Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
سنة ١٠٢
وكان معاوية بن يزيد بن المهلّب حين قدم البصرة قدمها ومعه الخزائن وبيت
المال ؛ فكأنّه أراد أن يتأمّر عليهم، فاجتمع آل المهلب وقالوا للمفضّل: أنت
أكبرنا وسيّدنا، وإنما أنت غلام حديث السنّ كبعض فتيان أهلك، فلم يزل
المفضّل عليهم حتى خرجوا إلى كَرْمان ، وبكرمان فلول كثيرة ، فاجتمعوا إلى
المفضّل، وبعث مسلمة بن عبد الملك مدرك بن ضبّ الكلبيّ فى طلب آل المهلب
وفى أثر الفَلّ(١) . فأدرك مدرك المفضّل بن المهلب، وقد اجتمعت إليه الفلول
بفارس فتبعهم ، فأدركهم فى عَقَة، فعطفوا عليه ، فقاتلوه واشتدّ قتالهم إيّاه،
فقتل مع المفضل بن المهلب النّعمان بن إبراهيم بن الأشتر النخعىّ ومحمد بن إسحاق
ابن محمد بن الأشعث، وأخذ ابن صُول ملك قهُستان أسيراً، وأخذت سُرّيّة
المفضل العالية، وجُرٍ ح عثمان بن إسحاق بن محمد بن الأشعث جراحة شديدة،
وهرب حتى انتهى إلى حُلوان، فدُلّ عليه ، فقتل وحُمل رأسه إلى مسلمة
بالحيرة ، ورجع ناس من أصحاب يزيد بن المهلب ، فطلبوا الأمان ، فأومنوا؛
منهم مالك بن إبراهيم بن الأشتر، والورد بن عبد الله بن حبيب السعدىّ من
تميم، وكان قد شهد مع عبد الرحمن بن محمد مواطنه وأيّامه كلها ، فطلب
له الأمان محمد بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان إلى مسلمة بن عبد الملك
عمّه وابنةُ مسلمة تحته - فأمّنه ، فلما أتاه الورد وقفه مسلمة فشتمه قائمًا ،
فقال: صاحب خلاف وشقاق ونفاق ونِفار فى كلّ فتنة، مرّة مع جائك كندة،
ومرّة مع ملاح الأزْد ؛ ما كنت بأهل أن تؤمّن ؛ قال : ثم انطلق . وطلب
الأمان لمالك بن إبراهيم بن الأشتر الحسنُ بن عبد الرحمن بن شراحيل - وشراحيل
يلقّب رستم الحضرمىّ - فلما جاء ونظر إليه ، قال له الحسن بن عبد الرحمن
الحضرمىّ : هذا مالك بن إبراهيم بن الأشتر ، قال له : انطلق ، قال له الحسن:
أصلحك الله ! لم لم تشتمه كما شتمت صاحبه ! قال : أجللتكم عن ذلك ،
وكنتم أكرم علىّ من أصحاب الآخر وأحسن طاعة. قال : فإنه أحبّ إلينا أن
تشتمه ، فهو واللّه أشرف أباً وجدًّا، وأسوأ أثراً من أهل الشأم من الورد بن
عبد اللّه؛ فكان الحسن يقول بعد أشهر : ما تركه إلا حسداً من أن يعرف
١٤١١/٢
١٤١٢/٢
(١) الفل: الجماعة المنهزمون.

٦٠٢
سنة ١٠٢
١٤١٣/١
صاحبنا ، فأراد أن يُرينا أنه قد حقره . ومضى آل المهلب ومن سقط منهم
من الفُلول حتى انتهوا إلى قندابيل ، وبعث مسلمة إلى مدرك بن ضبّ الكلبىّ
فردّه، وسرّح فى أثرهم هلال بن أحوز التميمىّ، من بنى مازن بن عمروبن تميم
فلحقهم بقندابيل ، فأراد آل المهلب دخول قندابيل ، فمنعهم وداع بن حميد .
وكاتبه هلال بن أحوز ، ولم يباين آل المهلب (١) فيفارقهم ، فتبين لهم فراقه
لما التقوا وصفُّوا، كان وداع بن حميد على الميمنة، وعبد الملك بن هلال على الميسرة
وكلاهما أزدىّ ، فرفع لهم راية الأمان ، فمال إليهم وداع بن حميد وعبد الملك
ابن هلال ، وارفضّ عنهم الناس فخدّوهم. فلما رأى ذلك مروان بن المهلّب
ذهب يريد أن ينصرف إلى النساء ، فقال له المفضّل : أين تريد ؟ قال : أدخل
إلى نسائنا فأقتلهنّ، لئلا يصل إليهنّ هؤلاء الفسّاق، فقال: ويحك! أتقتل
أخواتك ونساء أهل بيتك! إنا والله ما نخاف عليهنّ منهم . قال : فردّه عن
ذلك ، ثم مشوا بأسيافهم ، فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم (٢) ، إلا أبا عيينة
ابن المهلب ، وعثمان بن المفضل فإنهما نَجَوا، فلحقا بخاقان ورتبيل ، وبعث
بنسائهم (٣) وأولادهم إلى مسلمة بالحيرة، وبعث برءوسهم إلى مسلمة ، فبعث
بهم مسلمة إلى يزيد بن عبد الملك ، وبعث (٤) بهم يزيد بن عبد الملك إلى
العباس بن الوليد بن عبد الملك، وهو على حلَب، فلما نُصبوا خرج لينظر إليهم،
فقال لأصحابه : هذا رأس عبد الملك ، هذا رأس المفضّل، والله لكأنه جالس
معی يحدثی .
وقال مسلمة: لأبيعن ذريّتهم وهم فى دار الرزق ، فقال الجرّاح بن
عبد الله(٥): فأنا أشتريهم منك لأبرّ يمينك، فاشتراهم منه بمائة ألف ، قال :
هاتها، قال: إذا شئت فخذها، فلم يأخذ منه شيئاً، وخلى سبيلهم، إلا تسعة فتية
/ ١٤١٤
(١) ابن الأثير: ((وكان هلال بن أحوز لم يباين آل المهلب)).
(٢) أضاف ابن الأثير: ((وهم المفضل وعبد الملك وزياد ومر وان بنو المهلب، ومعاوية
ابن يزيد بن المهلب ، والمنهال بن أبى عينية بن المهلب، وعمرو والمغيرة ابنا قبيصة بن المهلب ،
وحملت رءوسهم وفى أذن كل واحد رقعة فيها اسمه))
(٣) ابن الأثير: ((وبعث هلال بن أحوز بنسائهم)).
(٤) ابن الأثير: ((فسيرهم)).
(٥) بعدها فى ابن الأثير: ((الحكمى)).

٦٠٣
سنة ١٠٢
منهم أحداث بعث بهم إلى يزيد بن عبد الملك ، فقدم بهم عليه ، فضرب
رقابهم ، فقال ثابت قُطْنة (١) حين بلغه قتل يزيد بن المهلب يرثيه:
وعاد قصيرُهُ ليلا تماماً
ألا يا هند طالَ عَلَّ ليلِى
سُقِيتُ لُعَابَ أَسْوَدَ أَو سَمَامًا
كأَنِّى حين حَلَّقَتِ الثرَيًّا
أَمَرَّ علَّ حُلوَ العيشِ يَوْمٌ
مُصابُ بنى أَبِيكِ وَغِيتُ عِنْهُمْ
فلا واللّهِ لَا أَنسَى يزيداً
فَعلىّ أَن أَبُو بأَخيك يوماً
وعَلىّ أَنْ أَقودَ الخيل شُعْئاً
فأُصبِحَهُنَّ حِمْیُرَ من قريب
مِنَ الأَيام شَيَّبنِى غلاماً
فلم أُشهدهُمُ ومِضَوا كراما
ولا القَتلَى التى قُتِلَت حَرَامًا
يزيدًا أَو أَبوءَ بِه هِشَامَا
شَوَازِبَ ضُمَّرًا تَقِصُ الإِكامَا
وعكًا أَو أَرُعْ بهما جُذاما
مِنَ الذَِّفَان أَنفاساً قَوَاما
وَنَسقِى مَذْحِجًا والحىَّ كلباً
تَجُرّبُنا زَكَا عاماً فعاماً
لِأَصبح وَسْطَنَا مَلِكًا هُمَامَا
عشائرنا التى تبغى علينا
ولولاهمْ وما جَلَبُوا علينا
وقال أيضًا يرثى يزيد بن المهلّب :
وَهَاجَ لك الهَمُّ الفؤادِ المُنَيَّمَا
أَبَى طُولُ هذا اللَّيْلِ أَنْ يَتَصَرَّمَا
وقد أَرِقَتْ عيناىَ حَوْلاً مُجرَّمَا
أَرِقِتُ وَلَمْ تَأْرَقْ مَعِى أُمّ خالد
دعته المنايا فاستجاب وَسَلَّمَا
على هَالِكِ هَذَّ العشيرة فَقْدُهُ
١٤١٥/٢
كتائبه واسْتَوْرَدَ الموت مُعلِما
على مَلِكِ يا صَاحِ بِالعَقْرِ جُبِّنَتْ
(١) فى ابن الأثير: ((قطنة؛ بالنون؛ وهو ثابت بن كعب بن جابر العتكى الأزدى،
أصيبت عينه بخراسان ، فجعل عليها قطنة ، فعرف بذلك ؛ وهو يشتبه بثابت قطبة ، بالباء الموحدة ،
وهو خزاعى، وذاك عتكى)).
7

٦٠٤
۔
◌ُصیب ولم أَشهد ولو کنْتُ شاهدًا
وفى غِيَرِ الأَّيَّام يا هِنْدُ فاعلمى
فعلِّىَ إِن مالت بِىَ الريح مَيْلَةً
أَمَسْلَمَ إِن يَقْدِرْ عليك رِماحُنا
وإِن نلقَ للعباس فى الدهر عثرةٌ
قصاصاً ولا نَعدُو الذى كانَ قَد أَنى
ستَعلَمُ إِن زَلَّت بك النَّعل زلةٌ
من الظالم الجَانِى على أَهل بيته
وَإِنا لَعطَّافُونَ بالحلم بعد مَا
وإنا لِحَلاَّلُونَ بالثَّغْرِ لا نرى
نرى أنَّ لِلجِيرَانِ حاجاً وَحُرمَةً
وَإِنَّا لِنَقْرِى الضيف من قَمعِ الذَّرَى
وراحت بصُرَّادِ مُلِثُّ جيدُه
أَبونا أَبُو الأَنصار عَمْرُو بنُ عامِر
وقد كانَ فِى غَسَّانَ مجدٌ يَعُدّهُ
سنة ١٠٢
تَسلَّيْتُ إِن لم يجْمَع الحىُّ مأَتمَا
لِطَالِبٍ وِترٍ نظرة إِن تلوَّمَا
عَلَى ابن أَبِى ذِبَّنَ أَن يَتَنَدَّمَا
نُذِفْكَ بها قَىْءَ الأَسَاودِ مُسلَمَا
نُكافِئه باليوم الذى كان قَدَّما
إِلينا وإِن كان ابن مروانَ أَظلَمَا
وأَظهَرَ أَقوام حياءٌ مِجَمَجَمَا
إِذا أُحْصِرَت(١) أَسباب أَمر وَأَبِهِمَا
نَرَى الجهلَ من فرطِ اللئيم تكرُّما
بهِ ساكِناً إِلا الخميس العَرَمَرَمَا
إِذَا النَّاسُ لم يَرْعَوْا لدى الجارِ مَحرمًا
إِذَا كانَ رفدُ الرافدين تجَشَّمَا
عَلى الطلحِ أرماكاً من الشهب صُيِّمًا
وَهُمْ وَلِدُوا عَوفاً وكعباً وَأَسْلَمَا
وَعَادِيَّةٌ كانت مِنَ المجدِ مُعظمًا
#
*
١٤١٧/٢
(١)، ابن الأثير: ((أحضرت)).
(٢) ابن الأثير: ((له أخوه)).
٠
٠
١٤١٦/٢
[ولاية مسلمة بن عبد الملك على العراق وخراسان]
فلما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حَرْب يزيد بن المهلب ، جمع له (٢)
يزيد بن عبد الملك ولاية الكوفة والبصرة وخراسان فى هذه السنة ، فلما ولّه
يزيد ذلك ، ولّى مسلمة الكوفة ذا الشامة محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن
أبي معيط، وقام بأمر البصرة بعد أن خرج منها آل المهلب - فيما قيل -
شبيبُ بن الحارث التميمىّ ، فضبطها ، فلمّا ضُمّت إلى مسلمة بعث عاملا

٦٠٥
سنة ١٠٢
عليها عبد الرحمن بن سليم الكلبىّ، وعلى شُرْطتها وأحداثها عمر بن يزيد
التميمىّ ، فأراد عبد الرحمن بن سليم أن يستعرض أهلَ البصرة ، وأفشى ذلك
إلى عمر بن يزيد ، فقال له عمر : أتريد أن تستعرض أهل البصرة ولم تتمْن
حصناً بكويفة ، وتدخل من تحتاج إليه! فوالله لو رَماك أهل البصرة وأصحابك
بالحجارة لتخوّفت أن يقتلونا ؛ ولكن أنظرنا عشرة أيام حتى نأخذ أهبة ذلك .
ووجه رسولا إلى مسلمة يخبره بما همّ به عبد الرحمن ، فوجّه مسلمة عبد الملك
ابن بشر بن مروان على البصرة ، وأقرّ عمر بن يزيد على الشرطة والأحداث.
[ ذكر استعمال مسلمة سعيد خذينة على خراسان ]
قال أبو جعفر : وفى هذه السنة وجّه مسلمة بن عبد الملك سعيد بن عبدالعزيز
ابن الحارث بن الحكم بن أبي العاص ، وهو الذى يقال له سعيد خُدّينة -
وإنما لقب بذلك - فيما ذكر - أنه كان رجلاً لينًا سهلا متنعماً(١)، قدم
خراسان على بختيّه معلقاً سكيناً فى منطقته(٢)، فدخل عليه(٣) ملك أبغر، وسعيد
متفضّل فى ثياب مصبّغة، حوله (٤) مرافق مصبّغة ، فلما خرج(٥) من عنده
قالوا له : كيف رأيت الأمير ؟ قال : خذينيّة، لمّتْه سُكينيّة؛ فلقب خذينة
وخذينة هى الدهقانة رّبة البيت، وإنما استعمل مسلمة سعيد خذينة على خراسان
لأنه كان ختنه على ابنته، كان سعيد متزوجًا بابنة مسلمة .
١٤١٨/٢
ولما ولى مسلمة سعيد(٦) خذينة خراسان، قدم إليها قبل شخوصه سورة
ابن الحرّ من بنى دارم، فقدمها قبل سعيد - فيما ذكر - بشهر ، فاستعمل
شعبة بن ظُهير النهشلىّ على سَمَرْقند ، فخرج إليها فى خمسة وعشرين رجلا
من أهل بيته ، فأخذ على آمُل ، فأتى بخارى، فصحبه منها مائتا رجل ، فقدم
(١) ف: ((منهما)).
(٢) ب: ((منطقة)).
(٣) ح: ((على)).
(٤) ابن الاثير: ((وحوله)).
(٥) ح: ((خرجوا)).
(٦) ب: ((سعيدا)).

٦٠٦
سنة ١٠٢
١٤١٩/٢
السُّخْد ، وقد كان أهلها كفروا فى ولاية عبد الرحمن بن نعيم الغامدىّ، ووليها
ثمانية عشر شهراً، ثم عادوا إلى الصُّلح، فخطب شعبة أهل السُّغْد، ووبِّخ
سكانها من العرب وعيدَّرهم بالجُبْن، فقال(١): ما أرى فيكم جريحًا، ولا أسمع
فيكم أنةً . فاعتذروا إليه بأن جبَّنوا عاملهم علباء بن حبيب العبدى ، وكان
على الحرب. ثم قدم سعيد ، فأخذ عمّال عبد الرحمن بن عبد الله القشيرىّ الذين
وُلُّوا أيام عمر بن عبد العريز فحبسهم، فكلّمه فيهم عبد الرحمن بن عبدالله(٢)
القُشيرىّ ، فقال له سعيد: قد رُفع عليهم أن عندهم أموالاً من الخراج . قال :
فأنا أضمنه ، فضمن عنهم (٣) سبعمائة ألف ، ثم لم يأخذه بها .
ثمّ إنّ سعيداً رفع إليه - فيما ذكر علىّ بن محمد أن جهم بن زَّحْر
الجعفىّ وعبدالعزيز بن عمروبن الحجاج الزّبيدىّ والمنتجع بن عبد الرحمن الأزدىّ
والقعقاع الأزدىّ ولُّوا ليزيد بن المهلب وهم ثمانية(٤)، وعندهم أموال قد اختانوها
من فىء المسلمين . فأرسل إليهم ، فحبسهم فى قُهُنْدُزمَرْو ، فقيل له: إن
هؤلاء لا يؤدّون إلا أن تبسط عليهم . فأرسل إلى جَهْم بن زَحْر ، فحميل
على حمار من قهندزمَرْو، فمرّوا به على الفيض بن عمران ، فقام إليه فوجأ أنفه ،
فقال له جهم : يا فاسق ، هلاّ فعلت هذا حين أتوْنى بك سكران قد شربت
الخمر ، فضربتك حدًّا! فغضب سعيد على جَهْم فضربه مائتى سوط ، فكبير
أهل السوق حين ضرِب جَهْم بن زَحْر ، وأمر سعيد بجهم والثمانية الذين كانوا
فى السجن فدُفعوا (٥) إلى ورقاء بن نصر الباهلىّ، فاستعفاه فأعفاه.
١٤٢٠/٢
وقال عبد الحميد بن دثار- أو عبد الملك بن د ثار- والزّبير بن نشيط مولى
باهلة ، وهوزوج أم سعيد خذينة: وَلِّنا محاسبتهم، فولاهم فقتلوا فى العذاب جهماً،
وعبد العزيز بن عمرو والمنتجع، وعذبوا القعقاع وقومًا حتى أشرفوا على الموت .
قال : فلم يزالوا فى السجن حتى غزتهم الترك وأهل السّغد ، فأمر سعيد بإخراج
(٢) ب: ((عبد الله بن عبد الرحمن)).
(١) ابن الاثير: ((وقال)).
(٣) ح: ((عليه)).
(٤) ابن الأثير: ((فى ثمانية نفر)).
(٥) ب: ((فرفعوا))، ابن الاثير: ((فسلموا)).

سنة ١٠٢
٦٠٧
مَنْ بقى منهم ، فكان سعيد يقول: قبّح اللّه الزُّبير، فإنه قتل جهماً!
#:
#
وفى هذه السنة غزا المسلمون السُّغْد والتُّرك، فكان فيها الوقعة بينهم بقصر
الباهلىّ .
وفيها عزل سعيد خذينة شعبة بن ظُهَير عن سمرقند .
ذكر الخبر عن سبب عزل سعيد شُعْبةَ وسبب هذه الوقعة وكيف كانت :
ذكر علىّ بن محمد ، عن الذين تقدم ذكرى خبره عنهم ، أنّ سعيد
خذينة لما قدم خُراسان ، دعا قربًا من الدّهاقين، فاستشارهم فيمن يوجّه إلى
الكُور ، فأشاروا إليه بقوم من العرب، فولاهم ، فشُكوا إليه ، فقال للناس
يومًا وقد دخلوا عليه : إنى قدمت البلد ، وليس لى علم بأهله ، فاستشرت
فأشاروا(١) علىّبقوم، فسألتُ عنهم فحمِدوا، فولّيتهم، فأحرِّج عليكم لمّا
أخبرتمونى عن عمّالى . فأثنى عليهم القوم خيراً ، فقال عبد الرحمن بن عبد اللّه
القشيرىّ: لو لم تُحرّج(٢) علينا لكففتُ (٣)، فأما إذ حرّجتَ علينا فإنك
شاورت المشركين فأشاروا عليك بمنْ لا يخالفهم وبأشباههم (٤)، فهذا
علمنا فيهم .
١٤٢١/٢
قال: فاتّكأ سعيد ثم جلس، فقال: (خُذِ الْعَفْوَ وَأَصُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ
عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ، قوموا .
قال: وعزل سعيد شعبة بن ظهير عن السُّغد ، وولّ حربها عثمانَ بن
عبد الله بن مطرف بن الشِّخِّير، وولّ الخراج سليمان بن أبى السَّرِىّ مولى
بنى عُوافة ، واستعمل على هَرَاة معقِل بن عروة القشيرىّ ، فسار إليها .
وضعَّف الناس سعيداً وَسمَّوه خذينة ، فطمع فيه الترك، فجمع له خاقان الترك،
(١) ب: ((فأشار)).
(٣) ب: ((الكففنا)).
(٤) ب: ((ولا بأشباههم)).
(٢) ح: ((تخرج)).

٦٠٨
سنة ١٠٢
ووجّههم إلى السُّغد، فكان على الترك كورصول ، وأقبلوا حتى نزلوا قصر
الباهلىّ .
وقال بعضهم: أراد عظيمٌ من عظماء الدّهاقين أن يتزوّج امرأة من باهلة ،
وكانت فى ذلك القصر ، فأرسل إليها يخطبها ، فأبت ، فاستجاش ورجا أن
يسبُوا مَنْ فى القصر، فيأخذ المرأة ، فأقبل كورصول حتى حصر أهل القصر،
وفيه مائة أهل بيت بذراريّهم ، وعلى سمرقند عثمان بن عبد اللّه(١) وخافوا أن
يبطئ عنهم المدد ، فصالحوا الترك على أربعين ألفًا ، وأعطوهم سبعة عشر
١٤٢٢/٢ رجلا رهينة، وندب عثمان بن عبد الله الناس، فانتدب المسيّب بن بشر الرياحىّ
وانتدب معه أربعة آلاف من جميع القبائل ، فقال شعبة بن ظهير : لو كان
ها هنا خيول خُراسان ما وصلوا إلى غايتهم (٢).
قال : وكان فيمن انتدب من بنى تميم شُعْبة بن ظُهَير النهشلىّ وبلعاء بن
مجاهد العنْزىّ، وعميرة بن ربيعة أحد بنى العُجيف - وهو عميرة الثريد -
وغالب بن المهاجر الطائىّ - وهو عمّ أبى العباس الطوسىّ- وأبو سعيد معاوية بن
الحجاج الطائىّ، وثابت قُطنة، وأبو المهاجر بن دارة من غطفان، وحُليس (٣)
الشيبانىّ، والحجاج بن عمرو الطائىّ، وحسان بن مَعْدان الطائىّ، والأشعث
أبو حطامة وعمرو بن حسّان الطائيَّان . فقال المسيّب بن بشر لما عسكروا :
إنكم تقدمون على حلبة الترك، حلْبة خاقان وغيرهم ، والعوّض إن صبرتم الجنة،
والعقاب النار إن فررتم ، فمن أراد الغزو والصبر فليقدم .
فانصرف عنه ألف وثلثمائة ، وسار فى الباقين ، فلما سار فرسخًا قال للناس
مثل مقالته الأولى، فاعتزل ألف ، ثم سار فرسخًا آخر فقال لهم مثل ذلك ، فاعتزل
ألف، ثم سار- وكان دليلهم الأشهب بن عبيد الحنظلىّ- حتى إذا كان على
فرسخين من القوم نزل فأتاهم ترك خاقان ملك قِىّ فقال: إنه لم يبقَ هاهنا دهْقان
إلا وقد بايع الترك غيرى ، وأنا فى ثلثمائة مقاتل فهم معك ، وعندى الخبر،
قد كانوا صالحوهم على أربعين ألفًا؛ فأعطوهم سبعة عشر رجلا؛ ليكونوا رَهْنًا
١٤٢٣/٢
(١) بعدها فى ب: ((ابن مطرف)).
(٢) ب: ((إغاثتهم)).
(٣) ط: ((جليس))، بالجيم، تحريف.
٠

٦٠٩
سنة ١٠٢
فى أيديهم (١) حتى يأخذوا صلحتهم ؛ فلما بلغهم مسيركم إليهم قتل الترك
مَنْ كان فى أيديهم من الرهائن .
قال : وكان فيهم نهشل بن يزيد الباهلىّ فنجا لم يقتَّل ، والأشهب بن
عبيد الله الحنظلىّ، وميعادهم أن يقاتلوهم (٢) غداً أو يفتحوا القَصْر، فبعث
المسيّب رجلين: رجلامن العرب ورجلاً من العجم من ليلته على خيولهم ، وقال
لهم: إذا قرُبتم فشُدُّوا دوابَّكم بالشَّجَر، واعلموا علم القوم. فأقبلا فى ليلة
مظلمة ؛ وقد أجْرَت (٣) الترك الماء فى نواحى القصر؛ فليس يصل إليه أحدٌ ،
ودنوا من القصر ؛ فصاح بهما الربيئة، فقالا : لا تصحْ وادعُ لنا عبد الملك
ابن دثار ، فدعاه فقالا له : أرسلنا المسيّب، وقد أتاكم الغِياث ، قال : أين
هو ؟ قال : على فرسخين ؛ فهل عندكم امتناع ليلتك وغداً ؟ فقال : قد
أجمعنا على تسليم (٤) نسائنا وتقديمهم للموت أمامنا ؛ حتى نموت جميعًا غداً .
فرجعا إلى المسيِّب، فأخبراه فقال المسيّب للذين معه: إنى سائر إلى هذا العدوّ،
فمن أحبّ أن يذهب فليذهب ، فلم يفارقه أحدٌ ؛ وبايعوه على الموت .
فسار وقد زاد الماء الذى أجروه حول المدينة (٥) تحصيناً ، فلمّا كان بينه
وبينهم نصف فرسخ نزل ، فأجمع على بياتهم ؛ فلما أمسى أمر الناس فشدّوا
على خيولهم ، وركب فحثّهم على الصبر، ورغّبهم فيما يصير إليه أهل الاحتساب
والصَّبْر، وما لهم فى الدنيا من الشرف والغنيمة إن ظفروا، وقال لهم: اكعموا(٦)
دوابَّكم وقُودوها (٧)، فإذا دنوتم من القوم فاركبوها، وشدّوا شدّةً صادقة
وكبّروا، وليكن شعاركم: يا محمد ؛ ولا تتبعوا موليًا، وعليكم بالدوابّ فاعقِرِوها،
فإنّ الدواب إذا عُقْرت كانت أشدَّ عليهم منكم، والقليل الصابر خيرٌ من
الكثير الفشل ؛ وليست بكم قِلَّة ، فإن سبعمائة سيف لا يُضرب بها فى عسكر
إلا أوهنوه وَإِن كثر أهله .
(١) ب : ((بأيديهم)).
(٢) ح: ((يقاتلهم))، ابن الأثير: ((يقاتلوا)).
(٣) ب وابن الاثير: ((أخذت)).
(٤) ح: ((تسليح))، ابن الأثير: ((على تقديم نسائنا إلى الموت)).
(٥) ح: ((الذى أحرفه للمدينة)).
(٦) الكعام: شىء يجعل على فم البعير؛ وكعم البعير: شد فاه بالكعام فى هياجه لئلا يعض أو يأكل.
(٧) كذا فى ب، وفى ط: ((قودوهم)).
!
١٤٢٤/٢

٦١٠
سنة ١٠٢
قال: وعبّأهم وجعل على الميمنة كثيّر بن الدَّبوسىّ، وعلى الميسرة رجلا من
ربيعة يقال له ثابت قُطْنة ، وساروا حتى إذا كانوا منهم على غلوتين كبروا
وذلك فى السحر ، وثار الترك، وخالط المسلمون العسكر ، فعقروا الدواب ،
وصابرهم الترك، فجال المسلمون وانهزموا حتى صاروا إلى المسيّب، وتبعهم الترك
وضربوا عَجُز دابة المسيّب فترجِّل رجال من المسلمين ، فيهم البَخْترىّ
أبو عبد الله المرائىّ، ومحمد بن قيس الغَنَوىّ- ويقال: محمد بن قيس العنبرىّ -
وزياد الأصبهانيّ ، ومعاوية بن الحجاج ، وثابت قطنة . فقاتل البَخترىّ
فقطعت (١) يمينه ، فأخذ السيف بشماله فقطعت ، فجعل يذبُّ بيديه حتى
استشهد. واستشهد أيضًا محمد بن قيس العنبرىّ أو الغشوىّ وشبيب بن الحجاج
الطائىّ .
١٤٢٥/٢
قال : ثم انهزم المشركون ، وضرب ثابت قُطْنة عظيمًا من عظمائهم ،
فقتله ، ونادى منادى المسيّب: لا تتبعوهم (٢)؛ فإنهم لا يدرون من الرّعب،
اتبعتموهم أم لا! واقصدوا القَصْر، ولا تحملوا شيئًا من المتاع إلا المال ،
ولا تحمّلوا من يقدر على المشى .
وقال المسيّب: مَنْ حمل امرأة أو صبيًّا أو ضعيفًا حِسْبَةً فأجرُه على
اللّه، ومَنْ أبى فله أربعون درهمًا، وإن كان فى القصر أحدٌ من أهل
عَهْدكم فاحملوه . قال : فقصدوا جميعًا القَصْر، فحملوا مَنْ كان فيه،
وانتهى رجلٌ من بنى فُقيم إلى امرأة ، فقالت : أغِشْنى أغائك اللّه ! فوقف
وقال : دونك وعجز الفرس ، فوثبت فإذا هى على عَجُز الفرس ؛ فإذا
هى أفرَسُ من رجل ، فتناول الفقيمىّ بيد ابنها، غلاماً صغيراً، فوضعه بين
يديه، وأتَوْا ترك خاقان، فأنزلهم قصره وأتاهم بطعام، وقال: الحتقوا بسمرقَنْد،
لا يرجعوا فى آثاركم . فخرجوا نحو سمرقند ، فقال لهم : هل بقى أحد ؟
قالوا : هلال الحريرىّ ، قال: لا أسلمه ، فأتاه وبه بضع وثلاثون جراحة ،
فاحتمله ، فبرأ، ثم أصيب يوم الشعب مع الجنيد .
قال : فرجع الترك من الغدِ، فلم يروا فى القَصْر أحداً ، ورأوا
(٢) ط: ((تتبعهم))، وما أثبته من ب.
(١) ب: ((حتى قطعت)).

٦١١
سنة ١٠٢
قتلاهم ، فقالوا : لم يكن الَّذين جاءوا من الإنس ، فقال ثابت قطنة :
١٤٢٦/٢
فَدَتْ نفسى فوارسَ مِن تميم
فدت نفسِى فوارسَ أكتفونى
بِقَصْرِ الباهلىِّ وقد رأوْنِى
بسيفى بَعدَ حَطْمِ الرُّمحِ قُدْماً
أَكُرُّ عليهمُ الْيَحْمُومَ كَرًّا
أَكُرُّ بِه لدَى الغمراتِ حتى
فلوْلا اللهُ ليس له شَرِيكُ
إِذَا لَسعَتْ نساءُ بِنِی هِثَارٍ
فمَنْ مِثْلُ المسيّبِ فِى تميمٍ
غَدَاةَ الرَّوع فى ضَنْكِ المقامِ
على الأعداءِ فى رَهَجِ القَتَامِ
أُحَامِى حيثُ ضَنَّبِه المُحامى (١)
أَذُودُهُمُ بذى شُطَبٍ جُسَامٍ
ككرِّ الشَّرْبِ آنيَةَ المُدامِ
تَجَلَّتْ لاَ يَضيقُ بها مَقامِى
وضَرْبِى قَوْنَسَ الملكِ الهمامِ
أَمامَ الترك باديةَ الخِدَامِ!
أَبِى بِشْرِ كَقائِمةِ الحمامِ
وقال جرير يذكر المسيّب :
كانت لغيركمُ منهنَّ أَطهارٌ (٢) ١٤٢٧/٢
لولا حِمايَةُ يَرْبُوعٍ نساءَكُمُ
إِذ مازنٌ ثَمَّ لا يُحمَى لها جارُ (٣)
حَامِى المُسيّبُ والخيلان فى رَهَجِ
ولا زُرَارَةُ يَحْمِيها ووزّارُ
إِذْ لا عِقَالٌ يُحَامِى عن ذمارِ كُمُ
قال: وعوّر تلك الليلة أبو سعيد معاوية بن الحجاج الطائىّ، وشُلّت
يدُه ، وقد كان ولى ولاية قبل سعيد ، فخرج عليه شيء مما كان بقىَ عليه ،
فأخذ به، فدفعه سعيد إلى شدّاد بن خُليد الباهلى ليحاسبه ويستأديه(٤) فضيّق
عليه شدّاد، فقال : يا معشرَ قيس، سرتُ إلى قصر الباهلىّ وأنا شديد
البَطْش، حديد البصر ؛ فعُوَّرَتُ وشَلّتْ يدى، وقاتلت مَعَ مَنْ قاتل
(١) ابن الأثير: ((حيث ضربه)).
(٣) الديوان: ((أزمان شبة لا يحمى ونعار)).
(٢) ديوانه ١٩٨.
(٤) ابن الأثير: ((ويستأذنه)).

٦١٢
سنة ١٠٢
حتى استنقذناهم بعد أن أشرفوا(١) على القتل والأسْر والسَّبِى، وهذا (٢) صاحبكم
يصنع بى ما يصنع (٣) ، فكُفُّوه عنى ، فخلّه .
قال: وقال عبد الله بن محمد عن رجل شهد ليلة قصر الباهلىّ قال : كنا
١٤٢٨/٢ فى القصر، فلما التقوا ظننا أنّ القيامة قد قامت لما سمعنا من هَمّاهم القوم
ووقْع الحديد وصهيل الخيل .
[ذكْر الخبر عن غزو سعيد خذينة السُّغْد]
وفى هذه السنة قطع سعيد خذينة نهر بلْخ وغزا السُّغْد(٤)، وكانوا نقضوا
العهد وأعانوا الترك على المسلمين .
* ذكر الخبر عما كان من أمر سعيد والمسلمين فى هذه الغزوة :
وكان سبب غزو (٥) سعيد هذه الغزوة - فيما ذكر - أنّ الترك عادوا إلى
السُّغْد ، فكلم الناس سعيداً وقالوا : تركت الغزو ، فقد أغار الترك ، وكفر
أهل السُّغْد، فقطع النهر، وقصد للسغْد ، فلقيه الترك وطائفة من أهل السُّعْد
فهزمهم المسلمون ، فقال سعيد : لا تتبعوهم؛ فإن السُّغْد بستان أمير المؤمنين
وقد هزمتموهم ؛ أفتريدون بوارهم! وقد قاتلتم يا أهل العراق الخلفاء غير مرّة
فهل أباروكم(٦) !.
وسار المسلمون ، فانتهوا إلى وادٍ بينهم وبين المرْج ، فقال عبد الرحمن
ابن صُبْح : لا يقطعنّ هذا الوادى مجفَّف ولا راجل، وليعبر مَنْ سواهم.
فعبروا (٧) ، ورأتهم الترك، فأكمنوا كمينًا ، وظهرت لهم خيل المسلمين فقاتلوهم،
فانحاز الترك فأتبعوهم حتى جازُوا الكمين ، فخرجوا عليهم ، فانهزم المسلمون
حتى انتهوا إلى الوادى ، فقال لهم عبد الرحمن بن صبح : سابقوهم ، ولا تقطعوا
فإنكم إن قطعتم أبادوكم . فصبروا لهم حتى انكشفوا عنهم ، فلم يتبعوهم، فقال
١٤٢٩/٢
(١) ب وابن الأثير: ((ما أشرفوا)).
(٢) ب: ((فهذا)).
(٣) ح: ((صنع)).
(٥) ح: ((غزوة)).
(٧) ب: ((فساروا)).
(٤) ب وابن الأثير: ((الصغد)).
(٦) ابن الأثير: ((أبادوكم)).

٦١٣
سنة ١٠٢
قوم : قُتِل يومئذ شُعْبة بن ظُهَيْر وأصحابه ، وقال قوم: بل انكشف الترك
منهم يومئذ منهزمين ، ومعهم جمع من أهل السُّغْد . فلما كان الغد ، خرجت
مَسلحة للمسلمين - والمسلحة يومئذ من بني تميم - فما شعروا إلا بالترك معهم،
خرجوا عليهم من غيضة وعلى خيل بني تميم شعبة بن ظُهَير ، فقاتلهم شعبة
فقُتل ؛ أعجلوه عن الركوب . وقتِل رجل من العرب ، فأخرجت جاريته
حِنَّاء ، وهى تقول: حتى متى أعدّ لك مثل هذا الخضاب ، وأنت مختضب
بالدم ! مع كلام كثير ، فأبكت أهلَ العسكر . وقتل نحو من خمسين
رجلا ، وانهزم أهلُ المسلحة ، وأتى الناسَ الصّريخ ، فقال عبد الرحمن بن
المهلب العدوىّ : كنت أنا أوّل مَن أتاهم لما أتانا الخبر ، وتحتِى فرس جواد ،
فإذا عبد الله بن زهير إلى جنْب شجرة كأنه قُنفذ من النشّاب ؛ وقد قتل ،
ور کب الخلیل بنأوس العبشمیّ - أحد بنی ظالم ، وهو شاب - ونادى: يابنى
تميم ، أنا الخليل؛ إلىّ! فانضمّت(١) إليه جماعة - فحمل بهم على العدوّ ،
فكفّوهم ووزَعوهم عن الناس حتى جاء الأمير والجماعة ، فانهزم العدوّ ،
فصار الخليل على خيل بني تميم يومئذ ، حتى ولى نصر بن سيار ؛ ثم صارت
رياسة بنى تميم لأخيه الحكم بن أوس .
وذكر علىّ بن محمد، عن شيوخه؛ أن سورة بن الخرّ قال لحيَّان: انصرف ١٤٣٠/٢
يا حيّان، قال: عقيرة اللّه أدَعُها وأنصرف قال: يا نبطىّ قال : أنبط
الله وجهك !
قال : وكان حيّان النبطىّ يكنى فى الحرب أبا الهيّاج، وله يقول الشاعر:
إِنَّ أَبا الهَيَّجِ أَرْيَحِىُّ لِلرِّحِ فِى أَثْوَابِهِ دَوِىُّ
قال: وعبر سعيد النَّهر مرتين ، فلم يجاوز تَسَمَرْ قند ، نزل فى الأولى بإزاء
العدوّ ، فقال له حيّان مولى مصقلة بن هبيرة الشيبانىّ : أيها الأمير ، ناجز
أهل السُّغد ، فقال : لا، هذه بلاد أمير المؤمنين، فرأى دخاناً ساطعاً، فسأل
عنه فقيل له : السُّغْد قد كفروا ومعهم بعض الترك . قال : فناوشهم ، فانهزموا
(١) ابن الأثير: ((فاجتمع)).

٦١٤
سنة ١٠٢
فألحُّوا فى طلبهم ، فنادى منادى سعيد : لا تطلبوهم ؛ إنما السُّغد بستان
أمير المؤمنين ، وقد هزمتموهم ، أفتريدون بوارَهم! وأنتم يا أهل العراق قد قائلتم
أمير المؤمنين غير مرّة ، فعفا عنكم ولم يستأصلكم ورجع ، فلما كان العام المقبل
بعث رجالاً من بني تميم إلى وَرَغْسَر ، فقالوا : ليتنا نلقى العدوَّ فنطاردهم
- وكان سعيد إذا بعث سرّيّة فأصابوا وغنموا (١) وسبوا ردّ ذرارىّ السَّبِىْ
وعاقب السريّة ، فقال الهجرىّ وكان شاعراً:
وأَيْرُك مسلولٌ وسيفكِ مُغْمَدُ
١٤٣١/٢ سريت إِلى الأَعْداءِ تلُهُو بلعبة
وَأَنتَ عِلَيْنا كالحُسَامِ المُهَنَّدِ
وأَنتَ لِمن عادَيتَ عِرْسُ خَفِيَّةٌ
وَيَا عِجَباً من كَيْدِكَ المُتَرَدّدِ !
فللّه دَر السّغدٍ لما تَحَزَّبُوا (٢)
قال : فقال سورة بن الجرّ لسعيد - وقد كان حفظ عليه، وحقد عليه
قوله: ((أنبط الله وجهك)) -: إنّ هذا العبد أعدى الناس للعرب والعمال، وهو
أفسد خراسان على قتيبة بن مسلم ، وهو واثب بك ، مفسد عليك خراسان ؛
ثم يتحصّن(٣) فى بعض هذه القلاع. فقال: ياسورة(٤) لا تُسمِعنّ هذا
أحداً . ثم مكث أيامًا ، ثم دعا فى مجلسه بلبن ، وقد أمر بذهب فسحيق ،
وألْقِىَ فى إناء حَّان فشربه ، وقد خلط بالذهب ، ثم ركب ، فركب الناس أربعة
فراسخ إلى بارْكث؛ كأنه يطلب عدوًّا، ثم رجع فعاش حيّان أربعة أيام ومات
فى اليوم الرابع ، فتقُل سعيد على الناس وضعَّفوه ، وكان رجل من بنى أسد
١٤٣٢/٢ يقال له إسماعيل منقطعاً إلى مروان بن محمد، فذكر إسماعيل عند خُذَينة
ومودّته لمروان ، فقال سعيد: وما ذاك المِلْط! فهجاه إسماعيل ، فقال :
لِخُذِينَةَ المرآةُ والمُشْطُ
زَعمت خُذَينَةُ أَننِى مِلطُ (٥)
ومَعَازفٌ وَبَخدّها نُقط
وَمَجَامِرٌ ومكاحِلٌ جُعلت
(١) ابن الأثير: ((أوغنموا)).
(٢) ح: ((تحربوا)).
(٣) ب: ((نتحصن)).
(٤) ابن الاثير: ((فقال سعيد: لا أسمعن هذا أحداً)).
(٥) الملط : الذى لا يعرف له نسب ولا أب .

٦١٥
سنة ١٠٢
ومُهَنَّدٌ من شأْنُه القَطُّ
أَفِذَاكَ أَم زَغَفٌ مُضَاعَفَةٌ
لم يَغذهُ النَّأْنِيث واللّقْطُ
المُقَرْسٍ ذَكرٍ أَخى ثِقَةٍ
بِهِم وَأَن أَباكُمُ سقط
أَغَضِبتَ أَن باتَ ابن أُمّكُمُ
ريش اللُّوَّامِ ونَبَلَكُم مُرْط
إِنِى رأَيت نِبَالَهُمْ كُسيتْ
عندَ النَّدىِّ وَأَنتُمُ خِلْط
وَرَأَيْتُهُمْ جعلوا مكاسِرَهُمْ
** *
[عزل مسلمة عن العراق وخراسان ]
وفى هذه السنة عُزِل مسلمة بن عبد الملك عن العراق وخراسان وانصرف
إلى الشام .
* ذكر الخبر عن سبب عزله وكيف كان ذلك :
وكان سبب ذلك - فيما ذكر علىّ بن محمد - أنّ مسلمة لما ولى ما ولىَ من
أرض العراق وخراسان لم يرفع من الخراج شيئًا ، وأنّ يزيد بن عاتكة أراد عزلته
فاستحيا منه ، وكتب إليه أن استخلف على عملك ، وأقبل .
١٤٣٣/٢
وقد قيل إنّ مسلمة شاور عبد العزيز بن حاتم بن النعمان فى الشخوص
إلى ابن عاتكة ليزورَه ، فقال له: أمن (١) شوق بك إليه! إنك لطَرُوب،
وإنّ عهدك به لقريب، قال : لا بدّمن ذلك، قال : إذاً لا تخرج من عملك
حتى تلقى الوالى عليه ، فشخص ؛ فلما بلغ دُورين لقيه عمر بن هبيرة على
خمس (٢) من دوابّ البريد ، فدخل عليه ابن هبيرة ، فقال: إلى أين يابن
هبيرة؟ فقال : وجهنى أمير المؤمنين فى حيازة أموال بنى المهلب . فلما خرج
من عنده أرسل إلى عبد العزيز فجاءه ، فقال : هذا ابن هبيرة قد لقينا كما
ترى، قال : قد أنبأتك ، قال : فإنه إنما وجّهه لحيازة أموال بنى المهلب ،
قال : هذا (٣) أعجب من الأوّل؛ يصرف عن الجزيرة، ويوجّه فى حيازة أموال
(١) ف: ((من)).
(٣) ب: ((فإن هذه)).
(٢) ح: (فى خمسين)).

٦١٦
سنة ١٠٢
بنى المهلب ، قال : فلم يلبث أن جاءه عزل ابن هبيرة عماله والغلظة عليهم
فقال الفرزدق :
فارعَيْ فَزَارَة لا هناكِ المرتَعُ(١)
رَاحَت بِمَسلمَةَ الرّكابُ مُودِّعا
وأَخُو حَرَاةَ لِمِثْلِهَا يَتَوَقَّعُ (٢)
عُزِلَ ابن بِشرٍ وابن عمرٍو قبلَهُ
أَنْ سَوْفَ تَطمَعُ فى الإِمارَةِأَشجَع
وَلَقَدْ عِلِمِتُ لئنْ فَزَارَة أُمْرَتْ
فى مثل ما نالَتْ فَزَارَةُ يطمَعُ(٣)
من خَلق رَبِّكِ ما هُمُ ولمِثلهمْ
١٤٣٤/٢
يعنى (٤) بابن بشر عبد الملك بن بشر بن مروان ، وبابن عمرو محمدًاً
ذا الشامة بن عمرو بن الوليد ، وبأخى هراة سعيد خُذ ينة بن عبد العزيز ،
كان عاملا لمسلمة على خراسان .
وفى هذه السنة غزا عمر بن هبيرة الرُّوم بأرمينية ، فهزمهم وأسر منهم
بشراً كثيراً قيل سبعمائة أسير .
[ بدء ظهور الدعوة ]
وفيهاوجّه - فيما ذكر ميسرةُ رسلَه من العراق إلى خراسان وظهر أمر الدعوة(٥)
بها ، فجاء رجل من بني تميم يقال له عمرو بن بحير بن ورقاء السعدىّ إلى
سعيد خذينة ، فقال له : إن ها هنا قومًا قد ظهر منهم كلام قبيح ، فبعث
إليهم سعيد ، فأتِىَ بهم ، فقال: من أنتم ؟ قالوا: أناس من التجار ؟ قال :
فما هذا الذى يحكى عنكم ؟ قالوا : لا يدرى ، قال : جثم دعاة ؟ فقالوا :
(١) ديوانه ٥٠٩، وفيه: ((ومضت المسلمة)).
(٢) الديوان: ((نزع ابن بشر)).
(٣) موضعه فى الديوان :
إِنّ القِيَامَة قد دنَتْ أَشْراطها حَتَّى أُميّة عن فَزَارة تنزع
(٥) ب: ((فظهر أمر الدعاة )).
(٤) ف: ((ويعنى)).

٦١٧
سنة ١٠٢
إن لنا فى أنفسنا وتجارتنا شغلا عن هذا، فقال: مَنْ يعرف هؤلاء ؟ فجاء أناس
من أهل خراسان ، جُلِّهم ربيعة واليمن، فقالوا : نحن نعرفهم ، وهم علينا
إن أتاك منهم شيء تكرهه، فخلَّى سبيلهم .
[ذكر خبر قتل يزيد بن أبى مسلم بإِفريقية ]
وفيها - أعنى سنة اثنتين ومائة - قتل يزيد بن أبى مسلم بإفريقية وهو وال عليها.
١٤٣٥/٢٠
* ذكر الخبر عن سبب قتله :
وكان سبب ذلك أنه كان - فيما ذكر - عزم أن يسير بهم (١) بسيرة
الحجّاج بن يوسف فى أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ، ممن كان أصله
من السَّواد من أهل الذّمة ، فأسلم بالعراق ممن ردّ هم إلى قُراهمٍ(٢) ورساتيقهم،
ووضع الجزية على رقابهم على نحو ما كانت تؤخذ منهم وهم على كفرهم ،
فلما عزم(٣) على ذلك تآمروا فى أمرِه، فأجمع (٤) رأيهم - فيما ذكر - على
قتله فقتلوه ، وولوا على أنفسهم الذى كان عليهم قبل يزيد بن أبى مسلم ؛ وهو
محمد بن يزيد مولى الأنصار ، وكان فى جيش يزيد بن أبى مسلم ، وكتبوا
إلى يزيد بن عبد الملك : إنا لم نخلعْ أيدينا من الطاعة ؛ ولكن يزيد بن
أبى مسلم سامنا ما لا يرضى (٥) اللّه والمسلمون، فقتلناه، وأعدْنا عاملك.
فكتب إليهم يزيد بن عبد الملك: إنى لم أرض ما صنع يزيد بن أبى مسلم،
وأقرّ محمد بن يزيد على إفريقية.
وفى هذه السنة استعمل عمر بن هبيرة بن مُعَيَّة بن سكين بن خديج بن ١٤٣٦/٢
مالك بن سعد بن عدىّ بن فزارة على العراق وخراسان .
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك ؛ كذلك قال أبو معشر
والواقدى .
(١) ب وابن الأثير: ((فيهم)).
(٢) ف: ((قرارهم)).
(٣) ح: ((عزموا))، ابن الأثير: ((فلما عزم يزيد)).
(٥) ب وابن الأثير: ((يرضاء)).
(٤) ب: ((وأجمع)).

٦١٨
سنة ١٠٢
وكان العامل على المدينة عبد الرحمن بن الضّحّاك ، وعلى مكة عبد العزيز
ابن عبد اللّه بن خالد بن أسيد . وعلى الكوفة محمد بن عمرو ذو الشامة ،
وعلى قضائها القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، وعلى البصرة
عبد الملك بن بشر بن مروان ، وعلى خراسان سعيد خُذينة ، وعلى مصر أسامة
ابن زید .

ثم دخلت سنة ثلاث ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
[عَزْل سعيد خذينة عن خراسان]
فممدَّا كان فيها من ذلك عزل عمر بن هبيرة سعيد خُذينة عن خراسان ،
وكان سبب عزله عنها - فيما ذكر علىّ بن محمد عن أشياخه - أن المجشّر بن
مُزَاحِمِ السُّلَمِىّ وعبد الله بن مُمير الليْىّ قدما على عمر بن هبيرة ، فشكواه
فعزله ، واستعمل سعيد بن عمرو بن الأسود بن مالك بن كعب بن وَقْدان بن
الخرِيش (١) بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وخذينة غازٍ(٢) بباب
سمرقند، فبلغ الناس عزلُهُ، فقفل خذينة، وخلّف بسمَرْقَند ألف فارس ،
فقال نَهار بن تَوْسِعة :
١٤٣٧/٢
بأَنَّ النَّبَلَ ريشَتْ كُلَّ رَيْش
فمن ذا مُبلغٌ فتيان قومى (٣)
سعيدًا لا المُخَنَّثَ من قريش
بأَنَّ اللهَ أَبْدلَ من سعيدٍ
قال : ولم يعرض سعيد الخَرَشىّ لأحد من عمال خُذينة، فقرأ رجل
عهده فلحن فيه ، فقال سعيد : صه ، مهما سمعتم فهو من الكاتب، والأمير
منه برىء ، فقال الشاعر يضعِّف الخرشىّ فى هذا الكلام:
لجَدِّ السّوءِ والقَدَرِ المُتَاحِ
تَبَدَّلْنَا سِعِيدًا مِنْ سعيدِ
* *
قال الطبرىّ : وفى هذه السنة غزا العباس بن الوليد الروم ففتح مدينة (٤)
يقال لها رسلة .
وفيها أغارت الترك عن اللان .
(١) ب: ((فدان بن الحريش)).
(٣) ب وابن الأثير: ((فهل من مبلغ)).
(٢) ابن الأثير: ((كان)).
(٤) بعدها فى ف: ((منها)).
٦١٩

٦٢٠
+
سنة ١٠٣
وفيها ضمّت مكة إلى عبد الرحمن بن الضحاك الفهرىّ ، فجمعت له مع
المدينة .
وفيها ولى عبد الواحد بن عبد الله النضرىّ، الطائف وعزل عبد العزيز بن
عبد الله بن خالد بن أسيد عن مكة .
وفيها أمر عبد الرحمن بن الضَّحّاك أن يجمع بين أبى بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم وعثمان بن حيان المُرىّ ، وكان من أمره وأمرهما ما قد مضى
ذكره قبل .
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهرىّ ،
كذلك قال أبو معشر والواقدى .
١٤٣٨/٢
٠٠
وكان عامل يزيد بن عاتكة فى هذه السنة على مكة والمدينة عبد الرحمن
بن الضحاك، وعلى الطائف عبد الواحد بن عبد الله النّضْرىّ (١). وعلى العراق
وخراسان عمر بن هبيرة ، وعلى خراسان سعيد بن عمرو الحرشىّ من قِبَل
عمر بن هبيرة ، وعلى قضاء الكوفة القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ،
وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى .
[ استعمال ابن هبيرة سعيدًا الحَرشىّ على خراسان ]
وفيها استعمل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرَشىّ على خراسان .
ذكر الخبر عن سبب استعماله الخرَشىّ على خراسان :
ذكر علىّ بن محمد عن أصحابه أنّ ابن هبيرة لما ولى العراق ، كتب
إلى يزيد بن عبد الملك بأسماء من أبلى يوم العَقْر، ولم يذكر الحرّشىّ، فقال
يزيد بن عبد الملك: لمَ لم يذكر الحرشىّ؟ فكتب إلى ابن هبيرة: ولّ الحرشىّ
خراسان . فولاه، فقدم الحرشىّ على مقدمته المجشّر بن مزاحم السلمى سنة ثلاث
ومائة ، ثم قدم الخَرَشىّ خراسان ، والناس بإزاء العدوّ، وقد كانوا نُكبوا،
فخطبهم وحثّهم على الجهاد ، فقال: إنكم لا تقاتلون عدّو الإسلام بكثرة
(١) ب: ((البصرى))، ف: ((النصرى)).