Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ سنة ١٤٧ لعيسى بن موسى الشُّرْطة - فقال لى : اخرج عنّى؛ فإن هذا الرجل قد اصطنعنى ؛ وقد بلغنى أنك قلت شعراً فى هذه البَيْعة للمهدىّ ، فأخاف إن يبلغه ذلك أن يُلزمنى لائمة لنزولك علىّ، فأزعجنى حتى خرجتُ . قال : فقال لى: يا عبد الله؛ انطلق بأبى نُخيلة فبوّئه فى منزلى موضعًا صالحًا، واستوص به وبمَنْ معه خيراً. ثمّ خبّر سليمان بن عبد الله أبا جعفر بشعر أبى نُخيلة الذى يقول فيه : حتى تُوُدِّى من يد إلى یَدِ(١) عيسى فَزَحْلَفَها إلى محمدٍ فقد رَضِينا بالغلامِ الأُمرَدِ فيكم وتَغْنَى وهى فى تزيُّدِ قال : فلما كان فى اليوم الذى بايع فيه أبو جعفر لابنه المهدىّ وقدّمه على عيسى، دعا بأبى نُخيلة، فأمره فأنشد الشَّعر؛ فكلمه سليمان بن عبدالله، وأشار عليه فى كلامه أن يُجزل له العطية ، وقال : إنه شىء يبقى لك فى الكتب، ويتحدّث الناس به على الدّهر ، ويخلُد على الأيام ؛ ولم يزل به حتى أمر له بعشرة آلاف درهم (٢) . وذكر عن حيّان بن عبدالله بن حبْران الحمانىّ، قال: حدثنى أبو نُخيلة، قال : قدمتُ على أبى جعفر، فأقمت ببابه شهراً(٣) لا أصلُ إليه، حتى قال لى ذات يوم عبد الله بن الربيع الحارثىّ: يا أبا نُخيلة، إنّ أمير المؤمنين يرشح ابنه للخلافة والعهد، وهو على تقد مته بین یدی عيسى بن موسى ، فلو قلتَ شيئًا تحثُّه على ذلك، وتذكُر فضل المهدىّ، كنت بالحرَى أن تصيب منه خيراً ومن ابنه ، فقلتُ : ٣٤٨/٣٠٠ (١) موضوعهما فى الأغانى: عيسى فَزَحْلِفْها إلى محمّدٍ لَيْسَ وَلِىّ عَهْدِنَا بِالْأَسْعَدِ حَتَّى توُدّى من يد إلى يد من عند عیسی معهداً عن معهد وفى اللسان: ((ويقال: زحلف الله عنا شرك، أى نحى الله عنا شرك))، واستشهد بالرجز. (٢) الخبر فى الأغانى ١٨: ١٥٠، ١٥١ (ساسى )، مع اختلاف فى الرواية. (٣) ج: ((أشهرا)). ٢٢ سنة ١٤٧ خلافةَ الله الَّتِى أَعطاكا(١) دُونك عبد الله أهلَ ذاکا أَصفَاك أُصفَاك بها أُصْفًا کا ثمّ نظرناكَ لَها إِيَّاكَا نعم، فَنَسْتَذْرِى إِلی ذَرَا کا فقد نَظَرنا زمناً أَباكا ونَحْنُ فِيهِمْ والھَوی ھَوَاحًا أسند إلى محمّدٍ عَصاكا فَأَحفَظُ النَّاسِ لها أَدْنَاكَا فابنُك ما اسْتَرْعَیْتَه كَفَاكَا وحِكْتُ حتى لم أَجِدْ مَحاكا فقد جَفَلتُ الرجْلَ والأُوْرَاكا وكلُّ قولٍ قلتُ فى سواكا ودُرْتُ فی هذا وذا وذا كا • زُورٌ وقد كفّر هذا ذاکاء وقلتُ أيضًا كلمتى التى أقول فيها : ◌ِيرى إلى بحرِ البحور المُزْبِدِ (٢) إِلى أَمير المؤمنينَ فاعْمِدِي ويا بنَ بيتِ العربِ المُشَيِّدِ إن الذى ولاّك ربُّ المسجد عيسى فَزَحْلَفَهَا إِلى محمد حتى تؤَّدّى من يدِ إلى يدِ فقد رضينا بالغلامِ الأُمردِ وغيرِ أَنَّ العقدَ لم يُؤَكَّدِ(٥) كانت لنا كَدَعْقَةِ الوردِ الصَّدِی(٧) ٣٤٩/٣ أنت الذی یا بن سَمِیٌّ أحمدٍ بل يا أَمِينَ الواحد المؤَبَّدِ(٣) أَمَسَى ولىُّ عهدِها بالأَسعَدِ من قبلٍ عيسى مَعْهَدًا عن معهدٍ فيكم وتغنَى وهى فى تَزَیّدٍ بل قدفرغنا غيرَ أَن لم نَشْهَدِ(٤) فلوسمِعنا قَوْلَكَ (٦)امْدُدِ امدد (١) انظر الأغانى ١٨ : ١٥٢. (٢) الأغانى ١٨: ١٥١، وفى ج: ((فاغتدى))، وقبله فى الأغانى : · إِلی الذی یندی ولا یندی نَدِ . (٣) ج: ((المؤيد)). (٤) ج: ((فزعنا)). (٦) الأغانى: ((قولك)). (٥) ب: ((العهد)). (٧) كذا فى الأغانى، وفى ط: ((بلا)). سنة ١٤٧ ٢٣ تَبينُ من يومك هذا أو غَدِ (١) فبادر الْبَيْعَةَ ورْدَ الحُشَّدِ وزاد ما شئتَ فَزِدْهُ يَزْدِ (٢) فهو الذى تمَّ فما من عُنَّدٍ فهو رداءُ السابِقِ المُقلَّدِ ورَدِّهِ منك رِداءٌ يَرْتَدِ قد كان يُرْوَى أَنها كَأَنْأ قدِ فَهْىَ تَرَامَى فَدْفدًا عن فَدْفدٍ وحان تحويلُ الغَوِىّ المُفْسِدِ عادت ولو قد فَعَلَتْ لم تَرْدُدِ(٣) حيناً، فلو قد حان وردُ الُرَّدِ قال لها اللهُ هَلُمِّی وارشُدی والمحْتِدِ المحتدِ خيْرِ المحتد فَأَصْبَحَتْ نازلةٌ بالمعهدِ بمثل قَرمِ ثابتٍ مُؤَيِّدٍ لم يُرْمِ تَذْمارَ النفوس الحُسَّدِ بُلُوا بِمَشْزُورِ القُوِى الْمُسْتحصِد لما انْتَحَوْا قَدْحاً بِزَنْدٍ مُصْلِدٍ فَدَاوِلوا باللينِ والتَّعَبْدِ يَزْدَادُ إِيقَاظاً على النَّهَدُّدِ • صَمْصَامَةً تأكلُ كلَّ مِبْرَدٍ * قال : فرويت وصارت فى أفواه الخدم ، وبلغتْ أبا جعفر ، فسأل عن قائلها، فأخبرَ أنها لرجل من بنى ستَعْد بن زيد مناة، فأعجبه، فدعانى فأدخلت عليه ؛ وإن عيسى بن موسى لعَنْ يمينه، والناس عنده، ورءوس القوّاد والجند ، فلما كنتُ بحيث يرانى ، ناديت : يا أمير المؤمنين ، أدنِنى منك حتى أفهمك وتسمع مقالتى (٤) فأومأ بيده ، فأدنِيتُ حتى كنتُ قريبًا منه، فلما صرتُ بين يديه قلتُ ورفعتُ صوتى- أنشده مِنْ هذا الموضع، ثم رجعتُ إلى أوّل ٣٥٠/٣ (١) الأغانى : فنادٍ للبيعة جمعاً نحشدٍ فى يومنا الحاضرِ هذا أو غدٍ (٢) الأغانى واصنَعْ كما شئتَ وزِدْهُ يزددٍ . (٣) الأغانى: ((ولو قد نقلت)). (٤) ج: ((كلامى)). ٢٤ سنة ١٤٧ الأرجوزة ؛ فأنشدتها من أولها إلى هذا الموضع أيضًا ، فأعدتُ عليه حتى أتيتُ على آخرها ، والناس منصتون ، وهو يتسارّ بما أنشده ، مستمعًا له ؛ فلمّا خرجنا من عنده إذا رجلٌ واضعٌ يده على منكبى ، فالتفتّ فإذا عقال بن شبّة يقول: أمّا أنت فقد سررْتَ أمير المؤمنين؛ فإن التأم الأمر على ما تحبّ وقلتَ، فلعمرى لتصيبنّ منه خيراً . وإن يك غير ذلك، فابتغ نفقاً فى الأرض أوسلّمًا فى السماء. قال: فكتب له المنصور بصلة إلى الرّىّ ، فوجّه عيسى فى طلبه ، فلُحق فى طريقه ، فذُبح وسُلخ وجهه . وقيل : قتل بعد ما انصرف من الرىّ؛ وقد أخذ الجائزة (١). وذكر عن الوليد بن محمد العنبرىّ أنّ سبب إجابة عيسى أبا جعفر إلى تقديم المهدىّ عليه كان أن سلْ بن قتيبة قال له : أيّها الرجل بايعٌ، وقدّمه على نفسك ، فإنك لن (٢) تخرج من الأمر ؛ قد جعل لك الأمر من بعده وتُرضِى أمير المؤمنين . قال: أوَ تَرَى ذلك؟ قال: نعم ، قال: فإنّى أفعل؛ فأتى سلْ المنصورَ فأعلمه إجابة عيسى، فسُرّ بذلك وعظُ قدْ رسَلْم عنده. وبايع الناس للمهدىّ ولعيسى بن موسى مِنْ بعده . وخطب المنصور خطبته التى كان فيها تقديم المهدىّ على عيسى ، وخطب عيسى بعد ذلك فقدّم المهدىَّ على نفسه ، ووفى له المنصور بما كان ضمن له . ٣٥١/٣ وقد ذكر عن بعضٍ صحابة (٣) أبى جعفر أنه قال: تذاكرْنا أمرَ أبى جعفر المنصور وأمْرَ عيسى بن موسى فى البسَيْعة وخلْعه إياها من عنقه وتقديمه المهدىّ ، فقال لى رجل من القوّاد سماه: والله الذى لا إله غيره ؛ ما كان خَلْعُهُ إياها منه إلا برضًا من عيسى وركونٍ منه إلى الدّراهم ، وقلة علمه بقَدْر الخلافة، وطلبًا للخروج منها ؛ أتى يومَ خرج للخلع فخلع نفسه ؛ وإنى لفى مقصورة مدينة السَّلام؛ إذ خرج علينا أبو عُبيد الله كاتب المهدىّ، فى جماعة من أهل خُراسان ، فتكلم عيسى، فقال: إنى قد سلّمت ولايةَ العهد (١) الأغانى ١٨: ١٥١ (ساسى). (٣) ج: ((أصحاب)). (٢) ج: ((م)). ٢٥ سنة ١٤٧ لمحمد بن أمير المؤمنين ، وقدّمتُه على نفسى ، فقال أبو عبيد اللّه : ليس هكذا أعزّ الله الأمير ؛ ولكن قُل ذلك بحقه وصدقه؛ وأخبر بما رغبت فيه ؛ فأعطِت، قال: نعم، قد بعتُ نصيبى من تقدمة ولاية العهد مِنْ عبد اللّه أمير المؤمنين لابنه محمد المهدىّ بعشرة آلاف ألف درهم وثلاثمائة ألف بينولدى فلان وفلان وفلان - سمّاهٍ- وسبعمائة ألف لفلانة امرأة من نسائه - سماها .- بطيب نفسٍ منى وحبّ ، لتصييرها إليه ، لأنه أولى بها وأحقّ ، وأقوى عليها وعلى القيام بها ؛ وليس لى فيها حقُّ لتقدمته، قليل ولا كثير؛ فما ادّعيتُه بعد يومى هذا فأنا فيه مُبطِيلٌ لا حقّ لى فيه ولا دعوى ولا طلبة. قال: واللّه وهو فى ذلك؛ ربما نسى (١) الشىء بعد الشىء فيوقفه عليه أبو عُبيد اللّه؛ حتى فرغ، حبًّاً للاستيثاق منه . وختم الكتاب وشهد عليه الشهود وأنا حاضر؛ حتى وضع عليه عيسى خطَّه وخاتَمه، والقوم جميعًا ؛ ثم دخلوا من باب المقصورة إلى القّصْر . ٣٥٢/٣ قال : وكسا أميرُ المؤمنين عيسى وابنه موسى وغيره من ولده كُسوة بقيمة ألف ألف درهم ونيّف ومائتى ألف درهم . وكانت ولاية عيسى بن موسى الكوفة وسوادها وما حولها ثلاث عشرة سنة ؛ حتى عزله المنصور، واستعمل محمد بن سليمان بن علىّ حين امتنع من تقديم المهدىّ على نفسه . وقيل : إنّ المنصور إنما ولّى محمد بن سليمان الكوفة حين ولاّه إياها ليستخفّ بعيسى؛ فلم يفعل ذلك محمد، ولم يزل معظمًا له مبجّلاً" . # وفى هذه السنة ولى أبو جعفر محمد بن أبى العباس - ابن أخيه- البَصْرة فاستعفى منها فأعفاه ، فانصرف عنها إلى مدينة السلام ، فمات بها ، فصرخت امرأته البغوم بنت علىّ بن الربيع : واقتيلاه ! فضربها رجل من الخرس بجلويز على عَجيزتها ، فتعاوره خدمٌ لمحمد بن أبى العباس فقتلوه؛ فطُلّ دمه. وكان محمد بن أبى العباس حين شخص عن البصرة استخلف بها عُقْبة (١) ج: ((ترك)). ٢٦ سنة ١٤٧ ابن سلم ، فأقره عليها أبو جعفر إلى سنة إحدى وخمسين ومائة . وحجّ بالناس فى هذه السنة المنصور . وكان عامله فيها على مكة والطائف عمّه عبد الصمد بن علىّ. وعلى المدينة جعفر بن سليمان . وعلى الكوفة وأرضها محمد بن سليمان . وعلى البصرة عُقْبة ابن سلم . وعلى قضائها سوّار بن عبد الله . وعلى مصر يزيد بن حاتم. ٣٥٣/٣ ٢٧ ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمّا كان فيها من ذلك توجيه المنصور حميد بن قحطبة إلى إرمينية لحرب الترك الذين قتلوا حَرْب بن عبد اللّه، وعاثوا بتَفْليسَ، فسار حُميد إلى إرمينية ، فوجدهم قد ارتحلوا ، فانصرف ولم يلق منهم أحداً . ٠ وفى هذه السنة عسكر صالح بن علىّ بدابق - فيما ذكر - ولم يَغْزُ. وحج بالنّاس فيها جعفر بن أبى جعفر المنصور . ٠ وكانت ولاة الأمصار فى هذه السنة ولاتها فى السنة التى قبلها . ٢٨ ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث فممّا كان فيها من ذلك غزوة العباس بن محمد الصائفة أرض الروم ، ومعه الحسن بن قَحْطبة ومحمد بن الأشعث ، فهلك محمّد بن الأشعث فى الطريق . وفى هذه السنة استثمَّ المنصور بناءَ سُور مدينة بغداد، وفرغ من خندقها وجميع أمورها . ٠ وفيها شخص إلى حديثة(١) الموصل ، ثم انصرف إلى مدينة السلام. ٣٥٤/٣ ٠ وحجّ فى هذه السنة بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علىّ بن عبد اللّه ابن عباس . وفى هذه السنة عُزِل عبد الصمد بن علىّ عن مكة، ووليَها محمد بن إبراهيم. ... وكانت عمال الأمصار فى هذه السنة العمال الذين كانوا عمالها فى سنة سبع وأربعين ومائة وسنة ثمان وأربعين ومائة؛ غير مكة والطائف؛ فإنّ واليهما كان فى هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس. (١) ج: ((مدينة الموصل)). ٢٩ ثم دخلت سنة خمسين ومائة ذكر الخبر عماً كان فيها من الأحداث ٠ [ ذكر خروج أستاذ سيس ] فممّا كان فيها من ذلك خروج أستاذسيس فى أهل هَراة وباذَ غيس وسجسْتان وغيرها من عامّة خُراسان، وساروا حتى التقوا هم وأهل مَرْ والروذ، فخرج إليهم الأجثم المرْورُّوذِىّ فى أهل مَرْو الرّوذ ، فقاتلوه قتالاً شديداً حتى قتل الأجثم ، وكثر القتل فى أهل مَرْوالرّوذ ، وهزم عدّة من القوّاد ؛ منهم معاذ بن مسلم بن معاذ وجبرئيل بن يحيى وحمّاد بن عمرو وأبو النّجْم السُّجستانىّ وداود بن كَرّاز؛ فوجّه المنصور وهو بالبرد ان خازم ابن خزيمة إلى المهدىّ؛ فولاه المهدىّ محاربة أستاذسيس، وضمّ القوّاد إليه . فذكرٍ أن معاوية بن عبيد اللّه وزير المهدىّ كان يوهن أمر خازم، والمهدىّ يومئذ بنيسابور ، وكان معاوية يخرج الكتب إلى خازم بن خزيمة وإلى غيره من القوّاد بالأمر والنهى ، فاعتلّ خازم وهو فى عسكره ، فشرب الدواء ثم ركب البريد ، حتى قدم على المهدىّ بنيسابور ، فسلّم عليه واستخلاه - وبحضرته أبو عبيد الله - فقال المهدىّ: لا عَيْقَ عليك من أبى عبيد اللّه ، فقلْ ما بدا لك ؛ فأبى خازم أن يخبره أو يكلّمه ، حتى قام أبو عبيد اللّه ، فلمّا خلا به شكا إليه أمرَ معاوية بن عبيد الله، وأخبره بعصبيّته وتحامله ؛ وما كان يرد من كُتبه عليه وعلى مَنْ قبله من القواد ، وما صاروا إليه بذلك من الفساد والتأسر فى أنفسهم، والاستبداد بآرائهم، وقلّة السمع والطاعة. وأنّ أمر الحرب لا يستقيم إلاّ برأس ؛ وألا يكون فى عسکره اواء يخفق على رأس أحد إلاّ لواؤه أو لواء هو عقدَه، وأعلمه أنه غير راجع إلى قتال أستاذسيس ومَنْ معه إلا بتفويض الأمر إليه وإعفائه من معاوية بن عبيد اللّه ؛ وأن يأذن ٣٥٥/٣ ٣٠ سنة ١٥٠ له فى حَلّ ألوية القوّاد الذين معه، وأن يكتب إليهم بالسمع له والطاعة . فأجابه المهدىّ إلى كلّ ما سأل . فانصرف خازم إلى عسكره ، فعمل برأيه ، وحلّ لواء مَنْ رأى حلّ لوائه من القوّاد، وعقد لواء لمن أراد، وضمّ إليه مَنْ كان انهزم من الجنود ، فجعلهم حشواً يكثر بهم (١) مَنْ معه فى أخريات الناس، ولم يقدمهم لما فى قلوب المغلوبين من رَوْعة الهزيمة؛ وكان من ضُمّ (٢) إليه من هذه الطبقة اثنين وعشرين ألفًا، ثم انتخب ستة آلاف رجل من الجُنْد، فضمهم إلى اثنى عشر ألفًا كانوا معه. متخيّرين؛ وكان بكّارُ بن مسلم (٣) العُقَيلىّ فيمن انتخب، ثم تعبّأ للقتال وخندق . واستعمل الهيثم بن شعبة بن ظهير على ميمنته ، ونهاربن حصين السعدىّ على ميسرته ؛ وكان بكّار بن مسلم العقيلى على مقدّمته وتُرارخُدا على ساقته ؛ وكان من أبناء ملوك أعاجم خُراسان ؛ وكان لواؤه مع الزَّبْرقان وعلمه مع مولاه بسَّام ، فمكر بهم وراوغهم فى تنقله من موضع إلى موضع وخندق إلى خندق حتى قطعهم؛ وكان أكثرهم رجالة، ثم سار خازم إلى موضع فنزله ، وخندق عليه ، وأدخل خندقه جميع ما أراد ، وأدخل فيها جميع أصحابه ، وجعل له أربعة أبواب ، وجعل على كلّ باب منها من أصحابه الذين انتخب، وهم أربعة آلاف ، وجعل مع بكار صاحب مقدّمته ألفين؛ تكملة الثمانية عشر ألفًا. وأقبل الآخرون ومعهم المروز (٤) والفؤوس والزّبُل، يريدون دفْن الخندق ودخولته ، فأتوا الخندق مِن الباب الذى كان عليه بكار بن مسلم ، فشدّوا عليه شدّة لم يكن لأصحاب بكار نهاية دون أن انهزموا حتى دخلوا عليهم الخندق . فلما رأى ذلك بكّار رمى بنفسه (٥)، فترجّل على باب الخندق ثم نادى أصحابه : يا بنى الفواجر، مِن قَبلى يؤتى المسلمون! فترجّل مَنْ معه من عشيرته وأهله نحو من خمسين رجلا ، فمنعوا بابتهم حتى أجلوا القوم عنه ، وأقبل إلى الباب الذى كان عليه خازم رجلٌ كان مع أستاذسيس من أهل سجستان ، يقال له الحريش ؛ وهو الذى كان يدبّر أمرهم ؛ فلما رآه خازم (٣) ابن الأثير: ((سلم)). (٥) ب: (( نفسه)) . (١) ج: ((بكثرتهم)). (٢) ج: ((انضم)). (٤) كذا فى هـ، وفى ط: ((المرور). ٣٥١/٣ ٣٥٧/٣ ٣١ سنة ١٥٠ مقبلاً بعث إلى الهيثم بن شعبة، وكان فى الميمنة - أن اخرج من بابك الذى أنت عليه ؛ فخذ غيرَ الطريق الذى يُوصلك إلى الباب الذى عليه بكار ، فإنّ القوم قد شغلوا بالقتال وبالإقبال إلينا ، فإذا علوت فجزت مبلغ أبصارهم فأتهم من خلفهم . وقد كانوا فى تلك الأيام يتوقعون قدوم أبى عون وعمرو بن سلم ابن قتيبة من طَخارستان . وبعث خازم إلى بكار بن مسلم : إذا رأيت رايات الهيثم بن شعبة قد جاءتْك من خلفك، فكِّرُوا وقولوا: قد جاء أهل طَخارستان. ففعل ذلك أهلُ الهيثم ، وخرج خازم فى القلْب على الحريش السجستانى ، فاجتلدوا بالسيوف جلاداً شديداً ، وضبر بعضُهم لبعض ؛ فبينا هم على تلك الحال إذا نظروا إلى أعلام الهيْثم وأصحابه ، فتنادْو! (١) فيما بينهم ، وجاء أهل طخارستان ، فلما نظر أصحاب الحريش إلى تلك الأعلام ، ونظر مَنْ كان بإزاء بكار بن مسلم إليها ، شدّ عليهم أصحاب خازم فكشفوهم ، ولقيتهم أصحابُ الهيثم ، فطعنوهم بالرماح ، ورموْهم بالنُّشاب، وخرج عليهم (٢) نهار بن حصين وأصحابُه من ناحية الميسرة، وبكارُ (٣) بن مسلم وأصحابه من ناحيتهم (٤) ، فهزموهم ووضعوا فيهم السيوف ، فقتلهم المسلمون وأكثروا؛ فكان مَنْ قتل منهم فى تلك المعركة نحواً من سبعين ألفًا، وأسروا أربعة عشر ألفًا، ولجأ أستاذسيس إلى جبل فى عدّة من أصحابه يسيرة ، فقدم خازم الأربعة عشر ألف أسير ؛ فضرب أعناقهم ، وسار حتى نزل بأستاذسیس فى الجبل الذى كان لجأ إليه ، ووافى خازماً بذلك المكان أبو عون وعمرو بن سلم بن قتيبة فى أصحابهما ؛ فأنزلهم خازم ناحيةً ، وقال : كونوا مكانكم حتى نحتاج إلیکم . فحصر خازم أستاذسیس وأصحابه حتى نزلوا على حكم أبى عَوْن ، ولم يرضوْا إلا بذلك ، فرضى بذلك خازم ، فأمر أبا عون بإعطائهم أن ينزلوا على حكمه ، ففعل ؛ فلما نزلوا على حكم أبى عون حكم فيهم أن يُوثَق أستاذسيس وبنوه وأهل بيته بالحديد، وأن يُعتق الباقون وهم ثلاثون ألفًا ، فأنفذ ذلك خازم من حُكْم أبى عون ، وکسا كلّ رجل منهم ثوبين ؛ وکتب ٣٥٨/٣ (١) ب: ((فنادوا)). (٣) ب: ((وكان بكار)). (٢) ب: ((إليهم)). (٤) ج: ((ناحيته)). ٣٢ سنة ١٥٠ خازم بما فتح اللّه عليه، وأهلك عدوّه إلى المهدىّ، فكتب بذلك المهدىّ إلى أمير المؤمنين المنصور . وأما محمد بن عمر ، فإنه ذكر أن خروج أستاذسيس والحرِيش كان فى سنة خمسين ومائة ، وأن أستاذسيس هُزم فى سنة إحدى وخمسين ومائة . . . وفى هذه السنة عزل المنصورُ جعفر بن سليمان عن المدينة ، وولاها الحسن ابن يزيد بن حسن بن حسن بن علىّ بن أبى طالب صلوات الله عليه . وفيها تُوفِّىَ جعفربن أبى جعفر المنصور، الأكبرُ بمدينة السلام، وصلى عليه أبوه المنصور ، وُدفن ليلاً فى مقابر قريش ؛ ولم تكن للناس فى هذه السنة صائفة ؛ قيل إن أبا جعفر كان ولّى الصائفة فى هذه السنة أسَيْدًا ، فلم يدخل بالناس أرض العدّو ، ونزل مرج دابيق . ٠ ٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الصمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس . وكان العامل على مكة والطائف فى هذه السنة عبد الصمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس - وقيل كان العامل على مكة والطائف فى هذه السنة محمد ابن إبراهيم بن محمد - وعلى المدينة الحسن بن زيد العلوىّ، وعلى الكوفة محمد ابن سليمان بن علىّ ، وعلى البصرة عُقْبة بن سلم ، وعلى قضائها سَوّار ، وعلى مصر يزيد بن حاتم . ٣٥٩/٣ ٣٣ ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التى كانت فيها فمن ذلك ما كان من إغارة الكُرْك فيها فى البحر على جُدَّةَ ؛ ذكر ذلك محمد بن عمر . وفيها ولّى عمر بن حفص بن عثمان بن أبى صفرة إفريقيّة، وعُزِل عن السند وولّى موضعه هشام بن عمرو التغلبىّ . ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور عمر بن حفص عن السُّنْد وتوليته إياه إفريقيّة واستعماله على السُّنْد هشام بن عمرو وكان سبب ذلك - فيما ذكر علىّ بن محمد بن سليمان بن علىّ العباسىّ ٣٦٠/٣ عن أبيه - أنّ المنصورولى عمر بن حفص الصُّفْرِىّ الذى يقال له هزارمَرْد السِّند - فأقام بها حتى خرج محمد بن عبد الله بالمدينة وإبراهيم بالبصرة ، فوجّه محمد بن عبد الله [إليه](١) ابنَه عبد الله بن محمد الذى يقال له الأشتر، فى نفر من الزيديّة (٢) إلى البصرة، وأمرهم أن يشتروا مهارة - خيل عتاق بها - ويمضوا بها معهم إلى السُّند ، ليكون سببًا له إلى الوصول إلى عمر بن حفص ؛ وإنما فعل ذلك به لأنّه كان فيمن بايعه من قوّاد أبى جعفر ، وكان له ميْل إلى آل أبى طالب، فقد موا البصرة على إبراهيم بن عبد اللّه، فاشتروا منها مهارةً - وليس فى بلاد السِّند والهند شىء أنفق من الخيل العتاق - ومضوا فى البحر حتى صاروا إلى السند ، ثم صاروا إلى عمر بن حفص ، فقالوا : نحن قوم نخَّاسون ، ومعنا خيل عتاق ، فأمرهم أن يعرضوا (٣) خيلَهم، فعرضوها عليه ؛ فلما صاروا إليه ، قال له بعضهم : أدننى منك أذكر لك شيئًا ، فأدناه منه ، وقال (٤) له: إنَّا جئناك بما هو خير لك من الخيل، وما لك فيه (٢) ب: ((الزندية))، ج: ((الرندية)). (١) من ب . (٣) ج: ((يحضروا)). (٤) ب: ((فقالوا)). تاریخ الطبری - ثامن ٣٤ ٣٦١/٣ سنة ١٥١ خير (١) الدنيا والآخرة ، فأعطنا الأمان على خَلّتيْن: إما أنك قبلت ما أتيناك به ، وإما سترت وأمسكت عن أذانا حتى نخرج من بلادك راجعين . فأعطاهم الأمان ، فقالوا : ما للخيل أتيناك؛ ولكن هذا ابنُ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن ، أرسله أبوه إليك ، وقد خرج بالمدينة ، ودعا لنفسه بالخلافة، وخرج أخوه إبراهيم بالبصرة وغلب عليها ، فقال : بالرَّحب والسعة ، ثم بايعهم له ، وأمر به فتوارى عنده ، ودعا أهل بيته وقواده وكبراء(٢) أهل البلد للبيعة، فأجابوه، فقطع الأعلام البيض والأقبية البيض والقلانس البيض، وهيّأ لبسته (٣) من البياض يصعد فيها إلى المنبر، وتهيأ لذلك يوم خميس؛ فلما كان يوم الأربعاء إذا حَرّاقة (٤) قد وافت من البصرة، فيها رسول لحُلَيْدة بنت المُعارِك ــ امرأة عمر بن حفص- بكتاب إليه تخبره بقتل محمد بن عبد اللّه ، فدخل على عبد اللّه فأخبره الخبر، وعزّاه ، ثم قال له : إنّى كنت بايعت لأبيك، وقد جاء من الأمر ما ترى . فقال له : إن أمرى قد شُهِر ، ومكانى قد عُرف ، ودمى فى عنقك ؛ فانظر لنفسك أوَ دِعْ. قال: قد رأيت رأيًا؛ ها هنا ملك من ملوك السند، عَظيم المملكة ، كثير التَّبَع ؛ وهو على شركه أشدّ الناس تعظيمًا لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم؛ وهو رجلٌ وفىٌّ، فأرسل إليه، فاعقِدْ بينك وبينه عقداً ، وأوجهك إليه تكون عنده ؛ فلستَ ترام معه . قال : افعل ما شئت ؛ ففعل ذلك ؛ فصار إليه ، فأظهر إكرامه وبَرّه برًّا كثيراً ، وتسللت إليه الزيدية حتى صار إليه منهم أربعمائة إنسان من أهل البصائر ؛ فكان يركب فيهمٍ فيصيد(٥) ويتنزّه فى هيئة الملوك وآلاتهم ، فلما قتيل محمد وإبراهيم انتهى خبرُ عبد الله الأشتر إلى المنصور ؛ فبلغ ذلك منه ، فكتب إلى عمر بن حفص يخبره بما بلغَه ، فجمع عمر بن حفص قرابته ، فقرأ عليهم كتاب المنصور يخبرهم أنه إن أقرّ بالقصّة لم يُنظره المنصور أن يعزله ، وإن صار إليه قتله ، وإن امتنع حاربه . فقال له رجل من أهل بيته : ألقِ الذَّنْب علىَّ، واكتب (١) ج: ((من الدنيا)). (٢) ب: ((وكبر)). (٤) الحراقة: ضرب من السفن فيها مرامى نيران، يرمى (٣) ب: ((لبسه)). بها العدو من البحر. وفى ب: ((جدافة)) (٥) ابن الأثير: ((فيتصيد)). ٣٥ سنة ١٥١ ٣٦٢/٣ إليه بخبرى، وخذفى الساعة فقيِّدنى واحبسنى؛ فإنه سيكتب: احمله إلىّ؛ فاحملنى إليه، فلم يكن ليقدم٣(١) علىَّ لموضعك فى السند ، وحال أهل بيتك بالبصرة . قال : إنى أخاف عليك خلاف ما تظنّ ، قال : إن قُتلت أذا فنفسى فداؤك (٢) فإنى سخىٌّ بها فداء لنفسك ؛ فإن حييت فمن الله . فأمر به فقُيّد وحبس ، وكتب إلى المنصور يخبره بذلك ؛ فكتب إليه المنصور يأمره بحمله إليه ؛ فلما صار إليه قدّمه فضرب عنقه ، ثم مكث يروّى مَنْ يولّى السّند ! فأقبل يقول : فلان فلان ؛ ثم يعرض عنه؛ فبينا هو يومًا يسير ومعه هشام بن عمرو التغلبىّ، والمنصور ينظر إليه فى موكبه ، إذ انصرف إلى منزله ، فلما ألقى ثوبه دخل الرّبيع فآذنه بهشام. فقال: أوَ لم يكن معى آنفاً! قال : ذكر أن له حاجةً عرضت مهمة . فدعا بكرسىّ فقعد عليه ، ثم أذن له ، فلما مثَّل بين يديه قال : يا أميرَ المؤمنين ؛ إنى انصرفت إلى منزلى من الموكب ، فلقيتْنى أختى فلانة بنت عمرو ، فرأيت من جمالها وعَقْلها ودينها ما رضيتها لأمير المؤمنين ، فجئت لأعرضها عليه ؛ فأطرق المنصور ، وجعل ينكُت الأرضَ بخيزُرانة فى يده ، وقال : اخرج يأتك أمرى ؛ فلما ولَّى قال : يا ربيع ؛ لولا بيت قاله جرير فى بنى تغلب لتزوّجت أخته وهو قوله : فالزَّنجُ أَكرمُ منْهُمُ أَخوالا(٣) لا تَطْلُبَنَّ خئولةً فى تَغْلِبٍ فأخاف أن تلد لى ولداً، فيعيّر بهذا البيت ؛ ولكن اخرج إليه ، فقل له : يقول لك أمير المؤمنين : لو كانت لك لله حاجة إلىّ لم أعدل عنها غير التزويج؛ ولو كانت لى حاجةٌ إلى التزويج لقبلْت (٤) ما أتيتنى به؛ فجزاك اللّه عمّا عَمَدت له خيراً، وقد عوّضتك من ذلك ولاية السُّند . وأمره أن يكاتب ذلك الملك؛ فإن أطاعه وسلَّ (٥) إليه عبد اللّه بن محمد، وإلاّ حار به. وكتب إلى عمر بن حفص بولايته إفريقيّة . فخرج هشام بن عمرو التغلبى إلى السّند ٣٦٣/٣ (١) ب: ((يقدم)) (٣) ديوانه ٤٥٣. (٥) ج: ((وأسلم )» (٢) ج: ((فدى لك)). (٤) ج: ((لفعلت). ٣٦ سنة ١٥١ فوليها ، وأقبل عمر بن حفص يخوضُ البلاد حتى صار إلى إفريقية ، فلما صار هشام بن عمرو إلى السِّند كره أخذ عبد اللّه ، وأقبل يُرى الناس أنه یکاتب الملك ویرفُق به ، فاتصلت الأخبار بأبى جعفر بذلك ؛ فجعل یکتب إليه يستحثُّه ، فبينا هو كذلك إذا خرجت خارجة ببعض بلاد السِّند ، فوجه إليهم أخاه سَفَنَّجا ، فخرج يجرّ الجيش وطريقه بجنّبات ذلك الملك ؛ فبينا هو يسير إذا هو بوهج قد ارتفع من موكب، فظنّ أنه مقدّمة للعدوّ الذى يقصد ، فوجَّه طلائعتَه فرجعت ، فقالت : ليس هذا عدّك الذى تريد ؛ ولكن هذا عبد الله بن محمد الأشتر العلوىّ ركب متنزها، يسير على شاطئ مهران، فمضى يريده ، فقال له نُصّاحه: هذا ابنُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد علمتَ أن أخاك تركه متعمداً ، مخافة أن يبوء بدمه ، ولم يقصدك ، إنما خرج متنزِّهًا، وخرجتَ تريد غيره . فأعرض عنه ، وقال : ما كنتُ لأدَعَ أحداً يحوزُه ، ولا أدع أحداً يحظى بالتقرّب إلى المنصور بأخذه وقتله . وكان فى عشرة ، فقصد قصدَه ، وذمَرَ أصحابه ، فحمل عليه ، فقاتله عبدُ اللّه وقاتل أصحابُهُ بين يديه حتى قُتِل وقُتلوا جميعًا، فلم يُفْلِتْ منهم مخبّر، وسقط بين القتلى، فلم يشعر به . وقيل: إن أصحابه قذفوه (١) فى مهران لمّا قتل ، لئلا يؤخذرأسه ؛ فكتب هشام بن عمرو بذلك كتاب فَتْح إلى المنصور ، يخبره أنه قصده قصداً . فكتب إليه المنصور يحمّد أمره ، ويأمره بمحاربة الملك الذى آواه ؛ وذلك أن عبد الله كان اتخذ(٢) جوارى، وهو بحضرة ذلك الملك، فأولد منهنَّ واحدة محمد بن عبد الله - وهو أبو الحسن محمد العلوىّ الذى يقال له ابن الأشتر - فحاربه حتى ظفر به ، وغلب على مملكته وقتله ، ووجّه بأمّ ولد عبد اللّه وابنه إلى المنصور، فكتب المنصور إلى واليه بالمدينة ، يخبره بصحّة نسب الغلام، وبعث به إليه ، وأمره أن يجمع آل أبى طالب ، وأن يقرأ عليهم كتابه بصحة نسب الغلام، ويسلمه إلى أقربائه . ٣٦٤/٣ وفى هذه السنة قدم على المنصور ابنُه المهدىّ من خُراسان ، وذلك فى (٢) ب: ((أخذ)). (١) ج: ((قذفوا به)). ٣٧ سنة ١٥١ شوال منها - فوفد إليه للقائه وتهنئة المنصور بمقدمه عامّة أهل بيته، مَنْ كان منهم بالشأم والكوفة والبصرة وغيرها ، فأجازهم وكساهم وحملهم ، وفعل مثل ذلك بهم المنصور ، وجعل لابنه المهدىّ صحابةً منهم، وأجرى لكلّ (١) رجل منهم خمسمائة درهم . ٥ *F [ ذكر خبر بناء المنصور الرّصافة] وفى هذه السنة ابتدأ المنصور ببناء الرُّصافة فى الجانب الشرقىّ من مدينة. السلام لابنه محمد المهدىّ . ذكر الخبر عن سبب بنائه ذلك له : ٣٦٥/٣ ذكر عن أحمد بن محمد الشّرَوىّ ، عن أبيه ، أنّ المهدىّ لما قدم من خُراسان أمره المنصور بالمُقام بالجانب الشرقىّ ، وبنَى له الرُّصافة ، وعمِل لها سوراً وخندقاً وميْدانًا وبستانًا، وأجرى له الماء ؛ فكان يجرى الماء من نهر المهدىّ إلى الرُّصافة. وأما خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن خازم ، فإنه ذكر أنّ محمد ابن موسى بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس حد ◌ّثه ، أن أباه حدّثه ، أنّ الرّاوندية لما شغبوا على أبى جعفر وحاربوه على باب الذّهب ، دخل عليه قُشَ بن العباس بن عبيد الله بن العباس - وهو يومئذ شيخ كبير مُقدّم عند القوم - فقال له أبو جعفر : أما ترى ما نحن فيه من الْتِياث الجُند علينا! قد خفتُ أن تجتمع كلمتهُم فيخرج هذا الأمر من أيدينا ، فما ترى ؟ قال : يا أميرَ المؤمنين ، عندى فى هذا رأىٌ إن أنا أظهرته لك فَسد ، وإن تركتَنى أمضيته، صلَحت لك خلافتك ، وهابك جندك . فقال له : أفتُمضى فى خلافتى أمراً لا تعلمنى ما هو! فقال له : إن كنتُ عندك متَّهمًا على دولتك فلا تشاورْنِى ، وإن كنتُ مأموناً عليها فدعنى أُمضى رأنى. فقال له: فأمضِهِ. قال: فانصرف قُشَم إلى منزله ، فدعا غلاماً لهفقال له: (١) ج: ((على كل)). ٣٨ ٣٦٦/٣ سنة ١٥١ إذا كان غداً فتقدّمنى (١) ، فاجلس فى دار أمير المؤمنين؛ فإذا رأيتنى قد دخلتُ وتوسطتُ أضحابَ المراتب، فخذ بعنان بغلى، فاستوقِفْنى واستحلفْنى بحق رسول اللّه (٢)، وحقّ العباس وحقّ أمير المؤمنين لما(٣) وقفتُ لك، وسمعتُ مسألتك وأجبتك عنها ؛ فإنى سأنتهرُك ، وأغلظ لك القول ، فلا يهولنَّك ذلك منى ، وعاوْدنى بالمسألة فإنّى سأشتِمك، فلا يروعنّك (٤) ذلك، وعاودْنى بالقول والمسألة ، فإنى سأضربك بسوطى ، فلا يشقُّ ذلك عليك، فقل لى : أىُّ الحيَّيْن أشرف؟ اليمن أم مضر؟ فإذا أجبتك فخلّ عنان بغلتى وأنت حُزّ. قال : فغدًا الغلامُ ، فجلس حيث أمره من دار الخليفة ، فلماء جاء الشيخ فعل الغلام ما أمره به مولاه ، وفعل المولى ما كان قاله له ، ثم قال له : قل ، فقال : أيُّ الحيَّيْن أشرف؟ اليمن أم مضرِ ؟ قال: فقال قُشَ مضر كان منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها كتاب الله عزّ وجلّ، وفيها بيت اللّه، ومنها خليفة اللّه. قال: فامتعضت اليمن إذْ لم يُذكر لها شىء من شَرَفها ؛ فقال له قائد من قوّاد اليمن : ليس الأمر كذلك مطلقًاً بغير شرفة ولا فضيلة لليمن ، ثم قال لغلامه : قمْ فخذ بعنان بغلة الشيخ ، فاكبحْها كبحاً عنيفًا تَطَأمَنُ به منه ، قال : ففعل الغلام ما أمره به مولاه حتى كاد أن يُقعيها على عراقيبها، فامتعضتْ من ذلك مُضر ، فقالت: أيفعل هذا بشيخنا! فأمر رجل منهم غلامه ، فقال : اقطعْ يد العبد ، فقام إلى غلام اليمانىّ فقطع يدَه، فتفر الحيَّان، وصرف قُتْم بغلته ، فدخل على أبى جعفر، وافترق الجند ، فصارت مُضر فرقة، واليمن فرقة، والحُراسانيّة فرقة ، وربيعة فرقة ، فقال قثم لأبى جعفر : قد فرّقتُ بين جندك ، وجعلتهم أحزابًا كلّ حزب منهم يخاف أن يحدث عليك حدثاً ، فتضربه بالحزب الآخر، وقد بقى عليك فى التدبير بقيّة ، قال : ما هى ؟ قال: اعْبُر بابنك فأنزله (٥) فى ذلك الجانب قصراً، وحوله وحوّل [معك] (٦) من جيشك معه قومًاً ٣٦٧/٣ (١) ب: ((فقدمنى)). (٣) ابن الأثير: ((إلاما)). (٥) ج: ((فابن له)). (٢) ب: ((وحلفنى برسول الله)). (٤) ج: ((فلا يرعك)). (٦) من ج ٣٩ سنة ١٥١ فيصير ذلك بلداً؛ وهذا بلداً ، فإن فسد عليك أهلُ هذا الجانب ضربتهم بأهل ذلك الجانب ، وإن فسد عليك أهل ذلك الجانب ضربتهم بأهل هذا الجانب ، وإن فسدت عليك مُضر ضربتها باليمن وربيعة والخراسانيّة ، وإن فسدت عليك اليمن ضربتها بمن أطاعك من مُضر وغيرها . قال : فقبل أمرَه ورأيه ، فاستوى له مُلْكه؛ وكان ذلك سببَ البناء فى الجانب الشرقىّ وفى الرصافة وأقطاع القوّاد هناك. قال : وتولى صالح صاحب المصلى القطائع فى الجانب الشرقىّ . ففعل كفعل أبى العباس الطوسىّ فى فضُول القطائع فى الجانب الغربىّ ، فله بباب الجسر وسوق يحيى ومسجد خُضَير وفى الرّصافة وطريق الزواريق على دجلة مواضع بناء، بما استوهب من فضل الإقطاع عن أهله ، وصالح رجل من أهل خراسان . وفى هذه السنة جَدّد المنصور البيعة لنفسه ولابنه محمد المهدىّ من بعده ، ولعيسى بن موسى من بعد المهدىّ على أهل بيته فى مجلسه فى يوم جمعة ؛ وقد عمّهم بالإذن فيه ؛ فكان كلُّ مَنْ بايعه منهم يقبّل يده ويد المهدىّ، ثم يمسح على يد عيسى بن موسى ولا يقبّل يده . وغزا الصّائفة فى هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد . [ أمر عقبة بن سلم ] وفيها شخص عُقْبة بن سلْ من البصرة واستخلف عليها ابنه نافع بن عقبة إلى البَحْرين ، فقتل سليمان بن حكيم العبدىّ وسبى أهل البحرين ، وبعث ببعض مَنْ سبى منهم وأسارى منهم إلى أبى جعفر ، فقتل منهم عِدّة ووهب بقيّتهم للمهدىّ ، فمنّ عليهم وأعتقهم؛ وكساكلّ إنسان منهم ثوبين من ثياب مسرّو ٣٦٨/٣ ٤٠ سنة ١٥١ ثم عزل عُقْبة بن سلْ عن البصرة؛ فذُ كِرعن إفريك-جارية أسدبن المرز بان- أنها قالت: بعث المنصور أسد بن المرزبان إلى عُقبة بن سلم فى البّحْرين حين قتل منهم مَنْ قتل ، ينظر فى أمره ، فمايله ولم يستقص عليه، وورى عنه ؛ فبلغ ذلك أبا جعفر ، وبلغه أنه أخذ منه مالاً ، فبعث إليه أبا سويد الْخُراسانى - وكان صديق أسد - وأخاه، فلما رآه مقبلا على البريد فرح ، وكان ناحية من عسكر عُقبة ، فتطاول له ، وقال : صديقى . فوقف عليه فوثب ليقوم إليه ، فقال له أبوسويد (( بنشين بنشين ))، فجلس فقال له : أنت سامع مطيع ؟ قال : نعم، قال: مُدّ يدَك، فمدّ يده فضربها فأطنّها، ثم مدّ رجله ، ثم مدّ يده ثم رجله حتى قطع الأربع، ثم قال: مُدّ عنقك فمدّ فضرب عنقه . قالت إفرِيك : فأخذتُ رأسه فوضعته فى حِجْرى ، فأخذه منى فحمله إلى المنصور. فما أكلتْ إفريك لحمًا حتى ماتت . ٠ وزعم الواقديّ أن أبا جعفرولى معن بن زائدة فى هذه السنة سجستان . وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن على بن عبد الله ابن عباس . وكان العامل على مكة والطائف محمد بن إبراهيم ، وعلى المدينة الحسن ابن زيد، وعلَى الكوفة محمد بن سليمان بن علىّ ، وعلى البصرة جابربن تَوْبة الكلابىّ، وعلى قضائها سَوّار بن عبد اللّه، وعلى مِصْر يزيد بن حاتم. ٣٦٩/٣