Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
سنة ١٣٢
وبلغ مروان فأحرق ما كان حوله من علَّف وطعام وهرب ، ومضى صالح
ابن علىّ فنزل الليل ، ثم سار حتى نزل الصعيد. وبلغه أن خيلاً لمروان
بالساحل يحرقون الأعلاف، فوجّه إليهم قوّادًا ، فأخذوا رجالاً ، فقد موا
بهم على صالح وهو بالفسطاط ، فعبر مَرْوان النيل ، وقطع الجسر ،
وحرق ما حَوْله ، ومضى صالح يتبعه ، فالتقى هو وخيل لمرْوان على النيل
فاقتتلوا ، فهزمهم صالح ، ثم مضى إلى خليج ، فصادف عليه خيلاً
لمروان ، فأصاب منهم طرفًا وهزمهم ، ثم سار إلى خليج آخر فعبروا،
ورأوا رَهَجًا فظنوه مروان ، فبعث طليعة عليها الفضْل بن دينار ومالك
ابن قادم ، فلم يلقوا أحداً ينكرونه ، فرجعوا إلى صالح فارتحل ، فنزل
موضعًا يقال له ذات الساحل ؛ ونزل فقدم أبوعون عامر بن إسماعيل الحارثىّ، ومعه
شعبة بن كثير المازنىّ ، فلقوا خيلا لمروان وافوهم، فهزموهم وأسروا منهم رجالاً ،
فقتلوا بعضهم، واستحيوا بعضًا، فسألوا عن مروان فأخبروهم بمكانه ، على أن
يؤمنوهم، وساروا فوجدوه نازلا فى كنيسة فى بُوصير ، ووافوهم فى آخر الليل ،
فهرب الجند وخرج إليهم مروان فى نفرٍ يسير ، فأحاطوا به فقتلوه .
قال على: وأخبرنى إسماعيل بن الحسن، عن عامر بن إسماعيل قال: لقينا مروان
ببوصير ونحن فى جماعة يسيرة فشدوا علينا ، فانضوينا إلى نخل ولو يعلمون ٥٠/٣
بقلّتنا لأهلكونا، فقلت لمن معى من أصحابى : فإن أصبحنا فرأوا قلّتنا وعددنا
لم ينجُ منا أحد ؛ وذكرت قول بكير بن ماهان: أنت واللّه تقتل مروان ؛ كأنى
أسمعك ، تقول ((دهيد ياجوانكثان))؛ فكسرت جَفْن سيفى ، وكسر أصحابى
جفون ◌َ سيوفهم، وقلت: (دهيدياجُوانكثان))؛ فكأنها نار صُبّت عليهم ، فانهزموا
وحمل رجل على مرْوان فضربه بسيفه فقتله . وركب عامر بن إسماعيل إلى
صالح بن علىّ ، فكتب صالح بن علىّ إلى أمير المؤمنين أبى العباس : إنّا
اتّبعنا عدوّ اللّه الجعدىّ حتى ألجأناه إلى أرض عدوّ اللّه شبيهه فرعون،
فقتلته بأرضه .
قال علىّ: حدثنا أبو طالب الأنصارىّ، قال : طعن مروان رجلٌ من

٤٤٢
سنة ١٣٢
أهل البصرة - يقال له المغود، وهو لا يعرفه - فصرعه، فصاح صائح: صُرِع
أمير المؤمنين، وابتدروه، فسبق إليه رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان ،
فاحترّ رأسه ، فبعث عامر بن إسماعيل برأس مروان إلى أبى عون ، فبعث بها
أبو عون إلى صالح بن علىّ ، وبعث صالح برأسه مع یزید بن هانئ - وكان
على شرَطه - إلى أبى العباس يوم الأحد، لثلاث بقين من ذى الحجة سنة ثنتين
وثلاثين ومائة ، ورجع صالح إلى الفسطاط ، ثم انصرف إلى الشأم ، فدفع
الغنائم إلى أبى عَوْن، والسلاحَ والأموال والرّقيق إلى الفَضْل بن دينار، وخلّف
أبا عون على مِصْر .
قال علىّ: وأخبرنا أبو الحسن الحُراسانىّ، قال: حدّثنا شيخ من بكْر
ابن وائل، قال: إنى لبدير قنَّى مع بكير بن ماهان ونحن نتحدّث؛ إذ مرّ
٥١/٣ فتّى معه قربتان ؛ حتى انتهى إلى دجلة، فاستفى ماء، ثم رجع فدعاه
بكير ، فقال : ما اسمك يا فتى ؟ قال: عامر، قال: ابن مَنْ ؟ قال :
ابنُ إسماعيل، من بَكْحارث، قال: وأنا من بَلْحارث ، قال : فكن من
بنى مُسليمة، قال: فأنا منهم، قال: فأنت واللّه تقتل مَرْوان، لكأنى والله
أسمعك تقول: (( ياجوانكثان دهيد)).
قال علىّ : حدثنا الكنانىّ ، قال : سمعتُ أشياخنا بالكوفة يقولون :
[بنو] مسلية قتلة مروان .
وقتيل مروان يوم قتل وهو ابن اثنتين وستين سنة فى قول بعضهم ، وفى
قول آخرين: وهو ابن تسع وستين، وفى قول آخرين: وهو ابن ثمان وخمسين .
وقتل يومَ الأحد لثلاث بقين من ذى الحجة ، و کانت ولا يته من حین
بويع إلى أن قتِل خمس سنين وعشرة أشهر وستة عشر يومًا ، وكان يكنى
أبا عبد الملك . وزعم هشام بن محمد أن أمه كانت أم ولد كرديّة .
وقد حدثنى أحمد بن زهير ، عن علىّ بن محمد ، عن علىّ بن مجاهد
وأبى سنان الجُهنىّ، قالا: كان يقال: إنّ أم مَرْوان بن محمد كانت
لإبراهيم بن الأشتر ؛ أصابها محمد بن مروان بن الحكم يوم قتل ابن الأشتر ،

٤٤٣
سنة ١٣٢
فأخذهامن ثقله وهى تتنيق(١)، فولدت مَرْوان على فراشه، فلما قام أبو العباس
دخل عليه عبد الله بن عيَّاش المنتوف، فقال: الحمد لله الذى أبد لنا بحمار
الجزيرة وابن أمَة النَّخَعَ ابنَ عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عبدالمطلب.
٠ ٠
وفى هذه السنة قتل عبد الله بن علىّ من قتل بنهر أبى فطرس من بنى أمية،
وكانوا اثنين وسبعين رجلا .
وفيها خلَع أبو الورْد أبا العباس بقنّسرين ؛ فبيّض وبيّضوا معه .
٠
ذکر الخبر عن تبیض أبى الورد
وما آل إليه أمره وأمر من بيض معه
٥٢/٣
و کان سبب ذلكـ- فما حدثی أحمد بن زهير - قال: حدثنى عبدالوهاب
ابن إبراهيم ، قال : حدثنى أبو هاشم مخلد بن محمد بن صالح ، قال : كان
أبو الوَرْد - واسمه مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابىّ، من أصحاب مروان
وقوّاده وفرسانه - فلما هُزُم مروان، وأبو الورد بقنَّسرين، قد مها عبد الله بن
علىّ فبايعه ودخل فيما دخل فيه جندُه من الطاعة . وكان ولد مسلمة بن
عبد الملك مجاورين له ببالس والناعورة ، فقدم بالس قائد من قوّاد عبد الله
ابن علىّ من الأزار مردين فى مائة وخمسين فارساً ، فبعث بولد مسلمة بن
عبد الملك ونسائهم ، فشكا بعضهُم ذلك إلى أبى الورْد ، فخرج من مزرعة
يقال لها زرّاعة بنى زفر - ويقال لها خُساف - فى عدّة من أهل بيته ؛ حتى
هجتم على ذلك القائد وهو نازل فى حصن مسلمة ؛ فقاتله حتى قتله ومن
معه، وأظهر التبييض والخَلْع لعبد الله بن علىّ، ودعا أهل قنّسرين إلى ذلك،
فبيّضوا بأجمعهم، وأبو العباس يومئذ بالحيرة وعبد الله بن علىّ يومئذ مشتغل
بحرْب حبيب بن مرّة المرّىّ، فقاتله بأرض البلْقاء والبثنيّة وحُوران . وكان
قد لقيه عبد الله بن علىّ فى جموعه فقاتلهم وكان بينه وبينهم وقعات ؛
وكان من قوّاد مَرْوان وفرسانه . وكان سبب تبييضِه الخوف على نفسه وعلى
قومه، فبايعتْه قيس وغيرهم ممن يليهم من أهل تلك الكور؛ البثنية وحُوران.
(١) كذا فى ط ، والتنيق: المبالغة فى الطعم واللبس. وموضع الكلمة فى أغير واضح.

٤٤٤
سنة ١٣٢
٣/٣° فلما بلغ عبد الله بن على تبييضُهُم، دعا حبيب بن مرّة إلى الصلح فصالحه
وآمنه ومن معه ، وخرج متوجّهاً نحو قنَّسرين للقاء أبى الورد، فمرّ بدمشق،
فخلف فيها أبا غانم عبد الحميد بن ربعىّ الطائىّ فى أربعة آلاف رجل من
جنده؛ وكان بدمشق يومئذ امرأة عبد اللّه بن علىّ أمّ البنين بنت محمد بن
عبد المطلب النوفليّة أخت عمرو بن محمد، وأمهات أولاد لعبد الله وثَقَل له .
فلما قدِمِ حِمْص فى وجهه ذلك انتقض عليه بعده أهلُ دمشق فبيّضوا ،
ونهضوا مع عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدىّ. قال: فلقُوا أبا غانم ومَنْ
معه ، فهزموه وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة ، وانتهبوا ما كان عبد الله بن
علىّ خلّف من ثَقَله ومتاعه؛ ولم يعرضوا لأهله، وبيّض أهل دمشق واستجمعوا
على الخلاف ، ومضى عبد الله بن علىّ- وقد كان تجمّع مع أبى الورد جماعة
أهل قنَّسرين، وكاتبوا مَنْ يلِيهم من أهل حِمْص وتتَدْمر ، وقدمهم
ألوف ، عليهم أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان ، فرأسوا
عليهم أبا محمد ، ودعوا إليه وقالوا : هو السفيانيّ الذى كان يذكر وهم فى نحو
من أربعين ألفًا - فلما دنا منهم عبد الله بن علىّ وأبو محمد معسكر فى جماعته
بمرْج يقال له مرْج الأخرم- وأبو الورد المتولى الأمر العسكر والمدبّر له وصاحب
القتال والوقائع - وجّه عبد اللّه أخاه عبد الصمد بن علىّ فى عشرة آلاف من
فرسان من معه ؛ فناهضهم أبو الورد ، ولقيتَهم فيما بين العسكرين ، واشتجر
القتل فيما بين الفريقيْن وثبت القوم، وانكشف عبد الصمد ومَن معه ، وقتِل
٥٤/٣ منهم يومئذ ألوف، وأقبل عبد الله حيث أتاه عبد الصمد ومعه حميد بن قحطبة
وجماعة من معه من القوّاد ، فالتقوا ثانية بمرْج الأخرم، فاقتتلوا قتالا شديداً ،
وانكشف جماعة ممّن كان مع عبد الله ، ثم ثايوا، وثبت لهم عبد الله وحميد بن
قحطبة فهزموهم ، وثبت أبو الورْد فى نحو من خمسمائة من أهل بيته وقومه ،
فقتلوا جميعا، وهرب أبو محمد ومَن معه من الكلبيّة حتى لحقوا بتدُمر ،
وآمن عبد اللّه أهلَ قنَّسرين، وسوّدوا وبايعوه ، ودخلوا فى طاعته ؛ ثم انصرف
راجعًا إلى أهل دمشق ، لما كان من تبييضهم عليه ، وهزيمتهم أبا غانم .
فلما دنا من دمشق هرَب الناس وتفرقوا، ولم يكن بينهم وقعة ، وآمن عبدالله
أهلها ، وبايعوه ولم يأخذهم بما كان منهم .

٤٤٥
سنة ١٣٢
قال: ولم يَزّلْ أبو محمد متغيّبًا هاربًا؛ ولحق بأرض الحجاز . وبلغ
زياد بن عبيد الله الحارثى عامل أبى جعفر مكانه الذى تغيّب فيه ، فوجّه
إليه خيلاً ، فقاتلوه حتى قُتِل، وأخذ ابنيْن له أسيرين ، فبعث زياد برأس
أبى محمد وابنيه إلى أبى جعفر أمير المؤمنين، فأمر بتخلية سبيلهما وآمنهما .
وأما علىّ بن محمد فإنه ذكر أنّ النعمان أبا السرىّ حدّثه وجبلة بن فرّوخ
وسليمان بن داود وأبو صالح(١) المروزىّ. قالوا: خلع أبو الورد بقنَّسرين،
فكتب أبو العباس إلى عبد الله بن علىّ وهو بفُطْرُس أن يقاتلَ أبا الورد، ثمّ
وجّه عبد الصمد إلى قنَّسرين فى سبعة آلاف ، وعلى حرسه مخارق بن غفار ،
وعلى شُرّطه كلثوم بن شبيب؛ ثم وجّه بعده ذؤيب بن الأشعث فى خمسة
آلاف، ثم جعل يوجه الجنود، فلقى عبد الصمد أبا الورد فى جَمْع كثير، ٥٥/٣
فانهزمَ الناس عن عبد الصمد حتى أتوا حِمْص؛ فبعث عبد اللّه بن على
العباس بن يزيد بن زياد ومروان الجرجانىّ وأبا المتوكل الجرجانىّ ؛ كلّ رجل
فى أصحابه إلى حِمْص ؛ وأقبل عبد الله بن علىّ بنفسه ، فنزل على أربعة
أميال من حِمْص- وعبدالصمد بن علىّ بحمص - وكتب عبد الله إلى حُميد
ابن قحطبة ، فقدم عليه من الأردن" ، وبايع أهل قنسرين لأبى محمد السفيانىّ
زياد بن عبدالله بن يزيد بن معاوية وأبو الورد بن ... ، (٢) وبايعه الناس، وأقام
أربعين يومًا، وأتاهم عبد الله بن علىّ ومعه عبد الصّمد وحُميد بن قحطبة ،
فالتقوا فاقتتلوا أشدّ القتال بينهم، واضطرهم أبو محمد إلى شِعْب ضيّقّ ،
فجعل الناس يتفرّقون، فقال حُميد بن قحطبة لعبد الله بن علىّ: علامَ
نقيم ؟ هم يزيدون وأصحابنا ينقصون ! ناجزهم ؛ فاقتتلوا يوم الثلاثاء فى آخر
يوم من ذى الحجة سنة ثلاث وثلاثين ومائة ، وعلى ميمنة أبى محمد أبو الورد
وعلى ميسرته الأصبغ بن ذؤالة ، فجرح أبو الوَرْد ، فحمل إلى أهله فمات .
ولجأ قوم من أصحاب أبى الورْد إلى أجمة فأحرقوها عليهم ؛ وقد كان أهل
حمص نقضوا، وأرادوا إيثار أبى محمد ؛ فلما بلغهم هزيمته أقاموا .
(١) ب: ((عامر)).
(٢) بياض فى ط، وفى ا: ((حسنا)).

٤٤٦
سنة ١٣٢
[ ذكر خبر خلع حبيب بن مرّة المرّىّ ]
وفى هذه السّنة خّلَعَ حبيب بن مرة المرّىّ وبيّض هو ومن معه من
أهل الشام .
• ذكر الخبر عن ذلك :
٥٦/٣
ذكر علىّ عن شيوخه، قال: بيّض حبيب بن مرّة المرىّ وأهل البثنية
٠
وحَوْران، وعبد الله بن علىّ فى عسكر أبى الورْد الذى قتل فيه .
وقد حدثنى أحمد بن زهير ، قال : حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم ،
قال : حدّثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد ، قال : كان تبييض حبيب بن مرة
وقتاله عبد الله بن على قبل تبييض أبى الورد، وإنما بسَيّض أبو الورد وعبد الله
مشتغل بحرب حبيب بن مرة المُرىّ بأرض البلقاء أو البثنية وحَوْران ، وكان
قد لقیه عبد الله بن على فى جموعه فقاتله، وكان بينه وبينه وقعات ، وكان
من قوّاد مروان وفرسانه؛ وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وقومه ، فبايعه
قيس وغيرهم ممن يليهم من أهل تلك الكُور؛ البثنية وحَوْران، فلما بلغ عبد الله
ابن علىّ تبييض أهل قنَّسرين، دعا حبيب بن مرّة إلى الصلح فصالحه ،
وآمنه ومَنْ معه، وخرج متوجهاً إلى قنَّسرين للقاء أبى الورد .
٠
#
[ ذكر خبر تبييض أهل الجزيرة وخلعهم أبا العباس]
وفى هذه السنة بيض أيضًا أهل الجزيرة وخلعوا أبا العباس .
ذكر الخبر عن أمرهم وما آل إليه حالهم فيه :
حدّثنى أحمد بن زهير ، قال : حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم ، قال :
حدّثنا أبو هاشم مخلد بن محمد ، قال : كان أهلُ الجزيرة بيضوا ونقضوا ؛
حيثُ بلغهم خروجُ أبى الوَرْد وانتقاض أهل قِنَّسرين، وسار وا إلى حَرّان، وبحرّان
يومئذموسی بن کعبفى ثلاثة آلافمن الجند، فتشبث بمدینتها ، وساروا إليهمبيضین
من كلّ وجه، وحاصروه ومَن معه؛ وأمرُهم مشتت ؛ ليس عليهم رأس يجمعهم.

٤٤٧
سنة ١٣٢
وقدم على تفيئة(١) ذلك إسحاق بن مسلم من أرمينية - وكان شخص ٠٧/٣
عنها حين بلغه هزيمة مَرْوان - فرأسه أهل الجزيرة عليهم . وحاصر موسى بن
كعب نحوًا من شهرين ، ووجَّه أبو العباس أبا جعفر فيمن كان معه من
الجنود التى كانت بواسط محاصرة ابن هبيرة ، فمضى حتى مرّ بقَرْقيسيا وأهلها
مبيّضون، وقد غلّقوا أبوابها دونه . ثم قدم مدينة الرَّقة وهم على ذلك، وبها
بكار بن مسلم، فمضى نحو حرّان ، ورحل إسحاق بن مسلم إلى الرُّهاء -
وذلك فى سنة ثلاث وثلاثين ومائة ، وخرج موسى بن كعب فيمن معه من
مدينة حرّان، فلقُوا أبا جعفر. وقدم بكار على أخيه إسحاق بن مسلم، فوجّهه
إلى جماعة ربيعة بدارا وماردين - ورئيس ربيعة يومئذ رجل من الحرورية
يقال له بُريكة - فصمَد إليه أبو جعفر، فلقيتَهم فقاتلوه بها قتالا شديداً ،
وقتل بريكة فى المعركة ، وانصرف بكار إلى أخيه إسحاق بالرُّماء فخلقه
إسحاق بها، ومضى فى عُظْم العسكر إلى سُمَيْساط ، فخندق على عسكره .
وأقبل أبو جعفر فى جُموعه حتى قابله بكاربالرّهاء ؛ وكانت بينهما وقعات .
وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن علىّ فى المسير بجنوده إلى إسحاق
بُسمَيْسَاط، فأقبل من الشأم حتى نزل بإزاء إسحاق بسُمْيَساط؛ وهم فى
ستين ألفًا أهل الجزيرة جميعها، وبينهما الفرات، وأقبل أبو جعفر من الرُّهاء
فكاتبهم إسحاق وطلب إليهم الأمان، فأجابوا إلى ذلك وكتبوا إلى أبى العباس،
فأمرهم أن يؤمّنوه ومَن معه ، ففعلوا وكتبوا بينهم كتابًا ، ووثقوا له فيه ، فخرج
إسحاق إلى أبى جعفر، وتمّ الصلح بينهما؛ وكان عنده من آثر أصحابه.
فاستقام أهلُ الجزيرة وأهل الشام، وولى أبو العباس أبا جعفر الجزيرة وأرمينية
وأذر بيجان ، فلم يزل على ذلك حتى استخلف .
٥٨/٣
وقدُ ذكر أن إسحاق بن مسلم العقيلىّ هذا أقام بُسَمَيْساط سبعة أشهر،
وأبوجعفر محاصره، وكان يقول: فى عُنقى بَيْعة، فأنا لا أدعها حتى أعلم أن صاحبها
قد مات أو قتل . فأرسل إليه أبو جعفر: إنّ مروان قد قتل، فقال: حتى أتيقن،
ثم طلب الصلح ، وقال : قد علمتُ أن مَرْوان قد قتل ، فآمنه أبو جعفر
وصار معه ، وكان عظيم المنزلة عنده .
(١) أى عقب ذلك.

٤٤٨
سنة ١٣٢
وقد قيل : إن عبد الله بن علىّ هو الذى آمنه .
٠٠٠
[ ذکر خبر شخوص أبى جعفر إلى خراسان ]
وفى هذه السنة شخص أبو جعفر إلى أبى مسلم بخُراسان لاستطلاع رأيه
فی قتل أبى سلمة حفص بن سليمان .
• ذكر الخبر عن سبب مسير أبى جعفر فى ذلك ، وما كان من أمره
وأمر أبى مسلم فى ذلك :
قد مضی ذکری قبلُ أمر أبى سلمة، وما كان من فعله فى أمير أبى العباس
ومن كان معه من بنى هاشم عند قدومهم الكوفة ، الذى صار به عندهم متهماً ؛
فذكر علىّ بن محمد أنّ جبلة بن فرُّوخ قال : قال يزيد بن أسيد :
قال أبو جعفر : لما ظهر أبو العباس أمير المؤمنين سمرنا ذات ليلة ، فذكرنا
ما صنع أبو سلمة ، فقال رجل منا : ما يدريكم ، لعلّ ما صنع أبو سلمة
كان عن رأىٍ أبى مسلم! فلم ينطق منّا أحدٌ ، فقال: أمير المؤمنين أبو العباس:
لئن كان هذا عن رأى أبى مسلم إنا لَبِعَرض بلاء؛ إلّ أن يدفعه اللّهعنّا.
وتفرّقنا . فأرسل إلىّ أبو العباس، فقال: ما ترى؟ فقلت: الرأى رأيُك، فقال :
ليس منا أحد أخصّ بأبى مسلم منك، فاخرج إليه حتى تعلم ما رأيه ، فليس
يخفى عليك ؛ فلو قد لقيتَه ، فإن كان عن رأيه أخذنا لأنفسنا ، وإن لم يكن
عن رأيه طابت أنفسنا .
٥٩/٣
فخرجت على وجَل؛ فلما انتهيت إلى الرىّ ، إذا صاحب الرىّ قد أتاه
كتاب أبى مسلم : إنه بلغنى أن عبد الله بن محمد توجّه إليك ، فإذا قدم
فأشخصه ساعة قدومه(١) علیك . فلما قدمت أتانى عاملالرىّ فأخبرنى بكتاب
أبى مسلم، وأمرنى بالرّحيل، فازددت وجَلاً، وخرجت من الرّىّ وأنا حذرٌ
خائف فسرت؛ فلما كنت بنيسابور إذا عاملُها قد أتانى بكتاب أبى مسلم :
إذا قدم عليك عبدالله بن محمد فأشخصه ولا تَدَعه [يقيم] (٢)، فإن أرضك أرض
(٢) من ا.
(١) !: (يقدم)).

٤٤٩
سنة ١٣٢
خَوَارج ولا آمن عليه . فطابت نفسى وقلت : أراه يُعْنَى بأمرى. فسرتُ،
فلما كنت من مَرْوَ على فرسخين ، تلقّانى أبو مسلم فى الناس، فلما دنا
منّى أقبل يمشى إلىّ ؛ حتى قبّل يدى ، فقلت : اركب ، فركب فدخل
مَرْو، فنزلت داراً فمكثت ثلاثة أيام، لا يسألنى عن شىء، ثم قال لى فى اليوم الرابع:
ما أقدمك ؟ فأخبرته ، فقال : فعلها أبو سلمة ! أكفيكموه ! فدعا مرّار
ابن أنس الضبيّ ، فقال : انطلق إلى الكوفة ، فاقتل أبا سلمة حيث لقيته؛
وانته فى ذلك إلى رأى الإمام . فقدم مرار الكوفة ؛ فكان أبو سلمة يسمُر
عند أبى العباس ، فقعد فى طريقه ، فلما خرج قتله فقالوا : قتله
الخوارج .
قال علىّ : فحدثنى شيخ من بني سليم ، عن سالم ، قال : صحبتُ
أبا جعفر من الرّىّ إلى خُراسان ، وكنت حاجبه، فكان أبو مسلم يأتيه فينزل
على باب الدّار ويجلس فى الدهليز ، ويقول : استأذِنْ لى ، فغضب أبو جعفر
علىّ ، وقال : ويلك! إذا رأيته فافتح له الباب ، وقل له يدخل على دابته .
ففعلت وقلت لأبى مسلم : إنه قال كذا وكذا ، قال : نعم ، أعلم، واستأذن
لی علیه .
وقد قيل: إنّ أبا العباس قد كان تنكّر لأبى سلمة قبل ارتحاله من ٦٠/٣
عسكره بالنُّخيلة، ثم تحوّل عنه إلى المدينة الهاشميّة ، فنزل قصر الإمارة بها،
وهو متنكر له ، قد عرف ذلك منه ، وكتب إلى أبى مسلم يعلمه رأيه ، وما كان
همّ به من الغِشّ، وما يتخوّف منه ، فكتب أبو مسلم إلى أمير المؤمنين:
إن كان اطلع على ذلك منه فليقتله؛ فقال داود بن علىّ لأبى العباس: لا تفعل
يا أمير المؤمنين ، فيحتجّ عليك بها أبو مسلم وأهلُ خراسان الذين معاك ،
وحاله فيهم حاله ؛ ولكن اكتب إلى أبى مسلم فليبعثْ إليه من يقتله ، فكتب
إلى أبى مسلم بذلك، فبعث بذلك أبو مسلم مرّار بن أنس الضبيّ، فقدم على
أبى العباس فى المدينة الهاشميّة ، وأعلمه سبب قدومه، فأمر أبو العباس مناديًا
فنادى : إن أمير المؤمنين قد رضىَ عن أبى سلمة ودعاه وكساه ، ثم دخل
عليه بعد ذلك ليلةً ، فلم يزل عنده حتى ذهب عامّة الليل ، ثم خرج منصرفاً

٤٥٠
سنة ١٣٢
إلى منزله بمشى وحده ؛ حتى دخل الطاقات ، فعرض له مرّاربن أنس ومن
كان معه من أعوانه فقتلوه، وأغلقت أبواب المدينة، وقالوا : قتل الخوارج
أبا سلمة . ثم آخرِ ج من الغد؛ فصلی علیه یحیی بن محمد بن علىّ، ودفن فى
المدينة الهاشميّة، فقال سليمان بن المهاجر البَجلىّ:
إِنَّ الوزيرَ وزيرَ آل محمد أَودَی فمن يَشْناك كان وزيرا
وكان يقال لأبى سلمة : وزير آل محمد ، ولأبى مسلم : أمين
٦١/٣ آل محمد. فلما قتل أبو سلمة وجّه أبو العباس أخاه أبا جعفر فى ثلاثين
رجلاً إلى أبى مُسلم ؛ فيهم الحجاج بن أرطاة وإسحاق بن الفضل الهاشمىّ.
ولما قدم أبو جعفر على أبى مسلم سايره عبيد الله بن الحسين الأعرج
وسليمان بن كثير معه ، فقال سليمان بن كثير للأعرج : يا هذا؛ إنا كنّا نرجو
أن يتمّ أمركم؛ فإذا شئتم فادعونا إلى ما تريدون، فظنَّ عبيد الله أنه دسيس
من أبى مسلم ، فخاف ذلك . وبلغ أبا مسلم مسايرةُ سليمان بن كثير إياه ،
وأتى عبيد الله أبا مُسلم، فذكر له ما قال سليمان، وظنّ أنه إن لم يفعل ذلك
اغتاله فقتله ، فبعث أبو مسلم إلى سليمان بن كثير ، فقال له : أتحفظ قول
الإمام لى: مَن اتهمتَه فاقتله ؟ قال : نعم ، قال : فإنى قد اتّهمتك، فقال :
أنشدك الله! قال: لا تناشدنى اللّه وأنت منطوٍ على غشّ الإمام؛ فأمر بضرب
عنقه . ولم يرّ أحداً ممن كان يضرب عنقه أبو مسلم غيره ، فانصرف أبو جعفر
من عند أبى مسلم ، فقال لأبى العباس : لستَّ خليفةً ولا أمرك بشىء إن
تركتَ أبا مسلم ولم تقتله ، قال : وكيف ؟ قال : والله ما يصنع إلا ما أراد ،
قال أبو العباس : اسكت فاكتمها .
٠ ٠ ٠
[ ذكر الخبر عن حرب يزيد بن عمر بن هبيرة بواسط ]
وفى هذه السنة وجه أبو العباس أخاه أبا جعفر إلى واسط لحرب یزید بن
عمر بن هبيرة؛ وقد ذكرنا ما كان من أمر الجيش الذين لقوه من أهل خُراسان
مع قَحْطبة ، ثم مع ابنه الحسن بن قحطبة وانهزامه ولحاقه بمن معه من جنود
الشأم بواسط متحصّنًا بها ؛ فذكر علىّ بن محمد عن أبى عبد الله السُّلَمىّ

٤٥١
سنة ١٣٢
عن عبد الله بن بدر وزهير بن هنيد وبشر بن عيسى وأبى السرىّ أنّ ابن ٦٢/٣
هبيرة لما انهزم تفرّق الناس عنه، وخلّف على الأثقال قومًا، فذهبوا بتلك الأموال
فقال له حوثرة: أين تذهب وقد قتل صاحبهم (١)! امض إلى الكوفة ومعك جند
كثير ، فقاتلهم حتى تقتل أو تظفر ، قال : بل نأتى واسطًا فننظر ، قال :
ما تزيد على أن تمكّنه من نفسك وتقتَل ، فقال له يحيى بن حضين : إنك
لا تأتى مروان بشيء أحبّ إليه من هذه الجنود ، فالزم الفُرات حتى تقدم
عليه ؛ وإياك وواسطًاً ؛ فتصير فى حصار، وليس بعد الحصار إلا القتل .
فأبى . وكان يخاف مروان لأنه كان يكتب إليه فى الأمر فيخالفه ؛ فخافه
إن قدم عليه أن يقتله، فأتى واسطاً فدخلَها ، وتحصّن بها .
وسرّح أبو سلمة الحسن بن قحطبة، فخندق الحسن وأصحابه، فنزلوا فيما
بين الزّاب ودِجْلة؛ وضرب الحسن سرادقتَه حيال باب المضمار ، فأوّل وقعة
كانت بينهم يوم الأربعاء، فقال أهل الشأم لابن هبيرة : ائذن لنا فى قتالهم ،
فأذن لهم ، فخرجوا وخرج ابنُ هبيرة، وعلى ميمنته ابنه داود، ومعه محمد بن
نباتة فى ناس من أهل خراسان ، فيهم أبو العوْد الخراسانىّ، فالتقوا وعلى ميمنته
الحسن خازم بن خزيمة ، وابن هبيرة قبالة باب المضمار، فحمل خازم على
ابن مُبيرة، فهزموا أهل الشأم حتى ألجئوهم إلى الخنادق ، وبادر الناس باب
المدينة حتى غصّ باب المضمار، ورمى أصحاب العرّادات بالعرّادات ٦٣/٣
والحسن واقف . وأقبل يسير فى الخيل فيما بين النهر والخندق ، ورجع أهل
الشأم، فكرّ عليهم الحسن ، فحالوا بينه وبين المدينة ، فاضطروهم إلى دجلة ،
فغرق منهم ناس كثير، فتلقّوه هم بالسفن، فحملوهم، وألقى ابن نباتة يومئذ سلاحه
واقتحم، فتبعوه بسفينة فركب وتحاجزوا ، فمكثوا سبعة أيام، ثم خرجوا إليهم
يوم الثلاثاء فاقتتلوا ، فحمل رجل من أهل الشام على أبى حفص هزار مرد ،
فضربه وانتمى : أنا الغلام السُّلَمِىّ، وضربه أبو حفص وانتمى : أنا
الغلام العتكىّ، فصرعه، وانهزم أهل الشأم هزيمة قبيحة ، فدخلوا المدينة ،
فمكثوا ما شاء الله لا يقتتلون إلا رمِيًّا من وراء الفصيل.
(١) فى ابن الأثير: ((يعنى قحطبة)).

٤٥٢
سنة ١٣٢
٦٤/٣
وبلغ ابنَ هبيرة وهو فى الحصار أنّ أبا أميّة التغلىّ قد سوّد ، فأرسل
أبا عثمان إلى منزله، فدخل على أبى أمية فى قُبّته، فقال: إنّ الأمير أرسلنى
إليك لأفتّش قبتك، فإن كان فيها سواد علقته فى عنقك وحبلا ، ومضيت
بك إليه ؛ وإن لم يكن فى بيتك سواد فهذه خمسون ألفًا صلة لك . فأبى أن
يدّعه أن يفتش (١) قبّته، فذهب به إلى ابن هبيرة فحبسه، فتكلم فى ذلك معن
ابن زائدة وناس من ربيعة ، وأخذوا ثلاثةً من بنى فزارة ؛ فحبسوهم وشتموا
ابنَ هبيرة ، فجاءهم يحيى بن حُضين، فكلّمهم فقالوا : لا نخلى عنهم حتى
يخلى عن صاحبنا ؛ فأبى ابنُ هبيرة ، فقال له : ما تفسِد إلّ على نفسك
وأنت محصور؛ خلّ سبيل هذا الرجل، قال: لا ولا كرامة؛ فرجع ابنُ حضين
إليهم فأخبرهم، فاعتزل معن وعبد الرحمن بن بشير العجلىّ ، فقال
ابن حضين لابن هبيرة : هؤلاء فرسانك قد أفسدتهم ؛ وإن تماديت فى ذلك
كانوا أشدَّ عليك ممّن حصرك؛ فدعا أبا أميّة فكساه، وخلى سبيله، فاصطلحوا
وعادوا إلى ما كانوا عليه .
وقدم أبو نصر مالك بن الهيثم من ناحية سجستان ، فأوفد الحسن بن
قحطبة وفداً إلى أبى العباس بقدوم أبى نصر عليه ، وجعل على الوفد غَيْلان
ابن عبد الله الخُزاعىّ- وكان غيلان واجداً على الحسن لأنه سرّحه إلى رَوْح
ابن حاتم مدداً له - فلما قدم على أبى العباس قال: أشهدُ أنك أمير المؤمنين،
وأنك حبلُ الله المتين، وأنك إمام المتقين؛ فقال: حاجتَك يا غيلان؟ قال:
أستغفرك، قال: غفر الله لك، فقال داود بن علىّ: وفقك الله يا أبا فضالة،
فقال له غيلان : يا أميرَ المؤمنين، مُنّ علينا برجل من أهل بيتك ، قال :
أوّ ليس عليكم رجل من أهل بيتى! الحسن بن قحطبة ؛ قال : يا أمير المؤمنين،
مُنّ علينا برجل من أهل بيتك ، فقال أبو العباس مثل قوله الأول ، فقال:
يا أميرَ المؤمنين؛ مُنّ علينا برجل من أهل بيتك ننظر إلى وجهه ، وتتَقَرّ أعيننا
به ، قال : نعم يا غيلان ؛ فبعث أبا جعفر، فجعل غيلان على شُرّطه فقدم
واسطاً ، فقال أبونصر لغيلان: ما أردت لا ما صنعت؟ قال: ((به بود)(٢)،
(١) ج: ((ليفتش))
(٢) به بود، كلمة فارسية معناها ((سلامة)).

٤٥٣
سنة ١٣٢
٦٥/٣
فمكث أيامًا على الشُّرَط، ثم قال لأبى جعفر: لا أقوى على الشُّرَط؛ ولكنى
أدلك على مَن هو أجلد منى، قال: مَنْ هو ؟ قال: جَهْوَرَ بن مَرّار ،
قال : لا أقدر على عزلك ؛ لأنّ أمير المؤمنين استعملك، قال: اكتب إليه
فأعلمه ، فكتب إليه ، فكتب إليه أبو العباس : أن اعمل برأى غَيْلان ،
فولّى شُرَطه جهوراً . وقال أبو جعفر للحسن : ابغى رجلا أجعلهعلى حرسى ،
قال: مَنْ قد رضيتُه لنفسى؛ عثمان بن نَهيك، فوُلّىَ الحرس.
قال بشر بن عيسى : ولما قدم أبو جعفر واسطًا ، تحوّل له الحسن عن
حجرته، فقاتلهم وقاتلوه، فقاتلهم أبو نصر يومًا، فانهزم أهلُ الشأم إلى
خنادقهم ؛ وقد كمن لهم معن وأبو يحيى الجذاميّ ، فلما جاوزهم أهل خراسان ،
خرجوا عليهم ؛ فقاتلوهم حتى أمسوا ، وترجّل لهم أبو نصر ؛ فاقتتلوا عند
الخنادق، ورفعت لهم النيران وابن هبيرة على بُرْج باب الخلّ لين، فاقتتلوا ما شاء
اللّه من الليل . وسرّح ابن هبيرة إلى معن أن ينصرف ، فانصرف ومكثوا أياماً .
وخرج أهلُ الشأم أيضًا مع محمد بن نُباتة ومعن بن زائدة وزياد بن
صالح وفرسان من فرسان أهل الشام، فقاتلهم أهلُ خراسان، فهزموهم إلى دِجْلة،
فجعلوا يتساقطون فى دِجْلة، فقال أبو نصر : يا أهلَ خراسان («مردمان
خائنه بيابان هستيدوبرخزيد))، فرجعوا وقد صُرع ابنه ، فحماه روح بن
حاتم ، فمرّ به أبوه ، فقال له بالفارسية : قد قتلوك يا بنىّ ؛ لعن الله الدنيا
بعدك! وحملوا على أهل الشأم فهزموهم حتى أدخلوهم مدينة واسط ، فقال
بعضهم لبعض : لا والله لا تفلح بعدُ عيشتنا أبداً؛ خرجنا عليهم ونحن فرسان
أهلُ الشأم ، فهزمونا حتى دخلنا المدينة .
وقتل تلك العشيّة من أهل خُراسان بكار الأنصارىّ ورجل من أهل
خراسان ؛ كانا من فرسان أهل خراسان؛ وكان أبو نصر فى حصار ابن هبيرة
يملأ السفن حطباً ، ثم يضرمها بالنار لتحرق ما مرّت به ؛ فكان ابن هبيرة
يهيّئُ حَرّاقات (١) كان فيها كلاليب تجرّ تلك السفن؛ فمكثوا بذلك أحد
عشر شهراً ، فلما طال ذلك عليهم طلبوا الصلح ؛ ولم يطلبوه حتى جاءهم خبرٌ
(١) الحراقة، بالفتح والتشديد: ضرب من السفن فيها مرامى نيران يرمى بها العدو فى البحر.
٦٦/٣

٤٥٤
سنة ١٣٢
قتل مروان ، أتاهم به إسماعيل بن عبد الله القسرىّ، وقال لهم : علام تقتلون
أنفسكم ، وقد قتل مروان !
وقد قيل : إنّ أبا العباس وجّه أبا جعفر عند مقدمه من خراسان منصرفًا
من عند أبى مسلم إلى ابن هبيرة لحربه ، فشخص أبو جعفر حتى قدم على الحسن
ابن قحطبة ؛ وهو محاصر ابن هبيرة بواسط ، فتحوّل له الحسن عن منزله ،
فنزله أبو جعفر ، فلما طال الحصار على ابن هبيرة وأصحابه تحنّى عليه أصحابه،
فقالت اليمانية: لا نُعين مروانَ وآثاره فينا آثارُه. وقالت الفزاريَّة: لا نقاتل
حتى تقاتل معنا اليمانية ؛ وكان إنما يقاتل معه الصعاليك والفتيان ؛ وهمّ ابن
هبيرة أن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن ؛ فكتب إليه فأبطأ
جوابه؛ وكاتب أبو العباس اليمانية من أصحاب ابن هبيرة ؛ وأطمعهم. فخرج
إليه زياد بن صالح وزياد بن عبيد الله الحارثيان ؛ ووعدا ابن هبيرة أن يصلحا
له ناحية أبى العباس فلم يفعلا؛ وجرت (١) السفراء بين أبى جعفر وبين ابن
هبيرة حتى جعل له أماناً ، وكتب به كتابًا ، مكث يشاور فيه العلماء أربعين
٦٧/٣ يومًا حتى رضيه ابنُ هبيرة، ثم أنفذه إلى أبى جعفر، فأنفذه أبو جعفر إلى
أبى العباس، فأمره بإمضائه؛ وكان رأى أبى جعفر الوفاء له بما أعطاه ، وكان
أبو العباس لا يقطع أمراً دون أبى مسلم ، وكان أبو الجهم عينًا لأبى مسلم على
أبى العباس ، فكتب إليه بأخباره كلها ، فكتب أبو مسلم إلى أبى العباس :
إنّ الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد ؛ لا والله لا يصلح طريق فيه
ابن هبيرة .
ولما تمّ الكتاب خرج ابنُ هبيرة إلى أبى جعفر فى ألف وثلاثمائة من البخارّية؛
فأراد أن يدخل الحجرة على دابته، فقام إليه الحاجب سلّ م بن سليم، فقال:
مرحبًا بك أبا خالد! انزل راشداً؛ وقد أطاف بالحجرة نحو من عشرة آلاف
من أهل خراسان ، فنزل ، ودعا له بوسادة ليجلس عليها، ثم دعا بالقوّاد فدخلوا،
ثم قال سلّ م: ادخل أبا خالد؛ فقال له : أنا ومن معى؟ فقال: إنما استأذنتُ
لك وحدك، فقام فدخل، ووضعتْ له وسادة، فجلس عليها، فحادثه ساعة، ثم قام
وأتبعه أبو جعفر بصرَه حتى غاب عنه ؛ ثم مكث يقيم عنه يوماً ، ويأتيه يوماً
(١) ب: ((وجعلت)).

٤٥٥
سنة ١٣٢
فى خمسمائة فارس وثلثمائة راجل؛ فقال يزيد بن حاتم لأبى جعفر : أيّها الأمير؛
إنّ ابن هبيرة ليأتى فيتضعضع له العسكر؛ وما نقص من سلطانه شىء، فإذا كان
يسير فى هذه الفرسان والرّجالة، فما يقول عبد الجبار وجهور! فقال أبو جعفر
السلام : قل لابن هُبيرة يدع الجماعة ويأتينا فى حاشيته [نحواً من ثلاثين (١)]،
فقال له سلّ م ذلك، فتغيروجهه ، وجاء فى حاشيته نحواً من ثلاثين ، فقال له
سلام: كأنك تأتى مباهيًا (٢)! فقال: إن أمرتم أن نمشى إليكم مشينا، فقال: ٦٨/٣
ما أردنا بك استخفافًا، ولا أمر الأمير بما أمر به إلا نظرًا لك ؛ فكان بعد
ذلك يأتى فى ثلاثة .
وذكر أبو زيد أنّ محمد بن كثير حدّثه ، قال : كلَّم ابن هبيرة يوماً
أبا جعفر ، فقال: يا هناه - أو يأيّها المرء - ثم رجع ، فقال : أيها الأمير؛
إنّ عهدى بكلام الناس بمثل ما خاطبتك به حديث ، فسبقنى لسانى إلى
ما لم أرده . وألحّ أبو العباس على أبى جعفر يأمره بقتله وهو يراجعه؛ حتى كتب إليه:
واللّه لتقتلنّه أو لأرسلن" إليه من يخرجه من حجرتك (٣)، ثم يتولى قتله . فأزمع
على قتله ، فبعث خازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة بن ظهير ؛ وأمرهما بختم
بيوت الأموال . ثم بعث إلى وجوه مَن معه من القيسيّة والمضرّية ، فأقبل محمد
ابن نباتة وحوثرة بن سهيل وطارق بن قدامة وزياد بن سويد وأبو بكر بن
كعب العُقيلىّ وأبان وبشر ابنا عبد الملك بن بشر ؛ فى اثنين وعشرين رجلا
من قيس ، وجعفر بن حنظلة وهزّان بن سعد .
قال : فخرج سلّم بن سليم ، فقال : أين حوثرة ومحمد بن نباتة ؟ فقاما ،
فدخلا، وقد أجلس عثمان بن نهيك والفضل بن سليمان وموسى بن عقيل فى مائة
فى حُجْرة دون حجرته ، فنُزعت سيوفهما وكتِّفًا ، ثم دخل بشر وأبان ابنا
عبد الملك بن بشر، ففُعل بهما ذلك ؛ ثمّ دخل أبو بكر بن كعب وطارق
ابن قدامة ، فقام جعفر بن حنظلة ، فقال: نحن رؤساء الأجناد ، ولمَ يكون
هؤلاء يقدّمون علينا؟ فقال: من أنت ؟ قال: من بَهْراء ، فقال: وراءك ٦٩/٣
(١) من ا.
(٣) ج: ((منزلك)).
(٢) ١: ((متأهباً).

٤٥٦
سنة ١٣٢
أوسع لك ، ثم قام هزّان ، فتكلم فأخِّر ، فقال روح بن حاتم :
يا أبا يعقوب، نزعت (١) سيوف القوم، فخرج عليهم (٢) موسى بن عقيل ، فقالوا
له (٣): أعطيتمونا عهد الله ثم خِسْتم به! إنا لنرجو أن يدرككم الله؛ وجعل
ابن نباتة يضرّط (٤) فى لحية نفسه، فقال له حوثرة: إنّ هذا لا يغنى عنك
شيئًا ؛ فقال : كأنى كنت أنظر إلى هذا ، فقتلوا . وأخذت خواتيمهم .
وانطلق خازم والهيثم بن شعبة والأغلب بن سالم فى نحو من مائة، فأرسلوا
إلى ابن هبيرة : إنا نريد حمْل المال ، فقال ابن هبيرة لحاجبه: يا أبا عثمان ،
انطلق فدلّهم عليه، فأقاموا عند كلّ بيت نفراً، ثم جعلوا ينظرون فى نواحى
الدّار ، ومع ابن هبيرة ابنه داود وكاتبه عمرو بن أيّوب وحاجبه وعدة من
مواليه ، وبنىٌّ له صغير فى حيجْره ؛ فجعل ينكر نظرهم فقال : أقسم بالله
إنّ فى وجوه القوم لشرًّا، فأقبلوا نحوه، فقام حاجبه فى وجوههم ، فقال :
ما وراءكم ؟ فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقِه فصرعه ، وقاتل ابنه داود
فقتل وقتل مواليه، ونحتى الصبىّ من حجره، وقال: دونكم هذا الصبىّ، وخرّ ساجداً
فقتل وهو ساجد ، ومضوا برءوسهم إلى أبى جعفر ، فنادى بالأمان للناس إلّ
للحكم بن عبد الملك بن بشر وخالد بن سلمة المخزومىّ وعمر بن ذرّ ، فاستأمن
زياد بن عبيد الله لابن ذرّ فآمنه أبو العباس، وهرب الحكم ، وآمن أبو جعفر
٧٠/٣ خالداً، فقتله أبو العباس، ولم يُجزْ أمانَ أبى جعفر، وهرب أبو علاقة وهشام
ابن هشيم بن صفوان بن مزيد الفزاريّان ، فلحقهما حجر بن سعيد الطائىّ
فقتلهما على الزّاب، فقال أبو عطاء السُّندىّ يرثيه :
عليك بجارى دمعِها لَجَمودُ (٥)
أَلَا إِنَّ عيناً لم تجُدْ يوم واسِطٍ
جُيُوبٌ بأَيْدى مأْتِمٍ وخُدودٌ
عشيَّةً قام النائحاتُ وَشُقِّقَتْ
أَقامَ به بعد الوفود وُقُودُ
فإِن تُمْس مهجورَ الفِناءِ فربّمَا
بلى كلٌّ مَن تحت الترابِ بعيدُ
فإنك لم تَبْعُدْ على متعهّدٍ
(١) ١ ((تركت)).
(٢) ج: ((إليهم)).
(٣) ج: ((قد )».
(٤) ج: ((يطرد فى لحم نفسه)).
(٥) ديوان الحماسة ٢: ٢٩٥- بشرح التبريزى.

٤٥٧
سنة ١٣٢
وقال منقذ بن عبد الرحمن الهلالى يرثيه :
مَنَع العزاءَ حرارةُ الصَّدْرِ والحُزن عقدَ عزيمةِ الصبْرِ
بالشيب لونَ مَفارقِ الشعْر
لما سمِعْتُ بوَقَعَةٍ شملتْ
دون الوفاءِ حَبائِلُ الغَدر
أَفِى الحُماة الغُرَّ أَنْ عَرَضَتْ
مثلِ النجوم حَفَفْنَ بالبدرِ
مالت حبائلُ أَمرهم بفتًى
هَلَّ أَنيتَ بصَيْحةِ الحشرِ!
عَالَى نِعِيهَّمُ فقلت له
أَن قد حَوَتْه حوادثُ الدهر
لله درّك مَنْ زعمتَ لنا
مَن للمنابر بعد مَهْلَكَهِم
أَو مَنْ يَسُدُّ مكارم الفخر!
قلبى لفَقد فوارس زُهْرِ
فإِذا ذكرتُهُمُ شكا أَلَماً
إِلا عُبَابُ زَواخِرِ البحر
قَتلى بدِجْلةَ ما يَغُمُّهُمُ
خيرَ الحماةِ ليالىَ الذُّعْرِ
فَلْتَبْكِ نِسْوَتنا فوارسِهَا
وذكر أبو زيد أن أبا بكر الباهلى حدثه ، قال: حدثنى شيخ من أهل ٧١/٣
خراسان ، قال : كان هشام بن عبد الملك خطب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة
ابنتَه على ابنه معاوية ، فأبى أن يزوّجه ، فجرى بعد ذلك بين يزيد بن عمر
وبين الوليد بن القعقاع كلام ؛ فبعث به هشام إلى الوليد بن القعقاع ، فضربه
وحبسه ، فقال ابن طَيْسلة :
مَنْ يَعدلون إلى المحبوس فى حَلَب
يا قَلَّ خيرُ رجالٍ لا عقولَ لهم
إلا استقَلَّ بها مُسْتَرْخِىَ اللَبَبِ
إلى امرئ لم تُصِبْهُ الدّهْرَ مُعْضِلةٌ
وقيل : إن أبا العباس لما وجه أبا جعفر إلى واسط لقتال ابن هبيرة ، كتب
إلى الحسن بن قحطبة: إن العسكر عسكُرك، والقُوّادَ قوّادُك ؛ ولكن
أحببتُ أن يكون أخى حاضراً ، فاسمع له وأطع ، وأحسين مؤازرته . وكتب إلى
أبى نصر مالك بن الهيثم بمثل ذلك ؛ فكان الحسن المدبر لذلك العسكر
بأمر المنصور .

٤٥٨
سنة ١٣٢
وفى هذه السنة وجّه أبو مسلم محمد بن الأشعث على فارس ، وأمره أن
يأخذ عمال أبى سلمة فيضرب أعناقهم . ففعل ذلك .
وفى هذه السنة وجه أبو العباس عمّه عيسى بن علىّ على فارس ، وعليها
محمد بن الأشعث، فهمّ به ، فقيل له: إن هذا لا يسوغ لك ، فقال : بلى،
أمرنى أبو مسلم ألا يقدمَ علىّ أحد يدّعى الولاية من غيره إلا ضربتُ عنقه .
ثم ارتدع عن ذلك لما تخوّف من عاقبته ، فاستحلف عيسى بالأيمان المحرجة
ألّ يعلو منبراً ، ولا يتقلد سيفًا إلاّ فی جهاد؛فلم یل عیسی بعد ذلك عملا،
٧٢/٣ ولا تقلد سيفًا إلّ فى غَزْو. ثم وجه أبو العباس بعد ذلك إسماعيل بن على
والیا علی فارس .
وفى هذه السنة وجّه أبو العباس أخاه أبا جعفر واليًا على الجزيرة وأذْرَبيجان
وأرمينية ، ووجه أخاه يحيى بن محمد بن علىّ واليًا على الموصل .
وفيها عزل عمّه داود بن علىّ عن الكوفة وسوادها، وولآه المدينة ومكة واليمن
واليمامة ، وولّى موضعه وما كان إليه من عمل الكوفة وسوادها عيسى بن موسى .
وفيهاعَزّل مروانُ- وهو بالجزيرة عن المدينة - الوليد بن عروة، وولاها
أخاه يوسف بن عروة ؛ فذكر الواقديّ أنه قدم المدينة لأربع خلون من شهر
ربيع الأول .
وفيها استقضى عيسى بن موسى على الكوفة ابن أبى ليلى .
وكان العامل على البصرة فى هذه السنة سفيان بن معاوية المهلبيّ .
وعلى قضائها الحجاج بن أرطاة ، وعلى فارس محمد بن الأشعث ، وعلى السند
منصور بن جمهور، وعلى الجزيرة وأرمينيَة وأذْرَبيجان عبد الله بن محمد ،
وعلى الموصل يحيى بن محمد، وعلى كُور الشأم عبد الله بن علىّ، وعلى مصر
أبو عون عبد الملك بن يزيد ، وعلى خُراسان والجبال أبو مسلم، وعلى ديوان
الخراج خالد بن برْمك .
وحجّ بالناس فى هذه السنة داود بن على بن عبد الله بن العباس(١).
(١) إلى هنا ينتهى الجزء الثانى عشر؛ من نسخة أحمد الثالث، وهى التى رمزلها بالحرف (١).

٤٥٩
٧٣/٣
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة*
ذكر ما كان فى هذه السنة من الأحداث
فمن ذلك ما كان من توجيه أبى العباس عمّه سليمان بن علىّ واليًا على
البصرة وأعمالها ، وكُور دجلة والبَحْرين وُعُمان ومِهْرِ جانقَذق، وتوجيهه
أيضًا عمه إسماعيل بن علىّ على كُور الأهواز .
وفيها قتَل داود بن على من كان أخذ من بنى أمية بمكة والمدينة .
وفيها مات داود بن علىّ بالمدينة فى شهر ربيع الأول ؛ وكانت ولايتُه
- فيما ذكر محمد بن عمر - ثلاثة أشهر .
واستخلف داود بن على حين حضرته الوفاة على عمله ابنه موسى ؛ ولما
بلغت أبا العباس وفاتُه وجّه على المدينة ومكة والطائف واليمامة خاله زياد بن
عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثىّ، ووجّه محمد بن يزيد بن عبد الله
ابن عبد المدان على اليمن، فقدم اليمن فى جمادى الأولى ، فأقام زياد بالمدينة
ومضى محمد إلى اليمن. ثم وجه زياد بن عبيد اللّه من المدينة إبراهيم بن حسان
السُّلمىّ؛ وهو أبو حماد الأبرص - إلى المثنّ بن يزيد بن عمر بن هبيرة وهو
باليمامة ، فقتله وقتل أصحابه .
وفيها كتب أبو العباس إلى أبى عون بإقراره على مصر واليًا عليها ، وإلى
عبد الله وصالح ابنى علىّ على أجناد الشأم.
وفيها توجّه محمد بن الأشعث إلى إفريقية فقاتلهم قتالا شديداً حتى
فتحها .
٧٤/٣
وفيها خرج شُرَيك بن شيخ المهرىّ(٢) بخراسان على أبى مسلم ببخاری
ونقم (٣) عليه ، وقال: ما على هذا اتّبعنا آل محمد ، على أن نسفك الدماء،
ونعمل بغير الحقّ . وتبعه على رأيه أكثرُ من ثلاثين ألفًا، فوجّه إليه أبو مسلم
زياد بن صالح الخُزاعىّ فقاتله فقتله .
· من هنا تبدأ المقابلة على الجزء الثانى عشر من النسخة التيمورية؛ وهى التى رمزت لها بالحرف (ت).
(٣) ج: ((ونقض عليه)).
(٢) ج: ((الفهرى)).

٤٦٠
سنة ١٣٣
وفيها توجّه أبو داود خالد بن إبراهيم من الوَخْش إلى الخُتّل، فدخلها
ولم يمتنع عليه حنّش (١) بن السبل ملكها، وأتاه ناس من دهاقين الخُتْل،
فتحصّنوا معه؛ وامتنع بعضهم فى الدُّروب والشعاب والقلاع . فلما ألحّ أبو داود
على حَنّش ، خرج من الحصن ليلاً ومعه دهاقينه وشاكريّتُه حتى انتهوْا
إلى أرض فَرْغانة ؛ ثم خرج منها فى أرض الترك، حتى وقع إلى ملك الصين ؛
وأخذ أبو داود مَنْ ظفر به منهم ، فجاوز بهم إلى بَلْخ ، ثم بعث بهم
إلى أبى مسلم .
وفيها قُتل عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب ؛ قتله سليمان الذى يقال له
الأسود ، بأمان کتبه له .
وفيها وجّه صالح بن على سعيدَ بن عبد اللّه لغزو الصّائفة؛ وراء الدروب.
وفيها عزل يحيى بن محمد عن الموصل، واستعمل مكانه إسماعيل بن على.
...
وحجّ بالناس فى هذه السنة زياد بن عبيد الله الحارثىّ؛ كذلك حدثنى أحمد
ابن ثابت، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر، وكذلك قال
الواقدىّ وغيرُه .
٧٥/٣
وكان على الكوفة وأرضها عيسى بن موسى ، وعلى قضائها ابنُ أبى ليلى ،
وعلى البصرة وأعمالها وكُورِ دِجْلة والبحرين وُمان والعرْض ومهرجانقذق سليمان
ابن علىّ، وعلى قضائها عبّاد بن منصور، وعلى الأهواز إسماعيل بن على
وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى السِّنْد منصور بن جمهور ، وعلى خراسان
والجبال أبو مسلم، وعلى قنَّسرين وحِمْص وكور دمشق والأردّن عبد الله بن
علىّ ، وعلى فلسطين صالح بن علىّ .
وعلى مصر عبد الملك بن يزيد أبو عون ، وعلى الجزيرة عبد الله بن محمد
المنصور، وعلى الموصل إسماعيل بن علىّ ، وعلى أرمينية صالح بن صبيح ،
وعلى أذر بيجان مجاشع بن یزید .
وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك .
(١) ث: ((جيش)).