Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ سنة ١٩٦ المأمون للعباس بن موسى بن عیسى علىولاية الموسم، فسارهو وعمّه داود حتی نزلا بغداد على طاهر بن الحسين ، فأكرمهما وقرّبهما، وأحسن معونتهما ، ووجّه معهما يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القَسْرىّ، وقد عقد له طاهر على ولاية اليمن ، وبعث معه خيلاً كثيفة ، وضمن لهم يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القَسْرىّ أن يستميل قومَه وعشيرته من ملوك أهل اليمن وأشرافهم ؛ ليخلعوا محمداً ويبايعوا عبد الله المأمون. ٨٦٤/٣ فساروا جميعًا حتى دخلوا مكة . وحضر الحجّ، فحجّ بأهل الموسم العباس ابن موسى بن عيسى ؛ فلما صدروا عن الحجّ انصرف العباس حتى أتى طاهر ابن الحسين - وهو على حصار محمد - وأقام داود بن عيسى على عمله بمكة والمدينة ؛ ومضى يزيد بن جرير إلى اليمن ، فدعا أهلها إلى خَلْع محمد وبيعة عبد اللّه على المأمون ، وقرأ عليهم كتابًا من طاهر بن الحسين يعدُهم العدل والإنصاف، ويرغّبهم فى طاعة المأمون ، ويعدّمهم ما بسط المأمون من العدل فى رعيته ؛ فأجاب أهلُ اليمن إلى بَيْعة المأمون ، واستبشروا بذلك ، وبایعوا للمأمون، وخلعوا محمداً، فسار فیھم یز ید بن جرير بنیز یدبأحسن سيرة، وأظهر عَدْلا وإنصافًا، وكتب بإجابتهم وبيعتهم إلى المأمون وإلى طاهر ابن الحسين . # ٥ وفى هذه السنة عقد محمد فى رجب وشعبان منها نحواً من أربعمائة لواء القوّاد شتى ، وأمّر على جميعهم علىّ بن محمد بن عيسى بن نهيك، وأمرهم بالمسير إلى هرثمة بن أعين ، فساروا فالتقوا بحلُلْتا فى رمضان على أميال من النّهروان ، فهزمهم هرئمة ، وأسر علىّ بن محمد بن عيسى بن نهيك ، وبعث به هرئمة إلى المأمون، وزحف مرثمة فنزل النهروان . [ ذكر خبر شغب الجند على طاهر بن الحسين ] وفى هذه السنة استأمن إلى محمد من طاهر جماعة كثيرة ، وشغب الجند ٨٦٥/٣ ٤٤٢ سنة ١٩٦ على طاهر ، ففرّق محمد فيمن صار إليه من أصحاب طاهر مالاً عظيماً ، وقوّد رجالا ، وغلّف لحاهم بالغالية ، فسمُّوا بذلك قوّاد الغالية . * ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل إليه الأمر فيه : ذكر عن يزيد بن الحارث ، قال : أقام طاهر على نهر صَرْصر لما صار إليها ، وشمر فی محاربة محمد وأهل بغداد، فكان لا يأتيه جیش إلاّ هزمه، فاشتدّ على أصحابه ما كان محمد يعطى من الأموال والكُسا ، فخرج من عسكره نحو من خمسة آلاف رجل من أهل خُراسان ومَن التفّ إليهم، فسُرّ بهم محمد، ووعدهم ومنّاهم، وأثبت أسماءهم فى الثمانين . قال : فمكثوا بذلك أشهراً ، وقوّد جماعة من الحربية وغيرهم ممن تعرض لذلك وطلبه ، وعقد لهم، ووجّههم إلى دسكرة الملك والنهروان، ووجّه إليهم حبيب بن جهم النمرىّ الأعرابيّ فى أصحابه ؛ فلم يكن بينهم كثير قتال ، وندب محمد قوّاداً من قوّاد بغداد، فوجّههم إلى الياسريّة والكوثرية والسفينتين(١)، وحمل إليهم الأطعمة ، وقوّاهم بالأرزاق، وصيرهم ردءاً لمن خلفهم، وفرّق الجواسيس فى أصحاب طاهر ، ودسّ إلى رؤساء الجند الكتب بالإطماع والترغيب ، فشغبوا على طاهر، واستأمن كثير منهم إلى محمد ، ومع كل عشرة أنفس منهم طبل ، فأرعدوا وأبرقوا وأجلبوا، ودنَوْا حتى أشرفوا على نهر صرصر ، فعتّ طاهر أصحابه كراديس ، ثم جعل يمرّ على كلّ كردوس منهم ، فيقول : لا يغرنكم كثرة مَنْ ترون، ولا يمنعكم استثمان من استأمن منهم ، فإنّ النصر مع الصدق والثبات ، والفتح مع الصبر ، وربّ فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين. ثم أمرهم بالتقدّم، فتقدّموا واضطربوا بالسيوف مليًّاً. ثم إن الله ضرب أكتاف أهل بغداد فولّوْا منهزمين ، وأخلوا موضع عسكرهم ، فانتهب أصحاب طاهر كلّ ما كان فيه من سلاح ومال . وبلغ الخبرُ محمداً، فأمر بالعطاء فوُضع، وأخرج خزائنه وذخائره ، وفرّق الصِّلات وجمع أهل الأرباض ، واعترض الناس على عينه ، فكان لا يرى أحداً وسيًا حسن الرّواء إلا خلع عليه وقوّده؛ وكان لا يقوّد أحداً إلاَ غلِّمْت لحيته بالغالية؛ وهم الذين ٨٦٦/٣ (١) ط: ((والسفيانيين)). ٤٤٣ سنة ١٩٦ يسمون قوّاد الغالية . قال : وفرّق فى قوّاده المحدثين لكل رجل منهم خمسمائة درهم وقارورة غالية ، ولم يعط جند القواد وأصحابهم شيئًا . وأتت عيون طاهر وجواسيسه طاهرًا بذلك ؛ فراسلهم وكاتبهم ، ووعدهم واستمالهم ، وأغرى أصاغرهم بأكابرهم ، فشغبوا على محمد يوم الأربعاء لست خلون من ذى الحجة سنة ست وتسعين ومائة ، فقال رجل من أبناء أهل بغداد فى ذلك : ما شئَّتَ الجندَ سِوَى الغاليهْ قُلْ لِلأَّمِينِ اللَّهَ فِى نَفْسِهِ برسلِهِ والعُدَّةِ الكافيَهْ وطاهرٌ نفسى تقِى طاهرًاً مُقاتلا للفِئةِ الباغيةْ أَضحى زمامُ المُلكِ فی کفِهِ عُيوبُهُ مِنْ خُبْثِهِ فَاشِيَهْ يا ناكئاً أَسلَمَهُ نَكِنُه مُستَكلباً فى أُشْدٍ ضارِيَه قد جَاءَك الليثُ بِشَدّاته إِلاَّ إِلى النارِ أَو الهاويه فاهُرُبْ ولا مَهْرَبَ من مِثْلِهِ قال : ولمّا شغب الجند ، وصعب الأمر على محمد شاور قوّاده ، فقيل له: تدارك القوم ، فتَلاف أمرك ؛ فإنّ بهم قوام ملكك؛ وهم بعد الله أزالوه عنك أيام الحسين ، وهم ردّوه عليك، وهم من قد عرفْتَ نجدَتَهم وبأسهم . فاجّ فى أمرهم وأمر بقتالهم ، فوجه إليهم التنوخىّ وغيره من المستأمنة والأجناد الذین کانوا معه ، فعاجل القوم القتال وراسلهم طاهر وراسلوه ؛ فأخذ رهائنهم على بذْل الطاعة له ، وكتب إليهم ، فأعطاهم الأمان ، وبذل لهم الأموال ، ثم قدم فصار إلى البستان الذى على باب الأنبار يوم الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة خلتْ من ذى الحجة ، فنزل البستان بقوّاده وأجناده وأصحابه ، ونزل مَنْ لحق بطاهر من المستأمنة من قوّاد محمد وجنده فى البستان وفى الأرباض ، وألحقهم جميعًا بالثمانين فى الأرزاق ، وأضعف للقواد وأبناء القوّاد الخواص"، وأجرى عليهم وعلى كثير من رجالهم الأموال ، ونقب أهل السجون السجون وخرجوا منها، وفُتِن الناس ، ووثب على أهل الصلاح الدُّعار والشطار، فعزّ الفاجر، وذلّ المؤمن، واخْتُلّ الصالح، وساءت حالُ الناس إلاّ من كان فى ٨٦٧/٣ ٤٤٤ سنة ١٩٦ عسكر طاهر لتفقده أمرهم ، وأخذه على أيدى سفهائهم وفساقهم ؛ واشتد فى ذلك عليهم، وغادى القتال وراوحه، حتى تواكل الفريقان، وخربت الدار. ٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علىّ من قِبَل طاهر، ودعا للمأمون بالخلافة، وهو أوّل موسم دُعىّ له فيه بالخلافة بمكة والمدينة . ٨٦٨/٣ ٤٤٥ ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة ذ کر الخبر عما کان فيها من الأحداث ففى هذه السنة لحق القاسم بن هارون الرشيد ومنصور بن المهدىّ بالمأمون من العراق ، فوجّه المأمون القاسم إلى جرجان . [ ذكرخبر حصار الأمين ببغداد ] وفيها حاصر طاهر وهَرْئمة وزهير بن المسيّب محمد بن هارون ببغداد . * ذكر الخبر عما آل إليه أمر حصارهم فى هذه السنة ، وكيف كان الحصار فيها : ذكر محمد بن يزيد التميمىّ وغيرُه أنّ زهير بن المسيّب الضّبىّ نزل قصر رقة كلواذى ، ونصب المجانيق والعرّادات(١) واحتفر الخنادق ، وجعل يخرج فى الأيام عند اشتغال الجند بحرب طاهر، فيرمى بالعرّادات مَنْ أقبل وأدبر ، ويعشير أموال التجار (٢) ويجبى السفن، وبلغ من الناس كلّ مبلغ ؛ وبلغ أمرُه طاهرًا وأتاه الناس فشكوا إليه ما نزلَ بهم من زهير بن المسيّب، وبلغ ذلك مرئمة ، فأمدّه بالجند، وقد كاد يؤخذ، فأمسك عنه الناس، فقال الشاعر من أهل الجانب الشرقىّ - لم يعرف اسمه- فى زهير وقتله الناسَ بالمجانيق: فقد رأَيْتَ القتيلَ إِذ قُبرَا لا تَقْرَبِ المنجنيق والحجرا راحَ قتيلاً وخَلَّفَ الخبراً باكَرَ کیْ لا يفوتَه خبرٌ صحّةٍ جسمٍ به إذا ابتكرًا ماذا به كان من نشاطٍ. ومنْ أَمْرٌ فلم يَدْرِ مَن به أَمَرا أرادَ أَلاَّ یقالَ کان له (١) المنجنيق، بفتح الميم وتكسر: آلة تربى بها الحجارة (معربة)، والعرادة: أصغر منه. (٢) عشر القوم: أخذ العشر من أموالهم. ٨٦٩/٣ ٤٤٦ سنة ١٩٧ كفَّاكَ، لِمْ تُبقيَا ولم تَذَرَا يا صاحبَ المِنجنيق ما فَعَلتْ هَيْهَاتَ لَنْ يَغْلِبَ الهَوَى القدَرَا كانَ هَوَاهُ سوَى الَّذى قُدِرا ونزل هرثمة نهر بين ، وجعل عليه حائطًا وخندقًا ، وأعدّ المجانيق والعرّادات، وأنزل عبيد الله بن الوضاح الشماسية، ونزل طاهر البُستان بباب الأنبار ، فذكر عن الحسين الخليع أنه قال : لما تولَّى طاهر البُستان بباب الأنبار ، دخل محمداً أمر عظيم من دخوله بغداد ، وتفرّق ما كان فى يده من الأموال ، وضاق ذَرْعًا، وتحرّق صدراً، فأمر ببيع كل ما فى الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذّهب والفضّة دنانير ودراهم، وحملها إليه لأصحابه وفى نفقاته، وأمر حينئذ برمى الحرّبية بالنَّقط والنيران والمجانيق والعرّادات، يقتل بها المقبل والمدبر ، ففى ذلك يقول عمرو بن عبد الملك العِشْرىّ(١) الوراق: كُلُّكُمْ غِيرُ شَفيقِ المنجنيق يا رماةً كانَ أَو غيرَ صدِيقٍ ما تبالونَ صَدِيقاً الطَّریقِ مُرَّارَ مونَ وَيَلَكُمْ تَدْرونَ ما تَرْ كالغصنِ الورِيقِ وهىَ رُبّ خَوْدٍ ذَاتٍ دَلِّ هَا وَمِنْ عَيْشٍ أَنِيقِ أُخرِجَت مِنْ جَوْفِ دُنْيَا أُبْرِزت يومَ الحريقِ لم تَجِدْ مِن ذَاكَ بُدًّا وذكر عن محمد بن منصور الباوَرْدىّ ، قال : لما اشتدّت شوكة طاهر على محمد ، وهزمت عساكره ، وتفرّق قواده كان فيمن استأمن إلى طاهر سعيد بن مالك بن قادم، فلحق به، فولا ه ناحية البغيّين والأسواق هنالك وشاطئ دَجْلة؛ وما اتّصل به أمامه إلى جسور دجلة ، وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان فى كلِّ ما غلب عليه من الدّور والدّروب، وأمدّه بالنفقات والفعلة والسلاح، وأمر الحربيّة بلزومه على النوائب، ووكّل بطريق دار الرقيق وباب الشأم واحداً بعد واحد؛ وأمر بمثل الذى أمر به سعيد بن مالك ؛ وكثُر الخراب (١) ١: العنبرى)). ٨٧٠/٣ ٤٤٧ سنة ١٩٧ والهدم حتى درست محاسن بغداد ؛ ففى ذلك يقول العشْرىّ: ٨٧١/٣ أَلَمْ تَكُونِى زماناً قُرَّةَ العينِ ! مَنْ ذا أَصابكِ يا بغدادُ بالعَينِ وكان قربهُمُ زيناً من الزَّيْن ! أُلم یکُنْ فِیكِ قومٌ کانمسکنھمْ مَاذا لقيتُ بهم من دَوْعَةِ البَيْن! صَاحَ الغرابُ بِهِمْ بِالْبِيْنِ فَأَفْتَرِقُوا إِلَّ تحدَّرَ ماءُ العينِ من عَيْنِى أَستودعُ الله قوماً مَا ذكرتهمُ والدَّهْرُ يَصْدَعُ ما بينَ الفريقين كَانُوا ففرَّقِهِمْ دهرٌ وَصَدَّعَهُمْ قال: ووكّل محمد عليًّا فراهمرد؛ فيمن ضمّ إليه من المقاتلة، بقصر صالح وقصر سُليمان بن أبى جعفر إلى قُصور د جلة وما والاها ، فألحّ فى إِحْرَاق الدُّور والدُّرُوب وهْدمها بالمجانيق والعرّادات على يَدَىْ رجلٍ كان يعرف بالسَّمَرْ قندىّ؛ فكان يرمى بالمنجنيق ، وفعل طاهر مثل ذلك ؛ وأرسل إلى أهل الأرْباض من طريق الأنْبَار وباب الكوفة وما يليها ؛ وكلما أجابه أهلُ ناحیة خندق علیهم، ووضع مسالحه وأعلامه، ومن أبى إجابته والدخول فى طاعته ناصبه وقاتله ، وأحرق منزله ؛ فكان كذلكَ يغدو ويروح بقوّاده وفرسانه ورجّالته ؛ حتى أوحشت بغداد ، وخاف الناس أن تبقى خرابًا؛ وفى ذلك يقول الحسين الخليع : ٨٧٢/٣ عَنْ جَانِيْ بغداد أَمْ ماذَا ! أَتُسْرَعُ الرِّجْلَة إِغْذَاذا(١) إلى أُولِ الفتنةِ شُذَّاذَا أَلَمْ تَرَ الفتنةَ قد أُلِّفَتْ عن رأى لا ذاك ولا هذا وانتقضتْ بغداذُ عُمْرَانها عقوبة لاذَت بمَنْ لاذا هَدْماً وَحَرْقاً قد أُبِيدَ أهلُها بغداد فى القلَّة بَغْداذا ما أَحسنَ الحالات إِن لم تَعُدْ قال: وسمّى طاهر الأرباضَ التى خالفه أهلها ومدينةَ أبى جعفر الشرقية، وأسواقَ الكرخ والخلد وما والاها دارَ النكث، وقبض ضياع مَنْ (١) اوابن الأثير: ((الرحلة)). والرجلة هنا: جمع رجل. ٤٤٨ سنة ١٩٧ لم ينحز(١) إليه من بنى هاشم والقوّاد والموالى وغلاّتهم، حيث كانت من عمله ، فذلُّوا وانكسروا وانقادوا، وذلّت الأجناد وتواكلت عن القتال ؛ إلا باعة الطريق والعُراة وأهل السجون والأوباش والرّعاع والطرّارين(٢) وأهل السوق. وكان حاتم بن الصقر قد أباحهم النَّهب، وخرج الْهِرْش والأفارقة، فكان طاهر يقاتلهم لا يفترُ عن ذلك ولا يمَلُّه، ولا ينى فيه فقال الخريمىّ يذكر بغداد ، ويصف ما كان فيها : دادَ وتَعثرْ بها عواثرها (٣) قالوا : ولم يلعبِ الزمانُ بيغـ مشوّقٌ للفتى وظاهِرُها (٤) إذ هى مثلُ العروس باطنها قلَّ من النائبات وَاتِرُها جَنَّةُ خُلْدٍ ودارُ مَغْبَطَّةٍ وقلَّ مَعسورُها وعاِرُها دَرَّتْ خُلُوفُ الدّنيا لساكنها فيها بلذاتها حواضِرُها وانفرَجَتْ بالنعيمِ وانتجعَتْ أَشرَقَ غِبَّ القِطارِ زاهرُها لو أَنَّ دُنيا يدُومُ عامرُها فيها وقرَّت بها منابرُها فخرٍ إِذا عُدّدَت مَفاخرُها شَدَّ عُراها لها أَكابِرُها يَقدَحُ فى مُلكِهَا أَصاغِرُها من فتنةٍ لايقال عاثِرُها مقطوعةً بينَهَا أَوَاصِرُها إذلم يَرُعْها بالنصح زاجِرُها هُوَّةَ غَىّ أَعْيَتْ مَصادِرُها فالقومُ منها فى روضةٍ أُنُفِ مَن غرَّهُ العيشُ فى بُلهْنِيةٍ دارُ ملوكِ رَسَت قواعدها أَهلُ العلا والندى وأَندِيةُ الـ أَفراخُ نُعْمَى فِى إِرْثٍ مَمْلَكَةٍ فلمْ يَزِلْ والزِّمان ذُو غِيَرٍ حتى تَساقتْ كأُساً مُثَمِّلةً وافترقتْ بعدَ أُلْفَةٍ شِيَعاً يا هل رأيتَ الأَملاكَ ماصنعت أَوْرَدَ أَملاكُنا نفوسَهُمُ (١) ط: (ينجز))، تحريف. (٢) فى القاموس: ((الطر: الخلس)). (٣) انظر الشعر والشعراء ٨٣١، ٨٣٢، الحيوان ١: ٢٢٥، ٥: ٢٠٤. (٤) كذا فى ا، وفى ط: ((باديها مهول الفتى وحاضرها)). ٨٧٣/٣ ٤٤٩ سنة ١٩٧ ما ضرها لو وَفَتْ بِمَوْثِقِهَا ولم تسافِك دماءَ شيعتها وأَقنعتها الدنيا التى جُمَعَت ما زال حوض الأملاك يحفره تبغِى فضولَ الدنيا مكاثَرَةً تَبيعُ ما جمَّعِ الأُبُوَّةُ يِدْ يا هل رأيت الجنانَ زاهرَةً وهل رأيتَ القُصورَ شارعةً وهل رأيت القُرى التى غَرَسَ الـ محفوفةً بالكرومِ والنخل والرّ فإنها أصبحت خلايا من الـ قَفرًا خَلاةٌ تعوِى الكلابُبها وأَصبحَ البؤْسُ ما يفارقُها بِزَندَوَرْدٍ واليَاسِرِيَّةٍ وَالشَّط ويا ترلحى والخيزرانیة الـ وقَصرٍ عَبدوَيْه عبرةٌ وهُدَّى فأَيْن حُرّاسُها وحارسُها وأین خِصْیانها وحِشْوَتُها أَين الجَرادِيَّةُ الصقالبُ والـ ينصدعُ الجندُ عن مواكبها (١) كذا فى اوفى ط: ((تبتعل)). (٣) ط: ((داثرها))، وما أثبته من ا. واستحكمتْ فى النُّقَى بصائرها وتبتعِث(١) فِتيةً تكابرها لها وَرُعْبُ النفوسِ ضائرُها مسجُورها بالهوى وساجِرُها (٢) حتى أُبِيحَت كُرْهًا ذَخائِرُها أَبناءِ لا أُربحَت متاجِرُها يرُوقُ عينَ البصيرِ زاهرها ! تُكِنُّ مثلَ الدُّمى مقاصرُها أَملاكُ مخَضَّرةً دَسائِرُها يحانِ ما يستغلُّ طائرُها إنسانٍ قد أُدْمِيَتْ محاجرها يُنكرُ منها الرسومَ زائرُها (٣) إِلفاً لها والسُّرورُ هاجرُها ین حيث انتهت معابرها عليا التى أَشرفت قناطرُها (٤) لكلِّ نفسِ زَكَتَ سَرائِرُها وأَين مجبورُها وجابرها ! وأين سكَّانُها وعامرُها أَحبُشُ تعدُو هُدْلاً مَشافرُها تعْدُو بها سُرَّباً ضَوامِرُها (٢) كذا فى ا . (٤) ١: ((أشرقت مناظرها)). تاريخ الطبرى- ثامن ٨٧٤/٣ ٨٧٥/٣ ٤٥٠ بالسّندِ والهند والصقالِبِ وَالـ طيرًا أَبابيلَ أَرسَلَت عَبَئاً أين الظِّاءُ الأَبكارُ فى روضه الـ أَين غَضاراتُها وَلَنَّتها بالمسك والعنبرِ اليمانِ والـ يَرَفُلْن فى الخَرِّ وَالمجَاسِدِ وَالـ فأَين رقاصها وَزَامِرُها تكادُ أَسماعُهم تُسَكُّ إِذا أَمَسَتِ كَجَوف الحِمار خَاليَهً كأَنَّما أصبحتْ بساحتهمْ لا تعلمُ النفسُ ما يُبَايِتُها تُضحى وتُمسى دَريَّةً غَرَضاً لِأَسْهُمِ الدّهرِ وهو يَرْشُقُها يَابُوْسَ بَغَدَادَ دَار مَملَكَةٍ أَمهلها الله ثم عاقَبها بالخسف والقذف والحريق وبالـ كم قد رأينا من المعاصى ببغدا حلَّت ببغدادَ وهىَ آمنةٌ طالَعَها السوءُ من مَطَالِحِهِ رَقَّ بها الدينُ واسْتُخفَّبذى الـ وخَطَّمَ العبدُ أَنفَ سَيّدِهِ سنة ١٩٧ ثُوبَةٍ شِيبَتْ بها بَرابرُها يقدُمُ سُودانَها أَحامِرُها ملكٍ تَهادَى بها غَرائِرُها! وأَين مَحْبُورُها وَحابِرُها ! يلنجُوجِ مَشِبُوبَةٌ مَجَامِرُها مَوْشىٍّ محطومَهُ مَزَامِرُها یُجِبْنَحیثُ انتهت حناجرُها عَارضَ عِيدانَها مَزاهرُها يَسعَرُها بالجحيم ساعرُها عادٌ ومَسَّتْهُمُ صراصرُها من حَادِث الدّهر أَو يُباكرُها حيث استقرّت بها شراشرها مُحيِطُها مَرَّةً وَبَاقِرُها دارتْ على أَهلها دوائرُها لمّا أَحاطت بها كبائرُها حربٍ التى أصبحت تساورُها دفهل ذو الجلال غافرها ! داهيهٌ لم تكن تحاذِرُها وأَدركت أَهلَها جرائرُها فضل وَعَزَّالنُّسَّاكَ فاجرُها بالرّغْم وَاسْتُعبِدَت حرائرها (٢) كذا فى ا. ٨٧٦/٣ (١) فى التصويبات: ((مزاهرها)). ٤٥١ سنة ١٩٧ وصار رَبّ الجيران فَاسْقَهُم من يَرَ بغدادَ والجنودُ بها كلُّ طَحونِ شهباءَ بَاسِلَةٍ ٥ تُلِقِى بغىِّ الرّدَى أَوانِسَها والشيخ يَعدُو حَزماً كتائبه وَلِزُهيرٍ بِالْفِرْك مَأْسَدَةٌ كتائبُ الموتِ تحتَ أَلوِيَةِ يعلم أَن الأَقْدار واقعةٌ فتلكَ بغدادُ ما يُبنَّى من الذ محفوفةً بِالرَّدَى مُنَطقَةٌ ما بين شطّ الفراتِ منه إِلى بارك هادِى الشَّقْراءِ نافِرُ(١) يُحْرقِها ذا وذاكَ يهدمها والكَرْخُ أَسواقُها مُعَطََّةٌ أَخرجت الحربُ من سواقِطها من البوارى تِرَاسُها ومن الـ تغذُو إِلى الحرب فی جواشتِها الـ كَتَائبُ الھِرْشِ تحت رایَتِهِ لا الرزقَ تبغى ولا العطاءَ ولا فى كلّ دَرْبٍ وكلِّ ناحيةٍ بمثل هامِ الرجال من فلَق الصَّ وابتزَّ أَمرَ الدُّروب ذَاعِرُها قد ربَّقَتْ حَوْلَها عَساكُرها تسْقِطٌ أَحْبالها زَماجِرُها يُرْهِقِها للقَاءِ طَاهِرُها يُقدِمُ أَعجازَها يعاوِرُها صلبَةٌ مَكاسِرُها مرقومهُ أَبْرَحَ منصورُها وَنَاصِرُها وَقعاً على ما أَحَبّ قَادِرُها لَّةٍ فى دُورِها عَصافِرُها بِالصُّغر مَحْصُورَةً جَبابرُها دِجْلةَ حيث انتهت معادِرُها تَرْكضُ من حولِها أَشَاقِرُها ويَشتِفِى بالنهابِ شاطرُها يَستنّ عَيَّارُها وعائرُها آسادَ غِيلٍ غُلْبًا تُسَاورُها خُوصِ إِذا استلأَّمَت مَغافرها صّوف إِذا ما عُدَّت أَساورُها ساعَدَ طَرّارَها مُقَامِرُها يَحشُرُها لِلِّقاء حاشِرُها خطَّارَةٌ يَسْتَهلُّ خَاطِرُها خر يَزُودُ المِقلاعَ بَائرُها ٨٧٧/٣ (١) ط: ((نافرة)). ٤٥٢ ٨٧٨/٣ كأَنْما فوقَ هَامِها فِرَقٌ والقومُ من تحتها لهم زَجَلٌ بلْ هل رأيتَ السيوفَ مُصلَتَةً والخيلَ تستَنُّ فِى أَزِقَّتِها وَالنَّقْطَ. والنَّارَ فِى طَرَائِقِها والنَّهبُ تَعدُو به الرِّجالُ وقَدْ مُعْصَوصباتٍ وسطَ الأَزِقَّةِ قَدْ كلُّ رَقودِ الضُّحَى مِخَبَّأَةٍ بَيْضَةُ خِدرٍ مكنونةٌ بَرَزَت تَعثرُ فى ثوبها وَتُعْجِلُها تسأَلُ أَين الطريقُ وَالهةً لم تَجْتَلِ الشَّمْسُ حُسنَ بَهِجَتِها يا هَلْ رأيتَ الفَّكلى مُوَلولَةٌ فى إِثر نَعِشِ عليهِ واحدُها فَرغاءُ ينقى الشنار مربَدُها تنظرُ فى وجههِ وتهتف بالثـ غَرغَر بالنَّفس ثم أَسلمها وقد رأيت الفتيان فى عَرصَةِ الـ كلُّ فتِّى مَانعٌ حَقيقَتَهُ باتَتْ عليهِ الكِلابُ تَنْهَشُهُ أَمَا رَأَيتَ الخُيُولَ جائلَةٌ سنة ١٩٧ من القطا الكُدْرِ ماج نافِرُها وهى ترامى بها خَوَاطِرُها أَشَهَرَها فى الأَسواقِ شاهِرُها بالتُّركِ مسنونةٌ خَنَاجِرُها وهابِيًّا للدخَانِ عامِرُها أَبدَتْ خَلاخيلها حَرائِرُها ساترها أَبرَزها للعيون لم تَبدُ فى أَهلها محاجرُها للناس منشورةً غَدائرُها كَبَّةُ خَيلٍ رِبِعَتْ حَوَافِرُها والنَّارُ من خَلْفها تُبَادِرُها حتى اجتلتها حربٌ تباشرُها فى الطُّرْق تسعى والجَهدُ بَاهُرها! فِى صَدْرهِ طعنةٌ يُساورُها يَهزّها بَالسنان شاجرُها كلٍ وجَارِى الدموع حادِرُها مَطلولَةً لا يُخاف ثائرها مَعَرَك مَعَفُورَةٍ مَناخُرها تَشقَى بهِ فى الوَغَى مسَاعرها مخضُوبةً مِنْ دمِ أَظَافِرُها بالقَوْمِ مَنكُوبَةً دَوَائِرُها(١) (١) ط: ((دوابرها)). ٤٥٣ سنة ١٩٧ تعثرُ بالأَوجُهِ الحِسَانِ منَ ال ◌َتلى وَغُلَّتْ دمًا أَشَاعِرُهُا يطأُنَ أَكبادَ فتيةٍ نُجُدٍ أَمَا رأيت النساءَ تحتَ المجا عقائل القومِ والعجائزَ والـ يحْمِلن قوتاً منَ الطَّحِينِ على الـ وذاتُ عيشٍ ضنكٍ ومُقَعِسَةٌ تسألُ عنْ أَهلها وقد سُلِيتْ ياليتَ شِعْرى والدَّهْرُ ذُو دُولِ هل تَرْجعنْ أَرضنا كما غنِيَتْ منْ مُبلغٌ ذا الریاستیْنِ رسا بأَنَّ خيْرَ الوُلاةِ قدْ علمَ الذَّ خلیفةُ اللهِ فی بریتِهِ الـ سَمَتْ إِليه آمَالُ أُمْتِهِ شامُوا حيا العدْلِ من مخايلِهِ وأحمدُوا منك سيرة جلتِ الـ واستجمعتْ طاعة برفقكَ للمَأْ وَأَنتَ سمعٌ فى العالمينَ له فاشكرلذى الْعَرْشِ فضلَ نعمتِهِ واحذَرْ فداءً لك الرّعيةُ والْـ لا تردن غمْرةً بنفسكَ لا عليك ضحْضاحها فلاتلج الغَم والقصْدَ إِنَّالطريقَ ذو شُعبٍ يَفْلِقُ هاماتِهِمْ حوافرُها نيق تعادَى شُعْئاً ضفائرُها ◌ُنَّسَ لم تحتبَرْ معاصِرُها أَكْتَافٍ مَعْصُوبَةً مهاجِرُها تشدَخُها صُخرَةٌ تعاوِرُها وابْتُزَّ عنْ رأسها غفائرُها يُرجَى وَأُخرَى تُخْشَى بَوادرُها وقد تناهتْ بنا مصابِرُها لاتٍ تَأَتَّى للنُّصْحِ شاعِرُها اسُ إِذا عُدِّدت مَآئِرُها مأُمُونُ مُنْتَاشُها وجابرُها منقادَةٌ بَرُّها وفاجرُها وَأَصْحَرَتْ بالُّقَى بَصَائرها شَّكَّ وأخرى صَحَّتْ معاذِرُها مونٍ نجدیُّها وغائرها ومُقِلةٌ ما يكلّ ناظرُها أَوجبَ فضلَ المزيدِ شاکرها أَجنادُ مأمورها وآمرها يَصْدُرُ عنها بالرأى صادرُها رةَ ملتجّهَ زواخِرُها أَشأَمها وَعْثُها وَجَائِرُها ٨٧٩/٣ ٤٥٤ سنة ١٩٧ قد فارقت هَدْیَها أَواخُرها فَهَلْ على الحقّأَنت قاسرها ! خالفَ حُكْمَ الكِتَابِ سائرها تُسَدُّ منهم بها مفَاقرها ووافقَتْ مَدَّه مقادرُها ومُلِّكَتْ أُمَّةً أَخايِرُها أَصْبَحْتَ فى أمةٍ أوائلها وَأَنتَ سُرْسُورُها وسَائِسُها أَدِّبْ رجالًا رأَيتَ سِيرتهُمْ وامدُدْ إِلى الناس كفَّ مَرْحَمَةٍ أَمْكُنكَ الْعَدْلُ إِذْ هَمَمْتَ به وأَبصرَ الناسُ قصدَ وجههمُ تُشْرَعُ أَعناقها إِليكَ إِذ السّاداتُ يومًا جَمَّتْ عَشَائِرُها هِ وقُرْبَى عَزَّتْ زوافرها منك، وأُخْرَى هل أَنت ذاكرُها! رائحُها باكرٌ وباكرها کمعندنا من نصيحة لكفی ال وحرمةٍ قرَّبتْ أَوَاصِرُها سعْىُ رجالٍ فى العلم مطلبُهُمْ دونكَ غراءَ كالوَذِيلَةِ لا سوائرها تُفْقَدُ فى بلدةٍ لكلِّ نفسِ هوَّى يُؤَّامرها لا طمعاً قُلتُها ولا بَطرًا سَيّرَها الله بالنصيحَةِ والـ يَنْشُرُ بَزَّ التِّجارِ ناشرها خَشِيَةٍ فاستدمجَت مرائرها جاءَتك تحكى لك الأُمورَ كما يظلُّ عُجباً بها يحاضرها حمّلتُها صاحباً أخا ثقةٍ وفى هذه السنة استأمن الموكّلون بقصر صالح من قبل محمد . [ ذكر خبر وقعة قصر صالح ] وفيها كانت الوقعة التى كانت على أصحاب طاهر بقصر صالح. * ذكر الخبر عن هذه الوقعة : ٨٨١/٣ ذكر عن محمد بن الحسين بن مصعب، أنّ طاهرًا لم يزل مصابراً محمداً وجندَه على ما وصفت من أمرِه ؛ حتى ملَّ أهلُ بغداد من قتاله ، وأن علِىّ ٨٨٠/٣ ٤٥٥ سنة ١٩٧ فراهمرد الموكّل بقصرئْ صالح وسليمان بن أبى جعفر من قبل محمد ، کتب إلى طاهر يسأله الامان ، ويضمن له أن يدفع ما فى يده من تلك الأموال ومن الناحية إلى الجسور وما فيها من المجانيق والعرّادات إليه؛ وأنه قبيل ذلك منه، وأجابه إلى ما سأل، ووجّه إليه أبا العباس يوسف بن يعقوب البَاذغيسىّ صاحب شُرَطه فيمن ضُمّ إليه من قوّاده وذوى البأس من فُرسانه ليلاً، فسلم إليه كلّ ما كان محمد وكّله به من ذلك ليلة السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ومائة . واستأمن إليه محمد بن عيسى صاحب شُرْطة محمد ؛ وكان يقاتل مع الأفارقة وأهل السجون والأوباش ؛ وكان محمد بن عيسى غير مداهِنٍ فى أمر محمد؛ وكان مهيبًاً فى الحرب ، فلمّا استأمن هذان إلى طاهر ، أشفى محمد على الهلاك ، ودخله من ذلك ما أقامه وأقعده حتى استسلم ؛ وصار على باب أم جعفر يتوقّع ما يكون؛ وأقبلت الغُواة من العيّارين وباعة الطرق والأجناد ؛ فاقتتلوا داخل قصر صالح وخارجه إلى ارتفاع النهار . قال : فقتل فى داخل القصر أبو العباس يوسف بن يعقوب الباذغيسى ومَنْ كان معه من القوّاد والرؤساء المعدودين ، وقاتل فراهمرد وأصحابه خارجاً من القَصْر حتى فُلّ وانحاز إلى طاهر ؛ ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها أشدَّ على طاهر وأصحابه منها، ولا أكثر قتيلا وجريحًا معقوراً من أصحاب طاهر من تلك الوقعة؛ فأكثرت الشعراء فيها القول من الشِّعر، وذكرما كان فيها من شدة الحرب(١). وقال فيها الغوغاء والرّعاع، وكان مما قيل فى ذلك قول الخليع (٢): ٨٨٢/٣ أَمِينَ اللهِ ثِقْ بالاً وِ تُعْطَ الصَّبْرَ والنُّصرَةُ (٣) كَلاَكَ اللهُ ذو القُدْرَةْ كِلِ الأَمرَ إِلى اللهِ والكَرَّةُ لا الفرَّةْ بعَون اللَّ لَنَا النَّصْرُ ـك يومُ السوءِ والدَّبْرَةْ أعدائ وللمُرّاقِ وكأسٍ تلفظ الموتَ (٤) كَرِيهِ طَعْمُهَا مُرَّهْ (١) كذا فى ا، وفى ط: ((الحزب)). (٢) هو الحسين بن الضحاك، المعروف بالخليع. (٣) الأغانى ٧: ٢٠٧، ٢٠٨ المسعودى ٣: ٤١٣. (٤) الأغانى: ((تورد الموت)). ٤٥٦ سنة ٩٧ الحِرّةْ ولکن بِهِمُ سُقينا وسقيناهُمْ(١) ولنَا مَرَّةْ علینا كذاك الحربُ أحياناً فذُكر عن بعض الأبناء أن طاهراً بث رسلَه، وكتب إلى القوّاد والهاشميّين وغيرهم بعد أن حاز ضياعهم وغلّتِهم يدعوهم إلى الأمان والدّخول فى خلع محمد والبَيْعة للمأمون؛ فلحق به جماعة، منهم عبد الله بن حميد بن قحطبة الطائىّ وإخوته ، وولد الحسن بن قحطبة ویحییبن علیّ بن ماهان ومحمد بن أبى العاص(٢)، وكاتبه قوم من القوّاد والهاشميين فى السرّ، وصارت قلوبهم وأهواؤهم معه . ٨٨٣/٣ قال : ولما كانت وقعة قصر صالح أقبل محمد على اللهو والشرب ، ووكل الأمرَ إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الهِرْش؛ فوضعا مما يليهما من الدّروب والأبواب وكلاءهما بأبواب المدينة والأرباض وسوق الكَرْخ . وفُرّض د جلة وباب المحوّل والكناسة؛ فكان لصوصها وفساقُها يسلبون مَنْ قدروا عليه من الرِّجال والنساء والضعفاء من أهل الملّة والذمّة؛ فكان منهم فى ذلك ما لم يبلغْنا أنّ مثله كان فى شىء من سائر بلاد الحروب . قال : ولما طال ذلك بالناس ، وضاقت بغداد بأهلها ، خرج عنها مَنْ كانت به قوّة بعد الغُرْم الفادح والمضايقة الموجعة والخطر العظيم ؛ فأخذ طاهر أصحابَه بخلاف ذلك، واشتدّفيه، وغلظ على أهل الرِّيَب. وأمر محمد ابن أبى خالد بحفظ الضعفاء والنساء وتجويزهم وتسهيل أمرهم ؛ فكان الرّجل والمرْأة إذا تخلص من أيدى أصحاب الهِرْش، وصار إلى أصحاب طاهر ذهب عنه الرّوْع وأمن ، وأظهرت المرأة ما معها من ذهب وفضة أو متاع أو بزّ ؛ حتى قيل : إنّ مَثَل أصحاب طاهر ومثّل أصحاب الهِرْش وذويه ومثل الناس إذا تخلّصوا، مثل السور الذى قال الله تعالى ذكره: ﴿فَضُربَ بَيْنَهُمْ بِسُورلَهُ بَابُ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحَمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِه الْعَذَابِ﴾(٣). فلما طال على الناس مابُوا به ساءت حالهم ، وضاقوا به ذرعًا ؛ وفى ذلك يقول بعض فتيان بغداد : (١) الأغانى: ((سقونا)). (٣) سورة الحديد ١٣ . (٢) الأغانى: ((محمد بن العباس الطائى)). ٤٥٧ سنة ١٩٧ بكيتُ دمًا على بغدادَ لمّا تَبَدَّلنا هُموماً من سُرور أصابتها مِنَ الحُسَّادِ عَينٌ فَقَومٌ أُحرِقِوا بالنارِ قسرًا وصائحةً تُنادی وَاصباحًا(٣) وحَوراءُ المَدامعِ ذاتُ دَلّ تَفِرُّ من الحريقِ إلى انتهابٍ وَسَالِبةُ الغزالةِ مُقْلَتَيْها حَيَارَى كالهدايا مُفكِراتٌ يُنادينَ الشفيقَ ولا شفيقٌ وقومٌ أُخرجُوا من ظلِّ دُنيا ومُغْتَرِبٌ قَرِيبُ الدارِ مُلقّى توسَّط مِنْ قتالهمُ جميعاً فَقَدتُ غَضارة العَيْشِ الأَنيقِ(١) ومِن سَعةِ تَبَدَّلْنَا بضِيقٍ فأَفنَتْ أَهلها بالمَنجيقِ(٢) ونائحةٌ تنوحُ على غريقٍ وباكيةٌ لفقدانِ الشَّفيق مضَمَّخَةُ المَجاسِدِ بالخَلوق ووالدها يفرُّ إِلى الحريق مَضاحكُها كَلَاَلاَةِ البِرُوق عليهنَّ القلائدُ فى الحُلوق وقد فُقِد الشَّقِيق من الشَّقِيقِ متاعُهُمُ يُباعُ بكلّ سوقٍ بلا رأسِ بقَارعةِ الطريقِ فما يَدُرُونَ مِنْ أَىِّ الفريقِ وقد هَرَبَ الصدیق بلاصدیق فلا ولدٌ يقيم على أَبِيهِ فإِنِّى ذاكرٌ دارَ الرَّقيقِ وَمَهْمَا أَنْسَ من شىءٍ تَولَّى ٨٨٤/٣ ٨٨٥/٣ وُذكر أنّ قائداً من قوّاد أهل خُراسان ممن كان مع طاهر من أهل النجدة والبأس ، خرج يومًا إلى القتال، فنظر إلى قوم عراة ، لا سلاح معهم، فقال لأصحابه : ما يقاتلنا إلا مَنْ أرى؛ استهانة بأمرهم واحتقاراً لهم؛ فقيل له : نعم هؤلاء الذين ترى هم الآفة ؛ فقال : أفُّ لكم حين تنكصون عن هؤلاء وتخيمون عنهم ، وأنتم فى السلاح الظاهر ، والعُدّة والقوّة؛ ولكم مالكم من (١) المسعودى ٣: ٤١٤، وفيه: ((بكت عينى دمًا)). (٢) المسعودى وابن الأثير: ((أصابتنا)). (٣) المسعودى: ((يا صحابى)). ٤٥٨ سنة ١٩٧ ٨٨٦/٣ الشجاعة والنجدة! وما عسى أن يبلغ كيد مَنْ أرى من هؤلاء ولا سلاح معهم ولاعُدّة لهم ولا جُنّة تقيهم! فأوتر قوسه وتقدّم ، وأبصره بعضهم فقصد نحوه وفى يده باريّةٌ مُقَيّرة، وتحت إبطه مخلاةٌ فيها حجارة، فجعل الخُراسانىّ كلّما رَمى بسهم استتر منه العيَّار، فوقع فى باريّته أو قريبًا منه ؛ فيأخذه فيجعله فى موضع من باريّته ، قد هيأه لذلك، وجعله شبيهاً بالجُعبة . وجعل كلما وقع سهم أخذه ، وصاح: دائق ، أى ثمن النّشابة دائق قد أحرزه ؛ ولم يزل تلك حالة الخراسانىّ وحال العيّارحتى أنفذ الخراسانىّ سهامه، ثم حمل على العيّار ليضربه بسيفه؛ فأخرج من مخلاته حجرًا ؛ فجعله فى مقلاع ورماه فما أخطأ به عينه ، ثم ثناه بآخر ؛ فكاد يصرعه عن فرسه أولا تحاميه ؛ وكرّ راجعًا وهو يقول : ليس هؤلاء بإنس ؛ قال : فحدّثت أن طاهراً حدّث بحديثه فاستضحك وأعفى الخراسانى من الخروج إلى الحرب ؛ فقال بعض شعراء بغداد فى ذلك : ولا لنزارِ خَرَّجَتْ هذه الحروبُ رجالا لا لقحطانها ن إِلى الحرْب كالأُسودِ الضَّوارى معشرًافى جواشِنِ الصوفِ يغدو هم عن البيضِ، والتِّراسُ البوارِى وعليهمْ مغافرُ الخوصِ تُجزيـ طالُ عاذوا من القَنا بالفرارِ ليس يدرونَ ما الفرارُ إِذا الأَّمْ فَيْنِ عُرْيانٌ مالَهُ من إزارٍ واحدٌ منهمُ يَشُدُّ على أَ! ـنةً: خذها مِن الْفَتَى العَيَّارِ ويقول الفتى إذا طَعن الطعـ رفَعتْ مِن مُقامر طَرّارِ کم شریف قد أخملَتهُ وکم قد ٨٨٧/٣ # [ ذكر خبر منع طاهر الملاحين من إدخال شىء إلى بغداد ] [قال محمد بن جرير : وفى هذه السنة منع طاهر الملاحين وغيرهم من إدخال شىء إلى بغداد إلا إلى من كان من عسكره منهم، ووضع الرصيد عليهم بسبب ذلك](١). (١) من !. ٤٥٩ سنة ١٩٧ * ذكر الخبر عمّا كان منه ومن أصحاب محمد المخلوع فى ذلك وعن السبب الذى من أجله فعل ذلك طاهر: أما السبب فى ذلك فإنه - فيما ◌ُذُكر - كان أنّ طاهرًا لما قُتِلِ مَنْ قُتِل فى قصر صالح من أصحابه ، ونالهم فيه من الجراح ما نالهم ، مَضَّه ذلك وشقّ عليه؛ لأنه لم يكن له وقعة إلا كانت له لا عليه ؛ فلما شقّ عليه أمر بالهدم والإحراق عند ذلك ، فهدم دور مَنْ خالفه ما بين دِ جْلة ودار الرقيق وباب الشام وباب الكوفة ، إلى الصراة وأرجاء أبى جعفر وربض حميد ونهر کرخايا والكناسة ؛ وجعل يبايت أصحاب محمد ويدالجھم ، ويحوى فى كلّ يوم ناحية، ويخندق عليها المراصد من المقاتلة؛ وجعل أصحاب محمد بنقصون، ويزيدون ؛ حتى لقد كان أصحاب طاهر يهدمون الدّار وينصرفون ؛ فيقلع أبوابها وسقوفها أصحاب محمد ، ويكونون أضرَّ على أصحابهم من أصحاب طاهر تعدياً ؛ فقال شاعر منهم - وذكر أنه عمروبن عبد الملك الورّاق العترىّ - فى ذلك : يزيدونَ فيما يَطلبونَ ونَنقُصُ لنا كلَّ يومٍ ثُلمةٌ لا نَسُدُّها ونحن لِأُخرى غيرِها نَتَربَّصُ إِذَا هَدموا دارًا أَخذنا ◌ُقوفَها وإِن حَرصوا يوماً على الشَّرِّ جُهْدَهُمْ فقد ضيَّقوا من أرضنا كلَّ واسعٍ يُثيرونَ بالطبلِ القنيصَ فإِن بدا لقد أَفسدوا شَرْقَ البلادِ وغَربَها إذا حضروا قالوا بما يعرفونه (١) وما قتلَ الأَبطالَ مثلُ مجرّبٍ ترى البطلَ المشهورَ فى كلّ بلدة ٨٨٨/٣ فغوغاؤنا منهمْ على الشرّ أَحْرَصُ وصار لهم أَهلٌ بها، وتَعرَّصوا لهم وجهُ صيدٍ من قريب تقنّصوا علينا فما ندرى إلى أين نشخُص! وإِن يَرَوْا شيئاً قبيحاً تَخَرَّصوا رسولِ المنايا ليلَهُ ينلصّصُ(٢) إِذا ما رأَى العريانَ يوماً يُبَصِصُ (١) المسعودى: ((يبصرونه)). (٢) ط: ((ليلة))، والوجه ما أثبته من ا. ٤٦٠ ٨٨٩/٣ إذا مارآه الشَّمَّرِىُّ مُقَزَّلاً (١) يبيعُك رأساً للصبىّ بِدِرهم. فكم قائلِ منا لِآخِرَ منهمُ تراه إِذا نادى الأَمانَ مبارزًا وقد رخَّصَت قُرّاوْنا فى قتالِهِمْ وقال أيضا فى ذلك : النَّاس فی الهدمِ وفی الانتقال بأَيُّها السائل عن شأنهمْ قد كان للرحمن تكبيرُهُمْ اطرحْ بعينيك إلى جمعهمْ لم يبق فى بغدادَ إِلَّ امرؤٌ لا أمّ تحمِى عن حماها ولا ليس له مالٌ سوى مِطْرَدٍ هانَ على الله فأَجْرَى على إِن صارَ ذا الأمر إلى واحدٍ ما بالنا نُقتَلُ من أَجْلِهِمْ وقال أيضًا : ٨٩٠/٣ سنة ١٩٧ على عقبَيهِ للمخافةِ يَنكصُ فإن قال إنى مُرْخِصُ فهو مرخِصُ بمقتله عنه الذُّنوبُ تُمحَّصُ ويَغمِزْنا طَورًا وطورًا يخصِّص وما قتل المقتولَ إِلَّ المرخّصُ قد عَرَّض النَّاسُ بقيلِ وقالْ عينك تكفيكَ مكان السَّوَالْ فاليوم تكبيرهمْ للقتالْ الرَّوْحَ وَعُدَّ الليالْ وانتظر حالَفَهُ الفقر كثيرُ العِيالْ خالٌ له يحمى ولاَ غيرُ خالْ مِطْردُهُ فى كفِّه رأس مالْ كفَّيه للشِّقوةِ قتلَ الرجالْ صارَ إلى القتلِ على كلّ حالْ سُبْحَانَكَ اللهمَ ياذَا الحلالْ ! تَرَجَّلَ مَن ترخِّل أَوْ أَقَامَا ولستُ بتاركِ بغدادَ يوماً إذا ما العيشُ ساعَدنا فَلَسْنَا نُبالى بعدُ مَنْ كان الإماما قال عمرو بن عبد الملك العترىّ: لما رأى طاهر أنهم لا يحفلون بالقتل والهدْم والحرْق أمر عند ذلك بمنع التّجار أن يجوزوا بشىء من الدقيق وغيره من (١) ا: ((إذا ما رآه الوغد يوماً برأسه)).