منصرفًا ؛ فبلغ
ذلك أبا سعيد محمد بن يوسف ، فجمع الناس وخرج إلیه يعترضه فى بعض
الطريق ، فواقعه، فقتل من أصحابه جماعة، وأسر منهم جماعة ، واستنقذ
ما كان حواه ؛ فهذه أول هزيمة كانت على أصحاب بابك . ووجّه أبوسعيد
الرءوس والأسرى إلى المعتصم بالله .
ثم كانت الأخرى لمحمد بن البعيث؛ وذلك أن محمدبن البعيث كان فى قلعة له
١١٧٢/٣ حصينة تسمى شاهى؛ كان ابن البعيث أخذها من الوجْناء بن الرّوّاد، عرضها
نحو من فرسخين، وهى من كورة أُذْ رَبيجان، وله حصن آخر فى بلاد أذر بيجان
يسمى تيبْريز، وشاهى أمنعهما؛ وكان ابن البعيث مصالحاً لبابك، إذا (١)
توجهت سراياه نزلت به . فأضافهم ، وأحسن إليهم حتى أنِسوا به ، وصارت
لهم عادة . ثم إنّ بابك وجه رجلا من أصحابه يقال له عِصْمَة من أصبهبذته
فى سرّيّة ، فنزل بابن البعيث ، فأنزل إليه (٢) ابن البحيث على العادة الجارية
الغنم والأنزال (٣) وغير ذلك، وبعث إلى عصمة أن يصعد إليه فى خاصّته ووجوه
أصحابه ، فصعد فغدّاهم وسقاهم حتى أسكرهم (٤)، ثم وثب على عصمة
فاستوثق منه ، وقتل من كان معه من أصحابه، وأمره أن يسمى رجلا رجلا
من أصحابه باسمه ؛ فكان يُدعى بالرجل باسمه فيصعد ، ثم يأمر به فيضرب
عنقه ؛ حتى علموا بذلك ؛ فهربوا. ووجّه ابن البعيث بعصمة إلى المعتصم -
وكان البَعيث أبو محمد صعلوكاً من صعاليك ابن الرّواد - فسأل المعتصم
عصمة عن بلاد بابك ، فأعلمه طُرقها ووجوه القتال فيها ؛ ثم لم يزل عصمة
محبوسًا إلى أيام الواثق. ولما صار الأفشين إلى بَرْزَند عسكر بها، ورم
الحصون(٥) فيما بين برْزَنْد وأردبيل ، وأنزل محمد بن يوسف بموضع يقال له
١١٧٣/٣
خُشّ، فاحتفر فيه خندقًا، وأنزل الهيثم الغنوىّ القائد من أهل الجزيرة فى
رستاق يقال له أُرْشق، فرمًّ حصنه، وحفر حوله خندقاً، وأنزل عَلّوَيه الأعور
من قُوّاد الأبناء فى حصن ممّاً يلى أرد بيل يسمى حصن النهر؛ فكانت السابلة
(٢) فى: ((وأنزله))، ابن الأثير: ((فأنزل له)).
(١) ف: ((إذ)).
(٣) فى: ((والأموال إلى غير ذلك)). (٤) ف: ((سكروا)).
(٥) ابن الأثير: ((وضبط الحصون والطرق)).

١٣
سرعة ٢٢٠
والقوافل تخرج من أرْدَ بيل معها من يُبذْرِقِها (١) حتى تصل إلى حصن
النّهر، ثم يُبَذْرقها صاحب حصن النهر إلى الهيثم الغنوىّ، ويخرج هَيثم
فيمن جاء من ناحيته حتى يسلمه إلى أصحاب(٢) حصن النّهْر، ويُبَذْ رق
مَنْ جاء من أردبيل حتى يصير الهيثم وصاحب حصن النهر فى منتصف (٣)
الطريق، فيسلم صاحب حصن النهر مَنْ معه إلى هيثم، ويسلّم هيثم مَنْ
معه إلى صاحب حصن النهر ؛ فيسير هذا مع هؤلاء ؛ وهذا مع هؤلاء .
وإن سبق أحدهما صاحبه إلى الموضع لم يَجُزْه حتى يجىء الآخر؛ فيدفع كلّ
واحد منهما مَنْ معه إلى صاحبه ليُبَذْرقهم؛ هذا إلى أردبيل، وهذا إلى عسكر
الأفشين، ثم يُبَذْرق الهيثم الغنوىّ مَنْ كان معه إلى أصحاب أبى سعيد ؛
وقد خرجوا فوقفوا على منتصف الطريق، معهم قوم ، فيدفع أبو سعيد وأصحابه
مَنْ معهم إلى الهيثم ، ويدفع الهيثم مَن معه إلى أصحاب أبى سعيد ، فيصير
أبو سعيد وأصحابه بمَنْ فى القافلة (٤) إلى خُشّ، وينصرف الهيثم وأصحابه بمن
صار فى أيديهم إلى أرْشق حتى يصيروا به من غد، فيدفعوهم إلى عَلّوْيه
الأعور وأصحابه ليوصلوهم(٥) إلى حيث يريدون ، ويصير أبو سعيد ومَن معه
إلى خُشّ ، ثم إلى عسكر الأفشين ، فتلقّاه صاحب سيارة الأفشين ،
فيقبض منه مَنْ فى القافلة، فيؤدّيهم إلى عسكر الأفشين؛ فلم يزل الأمر
جاريًا على هذا؛ وكلّما صار إلى أبى سعيد أو إلى أحد من المسالح أحدٌ من
الجواسيس وجّهوا به إلى الأفشين ؛ فكان الأفشين لا يقتل الجواسيس
ولا يضربُهم ؛ ولكن يهب لهم ويصلهم ويسألهم ما كان بابك يعطيهم ،
فيُضعفه لهم ، ويقول للجاسوس : كن جاسوساً لنا .
١١٧٤/٣
#
[ ذكر خبر وقعة الأفشين مع بابك بأرشق ]
وفيها كانت وقعة بين بابك وأفشين بأرْشق ، قتَل فيها الأفشين من
(١) يبذرقها، أى يخفرها، وفى ابن الأثير: ((يحميها)).
(٢) ف: ((لأصحاب)).
(٣) !، س: ((منصف)).
(٤) د، ف: ((ومن فى القافلة)).
2
(٥) س: ((ليوصلهم)).

١٤
سنة ٢٢٠
أصحاب بابك خلقا كثيراً ؛ قيل أكثر من ألْف، وهرب بابك إلى مُوقان ،
ثم شخص منها إلى مدينته التى تدعى البذّ .
* ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة بين الأفشين وبابك :
"ذكر أن سبب ذلك أن المعتصم وجّه مع بُغًا الكبير بمالٍ إلى الأفشين
عَطَاءَ لجنده وللنفقات، فقدم بُغا بذلك المال إلى أرد بيل ، فلمّا نزل أردبيل
بلَغ بابك وأصحابه خبرُه ، فتهيّا بابك وأصحابه ليقطعوا عليه قبل وصوله إلى
الأفشين، فقدم صالح الجاسوس على الأفشين، فأخبره أنّ بُغا الكبير قد قدم
بمال ، وأن بابك وأصحابه تهيّئوا ليقتطعوه قبل وصوله إليك .
وقيل : كان مجىء صالح إلى أبى سعيد ، فوجّه به أبو سعيد إلى الأفشين
وهيّأ بابك كميناً فى مواضع، فكتب الأفشين إلى أبى سعيد يأمره أن يحتال
لمعرفة صحة خبر بابك ، فمضى أبو سعيد متنكّرًا هو وجماعة من أصحابه،
حتى نظروا إلى النيران والوقود فى المواضع التى وصفها لهم صالح ، فكتب
الأفشين إلى بُغا؛ أن يقيم بأرْدَبِيل حتى يأتيَه رأيُه، وكتب أبو سعيد إلى
الأفشين بصحّة خبر صالح ، فوعد الأفشينُ صالحاً وأحسن إليه . ثم كتب
الأفشين إلى بُغا أن يظهر أنه يريد الرّحيل، ويشدّ المال على الإبل ويُقْطرها،
ويسير متوجُّهًا من أردبيل؛ كأنه يريد بَرْزَنْد؛ فإذا صار إلى مسلحة النهر،
أو سار شبيهاً بفرسخين، احتبس القطار حتى يجوز مَنْ صحب المال إلى
بَرْزند؛ فإذا جازت القافلة رجع بالمال إلى أرْدَ بيل. ففعل ذلك بُغا، وسارت
القافلة حتى نزلت النّهر، وانصرف جواسيس بابكَ إليه يعلمونه أنّ المال قد
حُمل ، وعاينوه محمولا حتى صار إلى النهر ، ورجع بُغا بالمال إلى أرْد بيل ،
وركب الأفشين فى اليوم الذى وعد فيه بُغا عند العصر من بَرْزند ، فوافى
خُشَّ مع غروب الشمس ، فنزل معسكراً خارج خندق أبى سعيد ؛ فلما
أصبح ركب فى سرّ؛ لم يضرب طبلا ولا نَشر (١) علمًا، وأمر أن يلفّ
الأعلام ، وأمر الناس بالسكوت (٢)، وجدّ فى السير، ورحلت القافلة التى
كانت توجّهت فى ذلك اليوم من النهر إلى ناحية الهيثم الغنوىّ ، ورحل الأفشين
١١٧٥/٣
١١٧٦/٣
(١) !، س: ((ولم ينشر)).
(٢) ف: ((بالسكون)).

١٥
سنة ٢٢٠
من خُشَ يريد ناحية الهيثم ليصادفه فى الطريق ، ولم يعلم الهيثم [ بمن كان
معه ](١)، فرحل بمَنْ كان معه من القافلة يريد بها النهر.
وتعبّأ بابك فى خَيْله ورجاله وعساكره، وصار على طريق النهر، وهو يظنّ
أن المال موافيه، وخرج صاحب النهر ببذْرق مَنْ قِبَلَه إلى الهيثم ، فخرجت
عليه خيل بابك ؛ وهم لا يشكُّون أنّ المال معه ، فقاتلهم صاحب النهر ،
فقتلوه وقتلوا مَنْ كان معه من الجند والسابلة ، وأخذوا جميعَ ما كان معهم
من المتاع وغيره ، وعلموا أن المال قد فاتهم ، وأخذوا علَمَه ، وأخذوا لباس
أهل النهر ودراريعهم وطرّاداتهم وخفاتِينتهم فلبسوها ، وتنكّروا ليأخذوا الهيثم
الغنوىّ ومَنْ معه أيضًا ، ولا يعلمون بخروج الأفشين، وجاءوا كأنهم أصحاب
النهر ، فلما جاءوا لم يعرفوا الموضع الذى كان يقف فيه علم صاحب النهر ،
فوقفوا فى غير موضع صاحب النهر، وجاء الهيثم فوقف فى موقفه، فأنكر ما رأى ،
فوجته ابن عمّ له، فقال له: اذهب إلى هذا البغيض، فقل له: لأىّ شىء
وقوفك؟ فجاء ابن عمّ الهيثم، فلما رأى القوم أنكرهم لما دنا منهم (٢)، فرجع
إلى الهيثم، فقال له : إنّ هؤلاء القوم لستُ أعرفهم، فقال له الهيثم: أخزاك اللّه !
ما أجْبَنَك! ووجه خمسة فرسان من قبله، فلما جاءوا وقربوا من بابك، خرج
من الحُرّميّة رجلان فتلقَّوْهما وأنكر وهما، وأعلموهما أنهم قدعرفوهما، ورجعوا
إلى الهيثم ركضًا ، فقالوا : إنّ الكافر قد قتل عَلّوْيه وأصحابه ، وأخذوا
أعلامهم ولباسهم، فرحل هيثم منصرفًا، فأتى القافلة التى جاء بها معه، وأمرهم
أن يركضوا ويرجعوا ، لئلاً يؤخذوا ، ووقف هو فى أصحابه ، يسير بهم قليلا
قليلا ، ويقف بهم قليلا ، ليشغل الحُرّميّة عن القافلة، وصار شبيهًا بالحامية
لهم ؛ حتى وصلت القافلة إلى الحصن الذی یکون فيه الهيثم - وهو أرشق - وقال
لأصحابه : مَنْ يذهب منكم إلى الأمير وإلى أبى سعيد فيعلمهما وله عشرة
آلاف درهم وفرس بدل فرسه إن نفق فرسه فله مثل فرسه على مكانه ؟
فتوجه رجلان من أصحابه على فرسیْن فارهين يركضان، ودخل الهيثم الحصن ،
وخرج بابك فيمن معه ؛ فنزل بالحصن ، ووضُع له كرسىّ وجلس على شرف
١١٧٧/٣
(٢) ا: ((فلما رأى القوم ودنا منهم أنكرهم)).
(١) تكملة من ا.

١٦
سنة ٢٢٠
بحيال الحصن ، وأرسل إلى الهيثم : خلّ عن الحصن وانصرفْ حتى أهدمه .
فأبى الهيثم وحاربه . وكان مع الهيثم فى الحصن سمائة راجل وأربعمائة فارس ،
وله خندق حصين. فقاتله ، وقعد بابك فيمن معه ، ووضع الخمر بين يديه
ليشربها ، والحرب مشتبكة كعادته ، ولفى الفارسان الأفشين على أقلّ من فرسخ
من أرشق، فساعة نظر إليهما(١) من بعيد قال لصاحب مقدّمته: أرى فارسين
يركضان ركضاً شديداً ، ثم قال : اضربوا الطبل ، وانشروا الأعلام ،
واركضوا نحو الفارسين. ففعل أصحابه ذلك ، وأسرعوا السّير ، وقال لهم :
صيحوا بهما : لبيك لبيك! فلم يزل الناس فى طَلّق واحد متراكضين،
يكسر بعضهم بعضاً حتى لحقوا بابك ؛ وهو جالس، فلم يتدارك أن يتحوّل
ويركب حتى وافتْه الخيل والناس ، واشتبكت الحرب (٢)، فلم يفلت من رجّالة
بابك أحد ، وأفلت هو فى نفريسير، ودخل مُوقان، وقد تقطّع عنه أصحابه، وأقام
الأفشين فى ذلك الموضع، وبات ليلته، ثم رجع إلى معسكره ببرْزَنْد، فأقام
بابك بمُوقان أيامًا . ثم إنه بعث إلى البَذّ ، فجاءه فى الليل عسكر فيه رجّالة ،
فرحل بهم من موقان حتى دخل البذّ، فلم يزل الأفشين معسكراً ببرْزند ، فلما
كان فى بعض الأيام مرّت به قافلة من خُشّ إلى بَرْزند ، ومعها رجل من
قِبَل أبى سعيد يسمى صالح آبْ كش(٣) - تفسيره السقاء - فخرج عليه
أصبهبذ بابك، فأخذ القافلة، وقتل مَنْ فيها، وقتل مَنْ كان مع صالح ،
وأفلت صالح بلا خفّ مع من أنلت ، وقُتل جميع أهل القافلة ، وانتُهب
متاعهم، فقحط عسكر الأغشين من أجل تلك القافلة التى أخذت من الآب كش؛
وذلك أنها كانت تحمل الميرة ، فكتب الأفشين إلى صاحب المراغة يأمره
بحمل الميرة وتعجليها عليه؛ فإنّ الناس قد قحطوا وجاعوا (٤)، فوجه
إليه صاحب المراغة بقافلة ضخمة ، فيها قريب من ألف ثَوْر سوى الحمُر
والدواب وغير ذلك، تحمل الميرة، ومعها جند يُبذرقونها، فخرجت عليهم أيضًا
سرّية لبابك ، كان عليها طَرْخان - أو آذين - فاستباحوها عن آخرها بجميع
ما فيها ، وأصاب الناسَ ضيق شديد؛ فكتب الأفشين إلى صاحب السيروان
١١٧٨/٣
١١٧٩/٣
(١) ا: ((يصر بهما)).
(٣) ا: ((أركش)).
(٢) ابن الأثير: ((فاشتبكت الحرب)).
(٤) س: ((وضاقوا)).
٠

١٧
سنة ٢٢٠
أن يحمل إليه طعاماً، فحمل إليه طعاماً كثيراً ، وأغاث الناس فى تلك السنة ،
وقدم بُغا على الأفشين بمال ورجال .
٠
[ ذكر الخبر عن خروج المعتصم إلى القاطول ]
وفى هذه السنة خرج المعتصم إلى القاطُول ، وذلك فى ذى القعدة منها .
* ذكر الخبر عن سبب خروجه إليها :
ذكر عن أبى الوزير أحمد بن خالد ، أنه قال: بعثنى المعتصم فى سنة
تسع عشرة ومائتين، وقال لى : يا أحمد، اشترلى بناحية سامَرّاً موضعًا أبنى
فيه مدينة؛ فإنى أتخوّف أن يصيح هؤلاء الخرمية (١) صيحة، فيقتلوا غلمانى؛
حتى أكون فوقهم(٢)، فإن رابى منهم ريْب أتيتُهم فى البرّ والبحر ؛ حتى
آتى عليهم . وقال لى : خذ مائة ألف دينار ، قال : قلت : آخذ خمسة
آلاف دينار ، فكلّما احتجت إلى زيادة بعثت إليك فاستزدت ؟ قال :
نعم ؛ فأتيت الموضع، فاشتريت سامَرًا بخمسمائة درهم من النصارى أصحاب
الدير ، واشتريتُ موضع البستان الخاقانيّ بخمسة آلاف درهم ، واشتريتُ
عدّة مواضع حتى أحكمت ما أردت، ثم انحدرت فأتيته بالصّكاك ، فعزم على
الخروج إليها فى سنة عشرين ومائتين ، فخرج حتى إذا قارب القاطول ،
ضُرِبت له فيه القباب والمضارب، وضرب الناس الأخبية ؛ ثم لم يزل يتقدّم،
وتُضرب له القباب حتى وضع البناء بسامرًا فى سنة إحدى وعشرين ومائتين .
١١٨٠/٣
1
فذكر عن أبى الحسن بن أبى عباد الكاتب ، أن مسرورًا الخادم الكبير ،
قال : سألنى المعتصم : أين كان الرشيد يتنزّه إذا ضجر من المقام ببغداد ؟
قال : قلت له : بالقاطول ؛ وقد كان بنى هناك مدينة آثارها وسورها قائم ؛
وقد كان خافَ من الجند ما خاف المعتصم، فلما وثب أهل الشأم بالشأم وعصوا،
خرج الرشيد إلى الرّقة فأقام بها ، وبقيت مدينة القاطول لم تستثمّ ، ولما خرج
المعتصم إلى القاطول استخْلَف ببغداد ابنه هارون الواثق .
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((الحربية)). (٢) ابن الأثير: ((فأريد أن أكون فوقهم)).

١٨
وقد حدّثنى جعفر بن محمد بن بوَّازة الفرّاء، أن سبب خروج المعتصم إلى
القاطول، كان أنّ غلمانه الأتراك كانوا لا يزالون يجدُون الواحد بعد الواحد منهم
١١٨١/٣ قتيلا فى أرباضها؛ وذلك أنهم كانوا عنُجْماً جفاة يركبون الدواب، فيترا كضون
فى طرُق بغداد وشوارعها ، فيصدمون الرجل والمرأة ويطئون الصبىّ ، فيأخذهم
الأبناء فينكسونهم عن دوابهم ويجرحون بعضهم؛ فربما هلتك من الجراح
بعضهم ، فشكت الأتراك ذلك إلى المعتصم ، وتأذّت بهم العامة ؛ فذُكر أنه
رأى المعتصم راكبًا منصرفاً من المصلى فى يوم عيد أضحى أو فطر ؛ فلما صار
فى مربّعة الحرَشىّ، نظر إلى شيخ قد قام إليه، فقال له : يا أبا إسحاق، قال:
فابتدره الجند ليضربوه ؛ فأشار إليهم المعتصم فكفّهم عنه ، فقال الشيخ :
مالك ! قال: لا جزاك الله عن الجوار خيراً! جاورتنا وجئت بهؤلاء العلُوج
فأسكنتَهم بين أظهرنا ، فأيتمت بهم صبياننا ، وأرملت بهم نسواننا ، وقتلت
بهم رجالنا! والمعتصم يسمع ذلك كله. قال : ثم دخل داره فلم يُرَ راكبًا إلى
السنة القابلة فى مثل ذلك اليوم ؛ فلما كان فى العام المقبل فى مثل ذلك اليوم
خرج فصلی بالناس العيد ؛ ثم لم يرجع (١) إلى منزله ببغداد؛ ولكنه صرف وجه
دابته (٢) إلى ناحية القاطول ؛ وخرج من بغداد ولم يرجع إليها.
[ ذكر الخبر عن غضب المعتصم على الفضل بن مروان ]
وفى هذه السنة غضب المعتصم على الفضل بن مروان وحبسه
ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وحبسه إياه وسبب اتصاله بالمعتصم:
◌ُذكر أن الفضل بن مروان- وهو رجل من أهل البَرّدان- كان متصلا
١١٨٢/٣ برجل من العمّال يكتب له، وكان حسن الخطّ، ثم صار مع كاتب كان
للمعتصم يقال له يحيى الجُرْمقانىّ، وكان الفضل بن مروان يخط بين يديه ؛
فلما مات الجُرْمقانىّ صار الفضل فى موضعه ؛ وكان يكتب للفضل علىّ بن
(١) فى: ((ثم رجع)).
(٢) ف: ((وجهه).

١٩
سنة ٢٢٠
حسان الأنبارىّ ، فلم يزل كذلك حتى بلغ المعتصم الحالُ التى بلغها ؛ والفضل
كاتبه ، ثم خرج معه(١) إلى معسكر المأمون، ثم خرج معه إلى مصر، فاحتوى
على أموال مصر ، ثم قدم (٢) الفضل قبل موت المأمون بغداد ، ينفذ أمور
المعتصم ، ويكتب على لسانه بما أحبّ (٣) حتى قدم المعتصم خليفةً ، فصار
الفضل صاحب الخلافة (٤)، وصارت الدّواوين كلها تحت يديه وكنز
الأموال ، وأقبل أبو إسحاق حين دخل بغداد يأمره بإعطاء المغنِّى والمُلهِى؛
فلا ينفذ الفضل ذلك، فتقُل على أبى إسحاق .
فحدثنى إبراهيم بن جهروَيْه أن إبراهيم المعروف بالهَفْتِىّ - وكان
مضحكاً - أمر له المعتصم بمال؛ وتقدّم إلى الفضل بن مروان فى إعطائه ذلك،
فلم يعطه الفضل ما أمر به المعتصم؛ فبينا الهَفْىّ يومًا عند المعتصم، بعد مابُنيت
له داره التى ببغداد، واتُّخذله فيها بستان، قام المعتصم يتمشّى فى البستان ينظر
إليه وإلى ما فيه من أنواع الرّياحين والغُروس، ومعه الهفّْىّ، وكان الهفتىّ يصحب
المعتصم قبل أن تُفضى الخلافة إليه، فيقول فيما يداعبه: والله لا تفلح أبدًا! قال:
وكان الهفّْىّ رجلاً مربوعًا ذا كُدْنة، والمعتصم رجلا معرَّقًا(٥) خفيف
اللحم ، فجعل المعتصم يسبق الهفَّّ فى المشى؛ فإذا تقدمه ولم ير الهفّىّ معه
التفت إليه ، فقال له: ما لك لا تمشى! يستعجله المعتصم فى المشى ليلحق به ؛
فاما كثر ذلك من أمر المعتصم على الهفّىّ، قال له الهفى، مداعباً له : كنتُ
أصلحك الله، أرانى أماشى خليفة؛ ولم أكن أرانى أماشى فَيْجًا(٦)، واللّه
لا أفلحت ! فضحك منها المعتصم، وقال: ويلك! هل بقىَ من الفلاح شىء
لم أدركه! أبعد الخلافة تقول هذا لى ! فقال له الهفىّ : أتحسب أنك قد
أفلحت الآن ! إنما لك من الخلافة الاسم؛ واللّه ما يجاوز أمرك أذُ نَيْك؛ وإنما
الخليفة الفَضْل بن مروان ، الذى يأمر فينفُذ أمره من ساعته، فقال له المعتصم:
وأىّ أمر لى لا ينفذ! فقال له : الهفّّ : أمرتَ لى بكذا وكذا منذ شهرين ؛
فما أُعْطِيتُ مما أمرتَ به منذ ذاك حبّة!
١١٨٣/٣
(١) س: ((معها)).
(٣) س: ((ما أحب)).
(٢) ف: ((خرج)).
(٤) ف: ((كاتب الخلافة)).
(٥) المعرق : الخفيف اللحم .
(٦) الفيج : رسول السلطان على رجله ؛ فارسى معرب .

٢٠
سنة ٢٢٠
قال : فاحتجنها على الفضل المعتصم حتى أوقع به .
فقيل : إن أوّل ما أحدثه فى أمره حين تغيّر له أن صيّر أحمد بن عمار
الحُراسانىّ زمامًا عليه فى نفقات الخاصة، ونصر بن منصوربن بسام زمامًا عايه
فى الخراج وجميع الأعمال ؛ فلم يزل كذلك؛ وكان محمد بن عبد الملك الزّيات
يتولّى ما كان أبوه يتولاه للمأمون من عمل المشمّس والفساطيط وآلة الجمّازات (١)
ویکتب على ذلك مما جری علی یدی محمد بن عبد الملك ، وکان یلبس إذا
١١٨٤/٣ حضر الدار 'دُرّاعة سوداءَ وسيفاً بحمائل، فقال له الفضل بن مروان: إنما
أنت تاجر، فما لك والسواد (٢) والسيف! فترك ذلك محمد ، فلما تركه أخذه الفضل
برفع (٣) حسابه إلى دليل بن يعقوب النصرانىّ، فرفعه، فأحسن دليل فى أمره؛
ولم يرزأه شيئًا، وعرض عليه محمد هدايا، فأبى دليل أن يقبل منها (٤) شيئًا،
فلما كانت سنة تسع عشرة ومائتين - وقيل سنة عشرين ، وذلك عندى خطأ -
خرج المعتصم يريد القاطول، ويريد البناء بسامسَرًا ، فصرفه كثرة زيادة د جلة؛
فلم يقدر على الحركة، فانصرف إلى بغداد إلى الشماسيّة ، ثم خرج بعد ذلك ؛
فلما صار بالقاطول غضب على الفَضْل بن مروان وأهل بيته فى صفر ، وأمرهم
برفع ما جرى على أيديهم ؛ وأخذ الفضل وهو مغضوب عليه فى عمل حسابِه ،
فلمّا فرغ من الحساب لم يناظرفيه ، وأمر بحبسه ؛ وأن يحمل إلى منزله ببغداد
فى شارع الميدان ، وحبس أصحابه ، وصير مكانه محمد بن عبد الملك الزيات،
فحبس ◌ُدُليْلاً، ونفى الفضل إلى قرية فى طريق الموصل يقال لها السنّ ، فلم
يزل بها مقيماً ؛ فصار محمد بن عبد الملك وزيراً كاتبًا، وجرى على يديه عامة
ما بنى المعتصم بسامرًا من الجانبين الشرق والغربىّ ، ولم يزل فى مرتبته حتى
استُخْلف المتوكل ، فقتل محمد بن عبد الملك .
وذكر أن المعتصم لما استوزر الفضل بن مروان حلّ من قبله المحلّ الذى
١١٨٥/٣ لم يكن أحد يطمع فى ملاحظته، فضلا عن منازعته ولا فى الاعتراض فى أمره
(١) الجمازة، بالضم : مدرعة صوف ضيقة الكمين.
(٢) ف: ((والسواد)).
(٣) ف: ((فرفع)).
(٤) ف: ((يقبلها)).