Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
سنة ٢١٨
مخلوق، وادّ عىمن تر که الكلام فى ذلك واستعهاده أمير المؤمنین ؛ فقد كذببشر
فى ذلك وكفر ، وقال الزور والمنكر ، ولم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه فى ذلك
ولا فى غيره عهدٌ ولا نظرًّ أكثر من إخباره أميرَ المؤمنين من اعتقاده كلمة"
الإخلاص، والقول بأن القرآن مخلوق ، فادعُ به إليك، وأعلمه ما أعلمك به
أميرُ المؤمنين من ذلك، وأنصِصْه عن قوله فى القرآن، واستتبْه منه؛ فإنّ
أمير المؤمنين يرى أن تستتيب من قال بمقالته ؛ إذ كانت تلك المقالة الكفر
الصّراح، والشّرْك المحض عند أمير المؤمنين؛ فإن تاب منها فأشهر أمره، وأمسك
عنه؛ وإن أصرّ على شركه، ودفع أن يكون القرآن مخلوقًا بكفره وإلحاده،
فاضرب عنقه ، وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه؛ إن شاء الله .
وكذلك إبراهيم بن المهدىّ فامتحنه بمثل ما تمتحن به بشراً ؛ فإنه كان
يقول بقوله. وقد بلغتْ أميرَ المؤمنين عنه بوالغ؛ فإن قال: إنّ القرآن مخلوق
فأشهرْ أمره واكشفه؛ وإلاّ فاضرب عنقه وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه؛ إن
شاء الله .
١١٢٧/٣
وأما علىّ بن أبى مقاتل، فقل له: ألستَ القائلَ لأمير المؤمنين: إنّك
تُحلّل وتحرّم، والمكلّم له بمثل ما كلّمتَه به؛ مما لم يذهب عنه ذكره !
وأما الذّيال بن الهيثم؛ فأعلمه أنه كان فى الطعام الذى كان يسرقه فى الأنبار(١)
وفيما يستولى (٢) عليه من أمر مدينة أمير المؤمنين أبى العباس ما يشغله؛ وأنّه
لو كان مقتفياً آثار سلفه، وسالكا مناهجهم، ومحتذياً سبيلهم(٣) لما خرج
إلى الشرك بعد إيمانه .
وأما أحمد بن يزيد المعروف بأبى العوّام ، وقوله إنه لا يحسن الجواب فى
القرآن ، فأعلمه (٤) أنه صبيّ فى عقله لا فى سنّه، جاهل، وأنه إن كان(٥)
لا يحسن الجواب فى القرآن فسيُحسنه إذا أخذه التأديب ، ثم إن لم يفعل كان
السيف من وراء ذلك ؛ إن شاء الله .
وأما أحمد بن حنبل وما تكتب عنه ؛ فأعلمه أنّ أمير المؤمنين قد عرف
(١) س: ((بالأنبار)).
(٣) س: ((سبلهم).
(٥) ف: ((أنكر)).
(٢) س: ((استولى)).
(٤) س: ((فاعلم)).
تاريخ الطبرى - ثامن

٦٤٢
سنة ٢١٨
فحوى تلك المقالة وسبيلته فيها ، واستدلّ على جهله وآ فته بها.
١١٢٨/٣
وأما الفضلُ بن غانم؛ فأعلمه أنه لم يخفَ على أمير المؤمنين ما كان منه
بمصر، وما اكتسب من الأموال فى أقلّ من سنة، وما شجَر بينه وبين المطّلب
ابن عبدالله فی ذلك ؛ فإنه من کان شأنه شأنه، و کانت رغبته فى الدّینار
والدرهم رغبته ، فليس بمستنكر(١) أن يبيع إيمانته طمعًا فيهما، وإيثاراً لعاجل
نفعهما ، وأنه مع ذلك القائل لعلىّ بن هشام ما قال ، والمخالف له فيما خالفه
فيه ؛ فما الذی حال به عن ذلك ونقله إلى غيره !
وأما الزّيادىّ، فأعلمه أنه كان منتحلاً، ولا كأوّل دَعيِّ كان فى
الإسلام خولف فيه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان جديراً أن
یسلك مسلكه ، فأنکر أبو حسان أن یکون مولی لزیاد أو یکون مولی لأحد
من الناس؛ وذُكر أنه إنما نسب إلى زياد لأمر من الأمور .
وأما المعروف بأبى نصر التمّار؛ فإن أمير المؤمنين شبّه حساسة عقله بخساسة
متجره .
وأما الفضل بن الفَرُّخان، فأعلمه أنه حاول بالقول الذى قاله فى القرآن أخذ
الودائع التى أودعها إياه عبدالرحمن بن إسحاق وغيره تربّصًا بمن استودعه،
وطمعًا فى الاستكثار لما صار فى يده ، ولا سبيلَ عليه عن تقادم عهده ،
وتطاول الأيام به، فقلْ لعبد الرحمن بن إسحاق: لا جزاك الله خيراً عن
تقويتك(٢) مثل هذا واتِّمانك(٣) إياه، وهو معتقد للشرك منسلخ من التوحيد.
١١٢٩/٣
وأما محمد بن حاتم وابن نوح والمعروف بأبى معمتر ؛ فأعلمهم أنهم
مشاغيل بأكل الرّبا عن الوقوف على التوحيد، وأن أمير المؤمنين لو لم يستحل
محاربتهم فى الله ومجاهدتهم إلا لإربائهم، وما نزل به كتاب الله فى أمثالهم، لاستحلّ
ذلك ، فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شرْكًا ، وصار للنصارى مثلاً !
وأما أحمد بن شجاع ؛ فأعلمه أنك صاحبه بالأمس ، والمستخرج منه
(١) ف: ((مستكثر)).
(٣) س: ((وإيمانك)).
(٢) فى: ((تقويتكم)).

٦٤٣
سنة ٢١٨
ما استخرجتّه من المال الذى كان استحلّه من مال علىّ بن هشام؛ وأنه ممّن
الدينار والدرهم دينُه .
وأما ستعدويه الواسطىّ ، فقل له: قبح الله رجلابلغ به التّصنع للحديث،
والتزين به، والحِرْص على طلب الرئاسة فيه؛ أن يتمنّى وقت المحنة، فيقول بالتقرّب
بها متی متحن ، فیجلس للحدیث !
وأما المعروف بسجّادة، وإنكاره أن يكون سمع ممّن كان يجالس من أهل
الحديث وأهل الفقه القول بأنّ(١) القرآن مخلوق، فأعلمه أنه فى شغله بإعداد
النّوى وحكّه لإصلاح سجادته وبالودائع التى دفعها إليه علىّ بن يحيى وغيره
ما (٢) أذهله عن التوحيد وألهاه، ثم سله عما كان يوسف بن أبى يوسف ومحمد
ابن الحسن يقولانه؛ إن كان شاهدَهما وجالسهما .
وأما القواريرىّ؛ ففيما تكشّف من أحواله وقبوله الرّشا والمصانعات، ما أبان
عن مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه ؛ وقد انتهى إلى أمير المؤمنين أنه
يتولّى الجعفر بن عيسى الحسنىّ مسائله، فتقدّم إلى جعفر بن عيسى فى رفضه، ١١٣٠/٣
وترك الثقة به والاستنامة إليه .
وأما يحيى بن عبد الرحمن العمرىّ؛ فإن(٣) كان من ولد عمر بن الخطاب،
فجوابه معروف .
وأما محمد بن الحسن بن علىّ بن عاصم، فإنه لوكان مقتديًا بمن مضى
من سلَقه، لم ينتحل النّحلة التى حُكيت عنه، وإنه بعدُ صبىّ يحتاج إلى تعلم.
وقد كان أمير المؤمنين وجّه إليك المعروف بأبى مسهر بعد أن نصّه
أميرُ المؤمنين عن محنته فى القرآن ، فجمجم عنها والخلج فيها، حتى دعا له
أمير المؤمنين بالسيف ، فأقرّ ذميمًا، فأنْصِصْه عن إقراره ؛ فإن كان مقيماً عليه
فأشهرْ ذلك وأظهره ؛ إن شاء الله .
ومن لم يرجع عن شركه ممّن سميتَ لأمير المؤمنين فى كتابك ، وذكره
(١) ف: ((من أن)). (٢) ف: ((فا)). (٣) ف: ((فإنه)).

٦٤٤
سنة ٢١٨
أمير المؤمنين لك، أو أمسك عن ذكره فى كتابه هذا؛ ولم يقل إن القرآن مخلوق،
بعد بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدىّ فاحملهم أجمعين (١) موثقين إلى.
عسكر أمير المؤمنين ، مع من يقوم بحفظهم وحراستهم فى طريقهم؛ حتى
يؤدّيهم إلى عسكر أمير المؤمنين، ويُسلِّمهم إلى مَنْ يؤمَن بتسليمهم إليه،
لينصّهم أمير المؤمنين ؛ فإن لم يرجعوا ويتوبوا حملهم جميعًا على السيف،
إن شاء اللّه ، ولا قوّة إلا بالله .
١١٣١/٣
وقد أنفذ أمير المؤمنين كتابه هذا فى خريطة بُنداريّة ؛ ولم ينظر به
اجتماع الكتب الخرائطيّة، معجّلا به، تقرُّباً إلى الله عزّ وجلّ بما أصدر من الحكم
ورجاء ما اعتمد، وإدراك ما أمّل من جزيل ثواب الله عليه؛ فأنفذ لما أتاك من
أمر المؤمنين، وعجّل إجابة أمير المؤمنين بما يكون منك فى خريطة بُنْداريّة
مفردة عن سائر الخرائط ، لتعرّف أمير المؤمنين ما يعملونه إن شاء الله .
وكتب سنة ثمان عشرة ومائتين .
فأجاب القوم كلُّهم حين أعاد القول عليهم إلى أنّ القرآن مخلوق، إلاّ أربعة
نفر ؛ منهم أحمد بن حنبل وسجّادة والقواريرىّ ومحمد بن نوح المضروب .
فأمربهم إسحاق بن إبراهيم فشُدّوا فى الحديد؛ فلما كان من الغد دعا بهم جميعاً
يساقون فى الحديد ، فأعاد عليهم المحنة ، فأجابه سجّادة إلى أن القرآن مخلوق ،
فأمر باطلاق قَيْده وخلى سبيلته، وأصرَّ الآخرون على قولهم ؛ فلمّا كان من
بعد الغد عاودهم أيضا ، فأعاد عليهم القول، فأجاب القواريرىّ إلى أن القرآن
مخلوق ، فأمر بإطلاق قيده ، وخلی سبیله ، وأصرّ أحمد بنحنبل ومحمد بن
نوح على قولهما، ولم يرجعا، فشُدَّا جميعًا فى الحديد، ووُجّها إلى طَرَسُوس،
وكتب معهما كتاباً بإشخاصهما ، وكتب كتابًا مفرداً بتأويل القوم فيما أجابوا
إليه . فمكثوا أيامًا، ثمّ دعا بهم فإذا كتابٌ قد ورد من المأمون على إسحاق بن
إبراهم ، أن قد فهم أمير المؤمنين ما أجاب القوم إليه ، وذكر
سليمان بن يعقوب صاحب الخبر أنّ بشر بن الوليد تأوّل الآية التى
أنزلها الله تعالى فى عمار بن ياسر: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مطمئِنٌّ بالإِيمان﴾(٢)
١١٣٢/٣
( ) سورة النحل ١٦٠
(١) ف: ((جميعاً)).

٦٤٥
سنة ٢١٨
وقد أخطأ التأويل؛ إنما عنى الله عزّ وجلّ بهذه الآية مَنْ كان (١ معتقد الإيمان،
مظهرَ الشرك١)، فأما مَنْ كان معتقدَ الشرّك مظهر الإيمان؛ فليس هذه(٢)
له . فأشخصْهم جميعًا إلى طَرَسُوس؛ ليقيموا بها إلى خروج أمير المؤمنين
من بلاد الروم .
فأخذ إسحاق بن إبراهيم من القوم الكُفلاء ليوافُوا العسكر بطَرسوس ،
فأشخص أبا حسان وبشر بن الوليد والفضل بن غانم وعلىّ بن أبى مقاتل
والذّيال بن الهيثم ويحيى بن عبد الرحمن العمرىّ وعلىّ بن الجَعْد وأبا العوَّام
وسجّادة والقواريرىّ وابن الحسن بن علىّ بن عاصم وإسحاق بن أبى إسرائيل
والنّضْر بن شميل وأبا نصر التمار وسعدويه الواسطىّ ومحمد بن حاتم بن ميمون
وأبا معمَر وابن الهرْش وابن الفرُّخان وأحمد بن شجاع وأبا هارون بن البكتّاء.
فلما صاروا إلى الرَّقَة بلغتهم وفاة المأمون ؛ فأمر بهم عنبسة بن إسحاق - وهو
وإلى الرّقة .. أن يصيروا إلى الرّقة، ثم أشخصهم إلى إسحاق بن إبراهيم بمدينة
السلام مع الرسول المتوجّه بهم إلى أمير المؤمنين، فسلّمهم إليه ، فأمرهم إسحاق
بلزوم منازلهم ، ثم رخّص لهم بعد ذلك فى الخروج ، فأما بشر بن الوليد
والذيال وأبو العوّام وعلى بن أبى مقاتل؛ فإنهم شخصوا من غير أن يؤذن لهم
حتى قدموا بغداد ، فلقوا من إسحاق بن إبراهيم فى ذلك أذَّى ، وقدم الآخرون.
مع رسول إسحاق بن إبراهيم؛ فخلى سبيلهم .
*
١١٣٣/٣
[ کتب المأمون إلی عماله ووصیته فی کتبه ]
وفى هذه السنة نفّذت كتبُ المأمون إلى عمّاله فى البلدان: من عبد الله
عبد الله الإمام المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده أبى إسحاق بن
أمير المؤمنين الرّشيد . وقيل إنّ ذلك لم يكتبه المأمون كذلك ؛ وإنما كتب
فى حال إفاقة من غَشْيَة أصابته فى مرضه بالبد ندُون (٣)، عن أمر المأمون إلى
(١ - ١) س: ((معتقداً الإيمان مظهراً الشرك)).
(٢) فى: ((هذا)).
(٣) فى ياقوت: ((بدندون، بفتحتين وسكون النون ودال مهملة وواو ساكنة ونون: قرية
بينها وبين طرطوس يوم من بلاد الثغر، مات بها المأمون ، فنقل إلى طرسوس، ودفن بها)).

٦٤٦
سنة ٢١٨
العباس بن المأمون ، وإلى إسحاق وعبد الله بن طاهر ؛ أنه إن حدث به حدث
الموت فى مرضه هذا، فالخليفة من بعده أبو إسحاق بن أمير المؤمنين الرّشيد.
فكتب بذلك محمد بن داود ، وختم الكتب وأنفذها .
فكتب أبو إسحاق إلى عمّاله: من أبى إسحاق أخِى أمير المؤمنين والخليفة
من بعد أمير المؤمنين.
فورد كتاب من أبى إسحاق محمد بن هارون الرشيد إلى إسحاق بن يحيى بن معاذ
عامله علىجند دمشق یوم الأحد لثلاثعشرة ليلة خلت من رجب، عنوانه: من
عبدالله عبدالله الإمام المأمون أمير المؤمنين والخلیفة من بعد أميرالمؤمنين أبى إسحاق
ابن أمير المؤمنين الرشيد : أما بعد ؛ فإنّ أمير المؤمنين أمر بالكتاب إليك فى
التقدّم إلى عمالك فى حسن السيرة وتخفيف المئونة وكف الأذى عن أهل عملك ،
فتقدّم إلى عمّالك فى ذلك أشدّ التقدمة ، واكتب إلى عمّال الخراج بمثل ذلك.
وكتب إلى جميع عمّاله فى أجناد الشأم؛ جند حِمْص والأردن وفلسطين
بمثل ذلك ؛ فلما كان يوم الجمعة لإحدى عشرة بقيتْ من رجَب صلى
الجمعة إسحاق بن يحيى بن معاذ فى مسجد دمشق، فقال فى خطبته بعد دعائه
لأمير المؤمنين : اللهمّ وأصلح الأمير أخا المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين
أبا إسحاق بن أمير المؤمنين الرشيد .
٠٠
[ ذكر الخبر عن وفاة المأمون ]
وفى هذه السنة توفّىَ المأمون .
· ذكر الخبر عن سبب المرض الذى كانت فيه وفاته :
ذكر عن سعيد العلاّف القارئ، قال: أرسل إلىّ المأمون وهو ببلاد
الرّوم - وكان دخلتها من طَرَسُوس يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من
جمادى الآخرة - فحملتُ إليه وهو فى البند قدون ؛ فكان يستقرئی ، فدعانى
يوماً، فجئتُ فوجدتْه جالسًا على شاطىء البَدَنْدُون ، وأبو إسحاق المعتصم
جالس عن يمينه ، فأمرنى فجلست نحوه منه ؛ فإذا هو وأبو إسحاق مدلِيان
١١٣٤/٣

٦٤٧
سنة ٢١٨
أرجلهما فى ماء البَدَنْدُون، فقال: يا سعيد، دَلّ رجليْك فى هذا الماء ١١٣٥/٣
وذقه ؛ فهل رأيت ماء قطّ أشد برداً ، ولا أعذب ولا أصفى صفاء منه !
ففعلت وقلت: يا أميرَ المؤمنين ، ما رأيت مثل هذا قطّ ، قال: أىّ شىء يطيب
أن يؤكل ويشرب هذا الماء عليه ؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم ، فقال: رُطَب
الآزاذ (١) ؛ فبينا هو يقول هذا إذا سمع وقع لحُم البريد فالتفتَ، فنظر
فإذا بغالٌ من بغال البريد، على أعجازها حقائب فيها الألطاف، فقال الخادم
له (٢): اذهب فانظر: هل فى هذه الألطاف رُطَب؟ فانظره، فإن كانآزاذ فأت
به ؛ فجاء يسعى بسلّتين فيهما رطب آزاذ، كأنما جُنِى من النخل تلك
الساعة ؛ فأظهر شكراً لله تعالى؛ وكثر تعجُّبُنا منه ، فقال : ادن فكل ،
فأكل هو وأبو إسحاق ، وأكلت معهما ، وشرْبنا جميعًا من ذلك الماء ؛ فما
قام منا أحد إلا وهو محمومٌ؛ فكانت منيّة المأمون من تلك العلّة؛ ولم يزل
المعتصم عليلاً حتى دخل العراق ، ولم أزل عليلا حتى كان قريباً .
ولما اشتدّت بالمأمون علّته بعث إلى ابنه العباس، وهو يظنّ أن لن يأتيه ،
فأتاه وهو شديد المرض متغيّر العقل، قد نُفّذت الكتب بما نُفذت له(٣) فى
أمر أبى إسحاق بن الرشيد ، فأقام العباس عند أبيه أياماً ، وقد أوصى قبل ذلك
إلى أخيه أبى إسحاق .
١١٣٦/٣
وقيل: لم يوصٍ إلاّ والعباس حاضر، والقضاة والفقهاء والقوّاد والكتاب،
وكانت وصيته : هذا ما أشهد عليه عبدالله بن هارون أمير المؤمنين بحضْرة
مَنْ حضره؛ أشهدهم جميعاً على نفسه أنه يشهد ومَنْ حضره أن الله عز
وجلّ وحده لا شريك له فى ملكه، ولا مدبّر لأمره غيره، وأنه خالقٌ وما سواه
مخلوق ، ولا يخلو القرآن أن يكون شيئًا له مثل ؛ ولا شىء مثله تبارك وتعالى ،
وأن الموت حقّ، والبعث حقّ، والحساب حقّ، وثواب المُحسن الجنة وعقاب
المُسىء النار، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد بلَّغ عن ربّه شرائحَ دينه،
وأدّى نصيحته إلى أمته ؛ حتى قبضه الله إليه صلى الله عليه أفضل صلاة
(١) ذكره الجواليقى فى المعوب ٣٤
(٣) ف: ((فيه من)).
(٢) ف: ((لغلام من غلمانه)).

٦٤٨
سنة ٢١٨
صلّها على أحد من ملائكته المقرّبين وأنبيائه والمرسلين ، وأنى مقرّ مذنب، أرجو
وأخاف ؛ إلا أنیإذا ذ کرتعفو الله رجوتُ؛ فإذا أنا متّفوجهونیوغمضونى،
وأسبغوا وَضوئى وطهورى، وأجيدوا كفنى؛ ثم أكثروا حَمْد الله على الإسلام
ومعرفة حقه عليكم فى محمد ؛ إذ جعلنا من أمّته المرحومة، ثم أضجعونى على
سريرى ، ثم عجلوا بى؛ فإذا أنتم وضعتمونى للصلاة؛ فليتقدّم بها من هو
أقربكم بى نسبًا، وأكبركم سنًّا، فليكبّر خمسًا، يبدأ فى الأولى فى أولها بالحمد
الله والثناء عليه والصّلاة على سيدّى وسيد المرسلين جميعًا، ثم الدعاء للمؤمنين
والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات ، ثم الدّعاء للذّين سبقونا بالإيمان، ثم
ليكبّر الرابعة، فيحمد الله ويهلله ويكبّره ويسلم فى الخامسة، ثم أقدّونى
فأبلغوا بى حُفرتى، ثم لينزل أقربكم إلىّ قرابةً ، وأودّكم محبة، وأكثروا من
حمد الله وذكره، ثم ضَعُونى على شفى الأيمن واستقبلوا بىَ القبلةَ، وحُلُّوا كفنى
عن رأسى ورجلىّ، ثم سدّوا اللحد باللَّبِنِ، واحْفُوا ترابًا على٣(١)، وأخرجوا
عنى وخلّونى وعملى؛ فكلكم لا يغنى عنى شيئاً، ولا يدفع عنى مكروهاً، ثم قفوا
بأجمعكم فقولوا (٢) خيراً إن علمتم، وأمسكوا عن ذكر شرّ إن كنتم عرفتم، فإنى مأخوذٌ
من بينكم بماتقولون وما تلفظون به ، ولا تدَعُوا باكيةً عندى؛ فإن المعْوَل عليه
يعذّب. رحم اللهامرأ اتّعظ وفكر فيما حتّم الله على جميع خلقه من الفناء، وقضى عليهم
من الموت الذى لا بدّ منه ، فالحمد لله الذى توحّد بالبقاء ، وقضى على جميع
خلقه الفناء . ثم ليَنظر ما كنتُ فيه من عزّ الخلافة ؛ هل أغنى ذلك عنى
شيئًا إذ جاء أمر الله! لا والله، ولكن أضعف علىّ به الحسابُ، فياليت
عبد الله بن هارون لم يكن بشرًا، بل ليته لم يكن خلقًا! يا أبا إسحاق ، ادنُ
منّى ، واتّعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك فى القرآن ، واعمل فى الخلافة إذا
طوّقكها اللّه عمل المريد لله، الخائف من عقابه وعذابه؛ ولا تغترّ باللّه ومهلته(٣) ؛
فكأنْ قدنزل بك الموت. ولا تغفل أمرَ الرّعيّة. الرعية الرعية! العوام العوام! فإن المُلْك
بهم وبتعهُّدك (٤) المسلمين والمنفعة لهم. اللّهَ اللّهَ فيهم وفى غيرهم من المسلمين!
١١٣٧/٣
١١٣٨/٣
(٢) س: ((وقولوا)).
(١) ف: ((التراب)).
(٣) س وابن الاثير: ((وتمهيله)).
(٤) ف: ((وتعهدك)).

٦٤٩
سنة ٢١٨
ولا يُنهَنَّ إليك أمر فيه صلاح للمسلمين (١) ومنفعة لهم إلا قدّمته وآ ثرتتهعلى
غيره من هواك ، وخذ من أقويائهم لضعفائهم ، ولا تحمل عليهم فى شىء ،
وأنصف بعضَهم من بعض بالحقّ بينهم ، وقرّبهم وتأنّهم، وعجل الرّحلة
عنّى، والقدوم إلى دار مُلْكِك بالعراق، وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم
فلا تغفل عنهم فى كل وقت . والخُرَّمية فأغزِهم ذا حزامة وصرامة وجلَد ،
وأكْنِفه بالأموال والسلاح والجنود من الفرسان والرّجالة ؛ فإن طالت مدتهم
فتجرّد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل فى ذلك عمل مقدّم النَّيّة
فيه، راجيًا ثواب الله عليه. واعلم أنّ العِظة إذا طالت أوجبتْ على السامع لها
والموصى بها الحجّة ؛ فاتق الله فى أمرك كله، ولا تُفْتَن.
ثم دعا أبا إسحاق بعد ساعة حين اشتدّ به الوجع، وأحسّ بمجىء أمر الله
فقال له : يا أبا إسحاق ، عليك عهد الله وميثاقه وذمة رسول الله صلى الله عليه
وسلم لتقومنّ بحق الله فى عباده، ولتؤثرن" طاعته على معصيته؛ إذ أنا (٢) نقلتُها
من غيرك إليك ؟ قال: اللهم نعم ، قال: فانظر مَنْ كنت تسمعنى أقدّمه
على لسانى فأضعف له التّقدمة ؛ عبد اللّه بن طاهر أقرّه على عمله ولا تهجْه ،
فقد عرفتَ الذى سلفَ منكما أيام حياتى وبحضرتى ، استعطفه بقلبك ، وخُصّه
ببرّك ، فقد عرفتَ بلاءه وغناءه عن أخيك . وإسحاق بن إبراهيم فأشرِكْه
فى ذلك؛ فإنه أهلّ له . وأهل بيتك، فقد علمت أنه لابقيّة فيهم وإن كان
بعضهم يظهر الصيانة لنفسه . عبد الوهاب عليك به من بين أهلك ، فقدّمه
عليهم ، وصيّر أمرهم إليه . وأبو عبد اللّه بن أبى داود فلا يفارقْك، وأشركه
فى المشورة فى كلّ أمرك؛ فإنه موضع لذلك منك، ولا تتخذن" بعدى وزيراً
تلقى إليه شيئًا؛ فقد علمتَ ما نكبنى به يحيى بن أكثم فى معاملة الناس وخبْث
سيرته "(٣) حتى أبان اللّه ذلك منه فى صحّة منى، فصرتُ إلى مفارقته! قاليًا له
غير راضٍ بما صنع فى أموال اللّه وصدقاته، لا جزاه الله عن الإسلام خيراً!
وهؤلاء بنو عمّك من ولد أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه،
١١٣٩/٣
(١) ف: ((المسلمين)).
(٣) ف: ((سريرته)).
(٢) س وابن الأثير: ((إذا)).

٦٥٠
سنة ٢١٨
فأحسن صحبتهم ، وتجاوز عن مسيئهم ، واقبَلْ من محسنهم ، وصِلاتهم
فلا تغفلْها فى كلّ سنة عند محلّها ، فإن حقوقهم تجب من وجوه شتّى . اتقوا
الله ربكم حقّ تقائِه ولا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون. اتقوا اللّه واعملوا له، اتقوا الله
فى أموركم كلها . أستودعكم(١) اللّه ونفسى وأستغفر الله مما سلف، وأستغفر الله
مما كان منى ، إنه كان غفاراً، فإنه ليَعْلمُ كيف ندمِى على ذنوبى ، فعليه
توكلت من عظيمها(٢)، وإليه أنيب ولا قوة إلا بالله، حسبى الله ونعم الوكيل،
وصلى الله على محمد نبىّ الهدى والرحمة!
١١٤٠/٣
. .
ذكر الخبر عن وقت وفاته والموضع الذى دفن فيه ومَنْ صلّى عليه
ومبلغ سنّه وقَدْر مدة خلافته
قال أبو جعفر (٣): وأما وقت وفاته، فإنه اختلف فيه ، فقال بعضهم :
توفّىَ يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيتْ من رجب بعد العصر سنة ثمان عشرة
ومائتين .
وقال آخرون : بل توفَّىَ فى هذا اليوم مع الظهر، ولما توفِىَ حمله ابنُه
العباس وأخوه أبو إسحاق محمد بن الرشيد إلى طرسوس ، فدفناه (٤) فى دار
كانت الخاقان خادم الرشيد، وصلّى عليه أخوه أبو إسحاق المعتصم ، ثم وكلوا (٥)
به حرَسًا من أبناء أهل طَرَسوس وغيرهم مائة رجل، وأُجْرى على كلّ رجلٍ
منهم تسعون درهماً .
وكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً ؛ وذلك
سوى سنتين كان 'دُعِىَ له فيهما بمكة وأخوه الأمين محمد بن الرّشيد محصور
ببغداد .
وكان ولد للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة .
(١) ابن الأثير، ف: ((استودعتكم)).
(٢) س: ((عظمها)).
(٤) س: ((ودفناه)).
(٣) من ف
(٥) ف: ووكلوا)).

سنة ٢١٨
وكان يكنى - فيما ذكر ابن الكلبى - أبا العباس .
وكان رَبَْعة (١) أبيض جميلا، طويل اللحية، قد وخطه الشيب (٢). وقيل
كان أسمر تعلوه صفرة ، أحْنى أعْين (٣) طويل اللحية رقيقها، أشيب، ضيَّق
الجبهة ، بخدّه خالٌ أسود .
١١٤١/٣
واستُخلَف يوم الخميس لخمس ليال بقين من المحرم.
#
ذكر بعض أخبار المأمون وسيره
"ذكر عن محمد بن الهيثم بن عدّىّ، أن إبراهيم بن عيسى بن بُريهَة بن
المنصور، قال: لما أراد المأمون الشخوصَ إلى دمشق هيأتُ له كلامًا، مكثت
فيه يومين وبعض آخر، فلما مثلتُ بين يديه قلتُ : أطال الله بقاء
أمير المؤمنين، فى أدوم العزّ وأسبغ الكرامة، وجعلنى من كلِّسوء فداه ! إنّ من
أمسى وأصبح يتعرّف من نعمة الله، له الحمد كثيراً عليه برأى أمير المؤمنين أيّده
الله فيه، وحُسْن تأنيسه له، حقيق بأن يستديم هذه النعمة ، ويلتمس الزيادة
فيها بشكر الله وشكر أمير المؤمنين، مدّ الله فى عمره عليها. وقد أحبّ أن يعلم
أميرُ المؤمنين أيّده الله أنى لا أرغب بنفسى عن خدمته أيده الله بشىء من
الخَفْض والدّعة؛ إذ كان هو أيّده الله يستجشَّم خُشونة السفر ونصَب الظَّعْن،
وأوْلى الناس بمواساته فىذلك وبذل نفسه فيه أنا،لما عرفنى اللهُ من رأيه، وجعل
عندى من طاعته ومعرفة ما أوجب الله من حقه ؛ فإن رأى أميرُ المؤمنين أكرمه
اللّه أن يكرمنى بلزوم خدمته، والكينونة معه فعل. فقال لى مبتدئًا من غير
تروية : لم يعزم أميرُ المؤمنين فى ذلك على شىء ، وإن استصحب أحداً من
أهل بيتك بدأ بك؛ وكنت المقدَّم عنده فى ذلك؛ ولا سيّما إذْ أنزلتَ نفسك
بحيث أنزلكَ أمير المؤمنين من نفسه ؛ وإن ترك ذلك فمن غير قِلاً لمكانك ؛
ولكن بالحاجة إليك . قال : فكان واللّه ابتداؤه أكثرَ من تَرْوِيِّى.
١١٤٢/٣
(١) يقال : فلان ربعة ومربوع، أى ما بين الطويل والقصير.
(٢) وخطه الشيب، أى خالطه وفشا فيه، أو استوى سواده وبياضه.
(٣) رجل أحتى، أى فى ظهره احديداب. وأعين: واسع العين.

٦٥٢
سنة ٢١٨
وذكر عن محمد بن على بن صالح السرخسيّ، قال: تعرّض رجلٌ للمأمون
بالشأم مراراً ، فقال له : يا أميرَ المؤمنين ، انظر لعرب الشّأم كما نظرت العجم
أهل خراسان! فقال : أكثرت علىّ يا أخا أهل الشأم؛ والله ما أنزلت قيسًاً
عن ظهور الخيل إلاّ وأنا أرى أنه لم يبقَ فى بيتٍ مالى درهم واحد؛ وأما اليمن
فوالله ما أحببتُها ولا أحبّتنى قطّ؛ وأما قُضاعة فسادتُها تنتظر السفيانيّ وخروجه
فتكونُ من أشياعه، وأمّا رَبيعة فساخطةٌ على اللّه منذ بعث نبيَّه من
مُضَر؛ ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شاريًا، اعزُبْ فعل الله بك!
وذُكر عن سعيد بن زياد أنه لما دخل على المأمون بدمشق قال له : أرِنى
الكتاب الذى كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكم، قال: فأريته ، قال:
فقال : إنى لأشتهى أن أدرى أىّ شىء هذا الغشاء على هذا الخاتم ؟ قال :
فقال له أبو إسحاق: حُلّ العقد حتى تدرى ما هو، قال: فقال: ما أشكّ
١١٤٣/٣ أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عقد هذا العقد، وما كنت لأحل" عقداً عقده
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال للواثق: خذه فضعْه على عينك؛ لعلّ
الله أن يشفيك . قال: وجعل المأمون يضعه على عينه ويبكى.
وذُ كر عن العَيْشِّ صاحب إسحاق بن إبراهيم ، أنه قال : كنت مع
المأمون بدمشق ، وكان قد قلّ المالُ عندَه حتى ضاق ، وشكا ذلك إلى
أبى إسحاق المعتصم، فقال له : يا أميرَ المؤمنين، كأنك بالمال وقد وافاك بعد
جمعة . قال : وكان حمل إليه ثلاثون ألف ألف مِنْ خراج ما يتولاه له ،
قال : فلما وردَ عليه ذلك المال، قال المأمون ليحيى بن أكثم : اخرج بنا ننظر
إلى هذا المال ، قال : فخرجا حتى أصحَرا ، ووقفا ينظرانه ؛ وكان قد هيئّ
بأحسن هيئة، وحُلِّيَتْ أباعِرُه، وألبست الأحلاس المرشّة والجلال المصبّغة
وقُلِّدت العِهَن، وجعلت البدر بالحرير الصينىّ الأحمر والأخضر والأصفر،
وأبديت رءوسها . قال : فنظر المأمون إلى شىء حسن، واستكثر ذلك، فعظم
فى عينه ، واستشرَفه الناس ينظرون إليه، ويعجبون منه ، فقال المأمون ليحيى :
يا أبا محمد، ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين تراهم الساعة خائبين إلى منازلهم ،

٦٥٣
سنة ٢١٨
وننصرف بهذه الأموال قد ملكناها دونهم ! إنا إذاً للتام . ثم دعا محمد بن
يزداد ، فقال له : وقّع لآل فلان بألف ألف ، ولآل فلان بمثلها، ولآل فلان
بمثلها. قال: فوالله إنْ(١) زال كذلك حتى فرّق أربعة وعشرين ألف ألف
درهم ورجله فى الركاب ، ثم قال : ادفع الباقى إلى المعلَّى يعطى جندنا . قال
العيشىّ: فجئت حتى قمت نصب عينه ، فلم أردّ طرفى عنها ، لا يلحظى
إلا رآنى بتلك الحال . فقال : يا أبا محمد ، وقّع لهذا بخمسين ألف درهم من
الستة الآلاف ألف؛ لا يختلس ناظرى. قال : فلم يأت على ليلتان حتى
أخذت المال .
١١٤٤/٣
وذكر عن محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان ؛ أنه كان بالبصرة رجلٌ
من بني تميم ، وكان شاعراً ظريفًا خبيثًا منكراً ؛ وكنت أنا والى البصرة ،
آنسُ به وأستحليه ؛ فأردتُ أن أخدَعه وأستنزله ، فقلت له : أنت شاعر
وأنت ظريف ، والمأمون أجودُ من السحاب الحافل والريح العاصف ؛ فما
يمنعك منه؟ قال : ما عندى ما يُقُلُّنِى، قلت : فأنا أعطيك نجيباً فارهاً ،
ونفقة سابغة، وتخرج إليه وقد امتدحتَه ؛ فإنك إن حظيتَ بلقائه ، صرْت
إلى أمنيّتك . قال: والله أيها الأمير ما إخالك أبعدت ؛ فأعدّ لى ما ذكرت.
قال : فدعوتُ له بنجيب فاره، فقلت: شأنك به فامتطه ؛ قال: هذه إحدى
الحُسْنَيَيْن، فما بال الأخرى! فدعوت له بثلثمائة درهم، وقلت: هذه نفقتك؛
قال : أحسبك أيها الأمير قصَّرْت فى النفقة ، قلت : لا، هى كافية ، وإن
قصّرت عن السّرف . قال : ومتى رأيت فی أ کابر سعد سرفًا حتى تراه فى
أصاغرها ! فأخذ النجِيب والنفقة، ثم عمل أرجوزه ليست بالطويلة، فأنشد فيها
وحذف منها ذكرى والثناء علىّ - وكان مارداً - فقلت له: ما صنعتَ شيئًا .
قال : وكيف ؟ قلت: تأتى الخليفةَ ولا تُثْنِى على أميرك! قال: أيّها الأمير
أردت أن تخدعى فوجدتنى خدّاعًا، ولمثلها ضرب هذا المثل: ((من بَنِك
العَيْرِيَنك نيَّاكّاً))؛ أما والله ما لكرامتى حملْنى على نجيبك، ولا جُدْتْ
لى بمالك الذى ما رامه أحد قطّ إلا جعل الله خدّه الأسفل؛ ولكن لأذكـ ـ
١١٤٥/٣
(١) ف: ((لم يزل)).
:

٦٥٤
سنة ٢١٨
فى شعرى وأمدحك عند الخليفة ، أفهم هذا . قلت : قد صدقت ، فقال :
أمّا إذْ أبديتَ ما فى ضميرك، فقد ذكرتك، وأثنيت عليك، فقلت : فأنشدنى
ما قلتَ ، فأنشدفيه ، فقلت : آحسنت ؛ ثم ودّعنى وخرج فأتى الشام ؛
وإذا المأمون بسلَّغوس. قال: فأخبَرَنى، قال: بينا أنا فى غزاةٍ قَرَّة (١)،
قد ركبتُ نجيبِى ذاك، ولبستُ مقطّعاتى ، وأنا أروم العسكر ؛ فإذا أنا
بكهل على بَغْل فاره ما يُقَرّ قراره، ولا يدرك خطاه. قال : فلتقّانى مكافحة
ومواجهة ، وأنا أردّ د نشيد أرجوزتى، فقال: سلام عليكم - بكلام جمهورىّ
ولسان بسيط - فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قال: قف إن
شئت، فوقفت فتضوّعتْ منه رائحة العَشْبر والمسك الأذفر ، فقال: ما أوّلك؟
قلت : رجل من مُضَر ، قال: ونحن من مُضَر، ثم قال : ثمّ ماذا ؟
قلت : رجلٌ من بني تميم ، قال : وما بعد تميم ؟ قلت : من بنى سعد ، قال :
هيه ، فما أقدَمك هذا البلد؟ قال: قلت: قصِدتُ هذا الملك الذى ما سمعت
بمثله أندى رائحةً، ولا أوسعَ راحة، ولا أطولَ باعًا، ولا أمدّ يفاعاً (٢) منه.
قال : فما الذى قصدتَهُ به؟ قلت : شعر طيب يلذّ على الأفواه ، وتقتفيه
الرّواة ، ويحلو فى آذان المستمعين ، قال: فأنشدْنيه، فغضبتُ وقلت :
يا ركيك ، أخبرتُك أنى قصدتُ الخليفة بشعر قلتُه، ومديح حَبّرْتُه، تقول:
أنشدْفيه ! قال : فتغافل واللّه عنها، وتطأمن لها ، وألغى عن جوابها ،
قال : وما الذى تأمل منه ؟ قلت : إن كان على ما ذُكر لى عنه فألف
دينار، قال : فأنا أعطيكَ ألف دينار إن رأيتُ الشعرَ جيّداً والكلام عذباً
وأضع عنك العناء ، وطول التَّرداد ؛ ومنى تصلُ إلى الخليفة وبينك وبينه عشرة
آلاف رامحٍ ونابل ! قلت : فلى اللّه عليك أن تفعل! قال: نعم لك
اللّه علىّ أن أفعل، قلت: ومعك الساعة مال ؟ قال : هذا بغلى وهو خيرٌ
أن ألف دينار ، أنزلُ لك عن ظهره ، قال : فغضبتُ أيضًا وعارضنی
نَزَق سعْد وخفّة أحلامها، فقلت : ما يساوى هذا البغل هذا النجيب! قال :
١١٤٦/٣
١١٤٧/٣
(١) ف: ((عداة فر)).

٦٥٥
سنة ٢١٨
فدع عنك البغل، ولك اللّه علىّ أن أعطيك الساعة ألف دينار ، قال :
فأنشدته :
وصاحبَ المرتبةِ المُنيفَهْ
مأُمُونُ ياذا المِننِ الشرِيفَهْ(١)
هل لك فى أرجوزة ظريفهْ
وقائدَ الكتيبةِ الكَثِيفَةْ
لا والذى أَنت له خليفه
أَظرَفَ مِن فقهِ أَبی حنیفه
أَميرُنا مُؤْنَتُهُ خَفيفهْ
ما ظُلِمَتْ فِى أَرضنا ضعيفه
فالذئبُ والنَّعجةُ فِى سَقيفهْ
وما اجتبى شيئاً سوى الوظيفه
* واللصّ والتاجرُ فى قَطِيفَة »
قال : فوالله ما عدا أن أنشدته ، فإذا زهاء عشرة آلاف فارس قد سدوا
الأفق ، يقولون : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ! قال :
فأخذنى أفكل٣(٢)، ونظر إلىّ بتلك الحال، فقال: لا بأس عليك أى ١١٤٨/٣
أخى ، قلت : يا أميرَ المؤمنين ، جعلنى الله فداك! أتعرف لغات العرب ؟
قال: إى لعمر الله، قلت : فمن جعل الكاف منهم مكان القاف ؟ قال :
هذه حميَر ، قلت : لعنها اللّه ، ولعن من استعمل هذه اللغة بعد اليوم !
فضحك المأمون ، وعلم ما أردتُ ، والتفت إلى خادم إلى جانبه ، فقال : أعطه
ما معك ، فأخرج إلىّ كيساً فيه ثلاثة آلاف دينار ، فقال : هاك ، ثم
قال : السلام عليك ؛ ومضى فكان آخر العهد به .
وقال أبو سعيد المخزومى :
مون شيئاً أَو ملكِهِ المأسوسِ (٣)
هل رأيتَ النُّجومَ أَغْنَت عنِ المأُ
مثلَ ما خَلَّفُوا أَباه بطوس
خَلَّفُوهُ بِعَرْضَىْ طرسوس
وقال علىّ بن عبيدة الرّيحانىّ:
لستُ أَرضى إلا دماً مِن جفونى
ما أَقْلَّ الدموعَ للمأُمُونِ
(١) ابن الأثير: ((المنزلة الشريفة)).
(٣) المسعودى، ٤: ٤٥، وفيه: ((المأنوس)).
(٢) الأفكل : الرعدة .

٦٥٦
١١٤٩/٣
١١٥٠/٣
سنة ٢١٨
وذكر أبو موسى هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادى أنّ علىّ
ابن صالح حدّثُه ، قال : قال لى المأمون يوماً : أبغنى رجلاً من أهل الشام ، له
أدب ، يجالسنى ويحدّثنى، فالتمستُ ذلك فوجدته ، فدعوته فقلت له :
إنى مدخلك على أمير المؤمنين ، فلا تسأله عن شىء حتى يبتدئك ، فإنى
أعرفُ الناس بمسألتكم يا أهل الشام، فقال: ما كنت متجاوزًا ما أمرتنى به .
فدخلت على المأمون ، فقلت له : قد أصبت الرّجل يا أمير المؤمنين ، فقال :
أدخله ، فدخل فسلم ، ثم استدناه - وكان المأمون على شغله من الشراب -
فقال له : إنى أردتك لمجالستى ومحادثى ، فقال الشأمىّ : يا أميرَ المؤمنين ؛ إن
الجليس إذا كانت ثيابه دون ثياب جليسه دخله لذلك غضاضة ، قال : فأمر
المأمون أن يخلَّع عليه؛ قال: فدخلنى من ذلك ما اللّه به أعلم ، قال : فلما
خلع عليه ، ورجع إلى مجلسه ، قال: يا أميرَ المؤمنين ؛ إنّ قلبى إذا كان
متعلّقًا بعيالى لم تنتفع بمحادثتى ، قال: خمسون ألفاً تحمل إلى منزله ، ثم
قال : يا أميرَ المؤمنين ، وثالثة ، قال : وما هى ؟ قال : قد دعوت بشىء
يحول بين المرء وعقله ؛ فإن كانت منّى هنةٌ فاغتفرها، قال : وذاك ! قال
علىّ : فكأنّ الثالثة جلتْ عنى ما كان بى .
وذكر أبو حشيشة محمد بن علىّ بن أمية بن عمرو ، قال : كنا قدّام
أمير المؤمنين المأمون بدمشق ، فغنى عدَّوَيَه :
أَتَاكِ به الواشوانَ عنِّى كما قالوا (١)
بَرئت مِنَ الإِسلام إِن كَانَذا الذِى
إِلىَّ، تَواصَوْا بالنَّمِيمَةِ واحتالوا
ولكنَّهِمْ لمّا رَأَوْكِ سَرِيعَةً
فقال : يا علّويه ، لمن هذا الشعر؟ فقال : للقاضى ، قال : أىّ قاض
ويحك ! قال : قاضى دمشق ، فقال : يا أبا اسحاق ، اعزله ، قال : قد
عزلته ، قال : فيُحضَر الساعة . قال : فأحضر شيخ مخضوب قصير ؛ فقال
له المأمون : من تكون ؟ قال : فلان ابن فلان الفلانىّ ، قال : تقول الشعر؟
قال : قد كنت أقوله ، فقال : يا عدّويه، أنشده الشعر، فأنشده ، فقال :
(١) الشعر والخبر فى الأغانى ١١، ٣٣٩، ٣٤٠.

٦٥٧
سنة ٢١٨
هذا الشعر لك؟ قال: نعمْ يا أمير المؤمنين، ونساؤه طوالق وكلّ ما يملك
فى سبيل الله إن كان قال الشعر منذ ثلاثون سنة إلا فى زُهد أو معاتبة صديق،
فقال : يا أبا إسحاق اعزله ؛ فما كنت أولى رقاب المسلمين من يبدأ فى هزله
بالبراءة من الإسلام . ثمّ قال : اسقوه ؛ فأتى بقدح فيه شراب ، فأخذه وهو
يرتعد ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ما ذقته قط" ، قال: فلعلك تريد غيره ! قال :
لم أذق منه شيئًا قطّ، قال : فحرام هو ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال:
أوْلى لك! بها نجوت، اخرج. ثمّ قال: يا عدّويه، لاتقل: ((برئت من
الإسلام)) ، ولکن قل
حُرمْتُ مناىَ منكِ إِن كان ذَاالَّذى
أتاك به الواشون عَنَّى كما قالوا
قال : وكنّا مع المأمون بدمشق، فركب يريد جبل الثلج ، فمر ببركة ١١٥١/٣
عظيمة من بِرَك بنى أميّة، وعلى جوانبها أربع سَرّوات، وكان الماء يدخلها
سيْحًا، ويخرج منها؛ فاستحسن المأمون الموضع، فدعا بيزْما ورد ورطْل ،
وذكر بنى أميّة، فوضع منهم وتنقّصهم؛ فأقبل عدّويه على العنود ، واندفع
يغنى :
تَفَانَوْا فَإِلَّ أَذْرِفُ العينَ أَكمدًا
أولئِك قومى بعد عزَّ وثروةٍ
فضرب المأمونُ الطعام برجله، ووثب وقال لعدّويه : يابن الفاعلة، لم يكن
لك وقت تذكر فيه مواليك إلاّ فى هذا الوقت ! فقال : مولاكم زرياب عند
موالى يركب فى مائة غلام ؛ وأنا عندكم أموت من الجوع ! فغضب عليه
عشرين يوماً ، ثم رضى عنه
قال: وزرباب مولى المهدىّ ، صار إلى الشأم ثم صار إلى المغرب، إلى
بنى أمية هناك
وذكر السّليطىّ أبو علىّ، عن عمارة بن عقيل ، قال : أنشدتُ المأمون
قصيدة فيها مديح له، هى مائة بيت ؛ فأبتدئ بصدر البيت فيبادرنى إلى قافيته

٦٥٨
سنة ٢١٨
كما قفَّتُهُ، فقلت: والله يا أمير المؤمنين؛ ما سمعها منى أحد قط، قال: هكذا
ينبغى أن يكون؛ ثم أقبل علىّ، فقال لى: أما بلغك أنّ عمر بن أبى ربيعة
أنشد عبد الله بن العباس قصيدته التى يقول فيها .
• تشُّطُّ غداً دارُ جيراننا .
فقال ابنُ العباس
١١٥٢/٣
• وللدارُ بعد غد أبعد (١).
حتى أنشده القصيدة ، يقفّيها ابن عباس ! ثم قال : أنا ابنُ ذاك.
وذُكر عن أبى مروان كازر بن هارون، أنه قال : قال المأمون :
وأَغفَلْتَنِى حتى أَسأْتُ بِكَ الظَّنَّا
بعثتُكَ مُرْتادًا ففزتَ بِنظْرةٍ
فياليتَ شعرِى عَن دُنوّك ما أَغنى!
فناجيتَ مَن أَهْوَى وكنتُ مباعَدًا
لقد أَخذَت عیناكَ مِن عینه حُسنا
أَرَى أَثرًا منهُ بعينَيكَ بَيِّناً
قال أبو مروان : وإنما عوّل المأمون فى قوله فى هذا المعنى على قول العباس
ابن الأحنف ، فإنه اخترع :
عينُ رسولى، وقُزْتُ بالخَبَرِ(٢)
إِن تَشْقَ عینی بها فقدسَعِدَتْ
ردَّدتُ عمدًا فى طرفه نَظِرِى
وكلَّما جاءنى الرسولُ لهَا
قد أَثَّرَتْ فيه أحسنَ الأُثْرِ
تَظْهَرُ فی وجهِه محاسنُها
فانظر بها واحتكمْ على بصرِى
خُذْ مقلتِى يا رسولُ عاريةً
١١٥٣/٣
قال أبو العتاهية : وجّه إلىّ المأمون يومًا، فصرتُ إليه، فألفيتُه مطرقًا
مفكراً، فأحجمتُ عن الدنوّ منه فى تلك الحال؛ فرفع رأسه ؛ فنظر إلىّ وأشار
بيده ؛ أن ادنُ ، فدنوتُ ثم أطرق مليًا ، ورفع رأسه ، فقال : يا أبا إسحاق ؛
شأنُ النفس الملل وحُبّ الاستطراف ؛ تأنس بالوحدة كما تأنس بالألفة،
قلت : أجَل يا أمير المؤمنين ، ولى فى هذا بيت ، قال : وما هو ؟ قلت :
(١) ديوانه ٣٠٨.
(٢) ديوانه ١٥٣، ١٥٤.

٦٥٩
سنة ٢١٨
إِلَّ التَّنقُّلُ من حالٍ إلى حالٍ (١)
لا يُصلِح النفسَ إِذ كانت مُقَسَّمَةً
و ◌ُذكر عن أبى نزار الضّرير الشاعر أنه قال: قال لى علىّ بن جَبَلة:
قلتُ لحمُيد بن عبد الحميد : يا أبا غانم ، قد امتدحتُ أميرَ المؤمنين بمدْح
لا يحسن مثله أحدٌ من أهل الأرض ؛ فاذكرنى له ، فقال : أنشدْنيه ،
فأنشدته ، فقال : أشهد أنك صادق ؛ فأخذ المديح فأدخله على المأمون، فقال:
يا أبا غانم ، الجواب فى هذا واضح ، إن شاء عفوْنا عنه وجعلنا ذلك ثواباً
بمديحه؛ وإن شاء جمعنا بين شعره فيك وفى أبى دُلف القاسم بن عيسى ؛ فإن
كان الذى قال فيك وفيه أجودُ من الذى مدحتّنا به ضربنا ظهره، وأطلْنا حيسه،
وإن كان الذى قال فينا أجود أعطيتُه بكل بيت من مديحه ألف درهم ، وإن
شاء أقلناه . فقلت : یا سیدی، ومن أبو دلف! ومن أنا حتى يمدحنا بأجود
من مديحك ! فقال : ليس هذا الكلام من الجواب عن المسألة فى شىء ،
فاعرض" ذلك على الرجل. قال علىّ بن جبلة: فقال لى حُميد: ما ترى؟
قلت : الإقالة أحبُّ إلىّ ، فأخبر المأمون ، فقال : هو أعلم ، قال حميد :
فقلت لعلىّ بن جبلة : إلى أى شىء ذهب فی مدحت أبا د لف (٢) وفى مدحت
لى ؟ قال : إلى قولی فی أبى دلف :
١١٥٤/٣
بينَ مغزاهُ ومُحتَضَرِهِ
إِنَّما الدّنيا أبو دُلَفٍ
وَلَّتِ الدّنيا على أَثَرِهْ
فإِذا ولَّى أَبو دُلَفٍ
وإلی قولی فیك :
حسبٌ يُعَدُّ ولا نَسَبْ
لولا حميدٌ لم يكُنْ
عَزَّتْ بَعِزَّته العربْ
يا واحِدَ العَربِ الَّذی
قال : فأطرق حُميد ساعة ، ثم قال : يا أبا الحسن ، لقد انتقد عليك
أمير المؤمنين . وأمرلى بعشرة آلاف درهم وحُملان وخلعة وخادم ، وبلغ ذلك
(١) البيت والخبر فى المسعودى ٤: ١٧.
(٢) الأغانى: ((أى شىء يعنى من مدائحك)).

٦٦٠
سنة ٢١٨
أبا داف فأضعف لى العطية، وكان ذلك منهما فى ستر لم يعلم به أحد إلى أن
حد ◌ّثتك يا أبا نزار بهذا(١)
قال أبو نزار: وظننتُ أنّ المأمون تعقّد عليه هذا البيت فى أبى دُلَف:
تحَذَّرَ ماءُ الجُودِ من صُلبٍ آدمٍ فَأَتْبتَهُ الرَّحمَنُ فى صُلب قاسِمٍ()
١١٥٥/٣
وُذكر عن سليمان بن رزين الخزاعىّ، ابن أخى دعْبل ، قال: هجا
د عْبل المأمونَ ، فقال :
أَوَ مَارَأَى بالأَمسِ رأْسَ محمدٍ (٣)
ويَسُومُنى المأْمُونُ خُطَّةَ عارِفٍ
يُوِفِى الجبالُ على رُوسِ القَرددِ (٤)
يُوِى على هامِ الخلائفِ مثلَ مَا
حتى يُذَلِّلَ شاهِقاً لم يُصْعَدِ(٥)
وَيَحِلُّ فِى أَكنافٍ كلِّ ممنَّعٍ
فاكففْ لُعَابكَ عن لعابِ الأسودِ
إِنَّ الِّراتِ مُسَهَّدٌ طُلَّبُها
فقيل للمأمون: إن دعْبلا هجاك ، فقال: هو يهجو أبا عبّاد لا يهجونى .
يريد حدّة أبى عبّاد، وكان أبو عبّاد إذا دخل على المأمون كثيراً ما يضحك
المأمون ، ويقول له : ما أراد د عبل منك حين يقول :
حَرِدٌ يجُرْ سلاسلَ الأَقياد (٦)
وكأنه من دَيرٍ مِزْقِلَ مفلِتْ
١١٥٦/٣
(١) الخبر والشعر فى الأغانى ١٨: ١٠٥ (سامى) والشعر والشعراء ٨٤٠.
(٢) س: ((من ظهر آدم)).
(٣) ديوانه ٦٩ والشعر والشعراء ٨٢٦، وفيه ((خطة عاجز)).
(٤) الديوان: ((يوفى على روس الخلائق)). والقردد: المكان الغليظ المرتفع.
(٥) بعده فى الشعر والشعراء .
فقدتْ أَخاكَ وشرفُوكَ بِمَقْعدٍ
إنى من القَوْمِ الَّذِينِ سُيُوفُهُمْ
(٦) دير هزقل: دير مشهور بين البصرة وعسكر مكرم؛ وذكره الثعالبى فى المضاف المنسوب
٥٢٨، وقال: ((يضرب به المثل لمجتمع المجانين. ويقال المجنون: كأنه من دير هزقل، وذلك أنه
مأوى المجانين بإحدى الديارات ، يشدون هناك ويداوون. والخبر كما فى معجم البلدان ٤: ١٨١،
١٨٢٠: ((غضب أبوعباد ثابت بن يحيى كاتب المأمون يوماً على بعض كتابه ، فرماه بدواء كانت
بين يديه، فلما رأى الدم يسيل، ندم وقال: صدق الله عز وجل: ((والذين إذا ما غضبوا هم
يتجاوزون))؛ فبلغ ذلك المأمون، فانتبه وعتب عليه ، وقال : ويحك! أنت أحد أعضاء المملكة وكتاب
الخليفة، ماتحسن أن تقرأ آية من كتاب الله! فقال: بلى يأمير المؤمنين، إنى لأقرأ من سورة =