Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سنة ١٩٥
المسلمين نفعه، ويصل إلى عامتهم صلاحه وفضله . وعلم أمير المؤمنين أنّ
مكانك بالقُرْب منه أسدّ للثغور، وأصلح للجنود، وآكد (١) لافىء، وأردّ على
العامة من مقامك ببلاد خُراسان منقطعًا عن أهل بيتك ، متغيبًا عن
أمير المؤمنين وما يجب الاستمتاع به من رأيك وتدبيرك. وقد رأى أمير المؤمنين أن
يولّىَ موسى بن أمير المؤمنين فيما يقلده من خلافتك ما يحدث إليه من أمرك
ونهيك . فاقدم على أمير المؤمنين على بركة الله وعونه ، بأبسط أملٍ وأفسح رجاء
وأحمد عاقبة ، وأنفذ بصيرة ؛ فإنك أوْلى من استعان به أمير المؤمنين على
أموره، واحتمل عنه النَّصَب فيما فيه من صلاح أهل ملّته (٢) وذمته. والسلام.
ودفع الكتاب إلى العبّاس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علىّ،
وإلى عيسى بن جعفر بن أبى جعفر ، وإلى محمد بن عيسى بن نهيك ، وإلى
صالح صاحب المصلّى، وأمرهم أن يتوجهوا به إلى عبدالله المأمون، وألا يدعوا
وجهًا من اللين والرّفق إلا بلغوه، وسهلوا الأمر عليه فيه؛ وحمّل بعضهم
الأموالَ والألطاف والهدايا؛ وذلك فى سنة أربع وتسعين ومائة. فتوجهوا بكتابه،
فلما وصلوا إلى عبد اللّه ، أذن لهم ، فدفعوا إليه كتاب محمد ، وما كان بعث
به معهم من الأموال والألطاف والهدايا .
٨١٢/٣
ثم تكلم العباس بن موسى بن عيسى ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
أيها الأمير ؛ إن أخاك قد تحمّل من الخلافة ثقلاً عظيماً ، ومن النظر فى أمور
الناس عبئًاً جليلا، وقد صدقتْ نيّته فى الخير، فأعوزه الوزراء والأعوان
والكُفاة فى العدل ؛ وقليلٌ ما يأنس بأهل بيته ، وأنت أخوه وشقيقه ؛ وقد
فزع إليك فى أموره ، وأمّلك للموازرة والمكانفة؛ ولسنا نستبطئك فى برّه
اتّهامًا لنصرك له ، ولا نحضّك على طاعة تخوّفاً لخلافك عليه، وفى قدومك
عليه أنسٌ عظيم ، وصلاح لدولته وسلطانه ؛ فأجب أيّها الأمير دعوةَ أخيك
وآثرْ طاعَتَه ، وأعنه على ما استعانك عليه فى أمره ؛ فإن فى ذلك قضاءَ الحقّ،
وصلة الرّحِيمٍ، وصلاحَ الدولة، وعزّ الخلافة. عزم اللّه للأمير على الرشد
فى أموره ، وجعل له الخِيرة والصلاح فى عواقب رأيه .
(١) : ((وأدر)).
(٢) ط : ((بيته)).

٤٠٢
سنة ١٩٥
وتكَّم عيسى بن جعفر بن أبى جعفر، فقال: إنّ الإكثار على الأمير-
أيده الله فى القول خرقٌ، والاقتصاد فى تعريفه ما يجب من حقّ أمير المؤمنين
تقصير ؛ وقد غاب الأمير أكرمه الله عن أمير المؤمنين، ولم يستغنِ عن قربه،
ومَنْ شهد غيره من أهل بيته فلا يجد عنده غناءً، ولا يجد منه خلفاً ولا
عوضًا؛ والأمير أولى مَن برّ أخاه، وأطاع إمامه ؛ فليعمل الأمير فيما كتب به
إليه أميرُ المؤمنين، بما هو أرضى وأقربُ من موافقة أمير المؤمنين ومحبّته؛ فإنّ
القدوم عليه فضل وحظ عظيم ، والإبطاء عنه وكْفٌ فى الدّين ، وضرر ومكروه
على المسلمين .
٨١٣/٣
وتكلم محمد بن عيسى بن نَهِيك ، فقال : أيها الأمير ؛ إنا لا نزيدك
بالإكثار والتطويل فيما أنت عليه من المعرفة بحقّ أمير المؤمنين، ولا نَشحذ نيّتك
بالأساطير والخطب فيما يلزمُك من النّظر والعناية بأمور المسلمين . وقد أعوز
أميرَ المؤمنين الكفاة والنُّصحاء بحضرته ، وتناولك فزعًا إليك فى المعونة والتقوية له
على أمره، فإن تُجب أميرَ المؤمنين فيما دعاك فنعمة عظيمة تتلافى بها رعيَّنَّك
وأهل بيتك؛ وإن تقعد يغن اللّه أميرَ المؤمنين عنك؛ ولن يضعه ذلك مما هو عليه
من البرّ بك والاعتماد على طاعتك ونصيحتك .
وتكلم صاحب المصلى، فقال: أيّها الأمير؛ إن الخلافة ثقيلة والأعوان قليل ؛
ومَنْ يكيد هذه الدولة وينطوى على غشها والمعاندة لأوليائها من أهل الخلاف(١)
والمعصية كثير ، وأنت أخو أمير المؤمنين وشقيقُه ، وصلاح الأمور وفسادها
راجعٌ عليك وعليه ؛ إذ أنت ولىّ عهده ، والمشارك فى سلطانه وولايته ، وقد
تناولك أمير المؤمنين بكتابه ، ووثق بمعاونتك على ما استعانك عليه من أموره ،
وفى إجابتك إياه إلى القدوم عليه صلاحٌ عظيم فى الخلافة ، وأنس وسكون لأهل
الملحة والذمة. وفَّق اللّه الأميرَ فى أموره، وقضى له بالذى هو أحبّ إليه وأنفع له!
فحمد الله المأمون وأثنى عليه ، ثم قال: قدعرَّفتمونى من حق أمير المؤمنين
أكرمه الله ما لا أنكِره، ودعوتمونى من الموازرة والمعونة إلى ما أوثره ولا أدفعه؛
وأنا لطاعة أمير المؤمنين مقدم، وعلى المسارعة إلى ما سرّه ووافقه حريص، وفى
٨١٤/٣
(١) ط: ((الخلافة))، وما أثبته من ا.

٤٠٣
سنة ١٩٥
الروّية تبيانُ الرّأى ، وفى إعمال الرأى نصحُ الاعتزام ؛ والأمر الذى دعانى إليه
أمير المؤمنين أمرٌ لا أتأخر عنه تثبّطًا ومدافعةً، ولا أتقدم عليه اعتسافًا وعجلة،
وأنا فى ثَغْر من ثغور المسلمين كلبٌ عدوّه، شديدٌ شوكته، وإن أهملت
أمره لم آمن دخول الضرر والمكروه على الجنود والرعيّة، وان أقمت لم آمن فوت
ما أحبّ من معونة أمير المؤمنين وموازرته ، وإيثار طاعته ؛ فانصرفوا حتى أنظر
فى أمرى، ونصح الرأى فيما أعتزم عليه من مسيرى إن شاء الله. ثم أمر بإنزالهم
وإكرامهم والإحسان إليهم.
فذكر سفيان بن محمد أنّ المأمون لمّا قرأ الكتاب أسقط فى يده، وتعاظمه
ما ورد عليه منه ، ولم يَدْرِ ما يردُّ عليه ، فدعا الفضلَ بن سهل، فأقرأه
الكتاب ، وقال : ما عندك فى هذا الأمر ؟ قال : أرى أن تتمسَّك بموضعك ،
ولا تجعل عليك سبيلا ؛ وأنت تجد من ذلك بدًّا . قال : وكيف يمكننى
التمسّك بموضعى ومخالفة محمد ، وعُظْم القواد والجنود معه ، وأكثر الأموال
والخزائن قد صارت إليه ، مع ما قد فرّق فى أهل بغداد من صلاته وفوائده !
وإنما الناس مائلون مع الدّراهم ، منقادون لها ، لا ينظرون إذا وجدوها حفظَ
بيعة ، ولا يرغبون فى وفاء عهد ولا أمانة . فقال له الفضل : إذا وقعت التهمة
حقَّ الاحتراس ، وأنا لغدر محمد متخوّف ، ومن شَرَهه إلى ما فى يديك
مشفق ؛ ولأن تكون فى جندك وعزِّك مقيمًا بين ظهرانىْ أهل ولايتك أحْرَى ؛
فإن دهمك منه أمر جرّدت له وناجزته وكايدته ؛ فإمّا أعطاك الله الظَّفَر عليه
بوفائِك ونيَّتَك ، أو كانت الأخرى فمتّ محافظاً مكرّماً ، غير ملقٍ بيديك ،
ولا ممكن عدوّك من الاحتكام فى نفسك ودمك . قال : إن هذا الأمر لو كان
أتانى وأنا فى قوّة من أمرى، وصلاح من الأمور؛ كان خطبه يسيرًا ، والاحتيال
فى دفعه ممكنًا ؛ ولكنّه أتانى بعد إفساد خُراسان واضطراب عامرها وغامرها ،
ومفارقة جَبْغويه (٢) الطاعة، والتواء خاقان صاحب التبّت ، وتھيّؤ ملك كابل
للغارة على ما يليه من بلاد خُراسان، وامتناع ملك إبراز بنده بالضريبة التى كان
يؤديها ، وما لى بواحدة من هذه الأمور يدٌ ؛ وأنا أعلم أن محمداً لم يطلب قدومى
٨١٥/٣
(١) ط: ((علينا))، وما أنبته من ا.
(٢) ط: ((جيغوبة)).

٤٠٤
٨١٦/٣
سنة ١٩٥
إلا لشرّ يريده ، وما أرى إلا تخلية ما أنا فيه ، واللحاق بخاقان ملك الترك ،
والاستجارة به وببلاده، فبالحرَى أن آمن على نفسى، وأمتنع ممن أراد قَهْرِى
والغدر بى .
فقال له الفضل : أيها الأمير ؛ إنّ عاقبة الغدر شديدة ، وتَبِعة
الظلم والبغى غير مأمون شرّها، وربّ مستذَلّ قد عاد عزيزاً ، ومقهور قد
عاد قاهراً مستطيلاً ؛ وليس النصر بالقلة والكثرة، وحَرَجُ(١) الموت أيسرمن
حرج الذلّ والضيم ؛ وما أرى أن تفارق ما أنت فيه وتصير إلى طاعة محمد
متجرّداً من قوّادك وجندك كالرأس المختزل عن بدنه ، يُجرى عليك حكمه،
فتدخل فى جملة أهل مملكته من غير أن تبلى عذراً فى جهاد ولاقتال ؛ ولكن
اكتب إلى جبغويه وخاقان، فولِّهما بلادهما ، وعدْهما التقوية لهما فى محاربة
الملوك، وابعْث إلى ملك كابل بعضَ هدايا خُراسان وطُرَفها ، وسلْه الموادعة
تجده على ذلك حريصًا ، وسلّم الملك إبرازبنده ضريبته فى هذه السنة ،
وصيّرها صِلةً منك وصلتّه بها، ثم اجمع إليك أطرافك، واضمُ إليك مز
شذّ من جندك ، ثم اضرب الخيل بالخيل، والرجال بالرجال؛ فإن ظفرت
وإلا كنت على ما تريد من اللحاق بخاقان قادراً . فعرف عبدُ اللّه صدق
ما قال ، فقال : أعمل فى هذا الأمر وغيره من أمورى بما ترى، وأنفذ الكتب إلى
أولئك العصاة ، فرضوا وأذعنوا؛ وكتب إلى مَنْ كان شاذًّا عن مَرْو من
القواد والجنود ، فأقدمهم عليه ، و کتب إلى طاهر بن الحسين وهو يومئذ عامل
عبد الله على الرّىّ، فأمره أن يضبط ناحيته ، وأن يجمع إليه أطرافه؛ ويكون
على حذَرٍ وعدّة من جيش إن طرقه ، أوعدوًّ إن هجم عليه . واستعدّ للعرب ،
وتهيأ لدفع محمد عن بلاد خراسان .
ويقال : إن عبد الله بعث إلى الفضل بن سهل فاستشاره فى أمر محمد ،
فقال : أيها الأمير، أنظرنى فى يومى هذا أغدُ عليك برأى؛ فبات يدبّر الرأى
ليلتَه؛ فلما أصبح غدا عليه ، فأعلمه أنه نظر فى النّجوم فرأى أنه سيغلبه ،
وأنّ العاقبة له. فأقام عبد الله بموضعه، ووطن نفسه على محاربة محمد ومناجزته.
(١) أ: ((جرح)).

٤٠٥
سنة ١٩٥
فلمّا فرغ عبد اللّه مما أراد إحكامته من أمر خراسان ، كتب إلى محمد :
لعبد الله محمد أمير المؤمنين من عبد الله بن هارون؛ أما بعد ؛
فقد وصل إلىّ كتاب أمير المؤمنين ؛ وإنما أنا عامل من عمّالِه وعون
من أعوانه ، أمرنى الرّشيد صلوات الله عليه بلزوم هذا الثَّغْر، ومكايدة
من كايد أهله من عدوّ أمير المؤمنين ؛ ولعمرى إن مقامى به ، أردّ على
أمير المؤمنين وأعظم غناءً عن المسلمين من الشخوص إلى أمير المؤمنين، وإن كنتُ
مغتبطًا بقربه، مسروراً بمشاهدة نعمة الله عنده؛ فإن رأى أن يقرّنى على عملى،
ويعفيَنى من الشخوص إليه، فعل إن شاء الله. والسلام.
٨١٧/٣
ثم دعا العباس بن موسى وعيسى بن جعفر ومحمداً وصالحًا ؛ فدفع الکتاب
إليهم، وأحسن إليهم فى جوائزهم، وحمل إلى محمد ما تهيأ له من ألطاف
خراسان ، وسألهم أن يحسّنوا أمره عنده، وأن يقوموا بعذره .
قال سفيان بن محمد: لما قرأ محمد كتاب عبد اللّه(١)، عرف أنّ المأمون
لا يتابعه على القدوم عليه ، فوجّه عصمة بن حماد بن سالم صاحب حَرَسه،
وأمره أن يقيم مسلحةً فيما بين هَمَذان والرّىّ، وأن يمنع التجار من حتَمْل
شىء إلى خراسان من المِيرة، وأن يفتِّش المارّة ، فلا يكون معهم كتب بأخباره
وما يريد؛ وذلك سنة أربع وتسعين ومائة . ثم عزم على محاربته ، فدعا علىّ
ابن عيسى بن ماهان ، فعقد له على خمسين ألف فارس ورجل من أهل
بغداد ، ودفع إليه دفاتر الجند ، وأمره أن ينتقىَ ويتخيّر من أراد على عينه ،
ويخصّ من أحبّ ويرفع من أراد إلى الثمانين (٢)، وأمكنه من السلاح وبيوت
الأموال ، ثم وُجِّهوا إلى المأمون.
فذكر يزيد بن الحارث، قال : لما أراد علىّ الشخوص إلى خُراسان ركب
إلى باب أم جعفر، فودّعها، فقالت: يا علىّ، إنّ أمير المؤمنين وإن كان
ولدى ؛ إليه تناهت شفقتى ، وعليه تكامل حذرِى؛ فإنى على عبد الله
منعطفة مشفقة، لما يحدُث عليه من مكروه وأذَى؛ وإنما ابنى ملك نافس أخاه فى
(١) !: ((المأمون)).
(٢) !: ((المئين)).
٨١٨/٣

٤٠٦
سنة ١٩٥
سلطانه ، وغاره على ما فى يده ؛ والكريم يأكل لحمه ويمنعه (١) غيره ؛ فاعرف
لعبد الله حقَّ والده وأخوته ، ولا تجبِّهه بالكلام، فإنك لست نظيره، ولا تقتسره
اقتسار العبيد، ولا ترهقه(٢) بقيْد ولا غُلّ، ولا تمنع منه جارية ولا خادمًا،
ولا تعنِّف عليه فى السير، ولا تساوه فى المسير؛ ولا تركب قَبْله، ولا تستقل
على دابتك حتى تأخذ بركابه ، وإن شتمك فاحتمل منه ، وإن سّفه عليك
فلا ترادّه. ثم دفعتْ إليه قيْداً من فضة ، وقالت : إن صارفى يدك فقيّده
بهذا القيد . فقال لها : سأقبل أمرَكِ ، وأعمل فى ذلك بطاعتك .
وأظهر محمد خلع المأمون، وبايع لابنيه- فى جميع الآفاق إلا خُراسان -
موسى وعبد اللّه؛ وأعطى عند بيعتهما بنى هاشم والقوّاد والجند الأموال والجوائز،
وسّى موسى النّاطق بالحق، وسمّى عبد اللّه القائم بالحقّ. ثم خرج علىّ بن
عيسى لسبع ليال خلون من شعبان سنة خمس وتسعين ومائة من بغدادحتى
عسكر بالنّهروان، وخرج معه يشيّعه محمد، وركب القوّاد والجنود ، وحُشرت
الأسواق ، وأشخص معه الصّناع والفعلة؛ فيقال: إنّ عسكره كان فرسخًا
بفسطاطيه وأهْبَته وأثقاله ، فذكر بعضُ أهل بغداد أنهم لم يرْوا عسكراً كان
أكثرَ رجالاً، وأفرَه كُراعًا، وأظهر سلاحًا، وأتمّ عُدّة ، وأكمل هيئة ؛
من عسكره .
وذكر عمرو بن سعيد أن محمداً لما جازباب خُراسان نزل على فترجَّل، وأقبل
يُوصيه ، فقال : امنع جندَك من العبث بالرعيّة والغارة على أهل القُرى وقتَطْع
الشجر وانتهاك النساء ؛ وولّ الرىّ يحيى بن علىّ، واضمم إليه جنداً كثيفًا ،
ومرْه ليدفع إلى جنده أرزاقتَهم مما يجبى من خراجها؛ وولّ كل كورة ترَحلُ
عنها رجلاً من أصحابك ، ومَنْ خرج إليك من جند أهل خُراسان ووجوهها
فأظهر إ کرامه وأحسن جائزته ، ولا تعاقب أخًا بأخيه ، وضع عن أهل خراسان
رُبْع الخراج، ولا تؤمّن أحداً رماك بسهم ، أو طعن فى أصحابك برُمح ؛
ولا تأذن لعبد الله فى المُقام أكثر من ثلاثة من اليوم الذى تظهر فيه عليه ؛
فإذا أشخصتَّه فليكن مع أوثقِ أصحابك عندك ؛ فإن غرّه الشيطان فناصَيك
٨١٩/٣
(١) ط: ((يمينه))، وما أثبته من ا.
(٢) ط: ((ترهنه)).

٤٠٧
سنة ١٩٥
فاحرص على أن تأسره أسرًا ، وإن هرب منك إلى بعض كُور خراسان ،
فتول" إليه المسير بنفسك. أفهِمْت كل ما أوصيك به ؟ قال : نعم، أصلح
الله أمير المؤمنين! قال : سِرْ على بركة الله وعونه !
وذُكر أنّ منجّمتَه أتاه فقال: أصلح اللّه الأمير! لو انتظرت بمسيرك
صلاح القَمر ؛ فإنّ النحوس عليه عالية ، والسعود عنه ساقطة منصرفة !
فقال لغلام له : يا سعيد ؛ قل لصاحب المقدّمة يضرب بطبله ويقدّم علمه ؛
فإنا لا ندرى ما فساد القمر من صلاحه ؛ غير أنه مَنْ نازلنا نازلناه ، ومن
وادَعنا واد عناه وكَفَفْنا عنه ؛ ومَنْ حاربنا وقاتلنا لم يكن لنا إلّ إِرْواء(١)
السيف من دمه . إنا لا نعتدّ بفساد القمر ؛ فإنا وطنًا أنفسنا على صِدْق اللقاء
ومناجزة الأعداء .
*
قال أبو جعفر : وذكر بعضُهم أنه قال : كنتُ فيمن خرج فى عسکر
علىّ بن عيسى بن ماهان ؛ فلما جاز حُلوان لقيَتْه القوافل من خُراسان ؛
فكان يسألها عن الأخبار، يستطلع عِلْم أهل خُراسان؛ فيقال له: إنّ طاهرًا
مقيم بالرّىّ يعرض أصحابه ، ويرمّ آلته ، فيضحك ثم يقول : وما طاهر !
فوالله ما هو إلا شوْكة من أغصانى، أو شرارة من نارى؛ وما مِثْل طاهر يتولّى
على الجيوش، ويلقى الحروب ؛ ثم التفت إلى أصحابه فقال: والله ما بينكم
وبين أن ينقصف انقصاف الشّجر من الريح العاصف؛ إلاّ أن يبلغه عبورنا
عَقَبَة هَمَذان ، فإنّ السّخال لا تقوى على النطاح، والثعالب لا صبر لها
على لقاء الأسْد؛ فإن يُقِمْ طاهر بموضعه يكنْ أول معرَّض لظباة السيوف
وأسنّة الرماح .
٨٢٠/٣
وذكر يزيد بن الحارث أن علىّ بن عيسى لما صار إلى عَقَة همذان
استقبل قافلة قدمتْ من خُراسان ، فسألهم عن الخبر ، فقالوا : إن طاهرًا
مقيم بالرىّ ، وقد استعدّ للقتال، واتَّخذ آلة الحرب ، وإن المدد يترى
عليه من خُراسان وما يليها من الكُور ؛ وإنه فى كلّ يوم يعظم أمرُه، ويكثر
(١) ط: ((أروى))، وما أثبته من ا.

٤٠٨
٨٢١/٣
سنة ١٩٥
أصحابه ؛ وإنهم یروْن أنه صاحب جيش خراسان . قال علىّ : فهل شخص
من أهل خراسان أحدٌ يعتدّ به؟ قالوا: لا؛ غير أن الأمور بها مضطربة، والناس
رَعِبون، فأمر بطىّ المنازل والمسير، وقال لأصحابه: إنّ نهاية القوم الرّىّ،
فلو قد صيّرْناها خلف ظهورنا فَتّ ذلك فى أعضادهم ، وانتشر نظامهم ،
وتفرّقت جماعتهم . ثم أنفذ الكتب إلى ملوك الديلم وجبال طبر ستان وما والاها
من الملوك، يَعِدُهم الصِّلات والجوائز. وأهدى إليهم التِّيجان والأسورة والسيوف
المحلاة بالذهب ، وأمرهم أن يقطعوا طريق خراسان ، ويمنعوا مَن أراد الوصول
إلى طاهر من المدد ؛ فأجابوه إلى ذلك ، وسار حتى صار فى أول بلاد الرّىّ ،
وأتاه صاحب مقدّمّته ، فقال: لو كنتَ - أبقى اللّه الأمير - أذكيت العيون،
وبعثت الطلائع ، وارتدْتَ موضعًا تعسكر فيه ، وتتخذ خندقًا لأصحابك
يأمنون به؛ كان ذلك أبلغ فى الرأى، وآنس للجند. قال : لا؛ ليس مثل(١)
طاهر يُستعدّ له بالمكايد والتحفظ؛ إن حال طاهر تؤول إلى أحد أمرين :
إما أن يتحصّن بالرّىّ فيبيته أهلها فيكفوننا مؤنته ، أو يخليها ويدبر راجعًا
لو قربت خيولنا وعساكرنا منه. وأتاه يحيى بن علىّ، فقال: اجمع متفرّقَ
العسكر، واحذر على جندك البيات، ولا تسرّح الخيل إلاّ ومعها كنْف (٢) من
القوم ؛ فإنّ العساكر لا تساس بالتّوانى ، والحروب لا تُدبّر بالاغترار؛
والثقة أن تحترز، ولا تقلْ: إن المحارب لى طاهر؛ فالشرارة الخفيّة ربما صارت
ضُرامًا ، والثلمة من السيل ربما اغتُرّ بها وتُهُوّن فصارت بحراً عظيمًا؛ وقد
قربت عساكرنا من طاهر ؛ فلو كان رأيهُ الهرب لم يتأخر إلى يومه هذا. قال:
اسكت ؛ فإن طاهراً ليس فى هذا الموضع الذى تَرَى؛ وإنما تتحفّظ الرجال
إذا لقيتْ أقرانها، وتستعدّ إذا كان المناوئ لها أكفاءها [ونظراءها](٣).
وذكر عبد الله بن مجالد، قال : أقبَل علىّ بن عيسى حتى نزل من الرّىّ
على عشرة فراسخ ، وبها طاهر قد سدّ أبوابها ، ووضع المسالح على طُرُقها ،
واستعدّ لمحاربته؛ فشاور طاهرٌ أصحابه، فأشاروا عليه أن يقيمَ بمدينة الرىّ،
ويدافع القتال ما قَدَر عليه إلى أن يأتيه من خُراسان المدد من الخيل ، وقائد
(١) ١: ((لمثل)).
(٣) من ا.
(٢) كنف ، أى حشد .

٤٠٩
سنة ١٩٥
٨٢٢/٣
يتولى الأمر دونه ، وقالوا : إن مقامك بمدينة الرّىّ أرفقُ بأصحابك ، وأقدر لهم
على المِيرة، وأكنّ من البَرْد، وأحْرَى إن دَهَمك قتال أن يعتصموا بالبيوت،
وتقوى على المماطلة والمطاولة ؛ إلى أن يأتيَك مدد ، أو ترِدَ عليك قُوّة من
خلفك . فقال طاهر : إنّ الرأى ليس ما رأيتم؛ إنّ أهل الرىّ لعلىّ هائبون،
ومن معرّته وسطوته متّقون ؛ ومعه مَنْ قد بلغكم من أعراب البوادى وصعاليك
الجبال ولفيف القرى ؛ ولست آمن إن هجم علينا مدينة الرّىّ أن يدعوَ
أهلتها خوفُهم إلى الوثوب بنا ، ويعينوه على قتالنا ؛ مع أنه لم يكن قوم قها.
روعبوا فى ديارهم (١)، وتورّد عليهم عسكرهم إلا وهنوا وذلوا ، وذهب عزهم ،
واجتراً عليهم عدوّهم. وما الرأى إلاّ أن نصير مدينة الرّىّ قتَفا(٢) ظهورنا ؛ فإن
أعطانا الله الظَّفَر، وإلا عوّلنا عليها فقاتلنا فى سككها ، وتحصنًا فى منعتها
إلى أن يأتينا مدد أو قوة من خراسان . قالوا : الرأى ما رأيتَ . فنادى طاهر
فى أصحابه فخرجوا . فعسكروا على خمسة فراسخ من الرّىّ بقرية يقال لها
كلواص (٣)؛ وأتاه محمد بن العلاء فقال: أيها الأمير؛ إن جندك قد هابوا هذا
الجيش ، وامتلأتْ قلوبهم خوفًا ورُعبًا منه ، فلو أقمتَ بمكانك ، ودافعت
القتال إلى أن يشامتهم أصحابك ، ويأنسوا بهم، ويعرفوا وجه المأخذ فى قتالهم!
فقال : لا ؛ إنى لا أوتى من قلّة تجربة وحَزْم؛ إنّ أصحابى قليل ، والقوم
عظيم سوادُهم كثير عددهم ، فإن دافعتُ القتالَ، وأَخّرْتُ المناجزة لم آمن
أن يطلعوا على قلّتنا وعورتنا؛ وأن يستميلوا مَن معى برغبة أو رَهْبة، فينفر
عنى أكثر أصحابى ، ويخذلنى أهلُ الحفاظ والصبر ، ولكن ألفّ الرجال
بالرجال، وألحِم الخيل بالخيل، وأعتمد على الطاعة والوفاء ، وأصبر صبر محتسب
للخير ، حريص على الفوز بفضل الشهادة ؛ فإن يرزق اللّه الظّفَر والفلج
فذلك الذى نريد ونرجو؛ وإن تكن الأخرى؛ فلست بأول مَنْ قاتل فقتِل ،
وما عند الله أجزل وأفضل .
٨٢٣/٣
وقال علىّ لأصحابه : بادروا القوم ؛ فإنّ عددهم قليل ، ولو زحفتم
إليهم لم يكن لهم صبر على حرارة السيوف وطعن الرماح . وعبّأ جندَه ميمنة
(١) ا: ((زوحموا على ديارهم)). (٢) ا: ((وراء)). (٣) ١: ((كلوص)).

٤١٠
سنة ١٩٥
وميسرة وقلبًا؛ وصيّر عشر رايات ؛ فى كلّ راية ألف رجل ، وقدم الرّاياتِ
رايةٌ رايةً، فصيّر بين كلّ راية وراية غَدْوة، وأمر أمراءها: إذا قاتلت الأولى
فصبرت وحمت وطال بها القتال أن تُقدَّم التى تليها وتؤخّر التى قاتلت
حتى ترجع إليها أنفسُها ، وتستريح وتنشط للمحاربة والمعاودة . وصيّر أصحابَ
الدروع والجواشن والحوذ أمام الرايات ، ووقف فى القلب فى أصحابه من
أهل البأس والحفاظ والنجدة منهم .
وكتَّب طاهر بن الحسين كتائبَه وكردَس كراديسه ، وسوّى صفوفه ،
وجعل يمرّ بقائد قائد، وجماعة جماعة ؛ فيقول: يا أولياء اللّه وأهل الوفاء
والشكر ؛ إنكم لستم كهؤلاء الذين تروْن من أهل النكْث والغدر؛ إن هؤلاء
ضيّعوا ما حفظتم وصغّروا ماعظّمتم، ونكثوا الأيمان التى رعيتم؛ وإنما يطلبون
الباطل ويقاتلون على الغدر والجهل ؛ أصحاب سلب ونهب ؛ فلو قد غضضتم
الأبصار، وأثبتّم الأقدام ! قد أنجز الله وعده، وفتح عليكم أبواب عزه
ونصره ؛ فجالدوا طواغيت الفتنة ويعاسيب النَّارعن دينكم ، ودافعوا بحقكم
باطلهم ؛ فإنما هى ساعة واحدة حتى يحكم الله بينكم وهو خير الحاكمين .
وقلق قلقًا شديداً ، وأقبل يقول : يا أهل الوفاء والصدق ؛ الصبرَ الصبر
الحفاظَ الحفاظ! وتزاحف الناس بعضهم إلى بعض، ووثب (١) أهل الرىّ،
فغلّقوا أبواب المدينة ، ونادى طاهر: يا أولياء الله، اشتغلوا بمن أمامكم عمّن
خلفكم ؛ فإنه لا ينجيكم إلاّ الجدّ والصدق. وتلاحموا واقتتلوا قتالا شديداً،
وصبر الفريقان جميعًا ، وعلتْ ميمنة علىّ على ميسرة طاهر ففضّتها فضًّا
منكراً، وميسرتُه على ميمنته فأزالتها عن موضعها . وقال طاهر : اجعلوا
بأسكم وجدّكم على كراديس القلب؛ فإنكم لو فضضتم منها رايةً واحدة
رجعت أوائلُها على أواخرها . فصبر أصحابه صبراً صادقاً، ثم حملوا على أوائل
رايات القلب فهزموهم ؛ وأكثروا فيهم القتل ؛ ورجعت الرّايات بعضها على
بعض ، وانتقضت ميمنة علىّ . ورأى أصحابُ ميمنة طاهر ومیسرته ما عمل
أصحابه ، فرجعوا على من كان فى وجوههم ، فهزموهم، وانتهت الهزيمة إلى على
(١) كذا فى ا، وفى ط ((وتزاحف)).
٨٢٤/٣

٤١١
سنة ١٩٥
فجعل ينادى أصحابه : أينَ أصحاب الأسورة والأكاليل! يا معشرَ الأبناء ،
إلىّ الكرّة بعد الفرّة؛ معاودة(١) الحرب من الصبر فيها. ورماه رجلٌ من أصحاب
طاهر بسهم فقتّله ، ووضعوا فيهم السيوف يقتلونهم ويأسرونهم ؛ حتى حال
الليل بينهم وبين الطلب، وغنموا غنيمة كثيرة ؛ ونادى طاهر فى أصحاب علىّ:
من وضع سلاحه فهو آمن ، فطرحوا أسلحتهم ، ونزلوا عن دوابهم ، ورجع
طاهر إلى مدينة الرّىّ ، وبعث بالأسرى والرءوس إلى المأمون .
٨٢٥/٣
وذكر أن عبد الله بن علىّ بن عيسى طرَح نفسه فى ذلك اليوم بين
القتلى ؛ وقد كانت به جراحات كثيرة، فلم يزل بين القتلى متشبّهاً بهم يومه
وليلَتّه؛ حتى أمن الطلب، ثم قام فانضمّ إلى جماعة من فتَلّ العسكر، ومضى
إلى بغداد ، وكان من أكابر ولده .
وذكر سفيان بن محمد أنّ عليًّا لمّا توجه إلى خراسان بعث المأمون إلى
من كان معه من القوّاد يعرض عليهم قتاله رجلا رجلا؛ فكلّهم يصرح
بالهيبة ، ويعتلّ بالعلل ، ليجدوا إلى الإعفاء من لقائه ومحاربته سبيلا .
وذكر بعض أهل خراسان أنّ المأمون لما أتاه كتاب طاهر، بخبر على
وما أوقع الله به، قعد للناس؛ فكانوا يدخلون فيهنّئونه ويدعون له بالعزّ والنصر.
وإنه فىذلك اليوم أعلن خلع محمد، ودعیی له بالخلافةفى جميع گُور خراسان
وما يليها، وسُرّ أهل خراسان، وخطب بها الخطباء، وأنشدت الشعراء، وفى ذلك
يقول شاعر من أهل خراسان (٢):
من أمرٍ دنياها ومن دِينِها
أَصبحتِ الأُمّة فى غِبْطَةٍ.
خيرٍ بنى حوَّاءَ مأمونِها
إِذ حفظتْ عهدَ إِمامِ الهدى
تخلَّصَتْ من سُوءٍ تحيينِها
على شَفاً كانت فلمًا وَفَتْ
فى وُلْدِهِ كتْبُ دَواوينِها
قامتْ بحق الله إِذ زُبِرَتْ
وفقها اللهُ لِتَزيينها !
أَلا تراها كيف بعدَ الرَّدی
وهى أبيات كثيرة .
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((معاونة)).
(٢) كذا فى ا، وفى ط: ((يقول الشاعر)).

٤١٢
٨٢٦/٣
سنة ١٩٥
وذكر علىّ بن صالح الحربىّ أن علىّ بن عيسى لما قُتل، أرجف الناس
ببغداد إرجافاً شديداً ، وندم محمد على ما كان من نَكْئه وغدره ، ومشى
القوّاد بعضهم إلى بعض، وذلك يوم الخميس للنصف من شوال سنة خمس
وتسعين ومائة، فقالوا: إن عليًّا قد قتل، ولسنا نشكّ أن محمداً يحتاج إلى الرجال
واصطناع أصحاب الصنائع ؛ وإنما يحرّك الرجال أنفسها ، ويرفعها بأسُها
وإقدامُها ؛ فليأمر كلّ رجل منكم جنده بالشّغْب وطلب الأرزاق والجوائز؛
فلعلّنا أن نصيب منه فى هذه الحالة ما يصلحنا ، ويصلح جندنا . فاتفق على
ذلك رأيهُم وأصبحوا، فتوافَوْا إلى باب الجسْروكبّوا، فطلبوا الأرزاق
والجوائز. وبلغ الخبر عبد الله بن خازم، فركب إليهم فى أصحابه وفى جماعة غيره
من قُوّاد الأعراب، فترامَوْا بالنُّشاب والحجارة، واقتتلوا قتالا شديداً، وسمع
محمد التكبير والضحيج ؛ فأرسل بعض مواليه أن يأتيه بالخبر ، فرجع إليه
فأعلمه أنّ الجند قد اجتمعوا وشغبوا لطلب أرزاقهم . قال : فهل يطلبون
شيئًا غير الأرزاق ؟ قال : لا، قال : ما أهونَ ما طلبوا! اوجع إلى عبد الله
ابن خازم فمرْه فلينصرف عنهم ؛ ثم أمر لهم بأرزاق أربعة أشهر ، ورفع
مَنْ كان دون الثمانين إلى الثمانين، وأمر للقوّاد والخواص بالصّلات والجوائز.
[ توجيه الأمين عبد الرحمن بن جبلة لحرب طاهر]
وفى هذه السنة وجّه محمد المخلوع عبد الرحمن بن جبلة الأبناوىّ إلى همذان
لحرب طاهر .
* ذكر الخبر عن ذلك :
٨٢٧/٣
ذكر عبد الله بن صالح أنّ محمداً لما انتهى إليه قتلُ علىّ بن عيسى بن
ماهان، واستباحة طاهر عسكره، وجّه عبد الرحمن الأبناوى فى عشرين ألف
رجل من الأبناء، وحمل معه الأموال ، وقوّاه بالسلاح والخيل ، وأجازه بجوائز ،
وولاه حُلوان إلى ما غلب عليه من أرض خُراسان، وندب معه فرسان الأبناء
وأهل البأس والنَّجدة والغناء منهم ، وأمره بالإكماش فى السّير، وتقليل اللُّبث

٤١٣
سنة ١٩٥
والتضجع(١)؛ حتى ينزل مدينة همذان، فيسبق طاهراً إليها، ويخندقعليهوعلى
أصحابه، ويجمع إليه آلة الحرب، ويغادى طاهراً وأصحابه إلى القتال. وبسط
يده وأنفذ أمره فى كلّ ما يريد العمل به، وتقدّم إليه فى التحفّظ والاختراس،
وترك ما عمل به علىّ من الاغترار والتضجّع، فتوجّه عبد الرحمن حتى نزل
مدينة هَمَذان، فضبط طرقها ، وحصّن سورها وأبوابها ، وسدّ ثَلْمها،
وحشر إليها الأسواق والصّناع، وجمع فيها الآلات والميَر ، واستعدّ للقاء
طاهر ومحاربته . وكان يحيى بن علىّ لما قُتل أبوه هرب فى جماعة من أصحابه ،
فأقام بين الرىّ وهمذان؛ فكان لا يمرّ به أحدٌ من فَلّ أبيه إلا احتبسه ؟
وكان يرى أن محمداً سيوليه مكان أبيه، ويوجّه إليه الخيل والرجال؛ فأراد أن
يجمع الفعل إلى أن يوافيه القوة والمدد؛ وكتب إلى محمد يستمدّه ويستنجده؛
فكتب إليه محمد يعلمه توجيه عبد الرحمن الأبناوىّ ، ويأمره بالمقام موضعه ؛
وتلقّى طاهر فيمن معه ؛ وإن احتاج إلى قوة ورجال كتب إلى عبد الرحمن
فقوّاه وأعانه .
فلما بلغ طاهراً الخبرُ توجّه نحو عبد الرحمن وأصحابه، فلما قرُب من
يحيى، قال يحيى لأصحابه: إن طاهراً قدقرُب منّاومعه مَنْ تعرفون من رجال خُراسان
وفرسانها ، وهو صاحبكم بالأمس ، ولا آمن إن لقيتُه بمن معى من هذا الفَل
أن يصدّعنا صدعًا يدخل وهَنُه على من خَلْفْنا، وأن يعتلّ عبد الرحمن
بذلك ، ويقلّدنى به العار والوَهَن والعجز عند أمير المؤمنين ، وأن أستنجد به
وأقمت على انتظار مدده ؛ لم آمن أن يمسك عنا ضنًّا برجاله وإبقاءً عليهم ،
وشُحبًّا بهم على القتل ؛ ولكن نتزاحف إلى مدينة همذان فنعسكر قريبًا من
عبد الرحمن ؛ فإن استعنّاً به قرب منَّاًعونُه؛ وإن احتاج إلينا أعنَّاه وكنّا بفنائه،
وقاتلنا معه . قالوا: الرأى ما رأيتَ؛ فانصرف يحيى، فلمّا قرب من مدينةهمذان
خذله أصحابُه، وتفرق أكثر مَنْ كان اجتمع إليه ، وقصد طاهرٌ لمدينة
همذان ؛ فأشرف عليها ، ونادى عبد الرحمن فى أصحابه ، فخرج على تعبية ،
فصادف(٢) طاهراً، فاقتتلوا قتالا شديداً، وصبر الفريقان جميعًا، وكثر القتلى
٨٢٨/٣
(١) التضجع: القعود فى الأمر.
(٢) ط: ((فصاف))، وما أثبته من !.

٤١٤
٨٢٩/٣
سنة ١٩٥
والجرحى فيهم . ثم إنّ عبد الرحمن انهزم ، فدخل مدينة همذان ، فأقام
بها أيامًا حتى قوىَ أصحابُه ، واندمل جرحاهم، ثم أمر بالاستعداد، وزحف
إلى طاهر ؛ فلمّا رأى طاهر أعلامه وأوائل أصحابه قد طلعوا ، قال لأصحابه :
إنّ عبد الرحمن يريد أن يتراءى(١) لكم ؛ فإذا قربتم منه قاتلكم ؛ فإن هزمتموه
بادر إلى المدينة فدخلها ، وقاتلكم على خندقها ، وامتنع بأبوابها وسورها ؛ وإن
هزمكم اتّسع لهم المجال عليكم، وأمكنتْه سعة المعترك من قتالكم، وقتل(٢) من انهزم،
وولى منكم؛ ولكن قفُوا من خندقنا وعسكرنا قريبًا؛ فإن تقارب منا قاتلناه ؛
وإن بعُد من خندقهم قَرُبنا منه. فوقف طاهر مكانه ، وظنّ عبد الرحمن
أنّ الهيبة بطّأت به من لقائه والنهود إليه، فبادر قتاله فاقتتلوا قتالا شديداً ،
وصبر طاهر، وأكثر القتل فى أصحاب عبد الرحمن، وجعل عبد الرحمن يقول
لأصحابه : يا معشر الأبناء، يا أبناء الملوك وألفاف السيوف؛ إنهم العجم (٣)،
وليسوا بأصحاب مطاولة ولا صبر؛ فاصبروا لهم فداكم أبى وأمى ! وجعل يمرّ
على راية راية ، فيقول: اصبروا ؛ إنما صبرنا ساعة، هذا أول الصّبر والظََّر.
وقاتل بیدیه قتالا شديداً، وحمل حملات منکرة ما منها حملة إلا وهو يكثر
فى أصحاب طاهر القتل؛ فلا يزول أحدٌ ولا يتزحزح. ثم إنّ رجلا من
أصحاب طاهر حمل على أصحاب علم عبد الرحمن فقتله ، وزحمهم
أصحاب طاهر زحمةً شديدة ، فولَّوْهم أكتافهم ، فوضعوا فيهم السيوف ،
فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهوا بهم إلى باب مدينة همذان ؛ فأقام طاهر على
باب المدينة محاصراً لهم وله ؛ فكان عبد الرحمن يخرج فى كلّ يوم فيقاتل
على أبواب المدينة ، ويرمى أصحابه بالحجارة من فوق السور ، واشتدّ بهم
الحصار ، وتأذّى بهم أهلُ المدينة ، وتبرّموا بالقتال والحرب ، وقطع طاهرٌ
عنهم المادّة من كلّ وجه . فلما رأى عبد الرحمن ، ورأى أصحابه قد
هلكوا وجَهدوا، وتخوّف أن يثب به أهلُ همذان أرسل إلى طاهر فسأله
(١) ط: ((يترايا)).
(٢) !: ((وقتال)).
(٣) ط: (((عجم))، وما أثبته من ا.

,
٤١٥
سنة ١٩٥
الأمان له ولمن معه ؛ فآمنه طاهر ووفى له ، واعتزل عبد الرحمن فيمن كان
استأمن معه من أصحابه وأصحاب يحيى بن علىّ .
[ تسمية طاهر بن الحسين ذا اليمينين]
وفى هذه السنة سُمّىَّ طاهر بن الحسين ذا اليمينين .
ذكر الخبر عن ذلك :
قد مضى الخبرُ عن السبب الذى من أجله ◌ُِّىَ بذلك، ونذكرُ الذى
سماه بذلك .
٨٣٠/٣
ذُكر أن طاهراً لما هزم جيش علىّ بن عيسى بن ماهان، وقتل علىّ بن
عيسى ، كتب إلى الفضل بن سهل : أطال الله بقاءك، وكبَت أعداءك ،
وجعل مَن يشنؤك فداك! كتبتُ إليك ورأس علىّ بن عيسى فى حجْرى ،
وخاتمته فى يدى، والحمد لله ربّ العالمين . فنهض الفضل، فسلّ على المأمون
بأمير المؤمنين ؛ فأمدّ المأمون طاهر بن الحسين بالرجال والقوّاد ، وسمّاه ذا
اليمينين ، وصاحب حبل الدين ، ورفع من كان معه فى دون الثمانين إلى الثمانين .
[ ظهور السفيانيّ بالشام ]
وفى هذه السنة ظهر بالشأم السفيانيّ على بن عبد الله بن خالد بن یزید بن
معاوية ، فدعا إلى نفسه ؛ وذلك فى ذى الحجة منها ، فطرد عنها سليمان بن
أبى جعفر بعد حصره إياه بدمشق- وكان عامل محمد عليها - فلم يفلت منه
إلا بعد اليأس، فوجّه إليه محمد المخلوع الحسين بن علىّ بن عيسى بن ماهان،
فلم ينفذ إليه ؛ ولكنه لما صار إلى الرّقة أقام بها .
[ طرد طاهر عمال الأمين عن قزوين وكور الجبال]
وفى هذه السنة طرد طاهر عمّال محمد عن قزوين وسائر كور الجبال .
ذكر الخبر عن سبب لك :
#
ذكر علىّ بن عبد الله بن صالح أنّ طاهرًا لما توجّه إلى عبد الرحمن

٤١٦
سنة ١٩٥
الأبناوىّ بهمذان، تخوّف أن يثب به كثير بن قادرة - وهو بقزوین عامل من
عمال محمد - فى جيش كثيف إن هو خلفه وراء ظهره ؛ فلمّا قرب طاهر
من هَمَذان أمر أصحابه بالنزول فتزاوا . ثم ركب فى ألف فارس وألف،
راجل ، ثم قصد قصْدَ كثير بن قادرة ، فلمّا قرب منه هرب كثير وأصحابه ،
وأخْلَى قزوين ، وجعل طاهر فيها جنداً كثيفًا ، وولا ها رجلا من أصحابه ،
وأمر أن يحارب مَنْ أراد دخولها من أصحاب عبد الرحمن الأبناوىّ وغيرهم .
٨٣١/٣
[ ذكر قتل عبد الرحمن بن جبلة الأبناوىّ ]
وفى هذه السنة قتل عبد الرحمن بن جبلة الأبناوى بأسداباذ .
* ذكر الخبر عن مقتله :
ذكر عبد الرحمن بن صالح أن محمداً المخلوع لمّا وجّه عبدالرحمن الأبناوىّ
إلى هَمَذان، أتبعه بابنى الحرَشىّ: عبد الله وأحمد ، فى خيل عظيمة من
أهل بغداد، وأمرَهما أن ينزلا قصر اللصوص، وأن يسمعاويطيعا لعبد الرحمن ،
ويكونا مددًا له إن احتاج إلى عونهما . فلما خرج عبد الرحمن إلى طاهر فى
الأمان أقام عبد الرحمن يُرِى طاهراً وأصحابه أنه له مسالم، راضٍٍ بعهودهم
وأيمانهم ؛ ثم اغترّهم وهم آمنون . فركب فى أصحابه ، فلم يشعر طاهر
وأصحابه حتى هجموا عليهم، فوضعوا فيهم السيوف، فثبت لهم رجّالة أصحاب
طاهر بالسيوف والتراس والنشاب، وجَشَوْا على الرّكب، فقاتلوه كأشدّ ما يكون
من القتال ، ودافعهم الرّجال إلى أن أخذت الفرسان عندتها وأهبتها ، وصدقوهم
القتال، فاقتتلوا قتالا منكراً، حتى تقطعت السيوف، وتقصّفت الرماح . ثم
إن أصحاب عبد الرحمن هربوا، وترجّل هو فى ناس من أصحابه، فقاتل
حتى قتل ، فجعل أصحابه يقولون له : قد أمكنك الهَرب فاهرُب ؛ فإنّ
القوم قد كلوا من القتال، وأتعبتهم الحرب، وليس بهم حراك ولا قوّة على
الطلب ، فيقول : لا أرجعُ أبداً، ولا يرى أمير المؤمنين وجهى منهزمًا. وقُتل
من أصحابه مقتلة عظيمة، واستبيح عسكره، وانتهى من أفلت من أصحابه إلى
عسكر عبد الله وأحمد ابنى الحرَشىّ، فدخلهم الوهن (١) والفشل، وامتلأت
٨٣٢/٣
(١) ط: ((الوهم))، وما أثبته من ا.
٠

٤١٧
سنة ١٩٥
قلوبهم خوفًا ورعبًا فولّوا منهزمين لا يلوون على شىء من غير أن يلقاهم
أحد ؛ حتى صاروا إلى بغداد ، وأقبل طاهر وقد خلت له البلاد ، يحوز (١)
بلدةً بلدةً ، وكورةً و كورةً ؛ حتى نزل بقرية من قرى حُلوان يقال لها شلاشان؛
فخندق بها ، وحصّن عسكره ، وجمع إليه أصحابَه . وقال رجل من الأبناء
يرئى عبد الرحمن الأبناوىّ:
نفَى العارَ عنه بالمناصِلِ والقَنَا
أَلا إِنما تبكى العُيونُ لفارِسِ
وقد أُحرزَ العَلْيَا من المجد واقتنَى
تجَلَّى غُبارُ الموتِ عن صَحْنٍ وجهه
أَصابَ مُصُونَ النفس أَوَ ضَيّحَ الغِنَّى
فتَّى لا يُبَالِ إِن دَذَا من مُرُوءِةٍ
ولا يَرَهَبُ الموتَ المُتَاحِ إِذ ادَنا
يُقِيمُ لِأَطرافِ الدَّوَابِلِ سُوقَها
...
وكان العاملُ فى هذه السنة على مكة والمدينة من قبل محمد بن هارون
داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس ، وهو الذى
حجّ بالناس فى هذه السنة وسنتين قبلها وذلك سنة ثلاث وتسعين ومائة ، وأربع
وتسعين ومائة .
وعلى الكوفة العباس بن موسى الهادى من قبل محمد .
وعلى البَصرة منصور بن المهدىّ من قبل محمد .
وبخُراسان المأمون ، وببغداد أخوه محمد .
٨٣٣/٣
(١) كذا فى اوابن الأثير وفى ط: ((يجوز)).
تاريخ الطبري - ثامن

٤١٨
ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
#
#
[ ذكر توجيه الأمين الجيوش لحرب طاهر بن الحسين ]
فمما كان من ذلك حبس محمد بن هارون أسد بن يزيد بن مزيد ، وتوجيهه
أحمد بن مزيد وعبد الله بن حميد بن قَحْطبة إلى حُلوان لحرب طاهر .
ذ کر الخبر عن سبب حبسه وتوجيهه من ذكرت :
◌ُذكر عن عبد الرحمن بن وثّب أنّ أسد بن يزيد بن مزيد حدّثه ، أنّ
الفضل بن الربيع بعث إليه بعد مقتل عبد الرحمن الأبناوىّ . قال : فأتيتُه ،
فلمّا دخلت عليه وجدته قاعداً فى صحن داره ، وفى يده رقعة قد قرأها ،
واحمرّت عيناه ، واشتدّ غضبُهُ، وهو يقول: ينام نومَ الظَّرِبان ؛
[ وينتبه انتباه الذئب، همُّه بطنه، يخاتل الرّعاء والكلاب ترصده](١).
لا يفكر فى زوال نعمة ، ولا يروى فى إمضاء رأى ولا مكيدة؛ قد ألهاه كأسه،
وشغله قَدَحُه ، فهو يجرى فى لهوه، والأيام توضع (٢) فى هلا كه؛ قد شمّر
عبد الله له عن ساقه، وفوّق له أصوبَ أسهمه، يرميه على بعد الدّار
بالحتْف النافذ ، والموت القاصد، قد عبّى له المنايا على متون الخيل، وناط له
البلاء فى أسنّة الرماح وشفار السيوف. ثم استرجع ، وتمثل بشعر البَعيث :
لها شَعَرٌ جَعْدٌ وَوَجْهٌ مُقَسّمٌ
ومَجْدولَةٍ جِدْل العِنانِ خَرِيدَةٍ
تُضِىءُ لها الظلمَاءُ ساعَهَ تَبْسِمُ
وثغر نَقِىُّ اللوْنِ عَذِبٌ مَذَاقَةُ
خَمِيصٌ، وجَهْمٌ نارُهُ تَتَضَرَّمُ(٣)
وثديانِ كالحُقَّيْن، والبَطْنُ ضَامِرٌ
وَأَنت بِمَرْوَ الرُّوذ غَيْظًا تَجَرَّمُ (٤)
لَهَوْتُ بها لَيْلَ التِّمامِ ابنَ خالِدٍ
(٢) كذا فى ا، وفى ط: ((تضرع)).
(١) من ا.
٨٣٤/٣
(٣) ابن الأثير: ((ووجه ذاره)).
(٤) كذا فى اوابن الأثير، وفى ط: ((على بمرو الروذ)».

٤١٩
سنة ١٩٦
أَظَلُّ أُنَاغِيَها وتحتَ ابنِ خالدٍ
طوَاهُ طِرادُ الخَيْلِ فى كلِّ غارَة
يُقارِعُ أَتراكَ ابن خاقانَ ليلةً
أُمَيَّةَ نَهْدُ المَرْكَلَيْنِ عَثْمُ
لها عارض فيه الأَسِنَّهُ تُرْزِمُ
إِلى أَن يُرَىِ الإِصباحُ لا يَتَلْعْثُمُ
نجِيلٌ وَأُضحِى فى النَّعِيمِ أُصَعْصِمُ
فيُصْبحِ منْ طُولِ الطّادِ ، وَجِسْمُهُ
أُبَاكِرُهَا صَهْباءَ كالمسكِ ريحُها
فَشَتَّانَ ما بَيْنِى وبَينَ ابن خالد
لها أَرجٌ فِى دَنِّها حين تَرِثُمُ (١)
أَمَيَّةَ فى الرِّزْقِ الذِى اللهُ قاسِمُ (٢)
٨٣٥/٣
ثم التفت إلىّ فقال: يا أبا الحارث ، أنا وإياك نجرى إلى غاية ، إن
قصّرنا عنها ذمِمْنَا، وإن اجتهدنا فى بلوغها انقطعنا؛ وإنما نحن شعب من
أصل ؛ إن قوى قوينا؛ وإن ضعف ضعفنا؛ إن هذا قد ألقى بيده إلقاء الأمة
الوكْعاء ، يشاور النساء ، ويعتزم على الرؤيا؛ وقد أمكن مسامعه من أهل
اللهو والجسارة ، فهم يعدُونه الظََّر، ويمنّونه عقب الأيام ؛ والهلاك أسرع
إليه من السيل إلى قيعان الرمل ؛ وقد خشيت واللّه أن نهلك بهلاكه ، ونعطب
بعطبه؛ وأنت فارس العرب وابن فارسها؛ قدفزع إليك فى لقاء هذا الرجل وأطمعه
فيما قبلك أمران ؛ أما أحدهما فصدق طاعتك وفضل نصيحتك ، والثانى يُمْن
تقيبتك وشدّة بأسك ؛ وقد أمرنى إزاحة علّتك وبسط يدك فيما أحببت ؛ غير
أن الاقتصاد رأسُ النصيحة ومفتاح اليُمْن والبركة ، فأنجز حوائحك، وعجّل
المبادرة إلى عدّوك؛ فإنى أرجو أن يُولِيك اللّه شرفَ هذا الفتح، ويلمّ بك
شعث هذه الخلافة والدولة . فقلت : أنا لطاعة أمير المؤمنين - أعزه الله -
وطاعتك مقدم ، ولكلّ ما أدخل الوَهن والذّلّ على عدوّه وعدوّك حريص؛
غير أن المحارب لا يعمل بالغرور ، ولا يفتتح أمره بالتقصير والخلل ؛ وإنما
مِلاك المحارب الجنود ، وملاك الجنود المال ؛ وقد ملأ أمير المؤمنين أعزه الله
أيدى مَنْ شهد العسكر من جنوده، وتابع لهم الأرزاق الدارّة والصِّلات والفوائد
(١) سقط هذا البيت من ط، وأثبته من اوابن الأثير وترشم، أى تختم .
(٢) ا، وابن الأثير: ((يقسم)).

٤٢٠
٨٣٦/٣
سنة ١٩٦
الجزيلة ، فإن سرتُ بأصحابى وقلوبهم متطلعة إلى مَنْ خلفهم من إخوانهم
لم أنتفع بهم فى لقاء مَنْ أمامى، وقد فضل أهل السُّم على أهل الحرب، وجاز بأهل
الدّعة (١) منازل أهل النَّصب والمشقة؛ والذى أسأل أن يؤمر لأصحابى برزق
سنة ، ويحمل معهم أرزاق سنة، ويخصّ مَن لا خاصّة له منهم من أهل
الغناء والبلاء ، وأبدل مَن فيهم من الزَّمْنى والضّعفاء ، وأحمل ألف رجل
محمّن معى على الخيل ؛ ولا أسأل عن محاسَبَة ما افتتحت من المدن والكور .
فقال: قد اشتططتَ(٢)؛ ولا بدّ من مناظرة أمير المؤمنين. ثم ركب وركبت
معه، فدخل قبلى على محمد، وأذن لى فدخلتُ، فما كان بينى وبينه إلا كلمتان
حتى غضب وأمر بحبسى .
وُذكر عن بعض خاصة محمد أنّ أسداً قال لمحمد: ادفع إلىّ ولدى
عبد الله المأمون حتى يكونا أسيرين فى يدى؛ فإن أعطانى الطاعة، وألقى إلىّ
بيده ، وإلاّ عملت فيهما بحكمى ، وأنفذت فيهما أمرى . فقال: أنت أعرابىٌّ
مجنون ؛ أدعوك إلى ولاء أعنّة العرب والعجم ، وأطعمك خراج كُور الجبال إلى
خُراسان ، وارفع منزلتك عن نظرائك من أبناء القوّاد والملوك ، وتدعونى إلى
قتل ولدى، وسفك دماء أهل بيتى! إنّ هذا للْخُرق والتخليط . وكان
ببغداد ابنان لعبد الله المأمون، وهما مع أمَّهما أم عيسى ابنة موسى
الهادى، نزولا فى قصر المأمون بغداد ؛ فلمّا ظفر المأمون ببغداد خرجا إليه مع
أمِّهما إلى خُراسان ؛ فلم يزالا بها حتى قدموا بغداد ، وهما أكبر ولده .
وذكر زياد بن علىّ ، قال : لما غضِب محمد على أسد بن يزيد ، وأمر
بحبسه ، قال : هل فى أهل بيت هذا من يقوم مقامه ؛ فإنى أكره أن
أستفسدهم مع سابقتهم(٣) وما تقدّم من طاعتهم ونصيحتهم ؟ قالوا : نعم ؛
فيهم أحمد بن مزيد، وهو أحسنهُم طريقة، وأصّحهم (٤) نيّة فى الطاعة؛ وله
مع هذا بأس ونجده وبَصَر بسياسة الجنود ولقاء الحروب ؛ فأنفذ إليه محمد
بريدًا يأمره بالقدوم عليه ؛ فذكر بكر بن أحمد، قال : كان أحمد
(٢) ابن الأثير: ((أشططت)).
(١) ط: ((الدعوة))، وما أثبته من ا.
(٣) ابن الأثير: ((نباهتهم)).
(٤) !: ((أصلحهم)).