Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
سنة ١٩٣
[ بقية ذ کر بعض سیر الرشيد ]
ذكر يعقوب بن إسحاق الأصفهانىّ، قال : قال المفضل بن محمد الضبىّ:
وجّه إلىّ الرشيد؛ فما علمت إلاّ وقد جاءتنى الرّسل ليلا، فقالوا: أجب
أمير المؤمنين؛ فخرجت حتى صرت إليه ؛ وذلك فى يوم خميس ؛ وإذا هو متّكئ
ومحمد بن زبيدة عن يساره، والمأمون عن يمينه ؛ فسلمت ، فأومأ إلىّ فجلست ،
فقال لى : يا مفضّل ، قلت : لبيك يا أمير المؤمنين ، قال كم اسماًفى :
﴿فَسَيَكْفِيكَهُم﴾(١)؟ قلت: ثلاثة أسماء يا أميرَ المؤمنين، قال : وما هى؟
قلت : الكاف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والهاء والميم ، وهى للكفار ،
والياء وهى للّه عزّ وجلّ . قال: صدقت ؛ هكذا أفادنا هذا الشيخ - يعنى
الكسائىّ - ثم التفت إلى محمد، فقال له : أفهمت يا محمد ؟ قال : نعم ،
قال : أعِدْ علىّ المسألة كما قال المفضّل، فأعادها، ثم التفت إلىّ فقال:
يا مفضّل ، عندك مسألة تسألنا عنها بحضرة هذا الشيخ ؟ قلت : نعم
يا أمير المؤمنين ؛ قال : وما هى ؟ قلت : قول الفرزدق :
أَخَذْنا بآفَاقِ السماءِ عليكُمُ لنا قَمَراها والنُّجومُ الطَّالِحُ(٢)
قال : هيهات أفادناها متقدّمًا قبلك هذا الشيخ ؛ لنا قمراها ، يعنى
الشمس والقمر كما قالوا سنّة العمريْن : سنة أبى بكر وعمر ، قال : قلت:
فأزيد فى السؤال ؟ قال : زِدْ ، قلت : فلِمَ استحسنوا هذا ؟ قال : لأنه إذا
اجتمع اسمان من جنس واحد ، وكان أحدهما أخفّ على أفواه القائلين غلّبوه
وسمّوْا به الآخر ؛ فلما كانت أيام عمرأ كثَّ من أيام أبى بكر وفتوحُه أكثر ،
واسمه أخفّ غلّبوه، وسموا أبابكر باسمه، قال اللّه عزّ وجلّ: ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ)(٣)
وهو المشرق والمغرب. قلت : قدبقيت زيادة فى المسألة! [فالتفت إلى الكسائى](٤)
فقال : يقال فى هذا غير ما قلنا ؟ قال : هذا أوفى ما قالوا ، وتمام المعنى عند
العرب . قال : ثم التفت إلىّفقال: ما الذى بقى ؟ قلت: بقيت الغاية التى إليها
أجرى الشاعر المفتخر فى شعره، قال: وماهى؟ قلت: أراد بالشمس إبراهيم، وبالقمر
٧٦٠/٣
(١) سورة البقرة ١٣٧ .
(٣) سورة الزخرف ٣٨.
(٢) ديوانه ٥١٩ .
(٤) من ا.

٣٦٢
سنة ١٩٣
محمداًصلى الله عليه وسلم، وبالنجوم الخلفاء الراشدين من آبائك الصالحين. قال:
فاشرأب أمير المؤمنين؛ وقال : يا فضل بن الربيع؛ احمل إليه مائة ألف درهم
لقضاء دَيْنه، وانظرمَنْ بالباب من الشعراء فيؤذنَ لهم، فإذا العُمَانىّ ومنصور
النّمَرَىّ ، فأذن لهما ، فقال : أدنِ منى الشيخ ، فدنا منه وهو يقول :
ما قاسِمٌ دون مَدَى ابنِ أمِّهِ
قل للإِمامِ المقتدَى بأمِّهِ
* فقد رَضِيناه فقمِ فَسَمَّهِ.
فقال الرشيد : ما ترضى أن تدعو إلى عقد البيعة له وأنا جالس حتى
تنهضنى قائمًا! قال: قيام عَزْم يا أمير المؤمنين، لا قيام حتْ (١)، فقال: يؤتى
بالقاسم ، فأتى به ، وطبطب (٢) فى أرجوزته، فقال الرشيد للقاسم: إنّ هذا
الشيخ قد دعا إلى عَقْد البيعة لك، فأجزِلْ له العطية ، فقال : حُكْ
أمير المؤمنين ، قال : وما أنا وذاك! هات النّمَرَىّ ، فدنا منه ، وأنشده :
* ما تَنقضِى حسرةُ مِنِّى ولا جَزَعُ(١) .
- حتى بلغ -
أَبقى حلاوةَ ذِكرَاهُ التى تَدَعُ
٧٦١/٣ ما كان أحسن أَيامَ الشبابِ وما
ما كنتُ أُوفِىَ شَبابى كنهَ غُرَّتِهِ
حتى مضى فإِذا الدنيا له تَبَعُ
قال الرشيد: لا خير فى دنيا لا يُخطَر فيها بيُرْد الشباب (٤).
وذكر أن سعيد بن سلم الباهلىّ دخل على الرشيد ، فسلم عليه ، فأومأ إليه
الرشيد فجلس ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، أعرابىٌّ من باهلة واقفٌ على باب
أمير المؤمنين ؛ ما رأيت قط أُشعر منه ، قال : أما أنك استبحتهذین - يعنى
العمانىّ ومنصور النّمرىّ، وكانا حاضريه - نُهَى لهما أحجارك، قال: هما
يا أميرَ المؤمنين يهبانى لك ؛ فيؤذن للأعرابىّ؟ فأذن له ، فإذا أعرابىّ فى جُبّة
(١) !: ((جسم)).
(٢) فى الأغانى: ((ومر)).
(٣) الأغانى ١٣: ١٥١ وبقيته :
* إِلَّ ذَكَرْتُ شباباً لَيْسَ يُرْتجعُ .
(٤) الخبر فى الأغانى ١٧: ٨٠ (ساسى).

٣٦٣
سنة ١٩٣
خَزّ ، ورداء يمان ، قد شدّ وسطه ثم ثناه على عاتقه ، وعمامة قد عَصَبها على
خدّيه ، وأرخى لها عَذَبَة، فمثل بين يدى أمير المؤمنين، وألقيت الكراسىّ،
فجلس الكسائىّ والمفضّل وابن سلم والفضل بن الربيع، فقال ابنُ سلم للأعرابيّ:
خذ فى شَرَف أمير المؤمنين ، فاندفع الأعرابى" فى شعره، فقال أمير المؤمنين:
أسمعُك مستحسنًا، وأنكرك متّهماً عليك؛ فإنْ يكن هذا الشعر لك وأنت
قلته من نفسك ، فقل لنا فى هذين بيتين - يعنى محمداً والمأمون - وهما
حفافاه(١) فقال: يا أميرَ المؤمنين حملتنى على القدر فى غير الحذر روعةَ ٧٦٢/٣
الخلافة ، وبهَر البديهة ، ونفور القوافى عن الرّويّة، فيمهلنى أمير المؤمنين؛
يتألف إلىّ نافراتها ، ويسكن رَوْعى . قال : قد أمهلتك يا أعرابىّ، وجعلت
اعتذارك بدلاً من امتحانك ، فقال : يا أميرَ المؤمنين نفّست الخناق ، وسهّلت
ميدان النفاق ، ثم أنشأ يقول :
وَأَنتَ أَمِيرَ المؤمنينَ عمودُها
هُما طُنُبَاها بارَكَ اللهُ فيهما
ذرَي قبَّةِ الإِسلامِ فاهتَزَّعُودُها
بَنَيْتَ بِعَبْدِ اللهِ بَعدَ مُحمّدٍ
فقال : وأنت يا أعرابىّ بارك الله فيك؛ فسَلْنا، ولا تكن مسألتك دون
إحسانِك ، قال : المُنيدة(٢) يا أميرَ المؤمنين، قال: فتبسَّم أمير المؤمنين ،
وأمر له بمائة ألف درهم وسبع خلّع .
وُذكر أنّ الرشيد قال لابنه القاسم - وقد دخل عليه قبل أن يبايع له :
أنت للمأمون ببعض لحمك هذا ، قال : ببعض حظّه (٣).
وقال للقاسم يومًا قبل البيعة له : قد أوصيتُ الأمين والمأمون بكَ ، قال :
أمّا أنت يا أمير المؤمنين فقد توليتَ النّظر لهما، ووكلتَ النظر لى إلى غيرك .
وقال مصعب بن عبد الله الزّبيرىّ: قدم الرّشيد مدينة الرسول صلى الله
عليه وسلم ومعه ابناه محمد الأمين وعبد الله المأمون ، فأعطى فيها العطايا وقسم
(١) حفافاه ، أى محدقان به .
(٢) الهنيدة: اسم المائة أو المائتين من الإبل .
(٣) ط: ((حطه))، وما أثبته من ا.

٣٦٤
سنة ١٩٣
فى تلك السنة فى رجالهم ونسائهم ثلاثة أعطية؛ فكانت الثلاثة الأعطية التى
قسَمها فيهم ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار ، وفرض فى تلك السنة
٧٦٣/٣ لخمسمائة من وجوه موالى المدينة ، ففرض لبعضهم فى الشّرف منهم يحيى بن
مسكين وابن عثمان، ومخراق (١) مولى بني تميم، وكان يقرئ(٢) القرآن بالمدينة.
وقال إسحاق المولى : لما بايع الرشيد لولده ، کان فیمتن بايع عبدُالله بن
مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ، فلمّا قدم ليبايع ، قال :
حتى يطولَ على يديكَ طِوَالُها
لا قصَّرًا عنها ولا بَلَغْتُهما
فاستحسن الرشيد ما تمثّل ، وأجزل له صلته . قال : والشعر لطُريح بن
إسماعيل ، قاله فى الوليد بن يزيد وفى ابنيه .
وقال أبو الشيص يرئى هارون الرشيد :
فلها عَيْنَانِ تَدْمَعْ
غَرَبَتْ فى الشَّرقِ شمْسُ
غربت مِن حيثُ تَطلُعْ
ما رأينا قطُّ شَمساً
وقال أبو نواس الحسن بن هانئ :
فنحنُ فى مأْتِم، وفى عُرْسٍ
جَرَت جَوارٍ بالسّعدِ والنحسِ
فنحن فى وحْشَةٍ وفى أُنْسِ
القلبُ يَبكى والسّنُّ ضاحكَهُ
كينا وَفاةُ الإِمامِ بالأُمْس
يُضحكُنا القائمُ الأَمينُ ويُبْ
خُلِدٍ ، وبَدرُ بطوسَ فِى رَمِْ
بدرانِ : بدر أَضْحَی ببغدادَ بالـ
وقيل : مات هارون الرشيد ، وفى بيت المال تسعمائة ألف ألف ونيف .
٧٦٤/٣
(١) !: ((ومخارق)».
(٢) كذا فى ا، وفى ط: ((يقرأ)).

٣٦٥
خلافة الأمين
وفى هذه السنة بويع لمحمد الأمين بن هارون بالخلافة فى عسكر الرّشيد،
وعبد الله بن هارون المأمون يومئذ بمَرْو؛ وكان - فيما ذكر - قد كتب حَمَويّه
مولى المهدىّ صاحب البريد بطُوسَ إلى أبى مسلم سلام ، مولاه وخليفته ببغداد
على البريد والأخبار، يعلمه وفاة الرشيد. فدخل على محمد فعزّاه وهنأه بالخلافة،
وكان أوّل الناس فعل ذلك ، ثم قدم عليه رجاء الخادم يوم الأربعاء لأربع
عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة ، كان صالح بن الرشيد أرسله إليه بالخبر
بذلك - وقيل: [أتاه الخبر بذلك](١) - ليلة الخميس للنصف من جمادى الآخرة،
فأظهرَه (٢) يوم الجمعة، وستر خبرَه بقيّة يومه وليلته، وخاض الناس فى أمره.
ولما قدم كتاب صالح على محمد الأمين مع رجاء الخادم بوفاة الرشيد
- وكان نازلاً فى قصره بالخلد - تحوَّل إلى قصر أبى جعفر بالمدينة ، وأمر
الناس بالحضور ليوم الجمعة ، فحضروا وصلى بهم ؛ فلما قضى صلاته
صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ونعى الرشيد إلى الناس، وعزّى نفسه
والناس ، ووعدهم خيراً، وبسط الآمال ، وآمن الأسود والأبيض ، وبايعه
جلة أهل بيته وخاصّته ومواليه وقوّاده، ثم دخل. ووكّل ببيعته على مَنْ
بقى منهم عمّ أبيه سليمان بن أبى جعفر، فبايعهم، وأمر السندىّ بمبايعة جميع
الناس من القوّاد وسائر الجند ، وأمر للجند ممّن بمدينة السلام برزق أربعة
وعشرين شهراً، وبخواصّ مَنْ كانت له خاصة بهذه الشهور .
٧٦٥/٣
[ ذكر الخبر عن بدء الخلاف بين الأمين والمأمون]
وفى هذه السنة كان بدء اختلاف الحال بين الأمين محمد وأخيه المأمون، وعزم
كلّ واحد منهما بالخلاف على صاحبه فيما كان والدهما هارون أخذ عليهما
العمل به، فى الكتاب الذى ذكرنا أنه كان كتبه عليهما وبينهما .
(٢) کذا فی ا، وفى ط: ( فأظھر ))
(١) من ا.

٣٦٦
سنة ١٩٣
ذكر الخبر عن السبب الذى كان أوجب اختلاف حالهما فيما ذكرت :
قال أبو جعفر : قد ذكرنا قبلُ أنّ الرشيد جدّد حين شخص إلى خُراسان
البيعةَ للمأمون على القوّاد الذين معه، وأشهد مَنْ معه من القوّاد وسائر الناس
وغيرهم أنّ جميع مَنْ معه من الجند مضمومون إلى المأمون، وأنّ جميع ما معه
من مال وسلاح وآلة وغير ذلك للمأمون . فلما بلغ محمد بن هارون أنّ أباه قد
اشتدّت علّتُه، وأنه لمآبِه، بعث مَنْ يأتيه بخبره فى كلّ يوم ، وأرسل
بكر بن المعتمر ، وكتب معه كتبًا ، وجعلها فى قوائم صناديق منقورة
وألبستها جلود البقر، وقال : لا يظهرن" أميرُ المؤمنين ولا أحدٌ ممن فى عسكره
على شىء من أمرك وما توجهتَ فيه ، ولا ما معك، ولو قُتِلتَ حتى
يموت أميرُ المؤمنين ؛ فإذا مات فادفعْ إلى كلّ رجل منهم كتابه .
فلمّا قدِمِ بكربن المعتمر طوسَ ، بلغ هارونَ قدومُه ، فدعا به، فسأله :
ما أقدمك ؟ قال : بعثنى محمد لأعلم له علم خبرك وآتيه به ، قال: فهل معك
كتاب ؟ قال: لا ، فأمر بما معه ففتّش فلم يصيبوا معه شيئًا، فهدّده بالضّرب
فلم يقرّ بشىء، فأمر به فحُبس وقيِّد. فلما كان فى الليلة التى مات فيها هارون
أمر الفضل بن الربيع أن يصير إلى محبس بكر بن المعتمر فيقرّره ، فإن أقرّ
وإلا ضرب عنقه ، فصار إليه ، فقرّره فلم يقرّ بشىء، ثم غُشِىَ على هارون،
فصاح النساء ، فأمسك الفضل عن قتله ، وصار إلى هارون ليحضره ، ثم أفاق
هارون وهو ضعيف، قد شغل عن بَكْر وعن غيره لحسّ الموت، ثم غُشِىّ
عليه غشيةً ظنّوا أنها هى ، وارتفعت الضجة ، فبعث بكر بن المعتمر برقعة
منه إلى الفضْل بن الربيع مع عبد الله بن أبى نُعيم ، يسأله ألا يعجلوا بأمر ،
ويعلمه أنّ معه أشياء يحتاجون إلى علمها- وكان بكرٌ محبوسًا عندحسين الخادم.
فلما تُوفِّىَ هارون فى الوقت الذى تُوفِىَ فيه ، دعا الفضل بن الربيع ببكْر من
ساعته ، فسأله عما عنده ، فأنكر أن يكون عنده شىء ، وخشيىَ على نفسه من
أن يكون هارون حيًّا، حتى صحّ عنده موتُ هارون، وأدخله عليه، فأخبره أنّ
عنده كتبًا من أمير المؤمنين محمد ، وأنه لا يجوز له إخراجها ؛ وهو على حاله
فى قيوده وحبسه ، فامتنع حسين الخادم من إطلاقه حتى أطلقه الفضل، فأتاهم
٧٦٦/٣

٣٦٧
سنة ١٩٣
بالكتب التى عنده ، وكانت فى قوائم المطابخ المجلّدة بجلود البقر ، فدفع إلى كل
إنسان منهم کتابه . و کان فى تلك الكتب کتاب من محمد بن هارون إلی حسین
الخادم بخطّه ، يأمره بتخلية بكر بن المعتمر وإطلاقه، فدفعه إليه ، و کتاب
إلى عبد الله المأمون، فاحتبس كتاب المأمون عنده ليبعثه إلى المأمون بمَرْو ،
وأرسلوا إلى صالح بن الرّشيد - وكان مع أبيه بطوس ، وذلك أنه كان أكبر
من يحضر هارون من ولده - فأتاهم فى تلك الساعة ، فسألهم عن أبيه هارون ،
فأعلموه، فجزع جزءًا شديداً ، ثم دفعوا إليه كتاب أخيه محمد الذى جاء به
بكْر . وكان الذين حضروا وفاة هارون هُم الذين ولُوا أمَرَه وغَسْله وتجهيزه،
وصلى عليه ابنه صالح .
٧٦٧/٣
وكانت نسخة كتاب محمد إلى أخيه عبد الله المأمون :
إذا ورد عليك كتابُ أخيك- أعاذه الله من فقدك- عندحلول ما لا مردّ له
ولا مدفَع مماقد أخلف وتناسخ [فى](١) الأمم الحالية والقرون الماضية [فعزَّ نفسك](١) بما
عزّاك الله به. واعلم أنّ الله جل ثناؤه قد اختار لأمير المؤمنين أفضل الدارين، وأجزل
الحظّيْن فقبضه الله طاهراً زاكيًا، قدشكر سعيه، وغفر ذنبه إن شاء الله. فقم فى أمْرك
قيام ذى الحزم والعزم ، والناظر لأخيه ونفسه وسلطانه وعامة المسلمين . وإيّاك
أنْ يغلب عليك الجزّع ، فإنه يُحبط الأجْر، ويُعقب الوزر . وصلوات
الله على أمير المؤمنين حيًّاً وميتًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون! وخُذ البَيْعة عمّن
قبلك من قوّادك وجندك وخاصّتك وعامّتك لأخيك ثم لنفسك ، ثم للقاسم
ابن أمير المؤمنين ؛ على الشريطة التى جعلها لك أمير المؤمنين من نَسْخها له
وإثباتها، فإنّك مقلّد من ذاك ما قددك اللّه وخليفته. وأعلِمْ مَنْ قِبَلَك رأبى
فى صلاحهم وسدّ خَلَتِهم والتوسعة عليهم؛ فمن أنكرته عند بيعته أو انّهمته
على طاعته ، فابعث إلىّ برأسه مع خبره . وإياك وإقالته؛ فإنَّ النار أولى به.
واكتب إلى عمّال ثغورك وأمراء أجنادك بما طرقك من المصيبة بأمير المؤمنين ،
وأعلمهم أنّ اللّه لم يرضَ الدّنيا له ثوابًا حتى قبضه إلى روحه وراحته وجنته، ٧٦٨/٣
مغبوطًا محموداً قائداً لجميع خلفائه إلى الجنة إن شاء الله. ومُرهم أن يأخذوا البيعة
(١) من ا.

٣٦٨
سنة ١٩٣
على أجنادهم وخواصّهم وعوامتهم على مثل ما أمرتُك به من أخذها على من
قِبَلَك وأوعز إليهم فى ضبط ثغورهم، والقوّة على عدّوهم. [وأعلمهم](١) أنَّى متفقد
حالاتهم ولامّ شعثهم، وموسع عليهم، ولا تنِى (٢) فى تقوية أجنادى وأنصارى،
ولتكن كتبك إليهم كتبًا عامة، لتُقرأ عليهم؛ فإنّ فى ذلك ما يسكنهم ويبسط أملَهم.
واعمل بما تأمر به لمن حَضَرك، أو أى عنك من أجنادك ؛ على حسب ما ترى
وتشاهد ؛ فإنّ أخاك يعرف حسنَ اختيارك ، وصحّة رأيك ، وبعد نظرك ؛
وهو يستحفظ الله لك، ويسأله أن يشدّ بك عضده ، ويجمع بك أمره؛ إنه
لطيف لما يشاء .
وكتب بكر بن المعتمر بين يدىّ وإملائى فى شوال سنة ثنتين وتسعين ومائة.
وإلى أخيه صالح :
بسم الله الرحمن الرحيم . إذا ورد عليك كتابى هذا عند وقوع ما قد سَبّق
فى علم الله ونفذ من قضائه فى خُلفائه وأوليائه، وجرتْ به سنته فى الأنبياء
والمرسلين والملائكة المقربين، فقل: ﴿ كلّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّ وَجْهَهُ
لَهُ الحُكُمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعون﴾(٣)، فاحمدوا الله ما صار إليه أمير المؤمنين من
عظيم ثوابِهِ ومرافقة أنبيائِهِ، صلواتُ الله عليهم، وإنا إليه راجعون. وإياه نسأل أن
يحسن الخلافة على أمة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان لهم عصمةً
وكهفاً، وبهم رءوفًاً رحيمًا؛ فشمّر فى أمرك، وإياك أن تلقى بيديك؛ فإنّ
أخاك قد اختارك لما استنهضك له ، وهو متفقّد مواقع فقدانك ، فحقق ظنه
ونسأل الله التوفيق. وخذ البيعة على من قِبَلَك من ولد أمير المؤمنين وأهل بيته
ومواليه وخاصّته وعامّته لمحمد أمير المؤمنين ، ثم لعبد الله بن أمير المؤمنين ، ثم
للقاسم بن أمير المؤمنين ؛ على الشريطة التى جعلها أمير المؤمنين صلوات الله عليه
من فسخها على القاسم أو إثباتها ، فإن السعادة واليُمْن فى الأخذ بعهده ، والمضىّ
على مناهجه . وأعْلِمِ مَنْ قبلك من الخاصّة والعامة رأيى فى استصلاحهم ،
وردّ مظالمهم وتفقد حالاتهم ، وأداء أرزاقهم وأعطياتهم عليهم ؛ فإن شغَب
شاغب ، أو نَعَر ناعر ، فاسطُ به سطوة تجعله نكالا لما بين يديها وما خلفها
٧٦٩/٣
(١) من !. (٢) كذا فى ا، وفى ط: ((ولا آن)). (٣) سورة القصص ٨٨.

سنة ١٩٣
٣٦٩
وموعظة للمتقين . واضمُم إلى الميمون بن الميمون الفضل بن الربيع ولّد
أمیر المؤمنین وخدمهوأهله (١)؛ ومُرْه بالمسیر معهم فیمنمعهمن جنده ورابطته، وصیسر
=
إلى عبد الله بن مالك أمر العسكر وأحداثه؛ فإنه ثقة على ما يلى، مقبول عند العامة،
واضمُ إليه جميعَ جند الشُّرَط من الرّوابط وغيرهم إلى مَنْ معه من جنده، ومُرْه
بالجِدّ والتيقظ وتقديم الحزم فى أمره كله ، ليله ونهاره ؛ فإنّ أهل العداوة
والنّفاق لهذا السلطان يغتنمون مثل حلول هذه المصيبة. وأقرّ حاتم بن هرئمة على
ما هو عليه ، ومُره بحراسة ما يحفظ به قصورَ أمير المؤمنين ؛ فإنه ممّن لا يُعرف
إلا بالطاعة ، ولا يدين إلا بها بمعاقد من اللّه مما قدّم له من حال أبيه المحمود
عند الخلفاء . ومر الخدم بإحضارروابطهم ممن يُسدّ بهم وبأجنادهم مواضع
الخلل من عسكرك ؛ فإنهم حدّ من حدودك، وصيّر مقدّمتك إلى أسد بن
يزيد بن مزيد، وساقتك إلى يحيى بن معاذ ، فيمن معه من الجنود، ومُرْهما
بمناوبتك فى كلّ ليلة، والزم الطريق الأعظم، ولا تَعدُوَنّ المراحل؛ فإن
ذلك أرفق بك . ومر أسدَ بن يزيد أن يتخيَّرَ رجلاً من أهل بيته أو قوّاده ،
فيصير إلى مقدمته ثم يصير أمامه لتهيئة المنازل، أو بعض الطريق؛ فإن لم يحضرك
فى عسكرك بعضُ من ◌َسَمّيتُ، فاخترْ لمواضعهم مَنْ تثق بطاعته ونصيحتهوهيبته
عند العوام"؛ فإنّ ذلك لن يُعوزك من قوّادك وأنصارك إن شاء الله. وإيّاك أن تنفذ
رأيًا أو تُبرم أمرًا إلا برأى شيْخك وبقية آبائك الفضل بن الربيع ، وأقرر
جميعَ الخدم على ما فى أيديهم من الأموال والسلاح والخزائن وغير ذلك ؛ ولا
تخرجنّ أحداً منهم من ضِمْن ما يلى إلى أن تُقدم علىّ .
٧٧٠/٣
وقد أوصيتُ بكر بن المعتمر بما سيبلِّغكه ، واعمل فى ذلك بقدر ما تشاهد
وترى ، وان أمرتَ لأهل العسكر بعطاء أو رزق ؛ فليكن الفضل بن الربيع
المتوأىّ لإعطائهم على دواوين يتخذها لنفسه؛ بمحضر من أصحاب الدواوين ؛
فإنّ الفضل بن الربيع لم يزل يتقلّد مثل ذلك لمهمّات الأمور. وأنفذ إلىّ عندوصول
كتابى هذا إليك إسماعيل بن صَبِيح وبكر بن المعتمر على مركبيهما من البريد ؛
ولا يكون لك عَرْجة ولا مُهلة بموضعك الذى أنت فيه حتى توجه إلىّ بعسكرك
(١) ساقطة من ! .

٣٧٠
سنة ١٩٣
٧٧١/٣ بما فيه من الأموال والخزائن إن شاء الله. أخوك يستدفع الله عنك، ويسأله لك
حسن التأييد برحمته .
وكتب بكر بن المعتمر بين يدىّ وإملائى فى شوال سنة ثنتين وتسعين ومائة.
وخرج رجاء الخادم بالخاتم والقضيب والبُردة ، وبنعى هارون حين دفن
حتى قدم بغداد ليلة الخميس - وقيل يوم الأربعاء - فكان من الخبر ما قد
ذكرت قبل .
وقيل: إنّ نعىّ الرشيد لما ورد بغداد صعد إسحاق بن عيسى بن علىّ المنبر،
فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أعظم الناس رزيئةً ، وأحسن الناس بقيّة
رزؤنا ، فإنه لم يُرزأ أحدٌ كرزئنا ، فمن له مثل عوضنا ! ثم نعاه إلى الناس ،
وحضّ الناس على الطاعة .
وذكر الحسن الحاجب أنّ الفضل بن سهل أخبره ، قال : استقبل الرشيد
وجوه أهل خُراسان، وفيهم الحسين بن مصعب . قال : ولقينى فقال لى :
الرشيد ميّتٌ أحد هذين اليومين، وأمرُ محمد بن الرشيد ضعيف، والأمر أمر
صاحبك ؛ مُدّ يدك. فمدّ يده فبايع للمأمون بالخلافة. قال : ثم أتانى بعد
أيام ومعه الخليل بن هشام ، فقال : هذا ابن أخى ، وهو لك ثقة خذ بيعته .
وكان المأمون قد رحل من مسَرْو إلى قصر خالد بن حماد على فرسخ من
مَرْو يريد سمرقند ، وأمر العبّاس بن المسيّب بإخراج الناس واللحوق
بالعسكر ، فمرّ به إسحاق الخادم ومعه نعىّ الرشيد ، فغمّ العباس قدومه ،
فوصل إلى المأمون فأخبره ، فرجع المأمون إلى مَرْو ، ودخل دار الإمارة ،
دار أبى مسلم ، ونعى الرّشيدَ على المنبر، وشقّ ثوبه ونزل، وأمر الناس بمال،
وبايع لمحمد ولنفسه وأعطى الجند رزق اثنى عشر شهراً .
٧٧٢/٣
قال : ولما قرأ الذين وردت عليهم كتبُ محمد بطُوس من القوّاد والجند
وأولاد هارون ؛ تشاوروا فى اللحاق بمحمد ، فقال الفضل بن الربيع :
لاأدَعُ مُلْكا حاضراً لآخر لا يدرى ما يكون من أمرِه ، وأمرَ الناس بالرحيل ،
ففعلوا ذلك محبّةً منهم للحوق بأهلهم ومنازلهم ببغداد، وتركوا العهود التى كانت
أخذت عليهم للمأمون ، فانتهى الخبر بذلك من أمرهم إلى المأمون بمَرْو ،

٣٧١
سنة ١٩٣
فجمع مَنْ معه من قواد أبيه، فكان معه منهم عبد الله بن مالك، ويحي
ابن معاذ ، وشبيب بن حميد بن قحطبة ، والعلاء مولى هارون ، والعباس بن
المسيّب بن زهير وهو على شرطته ، وأيوب بن أبى سمير وهو على كتابته ؛ وكان
معه من أهل بيته عبدالرحمن بن عبد الملك بن صالح، وذو الرياستين؛ وهو
عنده من أعظم الناس قدراً وأخصِّهم به ، فشاورهم وأخبرهم الخبر ، فأشاروا
عليه أن يلحقهم فى ألفىْ فارس جريدة، فيردّهم، وسُمَسَىَ لذلك قوم، فدخل
عليه ذو الرياستين، فقال له : إن فعلت ما أشاروا به عليك جعلتَ (١) هؤلاء
هديّة إلی محمّدا)، ولکنّ الرأى أن تکتب إلیھم کتابًا، وتوجه إليهم رسولا ؛
فتذكرهم البيعة ، وتسألهم الوفاء ، وتحذرهم الحنث ، وما يلزمهم فى ذلك فى
الدنيا والدين . قال : قلت له : إن كتابك ورسلك تقوم مقامك ، فتستبرئ
ما عند القوم، وتوجّهُ سهل بن صاعد - وكان على قهرمته - فإنه يأمُلك ،
ويرجو أن ينال أمله ؛ فلن يألوَك نصحًا ، وتوجّه نوفلاً الخادم مولى موسى
أمير المؤمنين - وكان عاقلًا . فكتب كتابًا ، ووجّههما فلحقاهم بنيسابور
قد رحلوا ثلاث مراحل .
٧٧٣/٣
فذكر الحسن بن أبى سعيد(٢) عن سهل بن صاعد، أنه قال [له](٣): فأوصلت (٤)
إلى الفضل بن الربيع كتابَه ، فقال لى : إنما أنا واحد منهم، قال لى سهل:
وشدّ علىّ عبدُ الرحمن بن جبلة بالرّمح، فأمرّه على جنبى، ثم قال [لى](٣):
قل لصاحبك : والله لو كنتَ حاضراً لوضعت الرّمح فى فيك ، هذا جوابى .
قال : ونال من المأمون ، فرجعت بالخير .
قال الفضل بن سهل : فقلت للمأمون : أعداء قد استرحتَ منهم ؛
ولكن افهم عنى ما أقول لك؛ إنّ هذه الدولة لم تكن قط أعزّ منها أيام أبى جعفر،
فخرج عليه المقنّع وهو يدّعى الربوبيّة ، وقال بعضهم: طلب بدم أبى مسلم.
فتضعضع العسكر بخروجه بخُراسان، فكفاه الله المؤنة (٥). ثم خرج بعده يوسف
البَرْم وهو عند بعض المسلمين كافر : فكفى اللّه المؤنة، ثم خرج أسناذسيس
(١ - ١) ابن الأثير: ((جعلوك هدية إلى أخيك)). (٢) فى ط: ((سعد))، وانظر الفهرس.
(٥) !: ((أمرد)).
(٣) من !. (٤) كذا فى ا، وفى ط: ((لها أوصلت)).

٣٧٢
سنة ١٩٣
يدعو إلى الكفر، فسار المهدىّ من الرّىّ إلى نيسابور فكُفِىَ المؤنة؛ ولكن
ما أصنع! أكثُر عليك (١)! أخبرنى كيف رأيت الناس حين ورد عليهم خبر
رافع ؟ قال : رأيتُهم اضطربوا اضطرابًا شديداً ، قلت : وكيف بك وأنت
نازل فى أخوالك ، وبيعتك فى أعناقهم ! كيف يكون اضطراب أهل بغداد !
اصبر وأنا أضمن لك الخلافة - ووضعت يدى على صدرى - قال : قد
فعلتُ، وجعلتُ الأمر إليك فقمْ به . قال: قلت : والله لأصدُقَنّك ،
إن عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ ومَنْ سمّينا من أمراء الرؤساء، إن قاموا لك
٧٧٤/٣ بالأمر كانوا(٢) أنفع منى لك برياستهم المشهورة، ولِما عندهم من القوة على الحرب،
فمن قام بالأمر كنتُ خادمًا له حتى تصير إلى محبّتك ، وترى رأيك فىّ. فلقيتُهم
فى منازلهم ، وذكرتهم البَيْعة التى فى أعناقهم وما يجب عليهم من الوفاء .
قال : فكأنى جئتُهم بحيفة على طَبق، فقال بعضهم: هذا لا يحلّ، اخرج،
وقال بعضهم : مَن الذى يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه ! فجئت فأخبرته ،
قال : قم بالأمر، قال: قلت: قد قرأتَ القرآن، وسمعتَ الأحاديث ، وتفقهت
فى الدين ، فالرّأى أن تبعث إلى مَنْ بالحضرة من الفقهاء، فتدعوهم إلى
الحقّ والعمل به وإحياء السنة، وتقعد على اللّبود، وترد" المظالم . ففعلنا وبعثنا
إلى الفقهاء ، وأكرمنا القوّاد والملوك وأبناء الملوك؛ فكنا نقول للتميمى: نُقيمك
مقام موسى بن كعب، وللرَّبعىّ: نقيمك مقام أبى داود خالد بن إبراهيم ، وليمانىّ :
نقيمك مقام قحطبة ومالك بن الهيثم؛ فكنا ندعو كلّ قبيلة إلى نقباء (٣ رءوسهم،
واستملنا الرءوس، وقلنا لهم مثل ذلك(٣) ، وحطْطنا عن خُراسان ربع الخراج ،
فحسن موقع ذلك منهم ، وسُرّوا به ، وقالوا : ابن أختنا ، وابن عمّ النبى
صلى الله عليه .
قال على بن إسحاق: لما أفضت الخلافة إلى محمد ، وهدأ الناس ببغداد،
أصبح صبيحة السّبت بعد بيعته بيوم ؛ فأمر ببناء ميدان حول قصر أبى جعفر
فى المدينة للصوالجة واللعب ، فقال فى ذلك شاعر من أهل بغداد :
:(١) كذا فى ا، وفى ط: ((أكبر)).
(٢)" كذا فى اوفى ط: ((كان)).
(٣ - ٣) وردت العبارة فى ط مضطربة، والصواب ما أثبته من ١.

٣٧٣
سنة ١٩٣
وصَيّرَ السّاحةَ بُستانًا
بَنَى أَمِينُ اللهِ مَيَدانا
يُهدَى إِليْهِ فيهِ غِزِلانا
وكانت الغزلانُ فيهِ بَانَا
٧٧٥/٣
وفى هذه السنة شخصت أمّ جعفر من الرّقة بجميع ما كان معها هنالك
من الخزائن وغير ذلك فى شعبان ؛ فتلقاها ابنُها محمد الأمين بالأنبار فى جميع
مَنْ كان يبغداد من الوُجوه، وأقام المأمون على ما كان يتولّى من عمل خُراسان
ونواحيها إلى الرّىّ ، وكاتب الأمين ، وأهدى إليه هدايا كثيرة، وتواترت کتبُ
المأمون إلى محمد بالتعظيم والهدايا إليه من طُرَف خُراسان من المتاع والآنية
والمسك والدواب والسلاح .
وفى هذه السنة دخل هَرْئمة حائط سَمَرْقند ، ولجأ رافع إلى المدينة الداخلة،
وراسل رافع التُّرك فوافوْه ، فصار هرثمة بين رافع والترك، ثم انصرف الترك،
فضعف رافع .
وقتل فى هذه السنة نِقْفور ملك الروم فى حرْب بُرْجان ، وكان ملكه
- فيما قيل- سبع (١) سنين، وملك بعده إستبراق بن نيقْفور وهو مجروح، فبقى
شهرين ومات. وملك ميخائيل بن جورجس ختّنه على أخته .
٥
#
وحجّ بالناس فى هذه السنة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علىّ،
وكان وإلى مكة .
وأقرّ محمد بن هارون أخاه القاسم بن هارون فى هذه السنة على ما كان
أبوه هارون ولاه من عمل الجزيرة، واستعمل عليها خُزيمة بن خازم، وأقرّ
القاسم على قِنَّسرين والعواصم
(١) أ: ((تسع سنين)).

٣٧٤
ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائة
ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
٧٧٦/٣
فمن ذلك ما كان من مخالفة أهل حِمْص عاملهم إسحاق بن سليمان ،
وكان محمّد ولاه إياها، فلمّا خالفوه انتقل إلى سلمية، فصرفه محمد عنهم،
وولّى مكانه عبد الله بن سعيد الحرّشىّ ومعه عافية بن سليمان، فحبس عدّة
من وجوههم ، وضرب مدينتهم من نواحيها بالنار ، وسألوه الأمان فأجابهم ،
وسكنوا ثم هاجوا ؛ فضرب أيضًا أعناق عدّة منهم .
وفيها عزل محمد أخاه القاسم عن جميع ما كان أبوه هارون ولا ه من عمل
الشأم وقِنَّسرين والعواصم والثغور، وولّى مكانه خزيمة بن خازم، وأمره بالمقام
بمدينة السلام
.
وفى هذه السنة أمر محمد بالدعاء لابنه موسى على المنابر بالإمرة .
...
[ ذكر تفاقم الخلاف بين الأمين والمأمون ]
وفيها مكَر كلّ واحد منهما بصاحبه: محمد الأمين وعبد اللّه المأمون،
وظهر بينهما الفساد .
ذكر الخبر عن سبب ذلك :
#
ذُكر أن الفضل بن الربيع فكّر بعد مقدمه العراق على محمد منصرفاً عن
طُوس، وناكثًا للعهود التى كان الرشيد أخذها عليه لابنه عبد اللّه، وعلم أنّ
الخلافة إن أفضت إلى المأمون يومًا وهو حىّ لم يُبْق عليه؛ وكان فى ظَفَرَه
به عطبُه، فسعى فى إغراء محمد به، وحثّه على خلعه، وصرْف ولاية العهد من
بعده إلى ابنه موسى ؛ ولم يكن ذلك من رأى محمّد ولا عزمه ، بل كان عزمه
- فيما ذكر عنه - الوفاء لأخويه : عبد اللّه والقاسم ، بما كان أخذ عليه
٧٧٧/٣ لهما والده من العهود والشروط، فلم يزل الفضل به يصغّر فى عينه شأن المأمون،

٣٧٥
سنة ١٩٤
ويزّين. له خلعه ؛ حتى قال له : ما تنتظر يا أمير المؤمنين بعبد الله والقاسم
أخويك ! فإنّ البيعة كانت لك متقدّمة قبلهماء، وإنما أدخلا فيها بعدك
واحداً بعد واحد ، وأدخَل فى ذلك من رأيه معه علىّ بن عيسى بن ماهان
والسندىّ وغيرهما ممن بحضرته ؛ فأزال محمداً عن رأيه .
فأول ما بدأ به محمد عن رأى الفضل بن الربيع فيما دبّر من ذلك، أن كتب
إلى جميع العمّال فى الأمصار كلها بالدعاء لابنه موسى بالإمرة بعد الدّعاء له
والمأمون والقاسم بن الرشيد ، فذكر الفضل بن إسحاق بن سليمان أنّ المأمون
لما بلغهما أمربه محمد من الدّعاء لابنه موسى وعزله القاسم عمّا كان الرشيد ضّم
إليه من الأعمال وإقدامه إيّاه مدينة السلام ؛ علم أنه يدبّر عليه فى خلعه ،
فقطع البريدَ عن محمد، وأسقط اسمه من الطّرز [والضّرب](١).
وكان رافع بن الليث بن نصر بن سيّار لما انتهى إليه من الخبر عن المأمون
وحسن سيرته فى أهل عمله وإحسانه إليهم، بعث فى طلب الأمان لنفسه، فسارع
إلى ذلك هرثمة وخرج رافع فلحق بالمأمون، وهرئمة بعدُ مقيم بسمَرْ قند فأكرم
المأمون رافعًا. وكان مع هَرْثمة فى حصار رافع طاهر بن الحسين؛ فلما دخل رافع فى
الأمان، استأذن هرئمة المأمون فى القدوم عليه، فعبر نهر بلْخ بعسكره والنهر جامد ،
فتلقّاه الناس ، وولاه المأمون الحرس . فأنكر ذلك كله محمد ، فبدأ بالتّدبير
على المأمون ؛ فكان من التدبير أنه كتب إلى العباس بن عبد الله بن مالك -
وهو عامل المأمون على الرّىّ - وأمره أن يبعث إليه بغرائب غروس الرىّ -
مريداً بذلك امتحانه - فبعث إليه ما أمره به ، وكتم المأمون وذا الرياستين .
فبلغ ذلك من أمره المأمون ، فوجّه الحسن بن علىّ المأمونىّ وأردفه بالرستمى" (٢)
على البريد ، وعزل العباس بن عبد الله بن مالك؛ فذُكِرِ عن الرستمىّ أنه لم
ينزل عن دابته حتى اجتمع إليه ألف رجل من أهل الرىّ .
٧٧٨/٣
ووجّه محمد إلى المأمون ثلاثة أنفس رسلاً : أحدهم العباس بن موسى بن
عيسى ، والآخر صالح صاحب المصلّى، والثالث محمد بن عيسى بن نهيك ؛
(١) من ا.
(٢) هو الحسين بن عمر الرستمى.

٣٧٦
سنة ١٩٤
وكتب معهم كتابًا إلى صاحب الرّىّ؛ أن استقبلْهم بالعُدّة والسلاح الظاهر.
وكتب إلى والى قُومِس وذَيْسابور وسَرّخْس بمثل ذلك ؛ ففعلوا. ثم وردت
الرّسل مَرْو ، وقد أعِدّ لهم من السلاح وضروب العُدد والعتاد ، ثم صاروا
إلى المأمون؛ فأبلغوه رسالة محمد بمسألته تقديمَ موسى على نفسه ؛ ويذكر له أنه
سمّاه الناطق بالحق ؛ وكان الذى أشار عليه بذلك علىّ بن عيسى بن ماهان ،
وكان يخبره أن أهل خُراسان يطيعونه ؛ فَردّ المأمون ذلك وأباه .
قال : فقال لى ذو الرئاستين : قال العباس بن موسى بن عيسى بن
موسى : وما عليك أيها الأمير من ذلك ؛ فهذا جدّى عيسى بن موسى قد
خُلِع فما ضرّه ذلك ، قال : فصحْت به : اسكت ، فإن جدّك كان فى
أيديهم أسيرًا ؛ وهذا بين أخواله وشيعته . قال : فانصرفوا ، وأنزل كل واحد
منهم منزلاً . قال ذوالرياستين: فأعجبنى ما رأيت من ذكاء العباس بن موسى ،
فخلوت به فقلت: أيذهب (١) عليك فى فهمك وسنِّك أن تأخذ بحظك من الإمام -
وسُمَّ المأمون فى ذلك اليوم بالإمام ولم يسمّ بالخلافة، وكان سبب ما سُمِّ
به الإمام ما جاء من خَلْع محمد له، وقد كان محمد قال للذين أرسلهم: قد
تسمّى المأمون بالإمام ، فقال لى العباس : قد سميتموه الإمام ! قال : قلت
له: قد يكون إمام المسجد والقبيلة، فإن وفيتم لم يضرّكم، وإن غدرتم فهو ذاك.
قال : ثمّ قلتُ للعباس: لك عندى ولاية الموسم، ولا ولاية أشرف منها، ولك
من مواضع الأعمال بمصْر ما شئت .
٧٧٩/٣
قال : فما برح حتى أخذت عليه البيعة للمأمون بالخلافة ؛ فكان بعد
ذلك يكتب إلينا بالأخبار ، ويشير علينا بالرأى .
قال : فأخبرنى علىّ بن يحيى السّرّخسىّ، قال: مرّ بى العباس بن
موسى ذاهبًا إلى مَرْو - وقد كنت وصفت له سيرة المأمون وحسن تدبير
ذى الرياستين واحتماله الموضع، فلم يقبل ذلك منى - فلما رجع مرّ بى، فقلت
له : كيف رأيت ؟ قال: ذو الرياستين أكثر مما وصفت، فقلت: صافحتَ
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((يذهب)).

٣٧٧
سنة ١٩٤
الإمام ؟ قال : نعم ، قلت : امسح يدك على رأسى . قال : ومضى القوم
إلى محمّد فأخبروه بامتناعه ، قال : فألحَّ الفضل بن الربيع وعلى بن عيسى:
على محمد فى البيْعة لابنه وخلْج المأمون ، وأعطى الفضل الأموال حتى بايع لابنه
موسى، وسمّاه الناطق بالحق، وأحضنه علىّ بن عيسى وولاه العراق.
قال: وكان أوّل من أخذ له البيعة بشر بن السّمَيدع الأزدّىّ، وكان
واليًا على بلد ، ثم أخذها صاحب مكة وصاحب المدينة على خواص من الناس
قليل ، دون العامة .
٧٨٠/٣
قال : ونهى الفضل بن الربيع عن ذكر عبد اللّه والقاسم والدّعاء لهما على
شىء من المنابر، ودسّ لذكر عبد الله والوقيعة فيه، ووجّه إلى مكّة كتاباً
مع رسولٍ من حجبة البيت يقال له محمد بن عبد الله بن عثمان بن طلحة فى
أخذ الكتابين اللذين كان هارون كتبهما ، وجعلهما فى الكعبة لعبد الله على
محمد ، فقدم بهما عليه ، وتكلم فى ذلك بقية الحجبّة ، فلم يحفل بهم ،
وخافوا على أنفسهم ، فلما صار بالكتابين إلى محمد قبضهما منه ، وأجازه
بجائزة عظيمة ، ومزّقهما وأبطلهما .
وكان محمد - فيما ذكر - كتب إلى المأمون قبل مكاشفة المأمون إياه
بالخلاف عليه ، يسأله أن يتجافتى له عن كُور من كُور خراسان - سمّاها -
وأن يوجّه العمال إليها من قبل محمد ، وأن يحتمل توجيه رجل من قبله يوليه
البريد عليه ليكتب إليه بخبره . فلمّا ورد إلى المأمون الكتاب بذلك ، كبُر
ذلك عليه واشتدّ ، فبعث إلى الفضل بن سهل وإلى أخيه الحسن ، فشاورهما
فى ذلك ، فقال الفضل: الأمر مُخْطِر، ولك من شيعتك وأهل بيتك بطانة،
ولهم تأنيس بالمشاورة، وفى قطع الأمر دونهم وَحْشة ، وظهوره (١) قلّة ثقة، فرأىُ
الأمير فى ذلك . وقال الحسن : كان يقال: شاور فى طلب الرأى منَنْ تثق
بنصيحته ، وتألّف العدّو فيما لا اكتتام له بمشاورته ؛ فأحضر المأمون الخاصّة
من الرؤساء والأعلام ، وقرأ عليهم الكتاب، فقالوا جميعًا له : أيّها الأمير ،
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((ظهور)).

٣٧٨
٧٨١/٣
سنة ١٩٤
تشاور فى مخطر، فاجعل لبديهتنا حظًا من الروّية ، فقال المأمون: ذلك هو
الحزم ، وأجّلهم ثلاثاً، فلما اجتمعوا بعد ذلك ، قال أحدهم : أيُّها الأمير،
قد حُمِلتَ على كَرْهيْن، ولستُ أرى خطأ مدافعةً بمكروه أوّلهما مخافة
مكروه آخرهما. وقال آخر: كان يقال أيّها الأمير ، أسعدك الله، إذا كان الأمر
◌ُخْطِراً، فإعطاؤك مَنْ نازعك طرفاً من بُغيته أمثلُ من أن تصير بالمنع إلى مكاشفته.
وقال آخر : إنه كان يقال : إذا كان علمُ الأمور مغيّباً عنك ، فخذ
ما أمكنك من هُدْنة (١) يومك؛ فإنك لا تأمن أن يكون فساد يومك راجعًا بفساد
غدك. وقال آخر: لئن خيفتْ (٢) للبذل عاقبة، إن أشدّمنها لَمَا يَبْعث
الإباء (٣) من الفرقة. وقال آخر: لا أرى مفارقة منزلة سلامة ؛ فلعلى أعطى معها
العافية . فقال الحسن : فقد وجب حقُّكم باجتهادكم ؛ وإن كنتُ من الرأى
على مخالفتكم ، فقال له المأمون : فناظرْهم ، قال : لذلك ما كان الاجتماع.
وأقبل الحسن عليهم ، فقال : هل تعلمون أن محمداً تجاوز إلى طلب شىء
لیسله بحق ؟ قالوا : نعم؛ ويُحتملذلك لما نخافمن ضرر منعه. قال : فهل
تثقون بكفه بعد إعطائه إيّاها، فلا يتجاوز بالطلب إلى غيرها ؟ قالوا : لا ،
ولعل سلامة تقع من دون ما يُخاف ويُتّوقع. قال: فإن تجاوز بعدها بالمسألة ؛
أفما تروْنه قد توهّن بما بذل منها فى نفسه ! قالوا : ندفع ما يعرِض له فى عاقبة
بمدافعة محذور فى عاجلة ! قال : فهذا خلاف ما سمعناه من قول الحكماء
قبلنا، قالوا: استصلح عاقبة أمرك باحتمال ما عرض من كره يومك، ولا تلتمس
هدنَة يومك بإخطار أدخلتَه على نفسك فى غدك . قال المأمون للفضل :
ما تقول فيما اختلفوا فيه ؟ قال: أيّها الأمير، أسعدك الله، هل يؤمن محمد أن
يكون طالبك بفضل قوّتك ليستظهر بها عليك غدًا على مخالفتك ! وهل يصير
الحازم إلى فضلةٍ مَنْ عاجل الدّعة بخطر يتعرّض له فى عاقبةِ ؛ بل إنما
أشار الحكماء بحمل ثقل فيما يرجون به صلاح عواقب أمورهم . فقال المأمون :
بل بإيثار العاجلة صارَ من صار إلى فساد العاقبة فى أمر دنيا أو أمر آخرة .
قال القوم: قد قلنا بمبلغ الرأى؛ واللّه يؤيد الأمير بالتوفيق . فقال : اكتب
(٢) كذا فى ا، وفى ط: ((خفت)).
٧٨٢/٣
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((هدية)).
(٣) كذا فى ا.

٣٧٩
سنة ١٩٤
یا فضلُ إليه ، فكتب :
قد بلغنى كتاب أمير المؤمنين يسألنى التجافىَ عن مواضعَ سمّاها مما أثبته
الرّشيد فى العَقْد، وجعل أمره إلىّ، وما أمرٌ رآه أمير المؤمنين أحد يجاوز
أكثَره؛ غير أنّ الذى جعل إلىّ الطّرْف الذى أنابه، لا ظنين فى النّظر
لعامته ، ولا جاهل بما أسند إلىّ من أمره ، ولو لم يكن ذلك مثبتًا بالعهود
والمواثيق المأخوذة ، ثم كنتُ على الحال التى أنا عليها من إشراف عدوٍّ مخوف
الشركة ، وعامّة لا تُتألف عن هضمها ، وأجناد لا يستتبع طاعتُها إلّ بالأموال
وطَرّف من الإفضال -لكان فى نظر أمير المؤمنين لعامّته وما يحبّ من لمّ أطرافه
ما يوجب عليه أن يقسم له كثيراً من عنايته ، وأن يستصلحه ببذل كثير من
ماله؛ فكيف بمسألة ما أوجبه الحقّ ، ووكّد به مأخوذ العهد ! وإنى لأعلم
أن أمير المؤمنين لو علم من الحال ما علمتُ لم يُطلع بمسألة ما كتب بمسألته
إلىّ . ثم أنا على ثقة من القبول بعد البيان إن شاء الله.
وكان المأمون قد وجه حارسة إلى الحدّ، فلا يجوز رسول من العراق حتى
يوجّهوه مع ثقات من الأمناء (١)، ولا يدعه يستعلم خبراً ولا يؤثر أثراً، ولا يستتبع
بالرّغبة ولا بالرهبة أحدًا، ولا يبلغ أحداً قولاً ولا كتابًا . فحصر أهل خراسان
من أن يُستمالوا برغبة ، أو أن تُودع صدورهم رهبة ، أو يحملوا على منزل
خلاف أو مفارقة . ثم وضع على مراصد الطرق ثقاتٍ من الحرّاس لا يجوز
عليهم إلا من لا يدخل الظّة فى أمره ممن أتى بجواز فى مخرجه إلى دار مآبه ،
أو تاجر معروف مأمون فى نفسه ودينه، ومُنع الأشتاتات (٢) من جواز السُّبل
والقَطْع بالمتاجر والوُغول فى البلدان فى هيئة الطارئة والسابلة، وفُتِّشَت الكُب.
وكان-فيماذكر- أوّل مَنْ أقبل من قِبَل محمد مناظراً فى منعه ما كان سأل
جماعة، وإنماوُجِّهوا ليعْلَم أنهم قدعاينوا وسمعوا، ثم يلتمس منهم أن يبذلوا أو يحرموا
فيكون مما قالوا حجة يحتج بها، أوذريعة إلى ما التمس [منها]. فلما صاروا إلى
حدّ الرىّ، وجدوا تدبيراً مؤيّداً، وعَقْداً مستحصَداً متأكداً ، وأخذتهم
الأحراس من جوانبهم ، فحفظوا فى حال ظعنهم وإقامتهم من أن يخبروا
أو يستخبَروا، وكُتب بخبرهم من مكانهم ، فجاء الإذن فى حملهم
٧٨٣/٣
(١) ا: ((الأبناء؟
(٢) ا: ((الأسبابات)).

٣٨٠
سنة ١٩٤
فحملوا محروسين ؛ لا خبرَ يصل إليهم ، ولا خبر يتطلع منهم إلى غيرهم ؛
وقد كانوا مُعَدِّين لبثّ الخبر فى العامة وإظهار الحجة بالمفارقة والدعاء لأهل
القوّة إلى المخالفة ؛ يبذلون الأموال ، ويضمنون لهم معظم الولايات والقطائع
والمنازل ؛ فوجدوا جميع ذلك ممنوعًا محسومًا ؛ حتى صاروا إلى باب المأمون .
وكان الكتاب النافذ معهم إلى المأمون :
٧٨٤/٣
أما بعد؛ فإن أمير المؤمنين الرّشيد وإن كان أفردك بالطّرْف، وضمّ ما ضمّ
إليك من كُور الجبل؛ تأييداً لأمرك، وتحصينًا لطرفك؛ فإنّ ذلك لا يُوجب
لك فضلة المال عن كفايتك . وقد كان هذا الطَّرْف وخراجه كافيًا لحدثه ،
ثم تتجاوز بعد الكفاية إلى ما يفضل من ردّه ؛ وقد ضمّ لك إلى الطرف كوراً
من أمهات كوّر الأموال لا حاجة لك فيها ، فالحقّ فيها أن تكون مردودةً
فى أهلها ، ومواضع حقها . فكتبت إليك أسألك ردّ تلك الكور إلى ما كانت
عليه من حالها ؛ لتكون فضول ردّها مصروفة إلى مواضعها؛ وأن تأذن لقائم
بالخبر يكون بحضرتك يؤدّى إلينا علم ما نُعنّ به من خبر طرْفك؛ فكتبتَ
تلطّ(١) دون ذلك بما إن تمّ أمرُك عليه صيَّرَّنا الحقُّ إلى مطالبتك؛ فائن عن
همك اثن عن مطالبتك ، إن شاء الله .
فلمّاً قرأ المأمون الكتاب كتب مجيبًا له :
أما بعد؛ فقد بلغنى كتابُ أمير المؤمنين ، ولمْ يكتب فيما جهل فأكشفَله
عن وجهه، ولمْ يسأل ما يوجبه حقّ فيلزمنى الحجة بترك إجابته ؛ وإنما
يتجاوز المتناظران(٢) منزلة النصفة ما ضاقت النّصفة عن أهلها ؛ فمتى تجاوز
متجاوز - وهى موجودة الوسع - ولم يكن تجاوزها إلاّ عن نقضها واحتمال
ما فى تركها ؛ فلا تبعثنى يابن أبى على مخالفتك وأنا مذ عن" بطاعتك، ولا علىّ
قطيعتك . وأنا على إيثار ما تحبّ من صلتك ، وارْضَ بما حكم به الحقّ فى
أمرك أكن بالمكان الذى أنزلنى به الحق فيما بينى وبينك. والسلام .
٧٨٥/٣
ثم أحضر الرّسل ، فقال : إنّ أمير المؤمنين كتب فى أمرٍ كتبتُ له فى
جوابه ، فأبلغوه الكتاب ، وأعلموه أنى لا أزال على طاعته ؛ حتى يضطرنى
(٢) كذا فى ا، وفى ط: ((المناظران)).
(١) تلط : تجحد .