Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ سنة ١٠١ لا يحلّ لى أن أعطيكم من بيت المال درهمًا إلا بأمر يزيد بن عبد الملك، ولكن تبلّغْوا بهذا (١) حتى يأتى الأمرُ فى ذلك (٢). فقال الفرزدق فى ذلك: إِلى الموتِ آجالٌ لَهُمْ وَمَصَارِ عُ (٣) أَظُنُّ رِجالَ الدِّرْهَمَينِ يسُوقُهمَّ وأَيفَنَ أَنَّ الأَمر لا شَكَّ واقِعُ(٥) فَأَحزَمُهُم من كان فى قَعر بَيتِهِ (٤) وخرجت بنو عمرو بن تميم من أصحاب عدىّ ، فنزلوا المِرْبد ، فبعث إليهم يزيد بن المهلب مولَى له يقال له دارس ؛ فحمل عليهم فهزمهم ، فقال الفرزدق فى ذلك : ولم يصبر واتَحْتَ السُّيُوفِ الصَّوَارِمِ(٦) تَفَرَّقَتِ الحَمْرَاءُ إِذْ صَاحَ دَارِسَ أَلَا صَبَرُوا حَتَّى تكونَ مَلَاحِمُ جزَّى اللهُ قَيساً عَنْ عَدِىٌّ مَلَامَةً وخرج يزيد بن المهلب حين اجتمع له الناس. حتى نزل جبّانة بنى يشكر - وهو المنصف (٧) فيما بينه وبين القصر . وجاءته بنو تميم وقيس(٨) وأهل الشأم، فاقتتلوا هُنَيْهَةٌ، فحمل عليهم محمد بن المهلب، فضرب مِسْوَرَ بن عبّاد الحبتطىّ بالسيف فقطع أنف البيضة، ثمّ أسرع السيف إلى أنفه (٩)، وحمل على هُرَيم بن أبى طلحة من بنى نهشل بن دارم . فأخذ بمنطقته، فحذفه عن فرسه(١٠) ؛ فوقع فيما بينه وبين الفرس ، وقال : هيهات هيهات! عمك أثقل من ذلك . وانهزموا، وأقبل يزيد بن المهلب إثرَ القوم يتلوهم حتى دنا من القصر ، (٢) ب: ((بذلك)». (١) ابن الأثير: ((بهذه)). ١٣٨٤/٢ (٣) ديوانه ٥١٦، وروايته: ((إلى قدر آجالهم)). (٤) الديوان: ((من قرّ فى قعر بيته)). (٥) الديوان: ((وأيقن أن العزم لا بد واقع)). (٦) ديوانه ٧٧٨، والر واية فيه: ولم يصبروا عند السيوف الصَّوارم تصدّعتِ الجعراءُ إِذْ صاحَ دَارِس وَخَصَّ بِها الأُدنين أَهل الملاوم ولمْ يصبروا للموت عند الملاحِم (٨) ابن الأثير: ((فلقيه قيس وتميم)). جَزَى الله قيساً عَنْ عدىِّ ملامةٌ هُمُ قتلُوا مولاهُمُ وأَمِيرَهُمْ (٧) ابن الأثير: ((النصف)). (١٠) حذفه عن فرسه ، أى رماه عنه. (٩) ب: ((فى أنفه)). ٥٨٢ سنة ١٠١ فقاتلوهم وخرج إليه عدىّ بنفسه فقتل من أصحابه الحارث بن مصرّف الأودىّ- وكان من أشراف أهل الشأم وفرسان الحجاج - وقتل موسى بن الوجيه الحميرىّ ثم الكلاعىّ، وقتل راشد المؤذن، وانهزم أصحاب عدىّ، وسمع إخوة يزيد وهم فى محبس عدىّ الأصوات تدنو، والنشاب تقع فى القصر، فقال لهم عبدالملك: إنى أرى النّشاب تقع فى القصر، وأرى الأصوات تدنو، ولا أرى يزيد إلا قد ظهر ، وإنى لا آمن من مع عدىّ من مُضر ومن أهل الشأم أن يأتونا فيقتلونا قبل أن يصل إلينا يزيد إلى الدار ، فأغلقوا الباب ثم ألقوا عليه ثيابًا . ففعلوا فلم يلبثوا إلا ساعة حتى جاءهم عبد الله بن دينار مولى ابن عمر(١)، وكان على حرس عدىّ - فجاء يشتدّ إلى الباب هو وأصحابه ، وقد وضع بنو المهلب متاعاً على الباب ، ثم اتكوا عليه ، فأخذ الآخرون يعالجون الباب ، فلم يستطيعوا الدّخول ، وأعجلهم الناس فخلّوا عنهم . وجاء يزيد بن المهلب حتى نزل دار سلْم بن زياد بن أبى سفيان إلى(٢) جانب القصر (٣)، وأتِىَ بالسلاليم، فلم يلبث عثمان أن فتح القصر، وأتِىَ بعدىّ ابن أَرْطاة ، فجىء به وهو يتبسّم ، فقال له يزيد: لم تضحك ؟ فوالله إنه لَينبغى أن يمنعك من الضحك خصلتان: إحداهما الفِرار من القِتْلة الكريمة حتى أعطيتَ بيدك إعطاء المرأة بيدها، فهذه واحدة، والأخرى أنى أتيت بك تُتْلُّ كما يتلّ(٤) العبد الآبق إلى أربابه، وليس معك منى عهد ولا عَقْد، فما يؤمِّنك أن أضرب عنقك! فقال عدىّ: أما أنت فقد قدرت علىّ، ولكنى أعلم أنّ بقائى بقاؤك، وأنّ هلاكى مطلوب به من جرّته يدُه؛ إنك قدرأيت جنودَ اللّه بالمغرب، وعلمت بلاء الله عندهم فى كلّ موطن من مواطن الغدْر والنكث، فتدارك فَلْتَك وزَلّتك بالتوبة واستقالة العثرة، قبل أن يرمى إليك البحر بأمواجِه، فإن طلبتَ الاستقالة حينئذ لم تُقَلْ، وإن أردت الصلح وقد أشخصت القوم إليك وجدتهم لك مباعِدين، وما لم يشخص القوم إليك فلم (١) ط: ((عامر))، وانظر الفهرس. (٢) ط: ((سالم))، وانظر الفهرس. (٣) ب وابن الأثير: ((إلى جنب)). (٤) يتل ، أى يقاد . ١٣٨٥/٢ ٥٨٣ سنة ١٠١ يمنعوك شيئًا طلبت فيه الأمان على نفسك وأهلك ومالك . ١٣٨٦/٢ فقال له يزيد : أما قولك: إنّ بقاءك بقائى؛ فلا أبقانى اللّه حسوة طائر مذعور إن كنتُ لا يبقينى إلا بقاؤك؛ وأما قولك: إنّ هلاكك مطلوب به من جَرّتْه يدُه ؛ فوالله لو كان فى يدى من أهل الشأم عشرة آلاف إنسان ليس فيهم(١) رجل إلا أعظم منزلة منك فيهم ، ثم ضربت أعناقهم فى صعيد واحد، لكان فراقى إيّاهم وخلافى عليهم أهولَ عندهم وأعظم فى صدورهم من قتل أولئك، ثم لوشئتُ أن تُهدَر لى دماؤهم، وأن أحكَّ فى بيوت أموالهم، وأن يجوّزوا لى عظيماً من سلطانهم، على أن أضع الحرب فيما بينى وبينهم لفعلوا؛ فلا يخفين عليك أن القوم ناسوك لو قد وقعت أخبارنا إليهم ، وأن أعمالهم وكيدهم لا يكون إلا لأنفسهم، لا يذكرونك ولا يحلفون بك. وأما قولك: تدارك أمرك واستقله وافعل وافعل ؛ فوالله ما استشرتُك، ولا أنت عندى بوادّ ولا نصيح ؛ فما كان ذلكُ منك إلا عجزاً وفضلا ؛ انطلقوا به ، فلما ذهبوا به ساعة قال : ردُّوه ، فلما رُدّ قال : أما إنّ حبسى إياك ليس إلا لحبسك بنى المهلب وتضييقك عليهم فيما كنّا نسألك التسهيل فيه عليهم ، فلم تكن تألوما عسّرتَ وضيّقتَ وخالفت ؛ فكأنه لهذا القول حين سمعه أمِنَ على نفسه ، وأخذ عدىّ يحدث به كلّ من دخل عليه . وكان رجل يقال له السميدع الكندىّ من بنى مالك بن ربيعة من ساکنی ◌ُمان يرى رأىَ الخوارج ، وكان خرج وأصحاب يزيد وأصحاب عدىّ مصطفّون فاعتزل ومعه ناس من القرّاء ، فقال طائفةٌ من أصحاب يزيد وطائفة من أصحاب عدىّ: قد رضينا بحكم السَّمَيدع. ثم إنّ يزيد بعث إلى السميدع فدعاه إلى نفسه، فأجابه ، فاستعملوا يزيد على الأبُلَّة ، فأقبل على الطِّيب والتخلّق والنعيم، فلما ظهر يزيد بن المهلب هرب رءوس أهل البصرة من قيس وتميم ومالك بن المنذر ، فلحقوا بعبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفة ، ولحق بعضهم بالشأم ، فقال الفرزدق : ١٣٨٧/٢ (١) س: ((معهم)). ٥٨٤ سنة ١٠١ إِلى الشَأُم لم يرضَوْا بحكمِ السَّمَيْدَعِ(١) أَضلُّ وأَغوَى مِنْ حِمَار مُجَدِّعٍ فداءٌ لِقَوم مِنْ تميمٍ تَتَابَعُوا أَحُكُمُ حَرورِىٌّ مِنَ الدينِ مارِقٍ فأجابه خليفةُ الأقطع . وَلَا نُهْزِةٍ يُرْجَى بها خيرُ مَطْمَعِ وَمَا وجَّهُوهَا نحوَه عن وِفادةٍ ولكنَّهِم رَاحُوا إِليها وأَدْلَجُوا بأَقْرَعِ أَسْتَامٍ تَرَى يوم مَقْرَعٍ لهم نَزْلةٌ فى كلِّ خمسٍ وأربع وهُمْ من حِذَارِ القومِ أَن يَلحَقوا بهمْ ١٣٨٨/٢ وخرج الحوارىّ (٢) بن زياد بن عمرو العتكىّ يُريد يزيد بن عبد الملك هاربًا من يزيد بن المهلّب، فلقىّ خالد بن عبد الله القَسْرىّ وعمروبن يزيد الحكمىّ ومعهما حُمَيد بن عبد الملك بن المهلب قد أقبلوا من عند یزیدبن عبد الملك بأمان يزيد بن المهلب، وكلّ شىءأراده ، فاستقبلهما ، فسألاه عن الخبر، فخلا بهما حين رأى معهما حُميد بن عبد الملك، فقال: أين تريدان ؟ فقالا: يزيد بن المهلب، قد جئناه بكلّ شيء أراده ، فقال: ما تصنعان بيزيد شيئًا ، ولا يصنعه بكما ؛ قد ظهر على عدوّه عدىّ بن أرطاة ، وقتل القتلى وحبس عديًّا ، فارجعا أيّها الرجلان . ويمرّ رجل من باهلة يقال له مسلم بن عبد الملك ، فلم يقف عليهما ، فصايحاه وساءلاه ، فلم يقف عليهما ، فقال القسرىّ: ألا تردّه فتجلده مائة جلدة ! فقال له صاحبُه : غرّبه عنك ، وأمّلا لينصرف . ومضى الحوارىّ بن زياد إلى يزيد بن عبد الملك ، وأقبلا بحميد بن عبدالملك معهما، فقال لهما حميد: أنشدكما الله أن تخالفا أمر يزيد ما بُعثما به! فإنّ يزيد قابلٌ منكما؛ وإنّ هذا وأهل بيته لم يزالوا لنا أعداء، فأنشدكما اللّه أن تقبلا مقالته ؛ فلم يقبلا قوله، وأقيلا به حتى دفعاه إلى عبد الرحمن بن سليم(٣) الكلبىّ ، وقد كان يزيد بن عبد الملك بعثه إلى خُراسان عاملا عليها . فلما بلغه خلع يزيد بن عبد الملك كتب إليه: إنّ جهاد من خالفك أحبُّ إلىّ (١) ديوانه ٥٠٨، وفيه: ((فدى لرءوس من مميم)). (٢) ابن الأثير: ((المغيرة)). (٣) ط: ((سليمان))، وانظر الفهرس. ٥٨٥ سنة ١٠١ ١٣٨٩/٢ من عملى على خُراسان، فلاحاجة لى فيها ، فاجعلنى ممن توجُّهنى إلى يزيد بن المهلب ، وبعث بحميد بن عبد الملك إلى يزيد ، ووثب عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب على خالد بن يزيد بن المهلب ، وهو بالكوفة وعلى حمّال بن زَحْر الجُعفىّ، وليسا ممن كان ينطق بشىء إلا أنهم عرفوا ما كان بينه وبين بنى المهلب، فأوثقهما وسرّحهما (١) إلى يزيد بن عبد الملك، فحبسهما جميعاً ، فلم يفارقوا السجن حتى هلكوا فيه . وبعث يزيد بن عبد الملك رجالاً من أهل الشأم إلى الكوفة يسكنونهم، ويثنون عليهم بطاعتهم، ويمنّونهم الزيادات منهم القُطاعىّ بن الحصين، وهو أبو الشرّقىّ، واسم الشرقى الوليد ، وقد قال القطامىّ حين بلغه ما كان من يزيد بن المهلب : يَقودُ جَيشاً جَحْفَلا شديدًا لَعَلَّ عينى أَنْ تَرِى يَزِيدا لا بَرَماً هِدَّا وَلَا حسودا تَسْمَعُ للأَرْضِ به وَئِيدًا تَرَى ذَوِى النَّاجِ له سُجُودا وَلَا جَبَاناً فى الوغى رِعْدِيدا وآخرينَ رَخَّبُوا وُفُودا مُكَفِّرِينَ خَاشِعِينَ قُودَا مِنْ نَفَرِ كانوا هِجَاناً صِيدًا لا يَنقضُ العهدَ ولا المعهودَا من الأُعادى جَزَرًا مقصودا تری لھم فی کلِّ يومٍ عِيدا ثم إن القُطامىّ سار بعد ذلك إلى العَقْر حتى شهد قتال يزيد بن المهلب مع مسلمة بن عبد الملك، فقال يزيد بن المهلب : ما أبعد شعر القُطامىّ من فعله ! ١٣٩٠/٢ ثم إنّ يزيد بن عبد الملك بعث العباس بن الوليد فى أربعة آلاف فارس؛ جريدة خيل، حتى وافوا الحيرة يبادر إليها يزيد بن المهلب، ثم أقبل بعد ذلك مسلمة بن عبدالملك وجنود أهل الشأم ، وأخذ على الجزيرة وعلى شاطئ الفرات، فاستوثق أهلُ البصرة ليزيد بن المهلب ، وبعث عماله على الأهواز وفارس وكِرْمان، عليها الجرّاح بن عبد الله الحكمىّ حتى انصرف إلى عمر بن (١) ابن الأثير: ((وسيرهما)). ٠ ٥٨٦ سنة ١٠١ عبد العزيز، وعبد الرحمن بن نعيم الأزدىّ فكان على الصّلاة . واستخلف يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن القشيرىّ على الخراج، وجاء مُدْرِك بن المهلب حتى انتهى إلى رأس المفازة، فدسّ عبد الرحمن بن نعيم إلى بني تميم أنّ هذا مدرك بن المهلب يريد أن يُلقى بينكم الحرب ، وأنتم فى بلاد عافية وطاعة وعلى جماعة ، فخرجوا ليلا يستقبلونه ، وبلغ ذلك الأزْد ، فخرج منهم نحو من ألفى فارس حتى لحقوهم قبل أن ينتهوا إلى رأس المفازة، فقالوا لهم: ماجاء بكم؟ وما أخرجكم إلى هذا المكان؟ فاعتلّوا عليهم بأشياء، ولم يُقرّوا لهم أنهم خرجوا ليتلفوا مدرك بن المهلب، فقال لهم الآخرون، بل قد علمنا أن تخرجوا لتلقى صاحبنا ، وها هو ذا قريب ؛ فما شتم . ثم انطلقتِ الأزْد حتى تلقّوْا مدرك بن المهلب على رأس المفازة، فقالوا له : إنك أحبّ الناس إلينا، وأعزّهم علينا، وقدخرج أخوك ونابذَه، فإن يظهره اللّه فإنما ذلك لنا، ونحن أسرع الناس إليكم أهل البيت وأحقه بذلك ؛ وإن تكن الأخرى فوالله مالك فى أن يغشانا ما يعرّنا فيه من البلاء راحة . فعزم له رأيه على الانصراف ، فقال ثابت قُطنة، وهو ثابت بن كعب، من الأزد من العتيك: وقد حَشَدَتْ لِتقتلَهُ تميُمُ أَلمْ تَرَ دَوْسَرًا مَنَعَتْ أَخاها وحِيًّا ما يُباحُ لهمْ حريمُ رَأَوْا من دونه الزَّرْقَ العَوالي هناك المجدُ والحسبُ الصَّميمُ شَنُوعتها وعمرانُ بنُ حزمٍ ٠٠٠٠٠٠ فما حمَلُوا ولكن نَهْنَهَتْهُمْ رِماحُ الأَزْدِ والعزّ القديمُ وليسَ بوجهه منكمْ كُلومٌ رَدَدْنَا مُدْرِكاً بمَرَدِّ صِدْقٍ وخَيلٍ كالقِداحِ مُسَوَّمَاتٍ عليها كلُّ أَصْيَدَ دَوْسَرِىّ لَدى أَرْضِ مغانيها الجميمُ عزيزٍ لا يَفِرُّ وَلَا يَرِيمُ ترى السفهاءَ تَرْدَعُهَا الحُلومُ بهمُ تُسْتَغْتَبُ السفهاءَ حتَّى ١٣٩١/٢ ٥٨٧ سنة ١٠١ قال هشام: قال أبو مخنف : فحدّثّنى معاذ بن سعد أنّ يزيد لمّا استجمع له البصرة ، قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم أخبرهم أنه يدعوهم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم، ويحثّ على الجهاد، ويزعم أنّ جهاد أهل الشأم أعظم ثوابًا من جهاد الترك والديلم. قال : فدخلت أنا والحسن البصرى وهو واضع يده على عاتقِى ، وهو يقول : انظر هل ترى وجه رجل تعرفه ؟ قلت : لا والله، ما أرى وجه رجل أعرفه، قال: فهؤلاء واللّه الغُناء(١)، قال: فمضينا حتى دنوْنا من المنبر. قال: فسمعته يذكر كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم رفع صوته(٢)، فقال: والله لقد رأيناكَ والياً ومولَّى (٣) عليك، فما ينبغى لك ذلك. قال: فوثبنا عليه ، فأخذنا بيده وفمه وأجلسناه ، فوالله ما نشكّ أنه سمعه ؛ ولكنه لم يلتفت إليه ومضى فى خطبته . ١٣٩٢/٢ قال: ثم إذا خرجنا إلى باب المسجد ، فإذا على باب المسجد النضر بن أنس ابن مالك يقول : يا عباد اللّه، ما تنقمون من أن تجيبوا إلى كتاب الله وسنة نبيّه صلى اللّه عليه وسلم! فوالله ما رأينا ذلك ولا رأيتموه منذ ولدتم إلا هذه الأيام من إمارة عمر بن عبد العزيز ، فقال الحسن : سبحان الله! وهذا النضر بن أنس قد شهد أيضًا . قال هشام: قال أبو مخنف: وحدثنى المثنى بن عبد الله أنّ الحسن البصرىّ مرّ على الناس وقد اصطفوا صفَّيْن، وقد نصبوا الرّايات والرماح ، وهم ينتظرون خروج يزيد ، وهم يقولون: يدعونا يزيد إلى سنّة العُمَرَين ، فقال الحسن : إنما كان يزيد بالأمس يضرب أعناق هؤلاء الذين تروْن ، ثم يسرّح بها إلى :فى مروان، يريد بهلاك هؤلاء رضاهم . فلما غضب غضبة نصب قَصَبًا، ثم وضع عليها خِرِقًا، ثم قال: إنى قد خالفتهم فخالفوهم. قال هؤلاء: نعم. وقال: إنى أدعوكم إلى سنّة العُمَرَين، وإن من سنّة العُمَرَين أن يوضع قيد فى رجله ، ثم يردّ إلى محبس عمر الذى فيه حبسه ، فقال له ناس من أصحابه (١) ط: ((الأعتاء))، والصواب ما فى الأصول. (٢) ابن الأثير: ((وكان حسن البصرى يسمع، فرفع رأسه)). (٣) ط: ((موليا)) تحريف. ٥٨٨ ١٣٩٣/٢ سنة ١٠١ ممن سمع قوله: والله لكأنك يا أبا سعيد راض عن أهل الشأم، فقال : أنا راض عن أهل الشأم قبحهم الله وبرّحهم! أليس هم الذين أحدُّوا حَرَم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، يقتلون أهله ثلاثة أيام(١) وثلاث ليال!قد أباحوهم(٢) الأنباطهم وأقباطهم، يحملون الحرائر ذوات الدّين، لا يتناهون عن انتهاك حرمة. ثم خرجوا إلى بيت الله الحرام، فهدموا الكعبة، وأوقدوا النيران بين أحجارها وأستارها، عليهم لعنة اللّه وسوء الدار! قال: ثمّ إنّ يزيد خرج من البصرة، واستعمل عليها مروان بن المهلّب، وخرج معه بالسلاح وبيت المال، فأقبل حتى نزل واسطًا ، وقد استشار أصحابه حين توجه نحو واسط ، فقال: هاتوا الرّأى، فإنّ أهل الشأم قد نهضوا إليكم، فقال له حبيب ، وقد أشار عليه غير حبيب أيضًا فقالوا : نرى أن تخرج وتنزل بفارس ، فتأخذ بالشُّعاب وبالعقاب ، وتدنو من خراسان ، وتطاول القوم ، فإنّ أهل الجبال ينفضّون إليك وفى يديك القلاع والحصون. فقال: ليس هذا برأيى، ليس يوافقنى هذا ؛ إنما تريدون أن تجعلونى طائراً على رأس جبل . فقال له حبيب: فإنّ الرّأى الذى كان ينبغى أن يكون فى أوّل الأمر قد فات ، قد أمرتك حيث ظهرت على البصرة أن توجّه خيلا عليها أهل بيتك حتى ترد الكوفة ، فإنما هو (٣) عبد الحميد بن عبد الرحمن ، مررتَ به فى سبعين رجلا فعجز عنك ؛ فهو عن خيلك أعجز فى العدّة ، فنسبق إليها أهل الشأم وعظماء أهلها يرون رأيك، وأن تلى عليهم أحبّ إلى جُلُّهم من أن يلى عليهم أهل الشأم، فلم تُطعنى، وأنا أشير الآن برأى؛ سرّحٍ مع أهل بيتك خيلا من خيلك عظيمة فتأتى الجزيرة ، وتبادر إليها حتى ينزلوا حصنًا من حصونها (٤)، وتسير فى أثرهم ، فإذا أقبل أهل الشأم يريدونك لم يدعوا جندًا من جنودك بالجزيرة ؛ ويقبلون إليك فيقيمون عليهم، فكأنهم حابستُهم عليك(٥) حتى تأتيَهم فيأتيك مَنْ بالموصل من قومك، وينفضّ إليك أهلُ العراق وأهل الثغور ، وتقاتلهم فى أرض رفيعة (٦) السعر ، وقد جعلت العراق كله وراء ظهرك، ١٣٩٤/٢ (١) ابن الأثير: ((ثلاثاً)). (٣) ابن الأثير: ((بها)). (٥) ابن الأثير: فيحبسونهم عنك)). ((رفيعة)) تحريف . (٢) ابن الأثير: ((أباحوها)). (٤) ابن الأثير: ((حصونهم)). (٦) ابن الأثير: ((رخيصة)). وفى ط: ٥٨٩ سنة ١٠١ فقال : إنّى أكره أن أقطع جيشى وجندى . فلما نزل واسطًا أقام بها أيامًاً يسيرة . قال أبو جعفر : وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الرحمن بن الضّحاك ابن قيس الفهرىّ، حدّثنى بذلك أحمد بن ثابت ، عمَّن ذكره ، عن إسحاق ابن عيسى ، عن أبى معشر . وكذلك قال محمد بن عمر . وكان عبد الرحمن عامل يزيد بن عبد الملك على المدينة ، وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد . وكان على الكوفة عبد الحميد ابن عبد الرحمن ، وعلى قضائها الشَّعَبىّ ، وكانت البصرة قد غلب عليها يزيد ابن المهلب، وكان على خُراسان عبد الرحمن بن نُعيم . ثم دخلت سنة اثنتين ومائة [ ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث ] ١٣٩٥/٢ فمن ذلك ما كان فيها من مَسير العباس بن الوليد بن عبد الملك ومسلمة ابن عبد الملك إلى يزيد بن المهلب بتوجيه يزيد بن عبد الملك إيّاهما لحربه . # وفيها قتل يزيد بن المهلّب ، فى صفر . ذكر الخبر عن مقتل يزيد بن المهلب ذكر هشام، عن أبى مخنف: أن معاذ بن سعيد حدّثه أنّ يزيد بن المهلب استخلف على واسط حين أراد الشخوص عنها للقاء مسلمة بن عبد الملك والعباس ابنته معاوية ، وجعل عنده بيت المال والخزائن والأُسراء، وقدَّم بين يديه أخاه عبد الملك، ثم سار حتى مرّ بفتم النيل(١)، ثم سار حتى نزل العَقْر. وأقبل مسلمة يسير على شاطئ الفرات حتى نزل الأنبار ، ثم عقد عليها الجسر، فعبر من قبَل قرية يقال لها فارط ، ثم أقبل حتى نزل على يزيد بن المهلب ، وقد قدّم يزيد أخاه نحو الكوفة، فاستقبله العباس بن الوليد بسُورا، فاصطفّوا، ثم اقتتل القوم ، فشدّ عليهم أهل البصرة شدّة كشفوهم فيها ، وقد كان معهم ناس من بنى تميم وقيس ممَّن انهزم من يزيد بالبصرة ، فكانت لهم جماعة حسنة مع العباس، فيهم هُرَيم بن أبى طَحْمة المجاشعيّ . فلما انكشف أهل الشأم تلك الانكشافة ، ناداهم هُرَيم بن أبى طَحْمة : يا أهلَ الشأم، اللّهَ اللّهَ أن تُسلِمونا! وقد اضطرهم أصحاب عبد الملك إلى نَهْر (٢) فأخذوا ينادونه : لا بأسَ عليك ؛ إن لأهل الشأم جَوْلَةً فى أول القتال ، أتاك الغوث . ١٣٩٦/٢ (١) ابن الأثير: ((وسار على فم النيل)). (٢) ابن الأثير: ((النهر)). ٥٩٠ ٠ ٥٩١ سنة ١٠٢ قال : ثم إنّ أهل الشأم كرّوا عليهم، فكُشف أصحاب عبد الملك وهُزموا ، وقتل المنْتُوف من بكر بن وائل، مولى لهم، فقال الفرزدق يحرّض بكر بن وائل : وَتَنْهَىْ عَنِ ابنِى مِسْمَعٍمَنْ بَكَاهُمَا(١) تُبَكِّى على المنتوفِ بكرُ بنُ وائلٍ كِرَامَ المساعى قبلَ وصلٍ لحاهُمَا (٢) غلامَينِ شَباً فى الحروبِ وأَدركا إِذَا أَوقَدُوا نَارينِ يَعلو سَنَاهُمَا ولو كانَ حَيَّ مالكٌ وابنُ مالكِ وابنا مسمع : مالك وعبد الملك ابنا مسمع ، قتلهم معاوية بن يزيد بن المهلب .. من هَمْدان(٣): فأجابه الجَعْد بن درهم مولى . ولَسَنَا نُبكِّى الشائِديْنِ أَبَاهُمَا نُبكى على المنتوف فى نصر قومِهِ فعِزّ تميم لو أُصِيبَ فِنَاهُمَا أَرَادَ فِنَاءَ الحَىِّ بكرٍ بن وائلٍ ولا رَقَّأَتْ عَيْنَا شَجِىِّ بكاهما فلا لقِيَا رَوحاً مِنَ اللهِ سَاعَةً وقد لقيا بالغِشِّ فينا رَدَاهما أَفِىِ الغِشِّ نَبكى إِنْ بَكَيْنَا عليهما ١٣٩٧/٢ وجاء عبد الملك بن المهلب حتى انتهى إلى أخيه بالعَقْر، وأمر عبد الله ابن حيّان العبدىّ، فعبر إلى جانب الصّراة الأقصى - وكان الجسر بينه وبينه- ونزل هو وعسكره وجمعٌ من جموع يزيد ، وخندق عليه ، وقطع مسلمة إليهم الماء وسعيد بن عمرو الخرشىّ، ويقال : عبر إليهم الوضاح ، فكانوا بإزائهم. وسقط إلى يزيد ناس من الكوفة (٤) كثير ، ومن الجبال ، وأقبل إليه ناس من الثغور ، فبعث على أرباع أهل الكوفة الذين خرجوا إليه ورُبْع أهل المدينة عبد الله بن سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدىّ ، وبعث على ربع مذحج وأسد النعمان بن إبراهيم بن الأشتر النخعىّ ، وبعث على رُبْع كندة وربيعة محمد (١) الكامل للمبرد ١ : ٢١٩، ٢٢٠. (٢) الكامل: ((غلامان))، وبعده فى الكامل: لكانَ على الناعِى شديدا بُكاهما ولو قُتِلاً من جذمٍ بكر بن وائل (٣) كذا فى ط، وفى ابن القيسرانى ٣١: ((والجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة)). (٤) ابن الأثير: ((من أهل الكوفة)). ٥٩٢ سنة ١٠٢ ابن إسحاق بن محمد بن الأشعث ، وبعث على ربع تميم وهَمْدان حنظلة بن عتاب بن ورقاء التميمىّ ، وجمعهم جميعًا مع المفضّل بن المهلّب . ١٣٩٨/٢ قال هشام بن محمد، عن أبى مخنف : حدّثنى العلاء بن زُهير، قال : والله إنا لحُلوس عند يزيد ذات يوم إذ قال: تروْن أنّ فى هذا العسكر ألف سيف يُضرب به؟ قال حنظلة بن عتّاب: إى والله وأربعة آلاف سيف، قال : إنهم والله ما ضربوا ألف سيف قطّ، والله لقد أحصى ديوانى مائة وعشرين ألفًا، والله لوددتُ أنّ مكانهم الساعة معى من بخراسان من قومى . قال هشام: قال أبو مخنف: ثم إنه قام ذات يوم فحرّضَنا ورغَّبَنا فى القتال ثم قال لنا فيما يقوله: إنّ هؤلاء القوم لن يتَرُدَّهم عن غيّهم إلا الطعن فى عيونهم ، والضّرْب بالمشرَفيّة على هامهم. ثم قال: إنه قد ذُكرلى أن هذه الجراده الصفراء - يعنى مسلمة بن عبد الملك - وعاقر ناقة ثمود ؛ يعنى العباس ابن الوليد، وكان العباس أزرق أحمر، كانت أمّه رومية - والله لقد كان سليمان أراد أن ينفيه حتى كلمته فيه فأقرّه على نسبه ؛ فبلغنى أنه ليس همّهما إلا التماسى فى الأرض ، والله لو جاء أهل الأرض جميعًا وليس إلا أنا، ما برحت العَرْصة حتى تكون لى أو لهم. قالوا: نخاف أن تعنّينا كما عنّانا عبد الرحمن ابن محمد ، قال: إنّ عبد الرحمن فضح الذّمار، وفضح حسَبَه ، وهل كان یعدو أجله ! ثم نزل . قال : ودخل علينا عامر بن العَمَيْثَل - رجل من الأزْد - قد جمع جموعًا فأتاه فبايعه ؛ فكانت بَيْعة يزيد : تبايعون على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلى ألّ تطأ الجنودُ بلاد نا ولا بيضتّنًا ، ولا يعاد علينا سيرة الفاسق الحجّاج، فمن بايعنا على ذلك قبلنا منه، ومَنْ أبى جاهدناه ، وجعلنا الله بيننا وبينه ، ثم يقول : تبايعونا ؟ فإذا قالوا : نعم ، بايعهم . وكان عبد الحميد بن عبد الرحمن قد عسكر بالنُّخيلة ، وبعث إلى المياه فبثقها فيما بين الكوفة وبين يزيد بن المهلب ، لئلا يصل إلى الكوفة ، ووضع على الكوفة مناظرَ وأرصاداً لتحبس أهل الكوفة عن الخروج إلى يزيد ، وبعث ١٣٩٩/٢ ٥٩٣ سنة ١٠٢ عبد الحميد بعثًا من الكوفة عليهم سيف بن هانئ الهمدانىّ حتى قدموا على مسلمة ، فألطفهم مسلمة ، وأثنى عليهم بطاعتهم ، ثم قال : والله لقلّ ما جاءنا من أهل الكوفة . فبلغ ذلك عبد الحميد ، فبعث بعثً هم أكثر من ذلك ، وبعث عليهم سَبْرة بن عبد الرحمن بن مخنف الأزدىّ ، فلما قدم أثنى عليه ، وقال : هذا رجل لأهل بيته طاعة وبلاء، ضمّوا إليه من كان ها هنا من أهل الكوفة . وبعث مسلمة إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن فعزله، وبعث محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة - وهو ذو الشامة - مكانه . فدعا يزيد بن المهلب رءوس أصحابه فقال لهم : قد رأيتُ أن أجمع اثنى عشر ألف رجل ، فأبعثهم مع محمد ابن المهلب حتى يبيّتوا مسلمة ويحملوا معهم البراذع والأكُف والزبُل لدفن خندقهم، فيقاتلهم على خندقهم وعسكرهم بقيّة ليلتهم ، وأمِدّه بالرّجال حتى أصبح، فإذا أصبحتُ نهضتُ إليهم أنا بالناس ، فنناجزهم، فإنى أرجو عند ذلك أن ينصرنا الله عليهم . قال السَّمَيدع: إنا قد دعوناهم إلى كتاب الله وسنة نبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد زعموا أنهم قابلوا هذا منا ، فليس لنا أن نمكر ولا نغدر ، ولا نريدهم بسوء حتى يردُّوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا . قال أبو رؤبة - وكان رأسَ طائفة من المرجئة ، ومعه أصحاب له : صَدَق ، هكذا ينبغى . قال يزيد : ويحكم! أتصدّقون بنى أمية؛ أنّهم يعملون بالكتاب والسنة ، وقد ضيعوا ذلك منذ كانوا ! إنهم يقولون لكم : إنا نقبل منكم ، وهم يريدون ألّ يعملوا بسلطانهم إلا ما تأمرونهم به ، وتدعونهم إليه ؛ لكنهم أرادوا أن يكفّوكم عنهم ؛ حتى يعملوا فى المكر ، فلا يسبقوكم إلى تلك ، ابدءوهم بها، إنى قد لقيت بنى مَرْوان فوالله ما لقيت رجلا هو أمكر ولا أبعد غورًا من هذه الجرادة الصّفراء - يعنى مسلمة - قالوا : لانرى أن نفعل ذلك ، حتى يردّوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منّا . وكان مروان بن المهلب وهو بالبصرة يحثّ الناس على حَرْب أهل الشأم ، ويسرّح الناس إلى يزيد ، وكان الحسن البصرىّ يثبّط الناس عن يزيد ابن المهلب . ١٤٠٠/٢ ٥٩٤ سنة ١٠٢ قال أبو مخنف : فحدّثنى عبد الحميد البصرىّ، أنّ الحسن البصرىّ كان يقول فى تلك الأيام : أيّها الناس، الزموا رحالكم ، وكفّوا أيديكم، واتقوا الله مولاكم، ولا يقتل بعضكم بعضًا على دنيا زائلة، وطمع فيها يسير ليس لأهلها يباق، وليس الله عنهم فيما اكتسبوا براضٍ ؛ إنه لم تكن فتنة إلا كان أكثر أهلها الخطباء والشعراء والسفهاء وأهل التِّيه والحُيَلاء ، وليس يسلم منها إلا المجهول الخفى والمعروف التقىّ، فمن كان منكم خفيًا فليلزم الحقّ ، وليحبس نفسه عما يتنازع الناس فيه من الدّنيا ، فكفاه والله بمعرفة الله إياه بالخير شرفًا؛ وكفى له بها(١) من الدّنيا خلفاً؛ ومَنْ كان منكم معروفًا شريفًا، فترك ما يتنافس فيه نظراؤه من الدنيا إرادةَ اللّه بذلك، فواهمًا لهذا! ما أسعده وأرشدَه وأعظم أجره وأهدى سبيله ! فهذا غداً - يعنى يوم القيامة .- القرير عينًا، الكريم عند اللّه مآباً. ١٤٠١/٢ فلما بلغ ذلك مروان بن المهلب قام خطيبًا كما يقوم ، فأمر الناس بالجِدّ والاحتشاد ، ثم قال لهم : لقد بلغنى أنّ هذا الشيخ الضال المرائى- ولم يسمُّه - يثبِّط الناس، والله لو أنّ جاره نزع من خُصّ داره قَصَبَةً لظلّ يرعُف أنفه ؛ أينكر علينا وعلى أهل مصرنا أن نطلب حقّنا(٢)، وأن ننكر مظلمتنا! أما واللّه لَيكُفَّنّ عن ذكرنا وعن جمعه إلينا سُقّاط (٣) الأبلَّة وعُلُوج فُرات البصرة - قومًا ليسوا من أنفسنا ، ولا ممن جرت عليه النعمة من أحدمنا - أو لأنحينّ عليه مِبْرَداً خشنًا. فلما بلغ ذلك الحسن قال : والله ما أكره أن يكرمنى اللّه بهوانه . فقال ناس من أصحابه : لو أرادك ثمّ شئت لمنعناك، فقال لهم: فقد خالفتُكم إذاً إلى ما نهيتكم عنه! آمركم ألّ يقتل بعضكم بعضًا مع غيرى، وأدعوكم إلى أن يقتل بعضكم بعضًا دونى ! فبلغ ذلك مروان بن المهلب ، فاشتدّ عليهم وأخافهم وطلبهم حتى تفرّقوا . ولم يدَع الحسنُ كلامه ذلك، وكفّ عنه مروان بن المهلب . (١) ط: ((به)). (٢) ط: ((خيرنا)). (٣) ستقاط : جمع ساقط ؛ وهو اللئيم فى حسبه ونسبه. ٥٩٥ سنة ١٠٢ وكانت إقامة يزيد بن المهلب منذ أجمع هو ومسلمة ثمانية أيام ، حتى إذا كان يوم الجمعة لأربع عشرة خلتْ من صفر ، بعث مسلمة إلى الوضاح أن يخرج بالوضّاحيّة والسفن حتى يحرّق الجسر ، ففعل . وخرج مسلمة فعبّى جنود أهل الشأم ، ثم ازدلف بهم نحو يزيد بن المهلب ، وجعل على ميمنته جبلة بن مخرمة الكندىّ ، وجعل على ميسرته الهذيل بن زُفر بن الحارث العامرىّ ، وجعل العباس على ميمنته سيف بن هانئ الهمدانىّ ، وعلى ميسرته سويد بن القعقاع التميمىّ ومسلمة على الناس ، وخرج يزيد بن المهلب ، وقد جعل على ميمنته حبيب بن المهلب ، وعلى ميسرته المفضّل بن المهلب ، وكان مع المفضّل أهل الكوفة وهو عليهم ، ومعه خيل لربيعة معها عدد حسن ، وكان مما يلى العباس بن الوليد . قال أبو مخنف : فحدّثنى الغنوىّ - قال هشام: وأظنّ الغنوىّ العَلاء ابن المنهال - أنّ رجلاً من الشأم خرج فدعا إلى المبارزة ، فلم يخرج إليه أحد ، فبرزله محمد بن المهلب، فحمل عليه، فاتقاه الرّجل بيده، وعلى كفّه كفّ من حديد، فضربه محمد فقطع كفّ الحديد وأسرع السيف فى كفّه، واعتنق فرسه، وأقبل محمد يضربه ، ويقول: المنجَل أعود عليك. قال : فذكر لى أنه حيّان النَبَطَىّ. قال : فلما دنا الوضاح من الجسر ألهب فيه النار ، فسطع دخانه ؛ وقد اقتتل(١) الناس ونشبت الحرب ، ولم يشتدّ القتال ، فلما رأى الناس الدخان ، وقيل لهم : أحرِق الجسر انهزموا ، فقالوا ليزيد : قد انهزم الناس . قال : وممّا نهزموا ؟ هل كان قتال يُنهزم من مثله ! فقيل له : قالوا : أحرِق الجسر فلم يثبت أحد ، قال : قبحهم اللّه! بَقٌّ دُخُن عليه فطار . فخرج وخرج معه أصحابه ومواليه وناس من قومه ، فقال : اضربوا وجوهَ مَنْ ينهزم ، ففعلوا ذلك بهم ، حتى كثروا عليه ، فاستقبلهم منهم مثل الجبال ، فقال: دعوهم ، فوالله إنى لأرجو ألا يجمعنى اللّه وإياهم فى مكان واحد أبداً؛ دعوهم يرحمهم الله، غسّمٌ عدا فى نواحيها الذئب، وكان ١٤٠٣/٢ (١) ابن الأثير: ((وقد أقبل)). ١٤٠٢/٢ ٥٩٦ سنة ١٠٢ يزيد لا يحدّث نفسَه بالفرار ، وقد كان يزيد بن الحكم بن أبي العاص - وأمه ابنة الزبْرِ قان السَّعدىّ - أناه وهو بواسط قبل أن يصل إلى العَقْر، فقال(١): فإِنْ كنتَ لم تَشْعُرْ بذلك فاشعُر إِنَّ بنِى مَرْوانَ قد بَادَ مُلكُهُمْ قال يزيد : ما شعرت . قال : فقال يزيد بن الحكم بن أبى العاص الثقفى": وسَيفُكَ مشهورٌ بِكَفِّكَ تُعْذّرِ فَعِشْ مَلِكاً أَو مُتْ كريماً وإِن تمتْ (٢) قال : أمّا هذا فعسى . ولما خرج يزيد إلى أصحابه واستقبلته الهزيمة ، فقال: يا سميْدَع، أرأبى أم رأيك؟ ألم أعلمك ما يريد القوم! قال: بلى واللّه، والرأىّ كان رأيُك، وأناذا معك لا أزايلك، فمرْنى بأمرك ؛ قال : إمّا لا فانزل ، فنزل فى أصحابه، وجاء يزيدَ بن المهلبَ جاءٍ فقال : إن حبيبًا قد قتل . ١٤٠٤/٢ قال هشام : قال أبو مِخْنف : فحدّثنى ثابت مولى زهير بن سلمة الأزدى، قال : أشهد أنى أسمعه حين قال له ذلك ، قال : لا خيرَ فى العيش بعد حبيب ! قد كنت والله أبغض الحياة بعد الهزيمة ؛ فوالله ما ازددت له إلا بغضًا، امضوا قُدماً . فعلمنا واللّه أن قد استقتل؛ فأخذ مَنْ يكره القتال ينكص، وأخذوا يتسلَّلون ، وبقيت معه جماعة حسنة ، وهو يزدلف، فكلّما مرّ بخَيْل كشفها ، أو جماعة من أهل الشأم عدلوا عنه وعن سنن أصحابه ، فجاء أبو رؤبة المرجِئُّ ، فقال : ذهب الناس - وهو يشير بذلك إليه وأنا أسمعه - فقال : هل لك أن تنصرف إلى واسط ؛ فإنها حصن فتنزلها ويأتيك مَدَدُ أهل البصرة، ويأتيك أهل ◌ُمان والبحرين فى السفن ، وتضرب خندقاً ؟ فقال له : قبّح الله رأيك! ألى تقول هذا! الموت أيسر علىّ من ذلك ، فقال له : فإنّى أنخوَّف عليك لمَا ترى ، أما ترى ما حولك من جبال الحديد ! وهو یشیر إلیه ، فقال له : أما أنا ما أباليها ؛ جبال حدید کانت أم جبال نار ، اذهب عنّا إن كنت لا تريد قتالا معنا. قال: وتمثّل قول حارثة بن بدر الغُدّانىّ - قال أبو جعفر أخطأ هذا ؛ هو للأعشى - : (١) ابن الأثير: ((فقال له)). (٢) ابن الأثير: ((فعش)). ٥٩٧ سنة ١٠٢ ١٤٠٥/٢ رأَيتُ مَنَايَا النّاسِ يَشقى ذَلِيلُهَا أَبِالموتِ خَشَّتنى عُبَادُ وإِذَّما بِعَارٍ إِذا ما غالَتِ النفسَ غُولُهَا فما مِيئَةٌ إِن مُتُّهَا غيرَ عاجٍِ وكان يزيد بن المهلّب على بِرْذون له أشهب ، فأقبل نحو مسلمة لا يريد غيره ؛ حتى إذا دنا منه أدنى مسلمة فرسَه ليركب ، فعطف عليه خيول أهل الشأم، وعلى أصحابه ، فقتل يزيد بن المهلب، وقتل معه السَّمَيدع، وقتِل معه محمد بن المهلب . وكان رجل من كلْب من بنى جابر بن زهير بن جناب الكلبىّ يقال له القَحْل بن عيّاش لما نظر إلى يزيد قال : يا أهل الشام، هذا والله يزيد، والله لأقتلنّه أو ليقتلنّى، وإن دونه ناسًا ، فمن يحمل معى يكفينى أصحابه حتى أصلَ إليه ؟ فقال له ناس من أصحابه : نحمل نحن معك ، ففعلوا، فحملوا بأجمعهم، واضطربوا (١) ساعةً، وسطع الغبار، وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلا، وعن القسّحْل بن عياش بآخر رمق . فأوبى إلى أصحابه يريهم مكان يزيد ؛ يقول لهم: أنا قتلتُهُ، ويومى إلى نفسه إنه هو قتلى. ومرّ مسلمة على القحل بن عياش صريعاً إلى جنب يزيد ، فقال : أما إنى أظن هذا هو الذى قتلنى . وجاء برأس يزيد مولى لبنى مُرّة ، فقيل له : أنت قتلته ؟ فقال : لا ، فلما أتى به مسلمة لم يعرف ولم ينكر ، فقال له الحوارىّ بن زياد ابن عمرو العتكى: مُرْ برأسه فليُغسل ثم ليعمّ ، ففُعل ذلك به ، فعرفه، فبعث برأسه إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبى مُعَيْط. ١٤٠٦/٢ قال أبو مخنف : فحدّثنى ثابت مولى زهير ، قال : لقد قتِل يزيد وهُزم الناس ، وإن المفضّل بن المهلب ليقاتل أهلَ الشأم ما يدرى بقتل يزيد ولا بهزيمه الناس ؛ وإنّه لعلَى بِرْذون شديد قريب من الأرض، وإنّ معه لمجفّفة أمامه ، فكلما حمل عليها نكصَت وانكشفت وانكشف ، فيحمل فى ناس من أصحابه حتى يخالط القوم ثم يرجع حتى يكون من وراء أصحابه ، وكان لا يرى منّا مُلتفتًّا إلا أشار إليه بيده ألاّ يلتفت ليُقبِل القومُ بوجوههم على عدوّهم ، ولا يكون لهم همّ غيرهم . (١) ابن الأثير: ((فاقتتلوا)). ٥٩٨ سنة ١٠٢ قال: ثم اقتتلنا ساعة ؛ فكأنى أنظر إلى عامر بن العَمَيْشَل الأزدىّ وهو يضرب بسيفه ، ويقول : أَنِّى بِنَصْلِ السَّيفِ غَيْرُ رِعْدِيدْ قد عَلِمِتْ أُمُّ الصَّبِيِّ المولودْ قال : واضطربنا والله ساعة، فانكشفت خيل ربيعة ؛ والله ما رأيتُ عند أهل الكوفة من كبير صبر ولا قتال ، فاستقبل ربيعةَ بالسيف يناديهم : أى معشرربيعة، الكرّةَ الكرّة! والله ما كتتم بكُشف ولالئام، ولا هذه لكم بعادة ، فلا يؤتينّ أهل العراق اليوم من قبلكم . أىْ ربيعة ، فتدتكم نفسى ، اصبروا ساعة من النهار . قال: فاجتمعوا حوله، وثابوا إليه (١)، وجاءت كُوَيْفتك (٢). قال : فاجتمعنا ونحن نريد الكرّة عليهم ، حتى أتى ، فقيل له : ما تصنع ها هنا وقد قتل يزيد وحبيب ومحمد ، وانهزم الناس منذ طويل ؟ وأخبر الناس بعضهم بعضًا ، فتفرّقوا ومضى المفضّل ، فأخذ الطريق إلى واسط ، فما رأيت رجلاً من العرب مثل منزلته كان أغشى للناس بنفسه ، ولا أضرب بسيفه ، ولا أحسن تعبئة لأصحابه منه . قال أبو مخنف : فقال لى ثابت مولى زهير : مررت بالخندق ، فإذا عليه حائط ، عليه رجال معهم النَّبل، وأنا محفَّفٌ ، وهم يقولون : يا صاحب التَّجفاف ، أين تذهب ؟ قال : فما كان شىء أثقل علىّ من تجفافى ، قال : فما هو إلا أن جُزْتُهم، فنزلت فألقيته لأخفّف عن دابتى . وجاء أهل الشأم إلى عسكر يزيد بن المهلب ، فقاتلهم أبو رؤبة صاحب المرجئة ساعة من النهار حتى ذهب عُظْمهم ، وأسر أهل الشأم نحواً من ثلثمائة رجل ، فسرّحهم مسلمة إلى محمد بن عمرو بن الوليد فحبسهم . وكان على شُرطهِ العُريان بن الهيثم . وجاء كتاب من يزيد بن عبد الملك إلى محمد بن عمرو : أن اضرب رقابَ الأسَراء ، فقال للعُريان بن الهيثم: أخرجهم عشرين عشرين، وثلاثين ثلاثين . قال : فقام نحوٌ من ثلاثين رجلاً من بني تميم ، فقالوا : ١٤٠٧/٢ (١) ابن الأثير: ((فرجعوا إليه)). (٢) كذا فى ط . ٥٩٩ سنة ١٠٢ نحن انهزمنا بالناس ، فاتقوا الله وابدءوا بنا ، أخرجونا قبل الناس ، فقال لهم العُريان : اخرجوا على اسم الله، فأخرجهم إلى المصطبة ، وأرسل إلى محمد بن عمرو يخبره بإخراجهم ومقالتهم ، فبعث إليه أن اضرب أعناقهم . قال أبو مخنف: فحدّثنى نَجِيح أبو عبد اللّه مولى زهير، قال: والله إنى لأنظر إليهم يقولون: إنا لله ! انهزمنا بالناس، وهذا جزاؤنا ، فما هو إلا أن فرغ منهم ، حتى جاء رسول من عند مسلمة فيه عافية الأسراء والنهى عن قتلهم ، فقال حاجب بن ذُبيان من بنى مازن بن مالك بن عمرو بن تميم : ١٤٠٨/٢ بأَسيافها حتى انتهى بهمُ الوحلُ لَعَمرِى لقد خاضَتْ معيطٌ دِماءَنَا حرام، ولَا ذَخْلٍ إِذا النُّمسِ الذّحْلُ(١) وما حُمل الأَّقْوامُ أَعظمَ من دَم. وجُرَّ على فُرْسانِ شيعتك القتلُ حَقَنْمَ دِماءَ المُصْلتين عليكمُ (٤) فياعجباً أَينَ الأَمانة والعدلُ! وَقَى بِهِمُ الْعُريانُ فُرْسانَ قومِهِ وكان العُريان يقول: والله ما اعتمدتُهم ولا أردتُهم حتى قالوا: ابْدُ بنا، أخرجنا، فما تركت حين أخرجتهم أن أعلمتُ المأمور بقتلهم ، فما يتقبل حُجّتهم، وأمر بقتلهم ، واللّه على ذلك ما أحبّ أن قتِل من قومى مكانهم رجلٌ"، ولئن لامونى ما أنا بالذى أحفل لائمتهم ، ولا تكبر علىّ . وأقبل مسلمة حتى نزل الحيرة ، فأتى بنحو من خمسين أسيراً ، ولم يكونوا فيمن بعث به إلى الكوفة ، كان أقبل بهم معه ، فلما رأى الناس أنه يريد أن يضربَ رقابهم ، قام إليه الحصين بن حماد الكلبىّ فاستوهبه ثلاثة : زياد بن عبد الرحمن القشيرىّ، وعتبة بن مسلم، وإسماعيل مولى آل بنی عقيل بنمسعود، فوهبهم له، ثم استوهب بقيَّتّهم أصحابُه، فوهبهم لهم ، فلما جاءت هزيمة يزيد إلى واسط، أخرج معاوية بن يزيد بن المهلب اثنين وثلاثين أسيراً كانوا ١٤٠٩/٢ (١) فى الحاشية: ((الذحل بالذال معجمة: الحقد، وبغير معجمة: الانمر فى الأرض ). ٦٠٠ سنة ١٠٢ فى يده ، فضرب أعناقهم : منهم عدى بن أرطاة، ومحمد بن عدى بن أرطاة ومالك وعبد الملك ابنا مسمع وعبد الله بن عَزْرة البصرى، وعبد الله بن وائل، وابن أبى حاضر التميمىّ من بنى أسيِّد بن عمروبن تميم، وقد قال له القوم: ويحك! إنا لا نراك إلا تقتلنا؛ إلا أن أباك قد قتل ، وإنّ قتلنا ليس بنافع لك فى الدنيا، وهو ضارّك فى الآخرة ؛ فقتل الأسارى كلَّهم غير ربيع بن زياد بن الربيع ابن أنس بن الرّيّان، تركه، فقال له ناس : نسيته؟ فقال: ما نسيته؛ ولكن لم أكن لأقتله ؛ وهو شيخ من قومى له شرف ومعروف وبيت عظيم ، ولست أنّهمه فى وُدّ، ولا أخاف بغيتَه. فقال ثابت قطنة فى قتل عدىّ بن أرطاة: عَدىٍّ وَلَا أَحْببْتُ قتلَ ابن مِسْمَعِ مَا سَرِّنِى قَتْلُ الفَزَارىِّ وابنِهِ وضعْت بها أمرى على غيرٍ موضع ولكنها كانت مُعَاوِىَّ زَلَّةٌ ثم أقبل حتى أتى البصرة ومعه المال والخزائن ، وجاء المفضّل بن المهلب، واجتمع جميع آل المهلّب بالبصرة ، وقد كانوا يتخوّفون الذى كان من يزيد ، وقد أعدّوا السفن البحرية ، وتجهزوا بكلّ الجهاز ، وقد كان يزيد بن المهلب بعث وداع بن حُميد الأزديّ على قّدابيل أميراً ، وقال له: إنى سائر إلى هذا العدوّ ، ولو قد لقيتُهم لم أبرح التعرصة حتى تكون إلىّ أولهم ، فإن ظفرت أكرمتُك ، وإن كانت الأخرى كنت بقَنْدابيل حتى يقدم عليك أهل بيتى ، فيتحصّنوا بها حتى يأخذوا لأنفسهم أماناً ، أما إنى قد اخترتك لأهل بيتى من بين قومى؛ فكن عند حسن ظنى، وأخذ عليه أيمانًا غلاظًا لَيُناصحنّ أهل بيته ، إن هم احتاجوا ولجئوا إليه ، فلما اجتمع آل المهلب بالبصرة بعد الهزيمة حملوا عيالاتهم وأموالهم فى السفن البحرية ، ثم لحّجوا فى البحر حتى مرّوا بهوم ابن القرار العبدىّ - وكان يزيد استعمله على البحرين - فقال لهم: أشير عليكم ألّ تفارقوا سفنكم، فإن ذلك هو بقاؤكم، وإنى أتخوّف عليكم إن خرجتم من هذه السفن أن يتخطفكم الناس، وأن يتقرّبوا بكم إلى بنى مروان . فمضوا حتى إذا كانوا بحيال کرْمان خرجوا من سفنهم ، وحملوا عيالاتهم وأموالهم على الدوابّ. ١٤١٠/٢