Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ ثم دخلت سنة ست ومائتين ذكر ما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك تولية المأمون داود بن ماسجور محاربة الزّط وأعمال. البصرة وكُور دجلة واليمامة والبحرين . ١٠٤٥/٣ وفيها كان المدّ الذى غرق منه السواد وكَسْكر وقطيعة أم جعفر وقطيعة العباس وذهب بأكثرها . وفيها نكتب بابك بعیسی بن محمد بن أبى خالد . # [ ولاية عبد الله بن طاهر على الرّقة ] وفيها ولّى المأمون عبد اللّه بن طاهر الرّقة لحرب نصر بن شَبَت ومُضَر. ذكر الخبر عن سبب توليته إياه : # وكان السبب فى ذلك - فيما ذكر- أن يحيى بن معاذ كان المأمون ولاًّ. الجزيرة؛ فمات فى هذه السنة، واستخلف ابنه أحمد على عمله ، فذکر عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، أنّ المأمون دعا عبد الله بن طاهر فى شهر رمضان ، فقال بعض : كان ذلك فى سنة خمس ومائتين، وقال بعض: فى سنة ست . وقال بعض: فى سنة سبع . فلما دخل عليه ، قال: يا عبد الله أستخير الله منذ شهر ، وأرجو أن يخير الله لى، ورأيت الرّجل يصف ابنه ليطريه لرأيه فيه ، وليرفعه ، ورأيتُك فوق ما قال أبوك فيك ، وقد مات يحيى ابن معاذ، واستخلف ابنه أحمد بن يحيى، وليس بشىء ، وقد رأيت توليتتَك مُضر ومحاربة نصر بن شبسَت، فقال: السمع والطاعة يا أميرَ المؤمنين ، وأرجو أن يجعل اللّه الخيرة لأمير المؤمنين والمسلمين. قال: فعقَد له، ثم أمر أن تقطع حبال القصّارين عن طريقه، وتنحى ١٠٤٦/٣ عن الطرقات المظال" ، كيلا يكون فى طريقه ما يردّ لواءه، ثم عقد له لواء ٥٨٢ سنة ٢٠٦ مكتوبًا عليه بصُفرة ما يكتب على الألوية؛ وزاد فيه المأمون: (( با منصور)»، وخرج ومعه الناس فصار إلى منزله ؛ ولما كان من غدٍ ركب إليه الناس ، وركب إليه الفضل بن الربيع ؛ فأقام عنده إلى الليل ؛ فقام الفضل ، فقال عبد الله: يا أبا العباس ، قد تفضّلت وأحسنت، وقد تقدّم أبى وأخوك إلىّ ألاّ أقطَعَ أمرًا دونَك، وأحتاج أن أستطلع رأيك ، وأستضىء بمشورتك ؛ فإن رأيتَ أن تقيم عندى إلى أن نُفطر فافعل . فقال له: إن لى حالات ليس يمكننى معها الإفطار ها هنا. قال : إِنْ كنت تكره طعام أهل خُراسان فابعث إلى مطبخك يأتون بطعامك، فقال له: إن لى ركعات بين العشاء والعتمة، قال: ففى حفظ الله؛ وخرج معه إلى صحن داره يشاوره فى خاصّ أموره . وقيل : كان خروج عبد اللّه الصحيح إلى مُضر؛ لقتال نصربن شبث بعد خروج أبيه إلى خراسان ، بستّة أشهر . [ وصية طاهر إلى ابنه عبد الله ] وكان طاهر حينَ ولى ابنُه عبد الله ديار ربيعة، كتب إليه كتابًا نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم عليك بتقوى الله وحده لا شريك له ، وخشيته ومراقبته ومزايلةَ سخطه وحفظ رعيّتك، والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك ، وما أنت صائر إليه ؛ وموقوف عليه ، ومسئول عنه ؛ والعمل فى ذلك كله بما يعصمك اللّه ، وينجّيك يوم القيامة من عذابه وأليم عقابه؛ فإنّ اللّه قد أحسن إليك وأوجبَ عليك الرّأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده، وألزمك العدل عليهم ، والقيام بحقه وحدوده فيهم، والذّب عنهم، والدّفع عن حريمهم وبَيْضتهم ، والحقن لدمائهم ، والأمن لسبيلهم ، وإدخال الرّاحة عليهم فى معايشهم ، ومؤاخذك بما فرض عليك من ذلك، وموقفك عليه، ومُسائلك عنه، ومُثیبكعليه بما قدّمتَ ١٠٤٧/٣ ٥٨٣ سنة ٢٠٦ وأخرتَ ؛ ففرِّغ لذلك فكرَك وعقلَك وبصرك ورؤيتَك، ولا يذْ هلك(١) عنه ذاهل ، ولا يَشْغَلَك عنه شاغل ؛ فإنه رأس أمرك ، وملاك شأنك، وأوَّل ما يوفّقك الله به لرشدك . وليكن أوّل ما تلزم به نفسَك، وتَنسب إليه فعالك ؛ المواظبة على ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس، والجماعة عليها بالناس قبلك فى مواقيتها على سننها؛ فى إسباغ الوضوء لها، وافتتاح ذكر اللّه فيها. وترتّل فى قراءتك، وتمكّن فى ركوعك وسجودك وتشهدك، ولتصْدُّق فيها لربك نيَّتُك(٢). واحضض عليها جماعةَ مَنْ معك وتحت يدك ، وادأب عليها فإنها تَأْمُرُ بالمَعْروفِ وَتَنْهَىَ عَنِ المُنكَرِ. ثم أتْبعْ ذلك الأخذ بسُنن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمثابرة على خلائقه، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده ؛ وإذا ورد عليك أمر فاستعنْ عليه باستخارة اللّه وتقواه ولزوم ما أنزل الله فى كتابه ؛ من أمره ونهيه، وحلاله وحرامه ، وائتمام ما جاءت به الآثار على النبى صلى الله عليه وسلم؛ ثم قم فيه بما يحقّ لله عليك، ولا تَمِلْ عن العدل فيما أحببتَ أو كرهتَ لقريب من الناس أو بعيد. وآثر الفقه وأهله ، والدِّين وحملته، وكتاب الله والعاملين به؛ فإن أفضل ما تَزيَّن بَه المرء الفقهُ فى دين الله، والطلب له، والحثّ عليه، والمعرفة بما يتقرب فيه منه إلى اللّه؛ فإنه الدّليل على الخير كله، والقائد له ، والآمر به، والناهى عن المعاصى والموبقات كلها . وبها مع توفيق الله تزداد العباد معرفةً بالله عزّ وجلّ، وإجلالا له، ودركاً للدرجات العلا فى المعاد؛ مع ما فى ظهوره للناس من التوقير لأمرك، والهيبة لسلطانك، والأنَسة بك والثقة بعدلك . ١٠٤٨/٣ وعليك بالاقتصاد فى الأمور كلها ؛ فليس شىء أبينَ نفعًا، ولا أحضر (٣) أمنًا ، ولا أجمعَ فضلاً من القصد ، والقصدُ داعية إلى الرشد ، والرشد دلیل على التَّوفيق، والتوفيق منقاد إلى السّعادة. وقوامُّ الدين والسنن الهادية بالاقتصاد، (١) ذهلت على الشىء: غفلت ، وقد يتعدى بنفسه. (٢) ابن الأثير: ((وليصدق فيه رأيك ونيتك)). (٣) ابن الأثير: ((أخص)). ١٠٤٩/٣ ٥٨٤٠ سنة ٢٠٦ فآثره فى دنياك كلها، ولا تقصّر فى طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة والسنن المعروفة ، ومعالم الرّشد فلا غايةَ للاستكثار من البرّ والسعى له ؛ إذا كان يُطلَب به وجه الله ومرضاته ، ومرافقة أوليائه فى دار كرامته . واعلم أن القصد فى شأن الدنيا يورث العزّ ، ويحصِّن من الذنوب ، وإنك لن تحوط نفسك ومَنْ يليك، ولا تستصلح أمورك بأفضل منه ، فأته واهتد به، تمّ أمورك، وتزْدَدْ مقدرتُك، وتصلح خاصّتك وعامتك . وأحسن الظنّ بالله عزّ وجلّ تستقمْ لك رعيّتك، والتمس الوسيلة إليه فى الأمور كلّها تستدم به النعمة عليك؛ ولا تُنهض (١) أحداً من الناس فيما تولِّيه من عملك قبل تكشف أمره بالتهمة؛ فإنّ إيقاع التّهم بالبرآء(٢) والظنون السيئة بهم مأثم . واجعل من شأنك حسن الظنّ بأصحابك، واطرد عنهم سوء الظنّ بهم، وارفضه عنهم يُعنك(٣) ذلك على اصطناعهم ورياضتهم . ولا يجدن عدوّ اللّه الشيطان فى أمرك مغمزاً، فإنه إنما يكتفى بالقليل من وَهنك فيدخل عليك من الغمّ فى سوء الظنّ ما ينغصك لذاذة عيشِك. ١٠٥٠/٣ : واعلم أنك تجد بحسن الظن قوةً وراحة، وتكفى به ما أحببت كفايته من أمورك، وتدعو به الناس إلى محبّتك والاستقامة فى الأمور كلها لك. ولا يمنعْك حسن الظنّ بأصحابك والرأفة برعيّتك أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك، والمباشرة الأمور الأولياء، والحياطة للرّعيّة والنظر فيما يقيمها ويصلحها؛ بل لتكن المباشرة الأمور الأولياء والخياطة للرعية والنظر فى حوائجهم وحمل مؤناتهم آثرَ عندك مما سوى ذلك ؛ فإنه أقوم للدين ، وأحيا للسنة . وأخلص نيّتك فى جميع هذا ، وتفرّد بتقويم نفسك تفرّدَ من يعلم أنه مسئولٌ عما صنع، ومجزىٌّ بما أحسن ، ومأخوذ بما أساء؛ فإن الله جعل الدين حرْزًا وعزًّا، ورفع من اتّبعه وعزّزه ، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهجَ الدين وطريقة الهدى. وأقم حدود الله فى أصحاب الجرائم على قدر منازلهم، وما استحقّه. ولا تُعَطِّلْ ذلك ولا تهاون به . ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة؛ فإنّ فى تفريطك (١) ابن الأثير: ((ولا تهمن)). (٣) ابن الأثير: ((يغنك)). (٢) ابن الأثير: ((بالبداء» ٥٨٥ سنة ٢٠٦ فى ذلك لمَا يفسد عليك حسن ظنك . واعزم على أمرك فى ذلك بالسنن المعروفة ، وجانب الشُّبَه والبدعات ، يساتَمْ لك دينك، وتقم لك مروءتك . وإذا عاهدتَ عهداً فَفٍ به ، وإذا وعدت الخير فأنجزه ؛ واقبل الحسنة، وادفع بها، واغمض عن عيْب كلّ ذى عيب من رعيتك ، واشدد لسانك عن قول الكذب والزُّور ، وابغض أهله، وأقص أهلَ النميمة؛ فإنّ أوّل فساد أمرك فى عاجل الأمور وآجلها تقريب الكذوب والجرأة على الكذب ؛ لأن الكذب رأس المآثم ، والزور والنميمة خاتمتها ؛ لأن النميمة لا يسلم صاحبها ، وقائلها لا يسلم له صاحب ، ولا يستقيم لمطيعها أمر . ١٠٥١/٣ وأحبّ أهلَ الصدق والصلاح، وأعن الأشراف بالحق ، وواصل الضعفاء، وصل الرّحِيمِ، وابتغ بذلك وجه الله وعزّة أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة . واجتنب سوءَ الأهواء والجور ، واصرف عنهما رأيك، وأظهر براءتك من ذلك لرعيّتك؛ وأنعم بالعدل سياستهم، وقم بالحقّ فيهم وبالمعرفة التى تنتهى بك إلى سبيل الهدى . واملُك نفسك عند الغضب، وآثر الوقار والحلم، وإيّاك والحدّة والطِّرة والغرور فيما أنت بسبيله . وإياك أن تقول إنی مسلط أفعل ما أشاء ؛ فإن ذلك سريع فيك إلى نقص الرأى، وقلة اليقين باللّه وحده لاشريك له . وأخلص لله النيّة فيه واليقين به؛ واعلم أن الملك لله يعطيه من يشاء ، وينزعه ممن يشاء ، ولن تجد تغيّر النعمة وحلول النقمة إلى أحدٍ أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط. لهم فى الدولة إذا كفروا بنعم اللّه وإحسانه، واستطالوا بما آتاهم الله من فضله . ودعْ عنك شره نفسك. ولتكن ذخائرك وكنوزك التى تدّخر وتكنز البرّ والتقوى والمعدلة واستصلاح الرّعبة ، وعمارة بلادهم ، والتفقد لأمورهم ، والحفظ لدهمائهم ، والإغاثة لملهوفهم . واعلم أن الأموال إذا كثُرت وذُخَرَتْ فى الخزائن لا تثمر ؛ وإذا كانت فى إصلاح الرّعية وإعطاء حقوقهم وكفّ المؤْنة عنهم نمتْ وربتْ، وصلَحت ١٠٥٢/٣ ٥٨٦ سنة ٢٠٦ به العامة ، وتزيّنت الولاة ، وطاب به الزمان، واعتقد فيه العزّ والمنعة ؛ فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال فى عمارة الإسلام وأهله ، ووفّرْ منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقتهم ، وأوْفِ رعيّتك من ذلك حصصَهم ، وتعهّد ما يصلح أمورهم ومعايشهم ؛ فإنك إذا فعلتَ ذلك قرّت النعمة عليك ، واستوجبتَ المزيد من اللّه، وكنتَ بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيّتك وعملك أقدر ، وكان الجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك ، وأطيب أنفسًا لكلّ ما أردت . ١٠٥٣/٣ فاجهد (١) نفسك فيما حددتُ لك فى هذا الباب، ولتعظم حسبتك (٢) فيه ؛ فإنما يبقى من المال ما أنفق فى سبيل حقه، واعرف للشاكرين شكرهم وأثبهم عليه . وإياك أن تنسيَك الدنيا وغرورُها هولَ الآخرة فتتهاون بما يحقّ عليك؛ فإنّ التهاون يوجب التفريط، والتفريط يورث البوار . وليكن عملك لله وفيه تبارك وتعالى ، وارجُ الثوابَ ؛ فإنّ اللّه قد أسبغ عليك نعمته فى الدنيا، وأظهر لديك فضلته ؛ فاعتصم بالشكر، وعليه فاعتمد يزدك الله خيراً وإحساناً ، فإنّ اللّه يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين؛ وقضّ الحقّ فيما حمل من النّعم ، والبس من العافية والكرامة . ولا تحقرنّ ذنباً، ولا تمايلن حاسداً، ولا ترحمنّ فاجراً، ولا تصلنّ كَفُوراً، ولاتداهننّ عدوًّا، ولا تصدقنّ تماماً، ولا تأمْنَ غدّاراً؛ ولا توالين فاسقًا، ولا تتبعنّ غاوياً(٣)، ولا تحمدن" مرائيًا، ولا تحقرن" إنسانًا، ولا تردن" سائلا فقيراً، ولا تجيبنّ (٤) باطلا، ولا تلاحظنّ مضحكاً، ولا تخلفنّ وعدًا، ولا ترهبنّ فُجَّاً(٥)، ولا تعمِلنّ غضبًا، ولا تأتين بذخًا، ولا تمشينّ مَرحاً(٦)، ولا تركبنّ سفهاً، ولا تفرّطن" فى طلب الآخرة ، ولا تدفع الأيام عيانًا(٧)، ولا تغمضنّ عن الظالم رهبةً أو مخافة، ولا تطلبنَّ ثواب الآخرة بالدنيا . وأكثرْ مشاورةَ الفقهاء ، واستعمل نفسك بالحائم ، وخذ عن أهل التجارب وذوى العقل والرّأى والحكمة . ١٠٥٤/٣ (١) ابن الأثير: ((واجهد)). (٣) ابن الأثير: ((ولا تبتغين عاديًا)). (٥) ابن الأثير: ((فاجراً)). (٧) ابن الأثير: (( ولا تدفع الأنام عتاباً )). (٢) ابن الأثير: ((حسنتك)). (٤) ابن الأثير: ((ولا تجبن)). (٦) ابن الأثير: ((لا تأسن مدحاً)). ٥٨٧ سنة ٢٠٦ ولا تُدخلنَ فى مشورتك أهل الدِّقة(١) والبخل، ولا تسمعنّ لهم قولاً؛ فإنّ ضررهم أكثر من منفعتهم . وليس شىء أسرع فساداً لما استقبلت فى أمر رعيتك من الشحّ . واعلم أنك إذا كنت حريصًا كنت كثير الأخذ ، قليل العطية ؛ وإذا كنت كذلك لم يستقمْ لك أمرك إلّ قليلا؛ فإن رعيّتك إنما تعتقد على محبّك بالكفّ عن أموالهم وترك الجوْر عنهم، ويدوم صفاء أوليائك لك بالإفضال عليهم وحسن العطيّة لهم، فاجتنب الشحّ، واعلم أنه أول ما عتَصَى به الإنسان ربّه، وأن العاصى بمنزلة خزى؛ وهو قول الله عز وجل: ﴿ومَنْ يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئكَ هُمُ المفلِحِون﴾(٢)؛ فسهّل طريق الجود بالحق، واجعل للمسلمين كلهم من نيّتك حظًا ونصيبًا، وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد، فاعدده لنفسك خُلقاً ، وارض به عملا ومذهباً . ١٠٥٥/٣ وتفقّد أمور الجند فى دواوينهم ومكاتبهم، وأدرر عليهم أرزاقهم ، ووسع عليهم فى معايشهم؛ ليُذهبَ بذلك اللّه فاقتهم، ويقومَ لك أمرهم، ويزيد به قلوبهم فى طاعتك وأمرك خلوصًا وانشراحًا ، وحسب ذى سلطان من السعادة أن یکون علی جنده ورعيته رحمةً فى عدله وحيطته وإنصافه وعنايته وشفقته وبرّه وتوسعته ؛ فزایل مکروه إحدى البلیتین باستشعار تكملة الباب الآخر ، ولزوم العمل به تلَق إن شاء الله نجاحاً وصلاحاً وفلاحاً . واعلم أنّ القضاء من اللّه بالمكان الذى ليس به شىء من الأمور ، لأنه ميزان اللّه الذى تعتدل عليه الأحوال فى الأرض ، وبإقامة العدل فى القضاء والعمل، تصلح الرعيّة، وتأمن السبل، وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة، ويؤدّى حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، ويقوم الدین، وتجرى السنن والشرائع، وعلى مجاريها ينتجز الحق والعدل فى القضاء . ١٠٥٦/٣ واشتدَ فى أمر الله، وتورّع عن النَّطَف (٣) وامض لإقامة الحدود، وأقلل العجلة، وأبعد من الضّجر والقلق، واقنع بالقَسْم، ولتسكن ريحك، ويقرّ جدُّك، وانتفع بتجربتك، وانتبه فى صمتك ، واسددْ فى منطقك ، وأنصف الخصم ، (١) ابن الأثير: ((أهل الذمة)). (٣) النطف: العيب والفساد، وفى ابن الأثير ((القصف)). (٢) سورة التغابن ١٦. ٥٨٨ سنة ٢٠٦ وقف عند الشَّبهة ، وأبلغ فى الحجة ، ولا يأخذْك فى أحد من رعيتك محاباة ولا محاماة ، ولا لوم لاثم ، وتثبّت وتأنّ، وراقب وانظر، وتدبَّرْ وتفكر ، واعتبر، وتواضع لربك، وارأف بجميع الرعية، وسلّط الحقّ على نفسك (١)، ولا تُسرعنّ إلى سفك دم - فإن الدماء من اللّه بمكان عظيم - انتهاكًا لها بغير حقها . ١٠٥٧/٣ وانظر هذا الخراج الذى قد استقامت عليه الرعيّة، وجعله الله للإسلام عزَّا ورفعة، ولأهله سعة (٢) ومنَعة، ولعدوّه وعدوهم كتَبْتًا وغيظًا، ولأهل الكفر من معاهدتهم(٣) ذلاً وصغارًا، فوزَّعه بين أصحابه بالحقّ والعدْل، والتسوية والعموم فيه ، ولا ترفعنَّ منه شيئًا عن شريف لشرفه ، وعن غنىّ لغناه ، ولا عن كاتب لك، ولا أحد من خاصّتك . ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له، ولا تكلفنّ أمرًا فيه شطط. واحمل الناس كلّهم على مرّ الحق؛ فإنّ ذلك أجمعُ لألْفتهم (٤) وألزمُ لرضا العامة. واعلم أنك جُعلت بولايتك خازنًا وحافظاً وراعياً، وإنما ◌ُسمّى أهل عملك رعيتك؛ لأنك راعيهم وقيّمهم؛ تأخذ منهم ما أعطوْك من عفوهم ومقدرتهم، وتنفقه فى قوام أمرهم وصلاحهم، وتقويم أوَدهم ؛ فاستعمل عليهم فى كُور عملك ذوى الرأى والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل والعلم بالسياسة والعفاف، ووسّع عليهم فى الرزق؛ فإنّ ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقدّدت وأسند إليك، ولا يشغلنّك عنه شاغل ، ولا يصرفنّك عنه صارف؛ فإنك متى آثرته وقُمْت فيه بالواجب استدعيتَ به زيادة النعمة من ربّك ، وحسن الأحدوثة فى أعمالك، واحترزتَ النصيحة(٥) من رعيّتك، وأعنت على الصلاح ، فدرّت الخبرات ببلدك ، وفشت العمارة بناحيتك ، وظهر الخِصْب فى كُورك، فكثر خراجُك، وتوفَّرَت أموالك، وقويتَ بذلك على ارتباط جندك، وإرضاء العامة بإقامة (٦) العطاء فيهم من نفسك ، وكنت محمودَ السياسة ، مرضىّ العدل فى ذلك عند عدوِّك، وكنت فى أمورك كلها (١) ابن الأثير: ((فتسلط الحق على نفسك)). (٢) ابن الأثير: ((توسعة)). (٤) ابن الأثير: ((لآفهم)). (٣) ابن الأثير: ((من معانديهم)). (٥) ابن الأثير: ((المحبة)). (٦) ابن الأثير: ((يا فاضة)). ٥٨٩ سنة ٢٠٦ ذا عدل وقوّة ، وآلة وعدّة ، فنافس فى هذا ولا تقدّم عليه شيئًا تحمد مغبة أمرك إن شاء الله . واجعل فى كلّ كورة من عملك أمينًا يخبرك أخبار عمّالك ، ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم ؛ حتى كأنك مع كلّ عامل فى عمله ، معاينٌ لأمره كلِّه. وإن أردت أن تأمره بأمر فانظر فى عواقب ما أردت من ذلك ؛ فإن رأيت السَّلامة فيه والعافية ، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع فأمضه؛ وإلا فتوقّف عنه . وراجع أهل البصر والعلم ، ثم خذ قيه عدّته ؛ فإنه ربما نظر الرجل فى أمر من أمره قد واتاه(١) على ما يهوى، فقوّاه(٢) ذلك وأعجبه، وإن لم ينظر فى عواقبه أهلكه ، ونقضَ عليه أمره . ١٠٥٨/٣ فاستعمل الحزْم فى كلّ ما أردت ، وباشره بعد عون الله بالقوّة، وأكثر استخارة ربِّك فى جميع أمورك ، وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك ؛ وأكثر مباشرته بنفسك ؛ فإن لغد أموراً وحوادث تلهیك عن عمل يومك الذى أُخّرْت . واعلم أنّ اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، وإذا أخّرت عمله اجتمع عليك أمر يومين ، فشغلك ذلك حتى تعرض عنه ؛ فإذا أمضيت لكلّ يوم عمله أرحت نفسك وبد نك ، وأحكمت أمور سلطانك وانظر أحرارَ الناس وذوِى الشرف منهم ، ثم استيقنْ صفاء طويّتهم وتهذيبَ مودّتهم لك ، ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك ؛ فاستخلصهم وأحسن إليهم ، وتعاهدْ أهلَ البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مؤنتهم ، وأصلح حالهم؛ حتى لا يجدوا لخلّتهم (٣) مسًا. وأفرد نفسك للنظر فى أمور الفقراء والمساكين ، ومن لا يقدر على رفع مظلمة إليك . والمحتقر الذى لا علم له بطلب حقه؛ فاسأل عنه أحفى مسألة، ووكّلّ بأمثاله أهل الصلاح من رعيّتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك، لتنظر فيها بما يصلح الله أمرهم . وتعاهد ذوى البأساء ويتاماهم وأراملتهم ، واجعل لهم أرزاقًا من بيت المال اقتداءً بأمير المؤمنين أعزّه اللّه، فى العَطْف عليهم، والصلة لهم، ليصلح ١٠٥٩/٣ (١) ابن الأثير: ((أتاه)). (٣) الخلة: الحاجة. (٢) ابن الأثير: ((فأغواه)). ٥ ٩٠ سنة ٢٠٦ الله بذلك عيشُهم ويرزقك به بركة وزيادة. وأجْرٍ للأضرّاء من بيت المال ، وقدّم حملة القرآن منهم والحافظين لأكثره فى الجرابة (١) على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دوراً "ؤويهم، وقُوَّامًا يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤدّ ذلك إلى سرف فى بيت المال . واعلم أنّ الناس إذا أعطُوا حقوقتهم وأفضل أمانيهم لم يرضهم ذلك ، ولم تطيب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى وُلاتهم طمعًا فى نيل الزيادة ، وفضل الرفق منهم ، وربما برم(٢) المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه، ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤنة ومشقة ؛ وليس مَنْ يرغب فى العدل ، ويعرف محاسن أموره فى العاجل وفضل ثواب الآجل ؛ كالذى يستقبل ما يقرّبه إلى اللّه ، ويلتمس رحمته به. وأكثر الإذن للناس عليك، وأبرز لهم وجهَك، وسكِّنْ لهم أحراسك(٣)، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشرَك، ولِنْ لهم فى المسألة والمنطق، واعطف عليهم بجودك وفَضْلك؛ وإذا أعطيتَ فأعْط بسماحة وطيب نفس ، والتمس الصنيعة والأجر غيرَ مكدّر ولامنّان ؛ فإن العطيّة على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله . ١٠٦٠/٣ واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومَن مضى من قَبْلك من أهل السلطان والرياسة فى القرون الخالية والأمم البائدة؛ ثم اعتصم فى أحوالك كلِّها بأمر الله، والوقوف عند محبته، والعمل بشريعته وسنته وإقامة دينه و کتابه؛ واجتنبما فارق ذلك وخالفه، ودعا إلى سخط الله. واعرف ما يتجمع ◌ُمّالُك من الأموال وينفقون منها . ولا تجمعْ حرامًا، ولا تنفق إسرافًا، وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتتهم ومخالطتهم . وليكن هواك اتّباع السنن وإقامتها ، وإيثار مكارم الأمور ومعاليها ؛ وليكن أكرم دخلائك وخاصّتك عليك مَنْ إذا رأى عيبًا فيك لم تمنعه هيبتُك من إنهاء ذلك إليك فى سرّ، وإعلامك ما فيه من النقص؛ فإن أولئك أنصحُ أوليائك ومظاهريك . وانظر عمّالك الذين بحضرتك وكتّابَك؛ فوقّتْ لكلّ رجل منهم فى كل (١) ابن الأثير: ((الجرائد)). (٣) ابن الأثير: ((حراسك)). (٢) ابن الأثير: ((تبرم)). ٥٩١ سنة ٢٠٦ يوم وقتًاً يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامرته ، وما عنده من حوائج عمالك ، وأمر كُورك ورعيتك ، ثم فرّغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك ، وكرّر النظر إليه والتدبير له ؛ فما كان موافقًا للحزم والحق فأمضه ١٠٦١/٣ واستخر اللّه فيه، وما كان مخالفًا لذلك فاصرفه إلى التثبّت فيه ، والمسألة عنه . ولا تمن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم ، ولا تقبل من أحد منهم إلّ الوفاء والاستقامة والعون فى أمور أمير المؤمنين، ولا تتضَعنّ" المعروف إلّ على ذلك . وتفهم كتابى إليك ، وأكثر النظر فيه والعمل به ، واستعن بالله على جميع أمورك واستخره ، فإن الله مع الصلاح وأهله ؛ وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك ما كان للّه رضًاً ولدينه نظامًا، ولأهله عزًّا وتمكينًا؛ وللذمة والملة عدلاً وصلاحًا . وأنا أسأل الله أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءك(١)، وأن يُنزل عليك فضله ورحمتَه بتمام فضله عليك وكرامته لك ؛ حتى يجعلك أفضل مثالك نصيبًا ، وأوفرهم حظًا، وأسناهم ذكراً، وأمراً، وأن يهلك عدّوك ومَنْ ناوأك وبغى عليك ، ويرزقك من رعيّتك العافية ، ويحجز الشّيطان عنك وساوسه ، حتى يستعلى أمرُك بالعزّ والقوّة والتوفيق، إنه قريب مجيب . ٠ وذكر أن طاهراً لما عهد إلى ابنه عبد الله هذا العهد تنازعه الناس وكتبوه ، وتدارسوه وشاع أمره ؛ حتى بلغ المأمون فدعا به وقرئ عليه ، فقال: ما بقَى أبو الطيّب شيئًا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأى والسياسة وإصلاح الملك والرعيّة وحفظ البَيْضة وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلاّ وقد أحكمه، وأوصى به وتقدم ؛ وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال فى نواحى الأعمال . ١٠٦٢/٣ وتوجّه عبد الله إلى عمله فسار بسيرته ، واتبع أمره وعمل بما عهد إليه . (١) ابن الأثير: ((وكلاءتك)). ٥٩٢ سنة ٢٠٦ وفى هذه السنة ولى عبد الله بن طاهر إسحاق بن إبراهيم الجسرين ، وجعله خليفته على ما كان طاهر أبوه استخلفه فيه من الشّرّط وأعمال بغداد ؛ وذلك حین شخص إلى الرَّقة لحرب نصر بن شبث . وحجّ بالناس فى هذه السنة عبيد الله بن الحسن؛ وهو والى الحرمين . ٥٩٣ ثم دخلت سنة سبع ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [ ذكر خروج عبد الرحمن بن أحمد العدوىّ باليمن ] فمن ذلك خروجُ عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب ببلاد عكّ من اليمن يدعو إلى الرضىّ من آل محمد صلى اللّه عليه وسلم . . ذكر الخبر عن سبب خروجه : وكان السبب فى خروجه أنّ العمال باليمن أساءوا السيرة ، فبايعوا عبدالرحمن هذا ، فلما بلغ ذلك المأمون وجّه إليه دينار بن عبد اللّه فى عسكر كثيفٍ ، وكتب معه بأمانِه ، فحضر دينار بن عبد الله الموسم وحجّ ، فلما فرغ من حجّه سار إلى اليمن حتى أتى عبد الرحمن ، فبعث إليه بأمانه من المأمون؛ فقبل ذلك ، ودخل ووضع يده فى يد دينار ، فخرج به إلى المأمون ، فمنع المأمون عند ذلك الطالبين من الدخول عليه، وأمر بأخذهم بلبس السواد؛ وذلك يوم الخميس لليلة(١) بقيت من ذى القعدة . ١٠٦٣/٣ [ ذكر الخبر عن وفاة طاهر بن الحسين ] وفى هذه السنة كانت وفاة طاهر بن الحسين . . ذكر الخبر عن وفاته : ذكر عن مطهّر بن طاهر ، أنّ وفاة ذى اليمينين كانت من حمى وحرارة أصابته ، وأنه وُجد فى فراشه ميتاً . (١) ابن الأثير: ((لليلتين)) ٥٩٤ سنة ٢٠٧ وذكر أن عمّيه علىّ بن مصعب وأخاه أحمد بن مصعب ، صارا إليه يعودانه ، فسألا الخادم عن خبره - وكان يغلِّس (١) بصلاة الصّبح - فقال الخادم : هو نائم لم ينتبه ، فانتظراه ساعة ، فلما انبسط الفجر، وتأخّر عن الحركة فى الوقت الذى كان يقوم فيه للصلاة ، أنكرا ذلك ، وقالا للخادم : أيقظْه ، فقال الخادم: لست أجسرُ على ذلك، فقالا له: اطرق لنا لندخل إليه، فدخلا فوجداه ملتفًّا فى دُواج (٢)، قد أدخله تحته ،وشدّه عليه من عند رأسه ورجليه ، فحركاه فلم يتحرّك ، فكشفا عن وجهه فوجداه قدمات . ولم يعلما الوقت الذى توفَّىَ فيه ، ولا وقف أحد من خدمه على وقت وفاته ؛ وسألا الخادم عن خبره وعن آخر ما وقف عليه منه ؛ فذكر أنه صلى المغرب والعشاء الآخرة ، ثم التفّ فى دُواجه . قال الخادم : فسمعتُه يقول بالفارسية كلامًاً وهو((دِرْمَرْك ينزمَرْدِى وَيَذْ)؛ تفسيره أنه يحتاج فى الموت أيضًا إلى الرجلة . ١٠٦٤/٣ وذُكر عن كلثوم بن ثابت بن أبى سعد - وكان يكنى أبا سعدة - قال : كنت على بَريد خُراسان ، ومجلسى يوم الجمعة فى أصل المنبر ، فلما كان فى سنة سبع ومائتين، بعد ولاية طاهر بن الحسين بسنتين ، حضرت الجمعة، فصعد طاهر المنبر ، فخطب، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدّعاء له ، فقال : اللهمَّ أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك ، واكفيها مؤونة مَنْ بغى فيها، وحشد عليها، بلمّ الشعث، وحقْن الدّماء، وإصلاح ذات البين . قال : فقلت فى نفسى : أنا أوّل مقتول ؛ لأنى لا أكتم الخبر ؛ فانصرفت واغتسلت بغسل الموتى ، وانتزرت بإزار الموتى ، ولبست قميصًا ، وارتديت رداء، وطرحت السواد، وكتبت إلى المأمون. قال: فلمّاً صلى العصر دعانى، وحدث به حادث فى جفن عينه وفى مأقه ، فخرّ ميتًا . قال : فخرج طلحة ابن طاهر، فقال: ردّوه ردّوه - وقد خرجت - فردّونى، فقال : هل كتبت (١) يغلس بالصبح: يصليه فى الغلس: وهو آخر ظلمة الليل. (٢) الدواج ، كرمان وغراب: اللحاف. ٥٩٥ سنة ٢٠٧ بما كان ؟ قلت: نعم، قال : فاكتب بوفاته ، وأعطانى خمسمائة ألف ومائی ژوب ، فكتبت بوفاته وبقیام طلحة بالجيش . ١٠٦٥/٣ قال : فوردت الخريطة على المأمون بخلعه غدْوة ، فدعا ابن أبى خالد فقال له: اشخص : فأتٍ به - كما زعمت ، وضمنت - قال : أبيتُ ليلتى ، قال : لا لعمرى لا تبيت إلا على ظَهْر . فلم يزل يناشده حتى أذن له فى المبيت . قال : ووافت الخريطة بموته ليلا ، فدعاه فقال : قد مات ، فمن ترى ؟ قال : ابنه طلحة ، قال : الصواب ما قلت ، فاكتب بتوليته . فكتب بذلك، وأقام طلحة واليًا على خراسان فى أيام المأمون سبع سنين بعد موت طاهر، ثم توفّىَ، وولى عبد اللّه خُراسان - وكان يتولى حرب بابك - فأقام بالدينور، ووجّه الجيوش ، ووردت وفاة طلحة على المأمون؛ فبعث إلى عبد الله یحیی بن أكثم يعزّيه عن أخيه ويهنئه بولاية خراسان، وولّى علىّ بن هشام حرب بابك . وذكر عن العباس أنه قال: شهدت مجلساً للمأمون، وقد أتاه نعىّ الطاهر، فقال: لليدين وللفم! الحمد لله الذى قدّمه وأخَّرنا. وقد ذُكر فى أمر ولاية طلحة خراسان بعد أبيه طاهر غير هذا القول ؛ والذى قيل من ذلك ، أنّ طاهراً لما مات - وكان موته فى جمادى الأولى - وثب الجند ، فانتهبوا بعض خزائنه ، فقام بأمرهم سلام الأبرش الخصىّ ، فأمر فأعطوا رزق ستة أشهر. فصير المأمون عمله إلى طلحة خليفة لعبد الله بن طاهر؛ وذلك أن المأمون ولی عبد الله فى قول هؤلاء بعد موت طاهر عمل طاهر کله- وكان مقيماً بالرَّقة على حرب نصر بن شبسَث - وجمع له مع ذلك الشأم، وبعث إليه بعهده على خُراسان وعمل أبيه ؛ فوجّه عبد الله أخاه طلحة بخراسان ، واستخلف بمدينة السلام إسحاق بن إبراهيم ، وكاتب المأمونَ طلحةُ باسمه ، فوجّه المأمون أحمد بن أبى خالد إلى خُراسان للقيام بأمر طلحة ، فشخص أحمد إلى ما وراء النهر ، فافتتح أشْروسنة ، وأسركاوس بن خاراخره وابنه الفضل ، وبعث بهما إلى المأمون ، ووهب طلحة لابن أبى خالد ثلاثة آلاف ألف درهم وعروضًا بألفى ألف، ووهب لإبراهيم بن العباس كاتب أحمد بن أبی خالد خمسمائة ألف درهم . ١٠٦٦/٣ ٥٩٦ سنة ٢٠٧ وفى هذه السنة غلا السعر ببغداد والبصرة والكوفة حتى بلغ سعر القفِيز من الحنطة بالهارونىّ أربعين درهمًا إلى الخمسين بالقفيز الملجم . وفى هذه السنة وُلِىّ موسى بن حفص طبرستان والرُّويان ودُنْباونْد. ٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة أبو عيسى بن الرشيد . ٥٩٧ ثم دخلت سنة ثمان ومائتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك مصير الحسن بن الحسين بن مصعب من خُراسان إلى كرمان ممتنعاً بها ، ومصير أحمد بن خالد إليه حتى أخذه ، فقدم به على المأمون ، فعفا عنه . وفيها ولّى المأمون محمد بن عبد الرحمن المخزومىّ قضاءَ عسكر المهدىّ فى المحرّم . وفيها استعفى محمد بن سماعة القاضى من القضاء فأعفِىَ، وولى مكانه إسماعيل بن حمّاد بن أبى حنيفة . وفيها عزل محمد بن عبد الرحمن عن القضاء بعد أن وُلَِّه فيها فى شهر ربيع الأول ، ووليه بشر بن الوليد الكندىّ ، فقال بعضهم : قاضیكَ بشرُ بنُ الولیدِ حِمارْ بأَيُّها الملِكُ الموحِّدُ ربَّهُ ١٠٦٧/٣ نطَقَ الكتابُ وجاءَتِ الأخبارْ يَنْفِ شَهادَةَ مَن يَدِینُ بما بِهِ شيخٌ يُحيط. بجسمه الأَقْطارْ ويَعُدُّ عدلاً مَن يقولُ بأَنَّهُ ومات موسى بن محمد المخلوع فى شعبان ، ومات الفضل بن الربيع فى ذى القعدة . وحجَّ بالناس فى هذه السنة صالح بن الرشيد . # # ٥٩٨ ثم دخلت سنة تسع ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ٠ ٠ [ خبر الظفر بنصر بن شبث ] فمن ذلك ما كان من حصر عبد الله بن طاهر نصر بن شبست وتضییقه علیه؛ حتى طلب الأمان ، فذُكر عن جعفر بن محمد العامرىّ أنه قال : قال المأمون لثُمامة : ألا تدلّنى على رجل من أهل الجزيرة له عقل وبيان ومعرفة، يؤدّى عنّى ما أوجّهه به إلى نصر بن شبث ؟قال: بلى يا أمير المؤمنين ، رجل من بنى عامر يقال له جعفر بن محمد ، قال له: أحضرنيه ، قال جعفر: فأحضرنى ثمامة ، فأدخلنى عليه ، فكلّمنى بكلام كثير ، ثم أمرنى أن أبلغه نصر بن شبّث . قال : فأتيت نصْراً وهو بكفر عَزُون بسَروج، فأبلغته رسالتَه ، فأذعن وشرط شروطاً، منها ألا يطأ له بساطاً . قال : فأتيتُ المأمون فأخبرته ، فقال : لا أجيبه واللّه إلى هذا أبداً، ولو أفضيت إلى بيع قميصى حتى يطأ بساطى؛ وما باله ينفرمنّى! قال : قلتُ: لجرْمه وما تقدّم منه ، فقال: أتراه أعظم جُرْماً عندى من الفضل بن الربيع ومن عيسى بن أبى خالد ! أتدرى ما صنع بى الفضل! أخذ قوّادى وجنودى وسلاحى وجميع ما أوْصى به لى أبى ، فذهب به إلى محمد وتركنى بمرْو وحيداً فريداً وأسلمنى ، وأفسد علىّ أخى؛ حتى كان من أمره ما كان ؛ وكان أشدّ علىّ من كلّ شيء . أتدرى ما صنع بى عيسى بن أبى خالد! طرد خليفتى من مدينتى ومدينة آبائى ، وذهب بخراجى وفيئى، وأخرب علىّ ديارى ، وأقعد إبراهيم خليفة دونى، ودعاه باسمى . قال : قلت : يا أمير المؤمنين ، أتأذن لى فى الكلام فأتكلم ؟ قال : تكلم ، قلتُ: الفضل بن الربيع رضيعكُ ومولاكم، وحال سلفه حالكم، وحال سلفكم حاله ، ترجع عليه بضروب كلّها تردّك إليه، وأما عيسى بن أبى خالد فرجُلُ ١٠٦٨/٣ ٥٩٩ سنة ٢٠٩ من أهل دولتك ، وسابقتُه وسابقة من مضى من سلفه سابقتهم(١) ترجع عليه بذلك ؛ وهذا رجل (٢) لم تكن له يد قطّ فيُحْملُ عليها، ولا لمن مضى من سلفه ؛ إنما كانوا من جند بنى أمية . قال : إن كان ذلك كما تقول ، فكيف بالحَنَق والغيظ ؛ ولكنى لستُ أقلع عنه حتى يطأ بساطى ، قال: فأتيت نصراً فأخبرته بذلك كلّه ، قال : فصاح بالخيل صيحة فجالت ، ثم قال : ويلى عليه! هو لم يقْوَ على أربعمائة ضفدع تحت جناحه - يعنى الزّط - يقوى على حَلْبة العرب ! ١٠٦٩/٣ فذُكر أن عبد اللّه بن طاهر لما جادّه القتال وحصره وبلغ منه ، طلب الأمان فأعطاه، وتحوّل من معسكره إلى الرّقّة سنة تسع ومائتين، وصار إلى عبد الله بن طاهر ، وكان المأمون قد كتب إليه قبل ذلك بعد أن هزم عبد الله ابن طاهر جيوشَه كتابًا يدعوه إلى طاعته ومفارقة معصيته ، فلم يقبل ، فكتب عبد الله إليه - وكان كتاب المأمون إليه من المأمون كتبه عمرو بن مسعدة: أما بعد ؛ فإنك يا نصر بن شبسَث قد عرفتَ الطاعة وعزّها وبَرْد ظلِّها وطيب مَرْتعها وما فى خلافها من النّدم والخَسار، وإن طالت مدّة اللّه بك، فإنه إنما يُملى لمن يلتمس مظاهرة الحجّة عليه لتقع عبَرُه بأهلها على قَدْر إصرارهم (٣) واستحقاقهم. وقد رأيتُ إِذكارَك وتبصيرك لما رجوتُ أن يكون لما أكتب به إليك موقع منك ؛ فإنّ الصدق صدق والباطل باطل ؛ وإنما القول بمخارجه وبأهله الذين يُعنَوْن به ، ولم يعاملك من عمّال أمير المؤمنين أحد أنفع لك فى مالك ودينك ونفسك ، ولا أحرص على استنقاذك والانتياش لك من خطائك منى ؛ فبأىّ أوّل أو آخر أو سِطَة أو إمْرة إقدامُك يا نصر على أمير المؤمنين! تأخذ أمواله، وتتولى دونه ما ولاّه الله، وتريد أن تبيت آمنًاً أو مطمئنًّا، أو وادعًا أو ساكنًا أو هادئًا! فوَعالمِ السرّ والجهر، لئن لم تكن للطاعة مراجعًا وبها خانعًا، لتستوبلن" وختمَ العاقبة؛ ثم لأبدأنَّ بك قبل كلّ" عمل ، فإنّ قرون الشيطان(٤) إذا لم تُقْطَّع كانت فى الأرض فتنة وفسادًا ١٠٧٠/٣ (١) ابن الأثير: ((معروفة)). (٣) ف: ((احترازهم)). (٢) ابن الأثير: ((وأما نصر فرجل)). (٤) ف: ((الشياطين)). ٦٠٠ ١٠٧١/٣ سنة ٢٠٩ كبيراً، ولأطأنّ بمن معى من أنصار الدولة كواهلَ رعاع أصحابك، ومَنْ تأشَّب(١) إليك من أدانى البلدان وأقاصيها وطغامها وأوباشها، ومن انضوى إلى حوْزتك من خُرّاب الناس، ومن لفظه بلدُه، ونفته عشيرته؛ لسوء موضعه فيهم . وقد أعذَرَ من أنذَر. والسلام . وكان مقام عبد الله بن طاهر على نصر بن شبسَت محاربًا له - فيما ذكر - خمس سنين حتى طلب الأمان ؛ فكتب عبد الله إلى المأمون يعلمه أنه حصره وضيقَ عليه، وقتل رؤساء مَنْ معه ، وأنه قد عاذ بالأمان وطلبه ، فأمره أن يكتب له كتاب أمان ، فكتب إليه ، أماناً نسختُه : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد؛ فإنّ الإعذار بالحقّ حجة الله المقرون بها النصر، والاحتجاج بالعدل دعوة اللّه الموصول بها العزّ؛ ولا يزال المعذر بالحق، المحتجّ بالعدل فى استفتاح أبواب التأييد ، واستدعاء أسباب التمكين ؛ حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين ، ويمكّن وهو خير الممكّنين ؛ ولستَ تعدو أن تكون فيما لهجتَ به أحد ثلاثة : طالب دين ، أو ملتمس دنيا ، أو متهوّراً يطلبُ الغَكَبَة ظلمًا ؛ فإن كنت للدين تسعى بما تصنع، فأوضح ذلك لأمير المؤمنين يغتم قبوله إن كان حقًّا ، فلعمرى ما همّته الكبرى، ولا غايته القصوى إلاّ الميل مع الحقّ حيث مال، والزوال مع العدل حيث زال ؛ وإن كنت للدنيا تقصد ، فأعلم أمير المؤمنين غايتَك فيها؛ والأمر الذى تستحقها به؛ فإن استحققتها وأمكنه ذلك فعله بك. فلعمرى ما يستجيز مَنْع خلق ما يستحقه وإن عظُم ، وإن كنت متهوّرًا فسيكفى اللّه أميرَ المؤمنين مؤنتكَ، ويعجّل ذلك (٢) كما عجّل كفايته مؤن قوم سلكوا مثل طريقك كانوا أقوى يدًا، وأكثف جنداً، وأكثر جمعًا وعدداً ونصراً منك فيما أصارهم إليه من مصارع الخاسرين ، وأنزل بهم من جوائح الظالمين . وأمير المؤمنين يختم كتابه بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ وضمانه لك فى دينه وذمّتِه الصفح عن سوالف جرائمك ، ومتقدمات جرائرك ، وإنزالك ما تستأهل من منازل العزّ والرفعة إن أتيتَ وراجعتَ؛ إن شاء اللّه. والسلام. ١٠٧٢/٣ (١) ف: ((ومن إليك)). (٢) ف: ((ويعجل فى ذلك)).