Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
١٤٦٢/٢
ثم دخلت سنة خمس ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك غزوة الجرّاح بن عبد اللّه الحَكَمىّ اللّن؛ حتى
جاز ذلك إلى مدائن وحصون من وراء بكَنْجَر ، ففتح بعض ذلك ،
وجلّى(١) عنه بعض أهله ، وأصاب غنائم كثيرة .
وفيها كانت غزوة سعيد بن عبد الملك أرضَ الروم ، فبعث سرّيّة فى
نحو من ألف مقاتل ، فأصيبوا - فيما ذكر - جميعًا .
وفيها غزا مسلم بن سعيد الترك ، فلم يفتح شيئًا ، فقفل(٢) ثم غزا أفشِينَة
( مدينة من مدائن السُّغد ) بعد فى هذه السنة ، فصالح ملكها وأهلها .
* ذكر الخبر عن ذلك :
ذكر علىّ بن محمد عن أصحابه، أنّ مسلم بن سعيد مَرْزَبَ بهرام
سيس فجعله المرزبان . وأنّ مسلمًا غزا فى آخر الصيف من سنة خمس
ومائة، فلم يفتح شيئًا وقفل ، فاتّبعه الترك فلحقوه ، والنّاس يعبرون نهر بلْخ
وتميم على الساقة ، وعبيد الله بن زهير بن حيّان على خيل تميم، فحاموا عن
الناس حتى عبروا . ومات يزيد بن عبد الملك ، وقام (٣) هشام، وغزا مسلم أفشين
فصالتَح ملكها (٤) على ستة آلاف رأس، ودفع إليه القلعة، فانصرف لتمام
سنة خمس ومائة .
١٤٦٣/٢
[ذكر موت يزيد بن عبد الملك ]
وفى هذه السنة (٥) مات الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان، لخمس ليال
بقين من شعبان منها؛ حدثنى بذلك أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق
ابن عيسى ، عن أبى معشر ، وكذلك قال الواقدىّ .
(١) ب: ((وخلى)).
(٣) ب: ((وولى هشام)).
(٥) ب: ((وفيها)).
(٢) ب: ((وقفل)).
(٤) ب وابن الأثير: ((أهلها)).

٢٢
سنة ١٠٥
وقال الواقدىّ : كانت وفاته ببلْقاء من أرض دمشق ، وهو يوم مات ابن
ثمان (١) وثلاثين سنة .
وقال بعضهم : كان ابنَ أربعين سنة .
وقال بعضهم : ابن ست وثلاثين سنة ؛ فكانت خلافته فى قول أبى معشر
وهشام بن محمد وعلىّ بن محمد أربعَ سنين وشهراً، وفى قول الواقدىّ أربع
سنين .
وكان يزيد بن عبد الملك يكنَّى أبا خالد ؛ كذلك قال أبو معشر وهشام
ابن محمد والواقدىّ وغيرهم .
وقال علىّ بن محمد : توفّىَ يزيد بن عبد الملك وهو ابن خمس وثلاثين
سنة أو أربع وثلاثين سنة فى شعبان يوم الجمعة لخمس بقين منه سنة
خمس ومائة .
وقال : ومات بأربَد من أرض البلقاء ، وصلّى عليه ابنه الوليد وهو ابن
خمس عشرة سنة ، وهشام بن عبد الملك يومئذ بحِمْص؛ حدثی بذلك عمر
ابن شبّة ، عن علىّ .
وقال هشام بن محمد : توفّی یزید بن عبد الملك، وهو ابن ثلاث وثلاثين
سنة .
قال علىّ: قال أبو ماوية أو غيره من اليهود ليزيد بن عبد الملك : إنك
١٤٦٤/٢ تملك(٢) أربعين سنة، فقال رجل من اليهود: كذب لعنه الله، إنما رأى أنه
يملك أربعين قَصَبَة ، والقصبة شهر ، فجعل الشهر سنة .
*
*
ذكر بعض سيره وأموره
حدّثنى عمر بن شبّة ، قال : حدثنا علىّ ، قال : كان يزيد بن عاتكة
من فِتْيانهم ، فقال يومًا وقد طرب، وعنده حبابة وسلاّمة: دعُونى أطير ،
فقالت حَبَابة: إلى من تَدَعُ الأمّة! فلما مات قالت سَلاّمة القَسّ:
(١) ب: ((ومات وهو ابن)).
(٢) ب: ((تمكث)).

٢٣
سنة ١٠٥
لا تُلُسْنَا إِن خَشْعَنَا أَوْ هَسِمْنَا بالخشوعِ (١)
كأَخى الدَّاءِ الوَجيعِ
قد لَعَمْرَى بتُّ نَيلِ
دونَ مَن لِ من ضَجِيع (٢)
ثم باتَ الهُمُّ مِنِّى
للذى حلَّ بنا اليومَ من الأَمرِ الفَظِيعِ
خاليًا فاضَتْ دُمُوعِى
كلَّما أَبَصرْتُ رَبْعاً
قد خلا من سيِّدٍ كا نَ لنا غيرَ مُضيعٍ
ثم نادت : وا أمير المؤمنيناه ! والشعر لبعض الأنصار .
قال علىّ : حجّ يزيد بن عبد الملك فى خلافة سليمان بن عبد الملك
فاشتری حبابة ۔ و کان اسمها العالية - بأربعة آلاف دينار من عثمان بن سهل
ابن حُنيف ، فقال سليمان : هممت أن أحجر على يزيد؛ فردّ يزيد حبابة
فاشتراها رجل من أهل مصر ، فقالت سَعْدة ليزيد : يا أمير المؤمنين، هل
بقى من الدنيا شىء تتمناه بعد ؟ قال : نعم حبابة ، فأرسلت سعدة رجلا
فاشتراها بأربعة آلاف دينار ، وصنّعتها (٣) حتى ذهب عنها كلال السفر،
فأتت بها يزيد ، فأجلستها من وراء الستر ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، أبقى
شىء من الدنيا تتمناه ؟ قال : ألم تسألينى عن هذا مرّة فأعلمتُك ! فرفعت
الستر، وقالت : هذه حَبَابة، وقامت وخلّتها عنده ، فحظيت سَعْدة
عند يزيد وأكرمها وحباها . وسعدة امرأة يزيد، وهى من آل عثمان
ابن عفان (٤).
١٤٦٥/٢
قال علىّ عن يونس بن حبيب : إن حبابة جارية يزيد بن عبد الملك
غنّت يومًا :
بين التراقى واللهَاةِ حِرَارَةٌ
ما تطمئنّ وَمَا تُسُوغُ فَتَبَرُدُ
(١) الأغانى ٨: ٣٤٦ - ٣٤٨، قال: ((والشعر للأحوص والنوح لمعبد، صنعه لسلامة
(٢) فى رواية الأغانى :
وناحت به علی یزید » .
بات أَدْنَى من ضلوعى
مِنی
الهم
ونجی
(٣) صنعتها ؛ أى زينتها ونظفتها.
(٤) الخبر فى الأغانى ١٥: ١٢٤؛ مع اختلاف فى الرواية.

٢٤
سنة ١٠٥
فأهوى ليطير فقالت: يا أمير المؤمنين، إن لنا فيك حاجةً(١) ، فمرضت
وثقلت (٢) ، فقال : كيف أنت يا حبابة؟ فلم تجبه ، فبكى وقال :
لئن تَسلُ عنكِ النفسُ أَو تَذْهَل الهوى (٣) فباليأس يَسلُو القلب لَا بَالنَّجلّدِ
وسمع جارية لها تتمثل :
منازل مَن يَهَوَى مُعطَّلَةً قَفْرَا
كفى حَزَناً بِالهائِمِ الصَّبّ أَن يَرَى
فكان يتمثّل بهذا .
قال عمر : قال علىّ : مكث يزيد بن عبد الملك بعد موت حبابة سبعة
أيام لا يخرج إلى الناس ؛ أشار عليه بذلك مسلمة ، وخاف أن يظهر منه
شیء یسفهه عند الناس .
١٤٦٦/٢
(١) ح: ((لحاجة)).
(٢) ثقلت ، أى اشتد مرضها .
(٣) يقال: ذهل الشىء وعن الشىء، أى تركه. وفى ب: ((تدع الهوى)).

٢٥
سنة ١٠٥
٠
خلافة هشام بن عبد الملك
وفى هذه السنة استُخلف هشام بن عبد الملك لليالٍ بقين من شعبان منها،
وهو يوم استخلف ابن أربع وثلاثين سنة وأشهر .
حدثنى عمر بن شبَّة، قال: حدثنى علىّ، قال : حدّثنا أبو محمد
القرشىّ وأبو محمد الزيادىّ والمنهال بن عبد الملك وسُحَم بن حفص العُجيفىّ،
قالوا: وُلد هشام بن عبد الملك عامَ قُتِل مصعب بن الزبير سنة اثنتين وسبعين.
وأمّه عائشة بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله
ابن عمر بن مخزوم ، وكانت حمقاء ، أمرها أهلها ألاّ تكلم عبد الملك حتى
تلد ، وكانت تثنى الوسائد وتركب الوسادة وتزجرها كأنها دابّة ، وتشترى
الكُنْدُر (١) فتمضغه وتعمل منه تماثيل، وتضع التماثيل على الوسائد (٢)، وقد
سمّت كل تمثال باسم جارية، وتنادى: يا فلانة ويا فلانة؛ فطلقها عبد الملك
لحمقها . وسار عبد الملك إلى مُصعب فقتله ، فلما قتله بلغه مولد هشام ،
فسّاه منصوراً، يتفاعل بذلك ، وسمّته أمه باسم أبيها هشام ، فلم ينكر ذلك
عبد الملك ، وكان هشام يكنى أبا الوليد .
وذكر محمد بن عمر عمّن حدّثه أنّ الخلافة أتت هشامًا وهو بالزيتونة ١٤٦٧/٢
فى منزله فى دويرة له هناك .
قال محمد بن عمر : وقد رأيتها صغيرة ، فجاءه البريد بالعصا والخاتم،
وسلّم عليه بالخلافة ، فركب هشام من الرُّصافة حتى أتى دمشق .
٠
وفى هذه السنة قدم بكير بن ماهان من السند - وكان بها مع الجنيد بن
عبد الرحمن ترجمانً له - فلما عُزل الجنيد بن عبد الرحمن ، قدم الكوفة ومعه
أربع لبنات من فضة ولبنة من ذهب، فلقى أبا عكْرمة الصادق وميسرة
ومحمد بن خنيس وسالمًا الأعين وأبا يحيى مولى بنى سلمة ؛ فذكروا له أمر
(١) الكندر : اللبان .
(٢) ب: ((الوسادة)).

٢٦
سنة ١٠٥
دعوة بنى هاشم ، فقبل ذلك ورضيه، وأنفق ما معه عليهم ، ودخل إلى محمد
ابن علىّ اومات ميسرة فوجه محمد بن علىّ بُكتير بن ماهان إلى العراق مكان
ميسرة ، فأقامه مقامه .
وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل ، والنصرىّ
على المدينة .
قال الواقدىّ : حدّثنى إبراهيم بن محمد بن شُرحبيل ، عن أبيه ، قال:
كان إبراهيم بن هشام بن إسماعيل حجّ، فأرسل إلى عطاء بن [أبى] رباح:
متى أخطب بمكة ؟ قال: بعد الظهر ، قبل التّروية بيوم ، فخطب قبل الظهر،
وقال : أمرنى رسولى بهذا عن عطاء ، فقال عطاء : ما أمرتُه إلاّ بعد الظهر ،
قال : فاستحيا إبراهيم بن هشام يومئذ ، وعدّوه منه جهلا .
[ذكر ولاية خالد القسرىّ على العراق]
وفى هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عمرَ بن هُبيرة عن العراق وما كان
١٤٦٨/٢ إليه من عمل المشرق، وولى ذلك كلّه خالد بن عبد الله القسرىّ فى شوال.
ذكر محمد بن سلام الجُمحىّ ، عن عبد القاهر بن السرىّ ، عن عمر بن
يزيد بن عمير الأسيّدىّ (١) قال: دخلت على هشام بن عبد الملك، وعنده
خالد بن عبد الله القسريّ ، وهو يذكر طاعة أهل اليمن ، قال : فصفّقت
تصفيقةٌ بيدى دقّ الهواء منها، فقلت: تالله ما رأيتُ هكذا خطأ ولا مثله
خَطَلاً! والله ما فتحَتْ فتنة فى الإسلام إلا بأهل اليمن، هم قتلوا أميرَ المؤمنين
عثمان ، وهم خلعوا أمير المؤمنين عبد الملك، وإنّ سيوفنا لتقطر من دماء
آل المهلب. قال : فلما قمت تبعنى رجلٌ من آل مروان كان حاضراً ،
فقال : يا أخا بنى تميم ، ورتْ بك زِنادى ، قد سمعت مقالتك، وأمير المؤمنين
مولّ خالداً العراق ، وليست لك بدار .
(١) فى ابن الأثير: ((الأسيدى، بضم الهمزة وتشديد الياء ؛ هكذا يقول المحدثون، وأما
النحاة فإنهم يخففون الياء؛ وهى عند الجميع نسبة إلى أسيد بن عمرو بن تميم بضم الهمزة وتشديد الياء )).

٢٧
سنة ١٠٥
ذكر عبد الرزاق أنّ حماد بن سعيد الصنعانىّ أخبره قال : أخبرنى زياد
ابن عبيد اللّه، قال : أتيت الشّأم ، فاقترضت ؛ فبينا أنا يومًا على الباب
باب هشام ، إذ خرج علىّ رجل من عند هشام، فقال لى : ممّن أنت يا فتى ؟
قلت : يمان ، قال : فمن أنت ؟ قلت : زياد بن عبيد الله بن عبد المدان ،
قال : فتبسم ، وقال : قم إلى ناحية العسكر فقل لأصحابى : ارتحلوا
فإنّ أمير المؤمنين قد رضی عنی ، وأمرنى بالمسیر ، ووكّل بی من يخرجنی
قال : قلت: مَنْ أنت يرحمك الله؟ قال: خالد بن عبدالله القسرىّ، قال:
ومُرْهم يا فتى أن يعطوك منديل ثيابى وبرْذونى الأصفر . فلما جُزْت قليلاً
نادانى، فقال : يا فتى ، وإن سمعت بى قد وُلّيت العراق يومًا فالحق
بى. قال: فذهبتُ إليهم، فقلت: إنّ الأمير قد أرسلنى إليكم بأن"
أمير المؤمنين قد رضى عنه ؛ وأمره بالمسير . فجعل هذا يحتضننى وهذا يقبّل
رأسى ، فلما رأيتُ ذلك منهم ، قلت : وقد أمرنى أن تعطونى منديل ثيابه
وبِرْذونه الأصفر ، قالوا : إى واللّه وكرامةً، قال : فأعطونى منديل ثيابه
وبرذونه الأصفر، فما أمسى بالعسكر أحد أجودَ ثياباً(١) متّ، ولا أجود مركبا
منّ ، فلم ألبث إلا يسيراً حتى قيل: قد وُلِّىَ خالد العراق ، فركبنى من ذلك
همّ، فقال لى عريف لنا : مالى أراك مهمومًا! قلت : أجل قد وُلّى خالد
كذا وكذا ، وقد أصبتُ ها هنا رُزَيقا عشت به ، وأخشى أن أذهب إليه
فيتغيَّر علىّ فيفوتنى ها هنا وها هنا ، فلست أدرى كيف أصنع ! فقال لى :
هل لك فى خصلة ؟ قلت : وما هى ؟ قال : توكّلى بأرزاقك وتخرج، فإن
أصبتَ ما تحبّ فلى أرزاقك، وإلاّ رجعتَ فدفعتها إليك ، فقلت نعم .
١٤٦٩/٢
وخرجت، فلما قدمت الكوفة لبست من صالح ثيابى. وأذن للناس، فتركتُهم
حتى أخذوا مجالسَهم ، ثم دخلت فقمت بالباب ، فسلمت ودعوت وأثنيت ،
فرفع رأسه ، فقال : أحسنت بالرّحب (٢) والسعة، فما رجعتُ إلى منزلى حتى
أصبت ستمائة دينار بين نَقْد وعَرْض (٣).
١٤٧٠/٢
ثم كنت أختلفُ إليه ، فقال لى يومًا : هل تكتب يا زياد؟ فقلت:
(١) ب: ((ثوباً)). (٢) ف: ((بالقرب)). (٣) العرض: ما سوى النقدين من المتاع.

٢٨
مينة ١٠٥
أقرأ ولا أكتب ، أصلح اللّه الأمير! فضرب بيده على جبينه، وقال: إنا لله
وإنا إليه راجعون ! سقط منك تسعة أعشار ما كنت أريده منك ، وبقى لك
واحدة فيها غنى الدّهر قال : قلت : أيها الأمير ، هل فى تلك الواحدة
ثمن غلام ؟ قال : وماذا حينئذ! قلت: تشترى غلامًا كاتبًا تبعث به إلىّ
فيعلّمنى ، قال : هيهات ! كبرتَ عن ذلك ، قال : قلت : كلاً ، فاشترى
غلاما كاتبًا حاسبًا بستين ديناراً، فبعث به إلىّ ، فأكببتُ على الكتاب،
وجعلت لا آتيه إلا ليلاً، فما مضت إلا خمس عشرة ليلة حتى كتبتُ ما شئت
وقرأت ما شئت . قال : فإنّ عنده ليلةً، إذ قال : ما أدرى هل أنجحت
من ذلك الأمر شيئًا ؟ قلت : نعم ، أكتب ما شئت ، وأقرأ ما شئت ، قال :
إنّى أراك ظفرت منه بشىء يسير فأعجبك، قلت : كلا، فرفع شاذَ كونه(١)،
فإذا طومار ، فقال: اقرأ هذا الطومار ، فقرأت ما بين طرفيه ، فإذا هو من
عامله على الرىّ ، فقال : اخرج فقد وليتك عمله ، فخرجت حتى قدمت
الرّىّ ، فأخذت عامل الخراج، فأرسل إلىّ : إن هذا أعرابىّ مجنون، فإنّ
الأمير لم يولّ على الخراج عربيًّا قطّ ، وإنما هو عامل المعونة ، فقل له:
فليقرّنى على عملى وله ثلثمائة ألف ، قال : فنظرتُ فى عهدى ، فإذا أنا
على المعونة ، فقلت : والله لا انكسرت ، ثم كتبت إلى خالد: إنك بعثتنى
على الرّىّ، فظننت أنك جمعتها لى . فأرسل إلىّ صاحب الخراج أن أقرّه على
عمله ويعطينى ثلثمائة ألف درهم. فكتب إلىّ أن اقبل ما أعطاك، واعلم أنّك
مغبون . فأقمت بها ما أقمت ، ثم كتبت : إنى قد اشتقت إليك فارفعنى
إليك ، ففعل ، فلما قدمت عليه ولا نى الشرطة .
١٤٧١/٢
وكان العامل فى هذه السنة على المدينة ومكة والطائف عبد الواحد بن
عبد الله النضْرىّ وعلى قضاء الكوفة حسين بن حسن الكندىّ ، وعلى قضاء
البَصْرة موسى بن أنس. وقد قيل إنّ هشاماً إنما استعمل خالد بن عبد الله
القسرىّ على العراق وخراسان فى سنة ست ومائة، وإن عامله على العراق وخراسان
فى سنة خمس ومائة كان عمر بن هبيرة .
(١) ط: ((شادكونه))؛ وفى القاموس: ((الشاذ كونة، بفتح الذال: ثياب غلاظ مضرية تعمل
باليمن ؛ وإلى بيعها نسب أبو أيوب الحافظ ؛ لأن أباه كان يبيعها )).

٢٩
ثم دخلت سنة ست ومائة
ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
ففى هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عن المدينة عبد الواحد بن عبد الله
النضْرىّ وعن مكة والطائف ، وولّ ذلك كله خالته إبراهيم بن هشام بن
إسماعيل المخزوميّ ، فقدم المدينة يوم الجمعة لسبع عشرة(١) مضت من جمادى
الآخرة سنة ست ومائة ، فكانت ولاية النَّصْرىّ على المدينة سنة وثمانية أشهر .
وفيها غزا سعيد بن عبد الملك الصائفة .
١٤٧٢/٢
وفيها غزا الحجاج بن عبد الملك اللّن ، فصالح أهلها، وأدّوا الجزية .
وفيها ولد عبد الصمد بن علىّ فى رجب .
وفيها مات الإمام طاوس مولى بُحِير بن رَيْسان الحميرىّ بمكة وسالم
ابن عبد الله بن عمر، فصلّى عليهما هشام . وكان موت طاوس بمكة وموت
سالم بالمدينة .
حدّثنى الحارث، قال : حدّثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ،
قال : حدثنى عبد الحكيم بن عبد الله بن أبى فروة ، قال : مات سالم بن
عبد الله سنة خمس ومائة فى عقب ذى الحجة، فصلى عليه هشام بن عبد الملك
بالبقيع ، فرأيت القاسم بن محمد بن أبى بكر جالسًا عند القبر وقد أقبل
هشام ما عليه إلا دُرّاعة (٢)، فوقف على القاسم فسلم عليه ، فقام إليه
القاسم فسأله هشام : كيف أنت يا أبا محمد ؟ كيف حالك ؟ قال : بخير،
قال: إنى أحبّ والله أن يجعلكم بخير. ورأى فى الناس كثرة، فضرب (٣) عليهم
بعث أربعة آلاف؛ فسمى عام الأربعة الآلاف .
وفيها استقضى إبراهيم بن هشام محمد بن صفوان الجُمحىّ ثم عزله ،
واستقضى الصّلت الكندىّ .
*
(١) ح: ((لتسع عشرة)).
(٣) ح: ((فبعث)).
(٢) ح: (( درعه)).

٣٠
سنة ١٠٦
[ذكر الخبر عن الحرب بين اليمانية والمضرية وربيعة ]
وفى هذه السنة كانت الوقعة التى كانت بين المضرية واليمانية وربيعة
بالبَرُوقان من أرض بلْخ .
ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة :
*
١٤٧٣/٢
وكان سبب ذلك - فيما قيل - أنّ مسلم بن سعيد غزا ، فقطع النّهر،
وتباطأ الناس عنه؛ وكان ممَّن تباطأ عنه البخْتَرَىّ بن درهم، فلما أتى النّهر
ردّ نصر بن سيار وسليم بن سليمان بن عبد الله بن خازم وبلعاء بن مجاهد بن
بلعاء العنبرىّ وأبا حفص بن وائل الحنظلىّ وعُقبة بن شهاب المازنىّ وسالم بن
ذؤابة إلى بلْخ، وعليهم جميعًا نصر بن سيار، وأمرهم أن يخرجوا النّاس إليه.
فأحرق نصر باب البَخْترىّ وزياد بن طريف الباهلىّ ، فمنعهم عمرو بن مسلم
من دخول بلْخ - وكان عليها - وقطع مسلم بن سعيد النهر فنزل نصر البَرُ وقان،
فأتاه أهل صَغَانِيَان ، وأتاه مسلمة العُقْفانىّ من بنى تميم، وحسان بن خالد
الأسدىّ ؛ كلّ واحد منهما فى خمسمائة ، وأتاه سنان الأعرابىّ وزُرْعة بن
علقمة وسلمة بن أوس والحجاج بن هارون النميرىّ فى أهل بيته ، وتجمعت
بكْر والأزد بالبَرُ وقان، رأسهم البخترىّ ، وعسكر بالبرُوقان على نصف فرسخ
منهم ، فأرسل نصْر إلى أهل بلْخ : قد أخذتم أعطياتكم فالحقوا بأميركم،
فقد قطع النّهر. فخرجت مُضَر إلى نصر ، وخرجت ربيعة والأزْد إلى عمرو
ابن مسلم ، وقال قوم من ربيعة : إنّ مسلم بن سعيد يريد أن يخلع ؛ فهو
يكرهنا على الخروج . فأرسلت تتغلب إلى عمرو بن مسلم: إنك منا، وأنشدوه(١)
شعراً قاله رجل عزا باهلة إلى تَغْلِب (٢) - وكان بنو قتيبة من باهلة - فقالوا:
إنّا من تغلب ، فكرهتْ بكْر أن يكونوا فى تغلب فتكثر تغلب ، فقال
رجل منهم :
١٤٧٤/٢
زَعمَتْ قتيبةُ أَنها مِنْ وَائِلِ نسَبٌ بعيدٌ ياقتيبةُ فَاصْعَدِى
وذكر أن بنى سَعن من الأزد يُدْعَوْن باهلة ، وذكر عن شريك بن
(٢) ابن الأثير: ((قاله رجل من باهلة إلى تغلب)).
(١) ب: ((وأنشدوا)).

٣١
سنة ١٠٦
أبى قيلة المعنىّ أن عمرو بن مسلم كان يقف على مجالس بنى معْن، فيقول: لئن
لم نكن منكم ما نحن بعرب ؛ وقال عمرو بن مسلم حين عَزاه التّغلَىّ إلى بنى
تغلب : أما القرابة فلا أعرفها ، وأما المنع فإنى سأمنعكم ؛ فسفر الضّحاك بن
مزاحم ويزيد بن المفضل الحدّانىّ ، وكلما نصراً وناشداه فانصرف . فحمل
أصحاب عمروبن مسلم والبخترىّ على نصر، ونادوا: يالَ بكر! وجالوا، وكرّ
نصر عليهم ؛ فكان أوّلَ قتيل رجلٌ من باهلة، ومع عمرو بن مسلم البخترىُّ
وزياد بن طَريف الباهلىّ ، فقتل من أصحاب عمرو بن مسلم فى المعركة ثمانية
عشر رجلا ، وقتل كردان أخو الفُرافِصَة ومَسْعدة ورجل من بكر بن
وائل يقال له إسحاق ، سوى من قتل فى السكك ، وانهزم عمرو بن مسلم
إلى القصر وأرسل إلى نصر : ابعث إلى بلْعاء بن مجاهد، فأتاه بلعاء ، فقال:
خذْ لى أمانًا منه ، فآمنه نصر ، وقال : لولا أنى أُشمِت بك بكر بن وائل
لقتلتك .
١٤٧٥/٢
وقيل : أصابوا عمرو بن مسلم فى طاحونة ، فأتوا به نصراً فى عُنقه حَبْل ،
فَآمنه نصر (١)، وقال له ولزياد بن طريف والبخترىّ بن دِرْهَم: الحقوا
بأمیر کم .
وقيل : بل التقى نصر وعمرو بالبرُوقان ، فقتِل من بكر بن وائل واليمن
ثلاثون ، فقالت بكر : علام نقاتل إخواننا وأميرنا، وقد تقرّبنا إلى هذا الرجل
فأنكر قرابتنا ! فاعتزلوا . وقاتلت الأزْد ، ثم انهزموا ودخلوا حصنًا فحصرهم
نصر، ثم أخذ عمرو بن مسلم والبخترىَّ أحد بنى عبَّاد وزياد بن طريف الباهلىّ،
فضربهم نصر مائة مائة ، وحلق رءوسهم ولحاهم ، وألبسهم المُسوح. وقيل:
أخذ البخترىّ فى غيضة كان دخلها ، فقال نصر فى يوم البرُوقان:
يَرُدّ عليها بالدموعِ ابتدارُها!
أَرَى العينَ لجَّتْ فى ابتدارٍ وما الذى(٢)
تَحَرَّقُ فى شَطْرِ الخميسَين نارُها
فما أَنا بالوانى إِذا الحربُ شَمَّرَتْ
تطلَّعُ بالعِبءِ النَّقيلِ فِقارها (٣)
وَلكنَّنِى أَدعو لها خِندِفَ التى
(١) ب: ((فانصرف)).
(٣) ب، ح: ((قفارها))
(٢) ب: ((فما الذى)) .
١٤٧٦/٢

٣٢
سنة ١٠٦
فصار عليها عارُ قيسِ وعارُها
وَمَا حَفظتْ بكرٌ هنالك حِلفَها
ففى أَرْضِ مَرْوٍ عَلَّها وازْوِرارُها
فإِن تكُ بَكرٌ بِالعِراقِ تَنَزَّرَتْ
لِخِنْدِفَ إِذْ حَانَتْ وَآَنَ بوارُها
وقد جَرَّبَتْ يَومَ البَرُوقان وقعةً
وقد كان قبلَ اليومِ طالَ انتظارُها
أَنتنى لِقَيْسٍ فى بَجيلةَ وقعةٌ
يعنى حين أخذ يوسف بن عمر خالداً وعياله(١).
وذكر علىّ بن محمد أن الوليد بن مسلم قال: قاتل عمروبن مسلم نصر بن
سيار فهزمه عمرو، فقال لرجل من بنى تميم كان معه: كيف ترى أستاه قومات
يا أخا بني تميم ؟ يعيِّره بهزيمتهم ، ثم كرّت تميم فهزموا أصحاب عمرو ،
فانجلى الرَّهج وبلعاء بن مجاهد فى جمع من بني تميم يشُلُّهم ، فقال التميمىُّ
لعمرو : هذه أستاه قومى . قال: وانهزم عمرو، فقال بلعاء لأصحابه: لا تقتلوا
الأسرى ولكن جَرَّدوهم ، وجوبوا سراويلاتهم عن أدبارهم، ففعلوا ، فقال بيان
العنبرىّ يذكر حربهم بالبَرُوقان:
١٤٧٧/٢
أَنانِى وَرَحْلى بالمدينةِ وقعةٌ لِآلِ تميمٍ أَرْجَفَتْ كلَّ مُرجَفٍ
إِذا ذُكِرَت قتلى البَرُوقانِ تَذْرِفُ
تَظَلُّ عُيونُ الْبُرْشِ بكرٍ بن وائِلٍ
وَوَلَّوْا شِلَالاً والأَسنةُ تَرْعُف
هُمُ أَسلموا للموتِ عَمْرو بنَ مسلِمٍِ
ولم يصبرُوا عندَ القنا المُتَقَصِّفِ
وكانت من الفتيانِ فى الحربِ عادة
[خبر غزو مسلم بن سعيد الترك]
وفى هذه السنة غزا مُسلم بن سعيد الترك؛ فورد عليه عزله من خراسان
من خالد بن عبد الله، وقد قطع النّهر لحربهم وولاية أسد بن عبد اللّه عليها.
* ذكر الخبر عن غزوة مسلم بن سعيد هذه الغزوة:
ذكر علىّ بن محمد عن أشياخه أنّ مسلماً غزا فى هذه السنة ، فخطب
الناس فى ميدان يزيد، وقال: ما أُخَلْفُ بعدى شيئًا أهمّ عندى من قوم
(١) ب: ((وعماله)).

سنة ١٠٦
٣٣
يتخلّفون بعدى مخلّقِى الرقاب، يتواثبون الجُدران على نساء المجاهدين؛ اللهم
افعل بهم وافعل ! وقد أمرتُ نصراً ألا يجد متخلّفاً إلاّ قتله، وما أربى لهم ١٤٧٨/٢
من عذاب ينزله الله بهم(١) - يعنى عمرو بن مسلم وأصحابه - فلما صار
ببخارى أتاه كتاب من خالد بن عبد الله القسرىّ بولايته على العراق ، وكتب
إليه: أتممّ غزاتك. فسار إلى فَرْغانة، فقال أبو الضحاك الرَّوَاحِىّ -
أحد بنى رَوَاحة من بنى عبس ، وعداده فى الأزد ، وكان ينظر فى الحساب :
ليس على متخلّفٍ العامَ معصية ، فتخلّف أربعة آلاف . وسار مسلم بن
سعيد، فلما صار بفَرْ غانة بلغه أن خاقان قد أقبل إليه، وأتاه شُمَسَيْل ـ- أو
شُبَيْل - بن عبد الرحمن المازنىّ ، فقال : عاينت عسكر خاقان فى موضع
كذا وكذا ، فأرسل إلى عبد الله بن أبى عبد اللّه الكرْمانىّ مولى بنى سليم ،
فأمره (٢) بالاستعداد للمسير ، فلما أصبح ارتحل بالعسكر ، فسار ثلاث
مراحل فى يوم ؛ ثم سار من غد حتى قطع وادى السّبوح، فأقبل إليهم خاقان،
وتوافت إليه الخيل ؛ فأنزل عبد الله بن أبى عبد الله قوميًا من العُرَفاء والموالى،
فأغار الترك على الذين أنزلهم عبد اللّه ذلك الموضع فقتلوهم ، وأصابوا دوابّ المسلم
وقتِل المسيّب بن بشر الرّياحىّ ، وقتِل البراء - وكان من فرسان المهلّب -
وقتل أخو غوْزك ، وثار النّاس فى وجوههم، فأخرجوهم من العسكر ، ودفع (٣)
مسلم لواءه إلى عامر بن مالك الحِمَّانىّ، ورحل بالناس فساروا ثمانية أيام، وهم ١٤٧٩/٢
مطيفون بهم ؛ فلما كانت الليلة التاسعة أراد النزول ، فشاور الناس فأشاروا
عليه بالنزول ، وقالوا: إذا أصبحنا وردنا الماء ، والماءُ منا غير بعيد ؛ وإنك
إن نزلت المرْج تفرّق الناس فى الثمار ، وانتُهب عسكرك ، فقال لسورة بن
الحرّ : يا أبا العلاء ، ما ترى ؟ قال: أرى ما رأى الناس ونزلوا . قال : ولم
يرفع بناء فى العسكر ، وأحرق الناس ما ثقل من الآنية والأمتعة ، فحرَّقوا
قيمة ألف ألف ، وأصبح الناس فساروا ، فوردوا الماء فإذا دون النّهر أهلُ
فرغانة والشّاش ، فقال مسلم بن سعيد: أعزم على كلّ رجل إلاّ اخترط
سيفه ؛ ففعلوا فصارت الدنيا كلها سيوفًا ، فتركوا الماء وعبروا، فأقام يومًا ،
(١) ح: ((عليهم)).
(٣) ب: ((ورفع)».
(٢) ب: ((فأمر)).

٣٤
سنة ١٠٦
ثم قطع من غدٍ ، وأتبعهم ابن الخاقان . قال : فأرسل حُميد بن عبد الله
وهو على الساقة إلى مسلم : قف ساعةً فإنّ خلفى مائتى رجل من الترك
حتى أقاتلهم-وهو مثقَلٌ جراحةً - فوقف الناس، فعطف على الترك، فأسر أهل
السُّغد وقائدهم وقائد الترك فى سبعة ، وانصرف البقية، ومضى حميد ورُمى
بنشابة فى ركبته ، فمات .
١٤٨٠/٢
وعطش الناس، وقد كان عبد الرحمن بن نعيم العامرى حمل عشرين قربة
على إبله ، فلما رأى جهد الناس أخرجها ، فشربوا جُرْعًا ، واستسقى يوم
العطش مسلم بن سعيد فأتوه بإناء، فأخذه جابر-أو حارثة(١)-بن كثير أخو
سليمان بن كثير من فيه ، فقال مسلم : دعوه ، فما نازعنى شَرْبتى إلا من
حرّ دَخَله، فأتوا خُجَنْدة ، وقد أصابتهم مجاعة وجهد ، فانتشر الناس
فإذا فارسان يسألان عن عبد الرحمن بن نعيم ، فأتياه بعهده على خُراسان من
أسد بن عبد اللّه، فأقرأه عبد الرحمن مسلمًا، فقال: سمعاً وطاعة، قال :
وكان عبد الرحمن أوّل من اتخذ الخيام فى مفازة آمُل .
قال : وكان أعظم الناس غنّى يوم العطش إسحاق بن محمد الغُدانىّ ،
فقال حاجب الفيل لثابت قُطْنة ، وهو ثابت بن كعب :
بين المجاذِيفِ والسُّكانِ مشغولٌ
نقْضى الأُمورَ وبكرٌ غَيرُ شاهدها
وما سواها مِنَ الآباءِ مَجْهُولُ
مَا يَعْرفُ الناسُ منه غيرَ قُطْنَتِه
وكان لعبد الرحمن بن نعيم من الولد نُعَيم وشديد وعبد السلام وإبراهيم
والمِقْداد ، وكان أشدَّهم نُعَيم وشديد ، فلما عزل مسلم بن سعيد ، قال
١٤٨١/٢ الخزرج التغلبىّ: قاتلنا الترك ، فأحاطوا بالمسلمين حتى أيقنوا بالهلاك ؛
فنظرت إليهم وقد اصفرّت وجوههم ، فحمل حَوْثرة بن يزيد بن الحرّ بن
اُخْنَيف بن نصر بن يزيد بن جَعْوَنة على الترك فى أربعة آلاف ، فقاتلهم
ساعة ثم رجع ، وأقبل نصر بن سيار فى ثلاثين فارساً ، فقاتلهم حتى أزالهم
عن مواضعهم ، وحمل الناس عليهم ؛ فانهزم الترك .
قال : وحوثرة هذا هو ابن أخى رَقَبة بن الحرّ . قال : وكان عمر بن
(١) ح: ((أو جارية))، ابن الأثير: ((وحارثة)).

٣٥
سنة ١٠٦
هبيرة قال لمسلم بن سعيد حين ولاّه خراسان: ليكن حاجبُك من صالح
مواليك ، فإنه لسانك والمعبّر عنك، وحُثّ صاحب شُرطتك على الأمانة ،
وعليك بعمال العذر. قال: ومَا عمال العُدْرِ؟ قال: مُرْ (١) أهلَ كلّ
بلد أن يختاروا لأنفسهم ، فإذا اختاروا رجلاً فولّه ، فإن كان خيراً كان
لك ، وإن كان شرًّا كان لهم دونك؛ وكنت معذوراً .
قال : وكان مسلم بن سعيد كتب إلى ابن هُبيرة أن يوجه إليه توبة بن
أبى أسيْد مولى بنى العنبر، فكتب ابن هبيرة إلى عامله بالبصرة : أحمل إلىّ
توبة بن أبى أسَيْد، فحمله فقدم - وكان رجلا جميلا جهيراً له ◌َسْتٌ .
فلما دخل على ابن هبيرة ، قال ابن هبيرة: مثل هذا فليولّ، ووجَّه (٢) به
إلى مسلم، فقال له مسلم : هذا خاتمى فاعمل برأيك ؛ فلم يزل معه حتى قدم ١٤٨٢/٢
أسد بن عبد اللّه، فأراد توبة أن يشخص مع مسلم ، فقال له أسد : أقم
معى فأنا أحوج إليك من مسلم . فأقام معه ، فأحسن إلى الناس وألان
جانبه ، وأحسن إلى الجند وأعطاهم أرزاقهم ، فقال له أسد: حلّفهم بالطلاق
فلا (٣) يتخلف أحد عن مغزاه، ولا يدخل بديلاً، فأبى ذلك توبة فلم
يحلفهم بالطلاق .
قال: وكان الناس بعد توبة (٤) يحدّفون الجند بتلك الأيمان، فلما قدم عاصم
ابن عبد الله أراد أن يحلّف الناس بالطلاق فأبوا، وقالوا : نحلف بأيمان توبة .
قال : فهم يعرفون ذلك ، يقولون : أيمان توبة .
[حجّ هشام بن عبد الملك ]
وحجّ بالناس فى هذه السنة هشام بن عبد الملك ؛ حدّثنى بذلك أحمد
ابن ثابت عمّن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر ، وكذلك
قال الواقدىّ وغيره ، لا خلاف بينهم فى ذلك .
قال الواقدىّ: حدّثنى ابن أبى الزّناد، عن أبيه، قال : كتب إلىّ
(١) ابن الأثير: ((تأمر)).
(٣) كذا فى ح وفى ط: ((ولا)).
(٢) ب: ((ووجهه إلى مسلم)).
(٤) ح: ((موته)) .

٣٦
سنة ١٠٦
هشام بن عبد الملك قبل أن يدخل المدينة أن اكتب لى سُنّن الحج ،
فكتبتها له ، وتلقاه أبو الزناد. قال أبو الزّناد : فإنى يومئذ فى الموكب خلفه ،
وقد لقيه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان، وهشام یسیر، فنزل
له ، فسلم عليه ، ثم سار إلى جَنْبه، فصاح هشام: أبو الزناد ! فتقدّمتُ،
فسرت إلى جنبه الآخر ، فأسمع سعيداً يقول: يا أميرَ المؤمنين، إنّ اللّه لم
١٤٨٣/٢ يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين ، وينصر خليفته المظلوم ، ولم يزالوا
يلعنون فى هذه المواطن الصالحة أبا تراب، فأمير المؤمنين ينبغى له أن يلعنه فى
هذه المواطن الصالحة ؛ قال: فشقّ على هشام ، وثقل عليه كلامه ، ثم قال :
مّا قدمنا لشتم أحد ولا للعنه، قدمنا حجاجاً . ثم قطع كلامه وأقبل علىّ
فقال: يا عبد اللّه بن ذكوان ، فرغتَ مما كتبتُ إليك ؟ فقلت : نعم ، فقال
أبو الزناد: وثقُل على سعيد ما حضرته يتكلم به عند هشام ، فرأيته منكسراً(١)
كلما رآنى .
وفى هذه السنة كلّم إبراهيم بن محمد بن طلحة هشام بن عبد الملك -
وهشام واقف قد صلّى فى الحِجْر - فقال له : أسألك بالله وبحرمة هذا
البيت والبلد الذى خرجتَ معظِّماً لحقه ، إلا رددتَ علىّ ظلامتى! قال :
أىّ ظلامة ؟ قال : دارى ، قال : فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد الملك؟
قال : ظلمنى واللّه، قال : فعن الوليد بن عبد الملك ؟ قال : ظلمنى واللّه،
قال : فعن سليمان ؟ قال : ظلمنى، قال : فعن عمر بن عبد العزيز ؟ قال :
يرحمه الله، ردّها واللّه علىّ، قال : فعن يزيد بن عبد الملك ؟ قال : ظلمنى
واللّه، هو قبضها منى بعد قبضى لها ، وهى فى يديك. قال هشام: أما والله
لو كان فيك ضربٌ لضربتك ، فقال إبراهيم: فىّ واللّه ضرب بالسيف والسوط.
١٤٨٤/٢ فانصرف هشام والأبرش خلفه فقال: أبا مجاشع ، كيف سمعتَ هذا اللسان ؟
قال : ما أجود هذا اللسان! قال: هذه(٢) قريش وألسنتها، ولا يزال فى
الناس بقايا(٣) ما رأيتَ مثل هذا .
(١) ابن الأثير: ((وكان منكسراً)).
(٢) ط: ((هذا))، وما أثيته من ب.
(٣) ف: ((الناس فى بقايا)).

٣٧
سنة ١٠٦
وفى هذه السنة قدم خالد بن عبد الله القسرىّ أميراً على العراق .
٠٠
١٤٠٠
[ولاية أَسد بن عبد الله القسرىّ على خراسان]
وفيها استعمل خالد أخاه أسد بن عبد اللّه أميراً على خراسان ، فقدمها
ومسلم بن سعيد غازٍ بفرغانة ، فذكر عن أسد أنه لما أتى النهر ليقطع ، منعه
الأشهب بن عبيد التميمىّ أحد بنى غالب، وكان على السفن بآمُل ، فقال له
أسد : أقطعنى ، فقال : لا سبيل إلى إقطاعك ؛ لأنى نُهِيت عن ذلك ،
قال : لاطفوه وأطمعوه(١)، فأبى؛ قال : فإنى الأمير ، ففعل ، فقال أسد :
اعرفوا هذا حتى نَشْركه فى أمانتنا، فقطع النهر، فأتى السُّغد، فنزل مرْجها(٢)،
وعلى خراج سمرقند هانى بن هانئ، فخرج فى الناس يتلقى (٣) أسداً، فأتوه
بالمرْج ، وهو جالس على حَجَر ، فتفاعل الناس ، فقالوا : أسد على حجر !
ما عند هذا خير . فقال له هانئ : أقدمتَ أميراً فنفعل بك ما نفعل بالأمراء ؟
قال : نعم ، قدمتُ أميراً . ثم دعا بالغداء فتغدّى بالمرْج ، وقال : مَن
ينشط بالمسير وله أربعة عشر درهمًا - ويقال: قال ثلاثة عشر درهمًاً- وها هى ذى
فى كمىّ؟ وإنه ليبكى ويقول: إنما أنا رجل مثلكم (٤). وركب فدخل تَسَمَرْقند
وبعث رجلين معهما عهد عبد الرحمن بن نعيم على الجند ، فقدم الرّجلان ١٤٨٥/٢
على عبد الرحمن بن نعيم ، وهو فى وادى أفشين (٥) على السّاقة - وكانت
الساقة على أهل سَمَرْقند الموالى(٦) وأهل الكوفة - فسألا عن عبد الرحمن
فقالوا : هو فى الساقة ، فأتياه بعهد وكتاب بالقَفْل والإذن لهم فيه ، فقرأ
الكتاب . ثمّ أتى به مسلمًا وبعهده ، فقال مسلم : سمعًا وطاعة ، فقام عمرو
ابن هلال السدوسىّ - ويقال التيمىّ - فقنّعه سوطين لما كان منه بالبُر وقان
إلى بكر بن وائل ، وشتمه حسين بن عثمان بن بشر بن المحتفز ، فغضب
(١) ب: ((وأطيعوه))
(٢) ابن الأثير: ((بالمرج)).
(٤) ح: (( منكم)).
(٦) ب: ((والموالى)).
(٣) ف: ((ليلقى)).
(٥) ح: ((أدانى أفشين)).

٣٨
سنة ١٠٦
عبد الرحمن بن نعيم ، فزجرهما ثم أغلظ لهما ، وأمر بهما فدفعا ، وقفل بالناس
وشخص معه مسلم ..
فذكر علىّ بن محمد عن أصحابه ، أنهم قدموا على أسد، وهو بسمَرْقند،
فشخص أسد إلى مَرْو، وعزل هانئاً، واستعمل على سمَرْقَْد الحسن بن
أبى العَمَرطة الكندىّ من ولد آكل المُرَار. قال: فقدِ مَتْ على الحسن
امرأته الجنوب ابنة القعقاع بن الأعلم رأس الأزد ، ويعقوب بن القعقاع قاضى
خراسان ؛ فخرج يتلقاها، وغزاهم الترك، فقيل له: هؤلاء الترك (١) قد أتوك -
وكانوا(٢) سبعة آلاف - فقال: ما أتَوْنا بل أنيناهم وغلبناهم على بلادهم
١٤٨٦/٢ واستعبدناهم، وإيمُ اللّه مع هذا الأدنيفكم منهم، ولأقرنن"(٣) نواصى خيلكم
بنواصى خيلهم .
قال : ثم خرج فتباطأ حتى أغاروا وانصرفوا ، فقال الناس : خرج إلى
امرأته يتلقاها مسرعًا، وخرج إلى العدوّ متباطئًا . فبلغه فخطبهم ، فقال :
تقولون وتعيبون ! اللهمَّ اقطع آثارهم وعجّل أقدارهم، وأنزل بهم الضّراء وارفع
عنهم السراء ! فشتمه الناس فى أنفسهم .
وكان خليفته حين خرج إلى الترك ثابت قُطْنة ، فخطب الناس فحصر
فقال: من يطع اللّهَ ورَسُوله فقد ضلّ، وأرتِج عليه، فلم ينطق بكلمة، فلما
نزل عن المنبر قال :
إنْ لم أكنْ فِيكمْ خَطيباً فإننى بسيفى إِذا جَدَّ الوغى لخَطِيبُ (٤)
فقيل له : لو قلت هذا على المنبر ، لكنت خطيبًا، فقال حاجب الفيل
اليشكرىّ يعيره حَصَرَه:
يَومَ العَرُوبة مِنْ كَرِبٍ وَتَخْنِيق
أَبَا العَلاَءِ لقد لاقيتَ مُعْضِلةً
كما هوى زَلَقٌ منْ شاهِقِ النِّيقِ
تَلوِى اللسانَ إِذا رُمتَ الكلامَ به
(٢) ح: ((وهم)).
(١) ب: ((الأتراك)).
(٣) ابن الأثير: ((ولأقربن)).
(٤) أورد الجاحظ الشعر فى البيان والتبيين ١: ٢٣١، وروايته :
بسُمْرِ القَنا والسَّيْفِ جدَّ خطيب
فإلاَّ أَكُنْ فيهِمْ خِطيباً فإِنَّنى

٣٩
سنة ١٠٦
أَنشأْتَ تَجْرَضُ لمَّا قمتَ بالرِّيق ١٤٨٧/٢
لَمَّا رَمَتْكَ عُيُونُ الناسِ ضاحيةً
أَمَّا القرانُ فَلا تُهدَى لِمُحْكَمَةٍ مِنَ القرانِ وَلَا تُهْدَى لِتَوْفِيقِ
وفى هذه السنة ولد عبد الصمد بن علىّ فى رجب .
#
وكان العامل على المدينة ومكة والطائف فى هذه السنة إبراهيم بن هشام
المخزومىّ. وعلى العراق وخراسان خالد بن عبد الله القسرىّ ، وعامل خالد على
صلاة البصرة عقبة بن عبد الأعلى ، وعلى شُرْطتها مالك بن المنذر بن الجارود،
وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله بن أنس ، وعلى خُراسان أسد بن عبد الله .
٠

٤٠
ثم دخلت سنة سبع ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من خروج عباد الرُّعْنِىّ باليمن محكِّمًا، فقتله يوسف
ابن عمر ، وقتل معه أصحابه كلهم وكانوا ثلثمائة .
وفيها غزا الصّائفة معاوية بن هشام ، وعلى جيش الشأم ميمون بن مهران ،
فقطع البحر حتى عبر إلى قُبُرُس، وخرج معهم البَعْث الذى هشام كان أمر به
١٤٨٨/٢ فى حجته سنة ستّ، فقدموا فى سنة سبع على الجعائل(١)، غزا منهم نصفهم(٢)
وقام النصف . وغزا البرّ(٣) مسلمة بن عبد الملك.
وفيها وقع بالشأم طاعون شديد .
وفيها وجّه بكير بن ماهان أبا عِكْرمة وأبا محمد الصادق ومحمد بن خنيس
وعمار العبادىّ فى عِدّة من شيعتهم ، معهم زياد خال الوليد الأزرق دعاة
إلى خراسان ، فجاء رجل من كندة إلى أسد بن عبد اللّه ، فوَشى بهم إليه ،
فأتى بأبى عكرمة ومحمد بن خُنيس وعامة أصحابه، ونجا عمّار، فقطع أسد
أيدى من ظفر به منهم وأرجلهم ، وصلبهم . فأقبل عمار إلى بكير بن ماهان،
فأخبره الخبر ، فكتب به إلى محمد بن علىّ، فأجابه : الحمد لله الذى صدّق
مقالتكم ودعوتكم ، وقد بقيت منكم قتلى ستُقتل .
وفى هذه السنة حُمل مسلم بن سعيد إلى خالد بن عبد اللّه ، وكان أسد
ابن عبد الله له مكرَّماً بخراسان لم يعرض له ولم يحبسه، فقدم مسلم وابن هبيرة
◌ُجمعٌ على الهرب ، فنهاه عن ذلك مسلم ، وقال له : إن القوم فينا أحسن
رأياً منكم فيهم .
وفى هذه السنة غزا أسد جبال نمرون ملك الغَرْ شسْتان مما يلى جبال
١٤٨٩/٢
الطالقان ، فصالحه نمرُون وأسلم على يديه ، فهم اليوم يتولون اليمن .
٠ ٠٠ ٠
[غَزْو الغُور]
وفيها غزا أسد الغُور وهى جبال هراة .
(٣) ابن الأثير: ((فى البر)).
(١) ب: ((الجعال)). (٢) ح: ((النصف)).