Indexed OCR Text
Pages 41-60
١ ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التى كانت فيها فمن ذلك ما كان من قَتْل الخوارج فيها معنَ بن زائدة الشيبانىّ ببُسْت سجسْتان . وفيها غزا حُميد بن قَحْطبة كابُل، وكان المنصور ولاّه خراسان فى سنة ثنتين وخمسين ومائة . وغزا - فيما ذكر - الصائفة عبدُالوهاب بن إبراهيم ولم يُدْرِب(١). وقيل إن الذى غزا الصائفة فى هذه السنة محمد بن إبراهيم . وفيها عزل المنصور جابر بن توْبة عن البصرة، وولا ها يزيد بن منصور. وفيها قتل أبو جعفر هاشم بن الأشتاخَنَج ، وكان عصى وخالف فى إفريقية، فحمل إليه هو وابن خالد المرور وذىّ، فقتل ابن الأشتاخنج بالقادسيّة ، وهو متوجّه إلى مكة . # وحجّ بالناس فى هذه السنة المنصور ؛ فذكر أنه شخص من مدينة السّلام فى شهر رمضان ، ولا يعلم بشخوصه محمد بن سليمان ، وهو عامله على الكوفة يومئذ ، ولا عيسى بن موسى ولا غيرهما من أهل الكوفة حتى قرُّب منها . وفيها عزل يزيد بن حاتم عن مصر ووليتها محمد بن سعيد . ٣٧٠/٣ # وكان عمّال الأمصار فى هذه السنة هم العمال فى السنة الحالية (٢) إلا البَصْرة فإن عاملها فى هذه السنة كان يزيد بن منصور، وإلاّ مِصْر فإن عاملها كان فى هذه السنة محمد بن سعيد . (١) الدرب: كل مدخل إلى بلاد الروم؛ وأدرب القوم: إذا دخلوا أرض العدو من بلاد الروم. (٢) ج: ((الماضية)). ٤٢ ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك تجهيز المنصور جيشًا فى البحر لحرب الكرك (١)، بعد مقدمه" البَصْرة، منصرفًا من مكة إليها بعد فراغه من حَجّه، وكانت الكرك أغارتْ على جُدّة ، فلما قدم المنصور البصرة فى هذه السنة جهز منها جيشًا لحربهم ، فنزل الجسر الأكبر حين قدمها - فيما ذكر . وقدْمته هذه البصرة القَدْمة الآخرة . وقيل إنه إنما قدمها القدمة الآخرة فى سنة خمس وخمسين ومائة ، وكانت قدمته الأولى فى سنة خمس وأربعين ومائة ، وأقام بها أربعين يومًا ، وبنى بها قصراً ثم انصرف منها إلى مدينة السلام . ٠ وفيها غضب المنصور على أبى أيوب الموريانىّ ، فحبسه وأخاه وبنى أخيه: سعيداً ومسعوداً وُنخلَّدًا ومحمداً ، وطالبهم . وكانت منازلهم المناذر ، وكان سبب غضبه عليه - فيما قيل - سَعْىُ أبان بن صدقة كاتب أبى أيوب إليه . * وفى هذه السنة قتل عمر بن حفص بن عثمان بن أبي صفرة بإفريقية ، قتله أبو حاتم الإباضىّ وأبو عاد ومن كان معهما من البربر، وكانوا - فيما ذكر- ثلثمائة ألف وخمسين ألفاً ، الخيل منها خمسة وثلاثون ألفًا، ومعهم أبو قُرّة الصُّفْرىّ فى أربعين ألفًا، وكان يسلّم عليه قبل ذلك بالخلافة أربعين يوماً. ٣٧١/٣ وفيها حُمِل عبّاد مولى المنصور وهرثمة بن أعين ويوسف بن علوان من خُراسان فى سلاسل ، لتعصّبهم لعيسى بن موسى . وفيها أخذ المنصور الناس بلبس القَلانس الطّوال المفرطة الطول ، وكانوا - فيما ذكر - يحتالون لها بالقصب من داخل ، فقال أبو دلامة: (١) ج: ((الكرد)). ٤٣ سنة ١٥٣ فزاد الإِمامُ المصطفى فى القلانِسِ وكنا نُرَجِّى من إِمامٍ زيادةً دِنان يهود جُلِّلَتْ بالبرانسِ تراها على هامِ الرِّجال كأنها وفيها توفّى عبيد بن بنت أبى ليلى قاضى الكوفة ، فاستقضى مكانه شريك ابن عبد الله النّخَعِىّ. وفيها غزا الصّائفة معيوف بن يحيى الحجورىّ ، فصار إلى حصن من حصون الروم ليلاً، وأهله نيام ، فسبى وأسر مَنْ كان فيه من المقاتلة ، ثم صار إلى اللاذقية المحترقة ، ففتحها وأخرج منها ستة آلاف رأس من السَّبْى سوى الرّجال البالغين. وفيها ولّى المنصور بكَّارَ بن مسلم العقيلىّ على إرمينيّة . وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن أبى جعفر المهدىّ . وكان على مكة والطائف يومئذ محمد بن إبراهيم ، وعلى المدينة الحسن بن زيد بن الحسن ، وعلى الكوفة محمد بن سليمان ، وعلى البصرة يزيد بن منصور ، وعلى قضائها سوّار ، وعلى مصر محمد بن سعيد . وذكر الواقدىّ أن يزيد بن منصور كان فى هذه السنة والى اليمن من قبل أبى جعفر المنصور . ٣٧٢/٣ ٤٤ ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة ذکر الخبر عما کان فيها من الأحداث فمن ذلك خروجُ المنصور إلى الشام ومسيره إلى بيت المقدس وتوجيهه يزيد بن حاتم إلى إفريقية فى خمسين ألفاً - فيما ذكرٍ - لحرب الخوارج الذين كانوا بها ، الذين قتلوا عامله عمر بن حفص. وذكر أنه أنفق على ذلك الجيش ثلاثةً وستين ألف ألف درهم . وفى هذه السنة عزم المنصور - فيما ذكر - على بناء مدينة الرافقة، فذكر عن محمد بن جابر ، عن أبيه أنّ أبا جعفر لما أراد بناءها ، امتنع أهل الرّقة، وأرادوا محاربته ، وقالوا : تعطّل علينا أسواقنا وتذهب بمعايشنا (١) ، وتضيق منازلنا؛ فهمّ بمحاربتهم ، وبعث إلى راهب فى الصومعة هنالك ، فقال له : هل لك علم بأنّ إنسانًا يبنى ها هنا مدينة ؟ فقال: بلغنى أنّ رجلا يقال له مقلاص يبنيها ، فقال : أنا والله مقلاص . وذكر محمد بن عمر أن صاعقة سقطت فى هذه السنة فى المسجد الحرام فقتلت خمسة نفر . وفيها هلك أبو أيوب الموريانىّ وأخوه خالد ، وأمر المنصور موسى بن دينار حاجب أبى العباس الطوسىّ بقطع أيدى بنى أخى أبى أيوب وأرجلهم وضرب أعناقهم ؛ وكتب بذلك إلى المهدىّ ، ففعل ذلك موسى وأنفذ فيهم ما أمره به . وفيها ولّى عبد الملك بن ظَبْيان النميرىّ على البصرة. وغزا الصائفة فى هذه السنة زُفَر بن عاصم الهلالىّ فبلغ الفرات. وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن إبراهيم ، وهو عامل أبى جعفر على مكة والطائف . ٣٧٣/٣ (١) ط: ((بمعائشنا)). وهو خطأ. ٤٥ سنة ١٥٤ وكان على المدينة الحسن بن زيد ، وعلى الكوفة محمد بن سليمان ، وعلى البصرة عبد الملك بن أيوب بن ظَبْيان . وعلى قضائها سوّار بن عبد الله وعلى السَّنْد هشام بن عمرو، وعلى إفريقيّة يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد ابن سعيد . ٤٦ ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة ذکر الخبر عن الأحداث التى كانت فيها فمن ذلك افتتاح يزيد بن حاتم إفريقيّة وقتلُه أبا عاد وأبا حاتم ومَنْ كان معهما ، واستقامت بلاد المغرب، ودخل يزيد بن حاتم القَيْروان . وفيها وجَّه المنصور ابنه المهدىّ لبناء مدينة الرّافقة، فشخص إليها ، فبناها على بناء مدينته ببغداد فى أبوابها وفصولها ورحابها وشوارعها وسور سورها وخندقها ، ثم انصرف إلى مدينته . وفيها - فيما ذكر محمد بن عمر - خندق أبو جعفر على الكوفة والبصرة ، وضرب عليهما سوراً ، وجعل ما أنفق على سور ذلك وخندقه من أموال أهله . وعزل فيها المنصور عبد الملك بن أيوب بن ظَبْيان عن البصرة ، واستعمل عليها الهيثم بن معاوية العتكىّ، وضم إليه سعيد بن دَعْلَج، وأمره ببناء سور لها يُطيف بها ، وخندق عليها من دون السّور من أموال أهلها ، ففعل ذلك . وذكر أن المنصور لما أراد الأمر ببناء سُور الكوفة وبحفر خندق لها ، أمر بقسمة خمسة دراهم ، على أهل الكوفة ، وأراد بذلك علم عددهم ؛ فلما عرف عددهم أمر بجبايتهم أربعين درهمًا من كل إنسان ، فجبوا ، ثم أمر بإنفاق ذلك على سُور الكوفة وحفر الخنادق لها ، فقال شاعرهم : بَالَقَوْمِىَ مَالَفِيْنَا " مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَا قَسَمَ الخمسة فينَا * وجَبَانا الأَرْبَعِينَا وفيها طلب صاحب الروم الصُّلح إلى المنصور؛ على أن يؤدّى إليه الجزية. وغزا الصائفة فى هذه السنة يزيد بن أسيد السُّلمِىّ . وفيها عزل المنصور أخاه العبّاس بن محمد عن الجزيرة، وغرَّمه مالا ، ٣٧٤/٣ ٤٧ سنة ١٥٥ وغضب عليه وحبسه ، فذكر عن بعض بنى هاشم ، أنه قال : كان المنصور ولّى العباس بن محمد الجزيرة بعد يزيد بن أُسَيد ، ثم غضب عليه فلم يزل ساخطًا علیه حتى غضب على بعض عمومته من ولد على بن عبد الله بن عباس أما إسماعيل بن على أو غيره فاعتوره أهلُه وعمومته ونساؤهم یکلِّمونه (١) فيه ، وضيقوا عليه فرضى عنه، نقال عيسى بن موسى: يا أميرَ المؤمنين ؛ إن آل علىّ بن عبد الله - وإن كانت نعمُك عليهم سابغةً - فإنهم يرجعون إلى الحسد لنا (٢)؛ فمن ذلك أنك غضبت على إسماعيل بن على" منذ أيام، فضيّقوا عليك (٣). وأنت غضبان على العباس بن محمد ، منذكذا وكذا ، فما رأيت أحداً منهم كلّمك فيه . قال : فدعا العباس فرضِىَ عنه . ٣٧٥/٣ قال : وقد كان يزيد بن أسَيْد عند عزل العباس إياه عن الجزيرة ، شكا إلى أبى جعفر العبّاس، وقال: با أميرَ المؤمنين؛ إن أخاك أساء عزلِى ، وشتم عِرْضى ، فقال له المنصور : اجمع بين إحسانى اليك وإساءة أخى يعتدلا ، فقال يزيد بن أسيد : يا أميرَ المؤمنين؛ إذا كان إحسانُكم جزاء بإساءتكم ، كانت طاعتنا تفضُّلاً منا عليكم . وفيها استعمل المنصور على حرب الجزيرة وخراجها موسى بن كعب . ٠ وفى هذه السنة عزل المنصور عن الكوفة محمد بن سليمان بن علىّ ، فى قول بعضهم ، واستعمل مكانه عمرو بن زهير أخا المسيِّب بن زهير . وأما عمر بن شبّة فإنه زعم أنه عزل محمد بن سليمان عن الكوفة فى سنة ثلاث وخمسين ومائة ، وولاّ ها عمرو بن زهير الضبّىّ أخا المسيّب بن زهير فى هذه السنة . قال : وهو حفر الخندق بالكوفة . ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور محمد بن سليمان بن علىّ ذكر أن محمد بن سليمان أتيِىَ فى عمله على الكوفة بعبد الكريم بن أبى العوجاء (١) ب: ((يطلبونه)) . (٢) ب: (لهم)). (٣) بعدها فى ابن الأثير: ((حتى رضيت عنه)). ٤٨ ٣٧٦/٣ سنة ١٥٥ - وكان خال معن بن زائدة - فأمر بحبسه . قال أبو زيد: فحدثّى قُثَم بن جعفر والحسين بن أيوبجه وغيرهما أن شفعاءه كَثُروا بمدينة السلام ، ثم ألحُّوا على أبى جعفر، فلم يتكلّم فيه إلا ظّنين، فأمر بالكتاب إلى محمد بالكفّ عنه إلى أن يأتيه رأيُه، فكلم ابنُ أبى العوجاء أبا الجبّار - وكان منقطعًا إلى أبى جعفر ومحمد ثم إلى أبنائهما بعدهما - فقال له: إنْ أخرَّنى الأمير ثلاثة أيام فله مائة ألف ، ولك أنت كذا وكذا ، فأعلم أبو الجبار محمداً ، فقال : أُذكرتنيه واللّه وقد كنت نسيته؛ فإذا انصرفت من الجمعة فأذكِرْنيه. فلما انصرف أذكره ، فدعا به وأمر بضرب عنقه ، فلما أيقن أنه مقتول ، قال : أما والله لئن قتلتمونى لقد وضعتُ أربعة آلاف حديث أحرِّم فيها الحلال ، وأحيلّ فيها الحرام؛ والله لقد فطرتكم فى يوم صومكم، وصوّمتكم فى يوم فطركم، فضربت عنقه . وورد على محمد رسول أبى جعفر بكتابه : إياك أن تحدث فى أمر ابن أبى العوجاء شيئًا، فإنك إن فعلتَ فعلتُبُك وفعلتُ ... يتهدّده. فقال محمد الرسول: هذا رأس ابن أبى العوجاء وهذا بدنُه مصلوبًا بالكُناسة ، فأخِرْ أمير المؤمنين بما أعلمتك ؛ فلما بلَّغ الوسولُ أبا جعفررسالته ، تغيّظ عليه وأمر بالكتاب بعزله وقال: والله لهممتُ(١) أن أقيده به، ثم أرسل إلى عيسى بن علىّ فأتاه، فقال : هذا عملك أنت ! أشرت بتولية هذا الغلام ، فوليتُه غلامًا جاهلا لا علم" له بما يأتى؛ يُقدم على رجل يقتله من غير أن يطَّلع رأيى فيه، ولا ينتظر أمرى ! وقد كتبت بعزله ؛ وبالله لأفعلن به ولافعلن" ... یتهدّده ، فسكتعنه عيسى حتى سكن غضبُه ، ثم قال : يا أميرَ المؤمنين ؛ إن محمداً إنما قتل هذا الرجل على الزّندقة، فإن كان قتلُه صوابًا فهولك، وإن كان خطأ فهو على محمد ، وائلّه يا أمير المؤمنين لئن عزلتَه على تفيّة ما صنع ليذهبنّ بالثناء والذكر ، ولترجعنّ القالة من العامّة عليك. فأمر بالكتب فمُزِّقْت وأقِر" (٢) على عمله. وقال بعضهم : إنما عزل المنصور محمد بن سليمان عن الكوفة لأمور قبيحة ٣٧٧/٣ (١) ج: ((لقد هممتَ)). (٢) ج. ((وأقره )). ٤٩ سنة ١٥٥ بلغتْه عنه ، اتهمه فيها ؛ وكان الذى أنهى ذلك إليه المساور بن سوّار الجَوْمىّ صاحب شُرطه ، وفى مساور يقول حمَّاد(١). الحَسْبُك من عجيبِ الدّهْرِ أَنِّى(٢) أَخاف وأَنَّعى سلطانَ جَرْمِ وفى هذه السنة أيضًا عزل المنصور الحسن بن زيد عن المدينة ، واستعمل عليها عبدَ الصّمد بن علىّ، وجعل معه فُلَيْح بن سليمان مشرفًا عليه. وكان على مكة والطائف محمَّد بن إبراهيم بن محمد، وعلى الكوفة عمرو بن زهير، وعلى البصرة الهيثم بن معاوية ، وعلى إفريقيّة يزيد بن حاتم ، وعلى مصر محمد بن سعيد . (١) هو حماد عجرد؛ وانظر أخباره فى الأغانى ٤: ٣٢١ - ٣٨١. (٢) ب: ((بحسبك)). ٥٠ ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التى كانت فيها # ٠ [ ذكر الخبر عن مقتل عمرو بن شداد ] فمن ذلك ما كان من ظَفَر الهيثم بن معاوية عامل أبى جعفر على البَصْرة بعمرو بن شدّاد عامل إبراهيم بن عبد اللّه على فارس، فقتل بالبصرة وصُلِب. * ذكر الخبر عن سبب الظّفَر به : ذكر عمر أن محمّد بن معروف حدّثه ، قال : أخبرنى أبى ، قال : ضرب عمرو بن شدّاد خادمًا له، فأتى عامل البصرة - إما ابن دعْلج، وإما الهيثم ابن معاوية - فدله علیه، فأخذه فقتله وصلبه فى المربد فى موضع دار إسحاق ابن سليمان . وكان عمرو مؤلَى لبنى جُمح ، فقال بعضهم : ظفر به الهيثم ابن معاوية وخرج يريد مدينة السلام ، فنزل بقصر له على شاطئ نهر يعرف بنهر معقل ، فأقبل بريد من عند أبى جعفر ، ومعه كتاب إلى الهيثم بن معاوية بدفع عمرو بن شداد إليه ، فدفعه الهيثم إليه، فأقدمه البصرة، ثم أتى به ناحية الرّحبة ، فخلابه يسائله، فلم يظفر منه بشىء يحبّ علمَه، فقطع يديْه ورجليه، وضرب عنقه وصلبه فى مَرْبد البصرة . ٣٧٨/٣ ... وفى هذه السنة عزل المنصور الهيثم بن معاوية عن البصرة وأعمالها ، واستعمل سوّار بن عبد الله القاضى على الصلاة، وجمع له القضاء والصّلاة . وولى المنصور سعيد بن دعْلج شُرط البصرة وأحداثها . وفيها تُوُفِّىَ الهيثم بن معاوية بعد ما عزل عن البصرة فجأة بمدينة السلام ، وهو على بطن جارية له ، فصلَّى عليه المنصور ، ودفن فى مقابر بنى هاشم . وفى هذه السنة غزا الصائفةَ زُفَرُ بن عاصم الهلالىّ. ١ سنة ١٥٦ وحجّ بالناس فى هذه السنة العباس بن محمد بن علىّ . ٠ ٠٠ وكان العامل على مكة محمد بن إبراهيم، وكان مقيماً بمدينة السلام، وابنه إبراهيم بن محمد خليفته بمكة ؛ وكان إليه مع مكة الطائف . وعلى الكوفة عمرو بن زهير، وعلى الأحداث والجوالى والشُّرط وصدقات أرض العرب بالبصرة سعيد بن دعْلج ، وعلى الصلاة بها والقضاء سوّار بن عبد اللّه، وعلى كُور د جلة والأهواز وفارس ◌ُمارة بن حمزة، وعلى كِرْمان والسُّنْد هشام بن عمرو، وعلى إفريقيّة يزيد بن حاتم ، وعلى مصر محمد بن سعيد . ٣٧٩/٣ بـ ٥٢ ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فما كان فيها من ذلك ابتناء المنصور قصره الذى على شاطئ دجلة ؛ الذى يدعى الخُلْد ، وقسّم بناءه على مولاه الربيع وأبان بن صدقة . وفيها قُتل يحيى أبو زكرياء المحتسب ؛ وقد ذكرنا قبلُ سببَ قتله إياه . وفيها حوّل المنصور الأسواق من مدينة السلام إلى باب الكَرْخ وغيره من المواضع ، وقد مضى أيضًا ذكرُنا سبب ذلك قبل . وفيها ولّى المنصور جعفر بن سليمان على البحرين، فلم يتمّ ولايته، ووجّه مكانه أميراً عليها سعيد بن دعْلج ؛ فبعث سعيد ابنه تميماً عليها . وفيها عرض المنصور جنده فى السلاح والخيل على عينه فى مجلس اتَّخذه على شطّ دِجْلة دون قُطْرَبُّل ، وأمر أهل بيته وقرابته وصحابته يومئذ بلبس السلاح ، وخرج وهو لابس درعاً وقلنسوة تحت البَيْضة سوداء لاطئة مضرّبة (١) . ٣٨٠/٣ وفيها توفى عامر بن إسماعيل المسلىّ، بمدينة السلام، فصلّى عليه المنصور، وُدُفِن فى مقابر بنى هاشم . وفيها تُوُفَّىَ سوّار بن عبد الله وصلّى عليه ابنُ دعلَج، واستعمل المنصور مكانه عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبرىّ . وفيها عقد المنصور الجسر عند باب الشعير ، وجرى ذلك على يد حميد القاسم الصّيْرفىّ ، بأمر الربيع الحاجب . وفيها عُزِل محمد بن سعيد الكاتب عن مصر ، واستُعمل عليها متطر مولى أبى جعفر المنصور . (١) كذا فى ب هـ؛ وهو الصواب؛ وفى ط: ((مصرية)). ٥٣ سنة ١٥٧ وفيها وُلَى معبد بن الخليل السِّنْد ، وعُزِل عنها هشام بن عمرو ، ومعبد يومئذ بخراسان ؛ کتب إليه بولايته . وغزا الصائفة فيها يزيد بن أسيد السُّلمىّ، ووجّه سناناً مولى البطّال إلى بعض الخصون ، فسبي وغنم . وقال محمد بن عمر : الذى غزا الصائفةَ فى هذه السنة زُفر بن عاصم. وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله ابن عباس . قال محمد بن عمر : كان على المدينة - يعنى إبراهيم هذا . وقال غيره: كان على المدينة فى هذه السنة عبد الصمد بن علىّ، وكان على مكة والطائف محمد بن إبراهيم ، وعلى الأهواز وفارس عمارة بن حمزة ، وعلى كَرْمان والسِّنْد معبد بن الخليل، وعلى مصر مطر مولى المنصور . ٥٤ ٣٨١/٣ ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ... ( ذكر الخبر عن تولية خالد بن برمك الموصل ] فمما كان فيها من ذلك توجيهُ المنصور ابنه المهدىّ إلى الرَّقة وأمرُه إياه بعزل موسى بن كعب عن الموصيل وتولية يحيى بن خالد بن بَرْمك عليها . وكان سببُ ذلك - فيما ذكر الحسن بن وهب بن سعيد عن صالح بن عطية - قال : كان المنصور قد ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف ، ونذر دمه فيها ، وأجله (١) ثلاثة أيام بها، فقال خالد لابنه يحيى : يا بنىّ ، إنى قد أوذیت وطُولبت بما ليس عندى ، وإنما يراد بذلك دمى ؛ فانصرف إلى حرمتك وأهلك ، فما كنت فاعلا بهم بعد موتى فافعله . ثم قال له : يا بنىّ ، لا يمنعفّك ذلك من أن تلقى إخواننا، وأن تمرّ بعمارة بن حمزة وصالح صاحب المصلَّى ومبارك التركىّ فتعلمهم حالنا . قال : فذكر صالح بن عطية أنّ يحيى حدّثه ، قال : أتيتهم فمنهم من تجهَّمنى وبعث بالمال سرًّاً إلى٣ (٢)، ومنهم مَنْ لم يأذن لى، وبعث بالمال فى أثرى . قال : واستأذنتُ على عمارة بن حمزة ، فدخلت عليه وهو فى صَحْن داره، مقابل بوجهه الحائط ؛ فما انصرف إلىّ بوجهه، فسلّمت عليه ، فردّ علىّ رَدًّا ضعيفًا، وقال: يا بُنىّ؛ كيف أبوك ؟ قلت : بخير ، يقرأ عليك السلام ويعلمك ما قد لزمه من هذا الغُرْم ، ويستسلفك مائة ألف درهم . قال : فما ردّ علىّ قليلا ولا كثيراً، قال : فضاق بى موضعى ، ومادتْ بى الأرضُ. قال: ثم كلَّمتُه فيما أتيته له . قال : فقال : إن أمكننى شىء فسيأتيك، قال يحيى: فانصرفتُ وأنا أقول فى نفسى: لعن الله كلّ شىء يأتى ٣٨٢/٣ (٢) ج: ((على)) (١) ب: ((وأحله)). ٥٥ سنة ١٥٨ من تِيهك وعُجْبك وكبرك! وصرت إلى أبى ، فأخبرته (١) الخبر، ثم قلت له : وأراك تثق من عمارة بن حمزة بما لا يوثق به ! قال : فوالله إنى لكذلك ؛ إذ طلع رسولُ عمارة بن حمزة بالمائة ألف، قال: فجمعنا فى يومين ألفيْ ألف وسبعمائة ألف، وبقيت ثلثمائة ألف بوجودها يتمّ ما سعينا له (٢)، وبتعذّرها يبطل . قال: فوالله إنى لعلى الجسر ببغداد مارًا مهمومًا مغموماً؛ إذ وثب إلىّ زاجر ، فقال : فرخ الطائر أخبرك! قال : فطويتُه مشغول القلب عنه ، فلحقنى وتعلَّقَ بلجامى، وقال لى: أنت واللّه مهموم، وواللّه ليُفْرِجَنَّ اللّه همّك، ولتمرّنّ غداً فى هذا الموضع واللواء بين يديك. قال: فأقبلتُ أعجب من قوله . قال : فقال لى : إن كان ذلك فلى عليك خمسة آلاف درهم ؟ قلت : نعم ۔ ولو قال خمسون ألفًا لقلت نعم، لبعد ذلك عندی من أن یکون - قال : ومضيتُ . وورد على المنصور انتقاضُ الموصل وانتشارُ الأكراد بها ، فقال: مَنْ لها ؟ فقال له المسيّب بن زهير - وكان صديقًا لخالد بن برمك: عندى يا أمير المؤمنين رأى، أرى أنك لا تنتصحه (٣)؛ وأنك ستلقانى بالرد"، ولكنى لا أدَع نصحَك فيه والمشورة عليك به ، قال : قل ، فلا أستغشّك ، قلت : يا أمير المؤمنين ما رميتها بمثل خالد ، قال : ويحك ! فيصلح لنا بعد ما أتينا إليه ! قال : نعم يا أمير المؤمنين؛ إنما قوَّمتَه بذلك وأنا الضامن عليه ، قال : فهو لها واللّه، فليحضرنى غداً. فأحضِر ، فصفح له عن الثلثمائة ألف الباقية ، وعقد له . قال يحيى : ثم مررتُ بالزاجر ، فلما رآنى قال : أنا هاهنا أنتظرك منذ غُدوة ، قلت : امض معِى، فمضى معى ، فدفعتُ إليه الخمسة الآلاف. قال : وقال لى أبى: أى بُنىّ؛ إن مُمارة تلزمه حقوق ، وتنوبه نوائب فأته ، فأقرئه (٤) السلام، وقل له: إن الله قد وهب لنا رأىَ أمير المؤمنين، وصفح لنا عما بقى علينا، وولا نى (٥) الموصل؛ وقد أمر بردّ ما استسلفت (٦) منك . قال : فأتيته فوجدته على مثل الحال التى لقيتُه عليه ، فسلمت فما ردّ (٢) ب: ((عليه)). (١) ج: ((فأعلمنه)). (٤) ط: ((فاقرأه)) وهو خطأ. (٣) ج: ((تتنصحه)). (٦) ج: ((استسلف)). (٥) ج: ((ووقد ولانى)). ٣٨٣/٣ ٥٦ سنة ١٥٨ السلام علىّ ، ولا زادنى على أن قال : كيف أبوك ؟ قلت : بخير ، يقول كذا وكذا ، قال : فاستوى جالسًا، ثم قال لى : ما كنتُ إلا قسطاراً (١) لأبيك؛ يأخذ منى إذا شاء، ويردّ إذا شاء! قمْ عنى لا قمتَ! قال: فرجعتُ إلى أبى فأعلمته ، فقال لى أبى: يا بنىّ، هو ◌ُمارة ومَنْ لا يعترض عليه ! قال : فلم يزل خالد على الموصل إلى أن توفّى المنصور ويحي على أذر بيجان ، فذكر عن أحمد بن محمد بن سوار الموصلى أنه قال: ما هِبْنا قطّ أميراً هيبتنا خالد بن برمكٍ من غير أن تشتدّ عقوبتُه، ولانرى منه جَبَرِيّة ؛ ولكن هيبة كانت له فى صدورنا . ٣٨٤/٣ وذكر أحمد بن معاوية بن بكر الباهلىّ، عن أبيه ، قال: كان أبو جعفر غضب على موسى بن كعب - وكان عامله على الجزيرة والموْصِل - فوجه المهدىّ إلى الرَّقة لبناء الرّافقة، وأظهر أنه يريد بيتَ المقدس ، وأمره بالمرور والمضىّ على الموصل، فإذا صار بالبلد أخذ موسى بن كعب فقيَّده، وولّى خالد بن بَرْمك الموصل مكانه ، ففعل المهدىّ ذلك، وخلّف خالداً على الموصل، وشخص معه أخوا خالد: الحسن وسليمان ابنا برمك، وقد كان المنصور دعا قبل ذلك يحيى بن خالد ، فقال له : قد أردتك لأمر مهمّ من الأمور ، واخترتُك لثغر من الثغور؛ فكن على أهبة ؛ ولا يعلم بذلك أحد حتى أدعُوّ بك . فكتم أباه الخبر ؛ وحضر الباب فيمن حضر ؛ فخرج الرّبيع ، فقال: يحيى بن خالد! فقام فأخذ بيده ، فأدخله على المنصور ، فخرج على النَّاس وأبوه حاضر واللواء بين يديه على أذر بيجان ، فأمر الناسَ بالمضىّ معه ، فمضوا فى موكبه ، وهنئوه وهنئوا أباه خالداً بولايته ، فاتَّصل عملهما . وقال أحمد بن معاوية : كان المنصور معجبًا بيحيى ، وكان يقول : ولد الناس ابناً وولد خالد (٢) أباً . وفى هذه السنة نزل المنصورُ قصرَه الذى يعرف بالخُلْد . وفيها سخط المنصور على المسيّب بن زهير وعزله عن الشُّرطة ، وأمر (٢) ط: ((يحيى، وهو خطأ صوابه من هـ . (١) القسطار : منتقد الدراهم. ٥٧ سنة ١٥٨ بحبسه وتقييده ، وكان سبب ذلك أنه قتل أبان بن بشير الكاتب بالسِّاط ، لأمرٍ كان وجَد عليه فيما كان من شركته لأخيه عمرو بن زهير فى ولاية الكوفة وخراجها ، وولّ مكان المسيّب الحكم بن يوسف صاحب الحرب، ثم كلَّم المهدىّ أباه فى المسيِّب، فرضى عنه بعد حبسه إيَّه أيامًا، وأعاد إليه ما كان يلى من شُرَطه . وفيها وجَّه المنصور نصرَ بن حرب التميمىّ واليًا على ثغر فارس. وفيها سقط المنصور عن دابته بَجْجَرَايا ، فانشجَّ ما بين حاجبيه ؛ وذلك أنه كان خرج لمّا وجبه ابنه المهدى إلى الرّقة مشيِّعًا له، حتى بلغ موضعاً يقال له جُبّ سُمّاقا، ثم عدل إلى حَوْلايا، ثم أخذ على النَّهروانات فانتهى - فيما ذكر - إلى بَثْق (١) من النّهروانات يصبّ إلى نهر دَيَالَى، فأقام على سَكْره (٢) ثمانية عشر يوماً، فأعياه، فمضى إلى جَرْ جَرايا، فخرج منها للنظر إلى ضَيْعة كانت لعيسى بن علىّ هناك، فصُرِع من يومه ذلك عن برذون له دَيْزج(٣)، فشُجَّ فى وجهه، وقدم عليه وهو بجَرْ جَرَايا أسارى من ناحية مُمان من الهند ، بعث بهم إليه تسنيم بن الحوارى مع ابنه محمد ، فهمّ بضرب أعناقهم ، فساءلهم فأخبروه بما التبس به أمرهم عليه ؛ فأمسك عن قتلهم وقسَّمهم بين قوّاده ونُوّابه . ٣٨٥/٣ وفيها انصرف المهدىّ إلى مدينة السلام من الرّقّة فدخلها فى شهر رمضان . وفيها أمر المنصور بمرَمَّة القصر الأبيض ، الذى كان كسرى بناه ، وأمر أن يغرَّم كلّ مَنْ وُجد فى داره شئ من الآجرّ الحُسروانىّ، مما نقضه من بناء الأكاسرة ، وقال : هذا فىء المسلمين ، فلم يتم ذلك ولا ما أمر به من مرسَّة القصر . وفيها غزا الصائفةَ معيوف بن يحيى من دَرْب الحدث ، فلقى العدوّ فاقتتلوا ثم تحاجزوا . (١) بثق النهر: كسر شطه لينبثق الماء، واسم الموضع البثق، بفتح وبكسر. وفى ج : (٣) فى اللسان : الدزج ، لا أعرف (شق)). (٢) سكر النهر: سد فاه . معناه ها هنا؛ إلا أن الديزج معوب ديزه، وهى لون بين لونين غير خالص)). ٥٨ سنة ١٥٨ [ ذكر الخبر عن حبس ابن جريج وعباد بن كثير والثورى ] وفى هذه السنة حبس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علىّ، وهو أمير مكة - فيما ذكر - بأمر المنصور إياه بحبسهم: ابن جريج وعبّاد بن كثير والثورىّ، ثمّ أطلقهم من الحبس بغير إذن أبى جعفر ، فغضب عليه أبو جعفر . ٣٨٦/٣ وذكر عمر بن شبَّة أن محمد بن عمران مولى محمد بن إبراهيم بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس حدثه عن أبيه، قال: كتب المنصور إلى محمد ابن إبراهيم - وهو أمير على مكة - يأمره بحبس رجل من آل علىّ بن أبى طالب كان بمكة ، ويحبس ابن جُريج وعباد بن كثير والثورىّ ، قال : فحبسهم ؛ فكان له ◌ُمَّار يسامرونه بالليل ؛ فلما كان وقت سمره جلس وأكبّ على الأرض ينظر إليها ، ولم ينطق بحرف حتى تفرّقوا . قال : فدنوتُ منه فقلت له : قد رأيتُ ما بك ، فما لك ؟ قال : عمَدَتُ إلى ذى رحِمٍ فحبستُهُ، وإلى عيون من عيون الناس فحبستُهم، فيقدم أميرُ المؤمنين ولا أدرى ما يكون؛ فلعلّه أن يأمر بهم فيقتلوا، فيشتدَّ سلطانه وأهْلِكَ دينى ؛ قال : فقلت له : فتصنع ماذا ؟ قال : أوثر اللّه، وأطلِقِ القوم؛ اذْهَبْ إلى إبلى فخُذْ راحلةً منها، وخذ خمسين ديناراً فأت بها الطالبىّ وأقرئه السلام ، وقل له : إنّ ابن عمّك يسألك أن تحلّله من ترويعه إياك، وتركب هذه الراحلة ، وتأخذ هذه النفقة. قال : فلما أحسّ بى جعل يتعوّذ بالله من شَرِّى، فلما أبلغتُهُ قال: هو فى حلّ ولا حاجة لى إلى الرّحلة ولا إلى النفقة. قال: قلت: إنّ أطيب لنفسه أن تأخذ، ففعل. قال: ثم جئتُ إلى ابن جريج وإلى سفيان بن سعيد وعباد بن كثير فأبلغتهم ما قال ، قالوا : هو فى حلّ ، قال : فقلت لهم : يقول لكم: لا يَظهرَنّ أحد منكم ما دام المنصور مقيماً. قال : فلما قرب المنصور وجّهنى محمد بن إبراهيم بألطاف، فلما أخِرّ المنصورُ أنّ رسول محمد بن إبراهيم قدم ، أمر بالإبل فضربت وجوهها . ٣٨٧/٣ قال : فلما صار إلى بئر ميمون لقيه محمد بن إبراهيم ، فلما أخبر بذلك أمر بدوابِّه فضرِبت وجوهها ، فعدل محمَّد ، فكان يسير فى ناحية . قال ٥٩ سنة ١٥٨ وعدل بأبى جعفر عن الطريق فى الشقّ الأيسر فأنيخ به، ومحمد واقف قُبالته، ومعه طبيب له؛ فلما ركب أبو جعفر وسار، وعديلُهُ الرَّبيع أمر محمد الطبيب فمضى إلى موضع مناخ أبى جعفر ، فرأى نجْوه ، فقال لمحمد : رأيتُ نجوّ رجل لا تطول به الحياة ؛ فلما دخل مكة لم يلبث أن مات وسليم محمد . [ ذكر الخبر عن وفاة أبى جعفر المنصور ] وفيها شخص أبو جعفر من مدينة السلام ، متوجهًا إلى مكة ؛ وذلك فى شوّال ، فنزل - فيما ذكر - عند قصر عبْدَوَيْه، فانقضّ فى مقامه هنالك كوكب ، لثلاث بقين من شوّال بعد إضاءة الفجر، فبقى أثرُه بَيِّناً إلى طلوع الشمس ، ثم مضى إلى الكوفة ، فنزل الرُّصافة ، ثم أهلّ منها بالحجّ والعُمرة ، وساق معه الهَدْىَ وأشعرَه وقلّده ؛ لأيامٍ خلت من ذى القعدة . فلما سار منازل من الكوفة عرض له وجعه الذى توفّىَ منه . واختُلف فى سبب الوجع الذى كانت منه وفاته ؛ فذكر عن علىّ بن محمد بن سليمان النوفلىّ ، عن أبيه ، أنه كان يقول : كان المنصور لا يستمرئ طعامه؛ ويشكو من ذلك إلى المتطبّبين ويسألهم أن يتخذوا له الجوارشنات (١)؛ فكانوا يكرهون ذلك ويأمرونه أن يُقلّ من الطعام، ويخبرونه أن الجوارشنات تُهضم فى الحال، وتُحدث من العلبة ما هو أشدّ منه عليه؛ حتى قدم عليه طبيب من أطبّاء الهند ، فقال له كما قال له غيره ؛ فكان يتّخذ له سفوفاً جَوارشناً يابساً ، فيه الأفاويه والأدوية الحارة ، فكان يأخذه فيهضم طعامه فأحمده . قال : فقال لى أبى : قال لى كثير من متطبّى العراق : لا يموت واللّه أبو جعفر أبداً إلا بالبَطْن ، قال: قلت له : وما علمك ؟ قال : هو يأخذ الجوارشن فيهضم طعامه؛ ويخلق من زئير معدّتِه فى كلّ يوم شيئًا ، وشحم مصارينه، فيموت ببطنه. وقال لى : اضْرب لذلك مثلاً ، ٣٨٨/٣ (١) فى اللسان: ((الجوارشن: نوع من الأدوية المركبة، يقوى المعدة، ويهضم الطعام، قال: وليست اللفظة بعربية)». ٦٠ سنة ١٥٨ أرأيت لو أنك وضعت جَرًّا على مَرْفع ، ووضعت تحتها آجرّة جديدة فقطرتْ ، أما كان قَطْرها يثقب الآجرّة على طول الذهر ! أو ما علمت أن لكلّ قطرة خدًّا! قال: فمات واللّه أبو جعفر - كما قال - بالبطن (١). ٣٨٩/٣ وقال بعضهم : کان بدءُ وجعه الذى مات فيه من حرٌ أصابه من ركوبه فى الهواجر ، وكان رجلا محروراً على سنّه ، يغلب عليه المرار الأحمر ، ثم هاض بطنه ، فلم يزل كذلك حتى نزل بستَانَ ابن عامر ، فاشتدّ به ، فرحل عنه فقصَّر عن مكة ، ونزل بثر ابن المرتفع، فأقام بها يوماً وليلة، ثم صار منها إلى بئر ميمون ؛ وهو يسأل عن دخوله الحرم ، ويوصى الرّبيع بما يريد أن يوصيته ، وتُؤُفِّىَ بها فى السَّحَر أو مع طلوع الفجر ليلة السبت لستُّ خلوْن من ذى الحجّة، ولم يحضره عند وفاته إلاخدمه والربيع مولاه ؛ فكتم الربيع موتَه، ومنع النساء وغيرهنّ من البكاء عليه والصُّراخ، ثم أصبح فحضر أهلُ بيته كما كانوا يحضرون ، وجلسوا مجالسهم ؛ فكان أول من دعى به عيسى بن علىّ ، فمكث ساعة ، ثم أذن لعيسى بن موسى - وقد كان فيما خلا يقدَّم فى الإذن على عيسى بن علىّ ، فكان ذلك مما ارتيب به - ثم أذن للأكابر وذوى الأسنان من أهل البيت ، ثم لعامَّتهم ؛ فأخذ الربيع بيعتَهم لأمير المؤمنين المهدىّ ولعيسى بن موسى من بعده، على يد موسى بن المهدىّ حتى فرغ من بيعة بنى هاشم؛ ثم دعا بالقوّاد فبايعوا ولم ينكل منهم عن ذلك رجلٌ إلا علىّ ابن عيسى بن ماهان ؛ فإنه أبى عند ذكر عيسى بن موسى أن يبايع له ، فلطمه محمد بن سليمان ، وقال: ومن هذا العلج! وأمصّه (٢) ، وهمّ بضرب عنقه، فبايع، وتتابع الناس بالبيعة . وكان المسيب بن زهير أوّلَ من استثنى فى البيعة، وقال : عيسى بن موسى: إن كان كذلك . فأمْضَوْه. وخرج موسى بن المهدىّ إلى مجلس العامة ، فبايع مَنْ بقى من القواد والوجوه ، وتوجَّه العباس بن محمد ومحمد بن سليمان إلى مكة ليبايع أهلتها بها ؛ (١) ب: ((بالبطنة)). (٢) يقال: أمص فلان فلاناً إذا شتمه بالمصان، والمصان: شتم للرجل يعير برضع الغنم من أخلافها .