Indexed OCR Text

Pages 441-460

سنة ٨٩
٤٤١
وفيها غَزَا مَسْلمة بنُ عبد الملك الشَّرْكَ حتى بلغ البابَ من ناحية
أذْرَبيجان، فَفَتَّح حُصونًا ومدائنَ هنالك .
وحَجّ بالناس فى هذه السنة عمر بنُ عبد العزيز، حدّثنى بذلك أحمدُ
ابنُ ثابت ، عمّن ذَكَره ، عن إسحاق بن عيسى، عن أبى مَعشَر .
وكال العمّال فى هذه السنة على الأمصار العمال فى السنة التى قَبئلتها ،
وقد ذكرناهم قَبْل .
.--

ثمّ دخلت سنة تسعين
ذكر الخبر عن الأحداث التى كانت فيها
ففى هذه السنة غزا مَسْلمةُ أرضَ الرّومفيما ذكر محمد بنُ عَمَرَ- من
ناحية سُورِية ، ففتّح الخصونَ الخمسةَ التى بسُورِية .
وغزا فيها العباس بن الوليد ؛ قال بعضهم: حتى بَلَغ الأرزَن ؛ وقال
بعضُهم: حتى بَلَغَ سُورِية. وقال محمد بنُ عمر: قولُ مَن قالَ: حتى بلغ
سُورِية أصحّ .
وفيها قَتَل محمّدُ بن القاسم الثقفىّ داهرَ بن صصّة ملك السِّند، وهو على
جيش من قِبَل الحجّاج بن يوسف .
وفيها استعمَل الوليدُ قُرَّةَ بن شريك على مصرَ موضع عبدِ الله بن
عبد الملك .
وفيها أسرت الرّومُ خالدَ بن كتَيْسان صاحب البحر ، فذهبوا به إلى
١٢٠١/٢
ملكهم ، فأهداه ملك الروم إلى الوليد بن عبد الملك .
..
[ خبر فتح بخارى ]
وفيها فَتَح قُتيبةُ بُخارَى، وهَزَم جُموعَ العدوّ بها.
* ذكر الخبر عن ذلك :
ذكر علىّ بنُ محمد أن أبا الذّيّال أخسعَرَه عن المهلب بن إياس؛ وأبا العلاء
عن إدريس بن حَنْظلة؛ أنّ كتاب الحجّاج لمّا وردعلى قتيبة يأمره بالتوبة
مما كان، من انصرافه عن وَرْدانَ خُذاه ملك بُخَارَى قبل الظفر به والمصيرِ
إليه ، ويعرّفه الموضع الذى ينبغى له أن يأتى بلده منه، خرج قُتيبة إلى بُخارَى
فى سنة تسعين غازيًا، فأرسَل وَرْدان خذاه إلى السُّعْد والتُّرْك ومَن حَواتهم
٤٤٢

٤٤٣
سنة ٩٠
1
يستنصِرونهم (١)، فأتوْهم وقد سَبَق إليها قتيبةُ فحصرهم، فلمّا جاءتهم
أمدادُ هم خرجوا إليهم ليقاتلوهم، فقالت الأزْد: اجعلونا على حدة (٢)، وخَدُّوا
بيننا وبين قتالهم. فقال قتيبة: تقدَّموا؛ (٣ فتقدّموا يقاتلونهم٣) وقتيبةُ
جالسٌ، عليه رِداءٌ أصفر فوقَ سلاحِهِ، فصبّروا جميعًا مليئًّا، ثمّ جالَ
المسلمون ، وركبهم المشركون فحطموهم حتى دخلوا فى عسكر قتيبة وجازوه
حتى ضربَ النساءُ وجوهَ الخيل وبكتين، فكرّوا راجعين، وانطوت مجنّبتا
المسلمين على الترك ، فقاتلوهم حتى ردّوهم إلى مواقفهم ، فوقف الترك على
نّشَرَ، فقال قتيبة: مَن يُزيلُهم لنا عن هذا الموضع (٤)؟ فلم يقدم عليهم
أحد ، (٥ والأحياء كلّها وقوفٌ(٥) .
١٢٠٢/٢
فمشى قتيبة إلى بني تميم، فقال : يا بني تميم، إنكم أنتم بمنزلة الخطمية،
فيومٌ كأيّامكم، أبى (٦) لكم الفداء! قال: فأخذ وكيعُ اللواءَ بيده، وقال:
يا بني تميم ، أتسلموننى اليوم ؟ قالوا : لا يا أبا مطرّف - وهريم بن
أبى طَلْحة المُجاشعىّ على خيل بني تميم ووكيع رأسُهم، والناس وقوف -
فأحجموا جميعًا، فقال وكيع: يا هُرِيمُ، قَدِّم(٧)، وَدفع إليه الرّابة، وقال:
قدّمَ خَيَلَك فتقدّم هُريم، وَدَبّ وكيع فى الرجال، فانتهى هُريم إلى نهر
بينه وبين العدوّ فوقف ، فقال له وكيع : اقحم يا هُرَّيم ؛ قال: فنظر هُرَيم
إلى وكيع نظرَ الجَمَلَ الصَّول (٨) وقال: أنا أَهْحٍِ (٩) خيلى هذا النهرَ ، فإن
انكشفتْ كان هلاكُها! والله إنك لأحمق؛ قال: يا بن اللَّخناء، ألا أراك
تردّ أمرى! وحَذَفه بعمود كان معه، فضَرَب هريم فرسه فأقحمَه، وقال:
ما بعد هذا أشدّ من هذا، وعبر هُريم فى الخيل، وانتهى (١٠) وكيع إلى النهر،
فدعا بخَشَب؛ فَقَنْطر النهر وقال لأصحابه: مَن وطّن منكم نفسه على
الموت فليَعبُر، ومَن لا فلْيَشْبت مكانَه؛ فما عبَر معه إلا ثمانمائة
(١) ب: ((يستصرخهم فأنود).
(٣ - ٣) ب: ((فقاتلهم)).
(٥ - ٥) ب: ((والأحياء من العرب كلهم وقوف)).
(٧) ابن الاثير: ((قدم خيلك)).
(٩) ابن الأثير: ((أأقحم)).
(٢) ب: ((ناحية)).
(٤) ب: ((الموقف)).
(٦) ر: ((إنى)) .
(٨) ب: ((الهائج)).
(١٠) ب: ((فانتهى)).

٤٤٤
سنة ٩٠
١٢٠٣/٢
راجل (١)، فدبّ فيهم حتى إذا أعيوا (٢) أقعد هم فأراحوا حتى دنا من العدّو،
فجعل (٣) الخيل مجنّبتين، وقال لهريم: إنى مُطاعن القوم ، فاشغلْهم عنّا
بالخيل ، وقال للناس : شُدّوا، فَحملوا فما انثنَوْا حتى خالطوهم ،
وحمل هُريم خيلته عليهم فطاعنوهم بالرّماح، فما كفّوا عنهم حتى حدّروهم
عن موقفهم، ونادى قتيبة: أما تَرَّون العدوّ منهزمين! فما عبرَ أحدٌ ذلك
النهرحتى ولَّى العدوّ منهزِمين، فأتبعهم الناسُ، ونادى قتيبة: مَن جاء
برأس فله مائة .
قال : فزعم موسى بن المتوكّل القُريْعىّ، قال: جاء يومئذ أحد
عشرَ رجلا من بنى قُرَيَع ، كلّ رجل يجىء برأس، فيقال له : من أنت ؟
فيقول : قُريعىّ .. قال: فجاء رجل من الأزْد برأس فألقاه، فقالوا له : مَن
أنت ؟ قال: قُريعىّ؛ قال: وجَهْم بنُ زَحْر قاعد، فقال: كَذَبَ والله
أصلحك الله! إنه لابن ◌َمّى؛ فقال له قُتيبة: ويحك! ما دعاك إلى هذا ؟
قال : رأيتُ كلَّ من جاء قُريعىّ: فظننتُ أنه ينبغى لكلّ من جاء برأس
أن يقول : قُريعىّ. قال : فضحك قُتيبة .
قال: وجُرح(٤) يومئذ خاقان وابنُه، ورجع قتيبةُ إلى مَرْوَ ، وكتب
إلى الحجّاج: إنى بعثتُ عبد الرحمن بنَ مسلم ، ففتح اللّه على يديه .
قال: وقد كان شهد الفتحَ مولّى للحجّاج، فقدم فأخبره الخبر ، فغضب
الحجّاج على قتيبة، فاغتمّ لذلك (٥)، فقال له الناس. ابعثْ وَفْداً من
بنى تميم وأعطِهِم وأرضهم يُخبروا الأميرَ أنّ الأمرَ على ما كتبْتَ، فبعَث
رجالاً فيهم عُرام بن شُتير الضّبِىّ، فلمّا قدموا على الحجّاج صاحبهم وعاتبهم
١٢٠ ودعا بالحجّام بيده مقراض فقال: لأقطُعنّ ألسنتكم أو لتصدقُنَّى، قالوا:
الأميرُ قتيبة ، وبعث عليهم عبدَ الرحمن، فالفتحُ (٦) للأمير والرأس الذى يكون
على الناس ، وكلّمه بهذا عُرام بن شُتير ، فسكن الحجّاج .
(١) ب: ((رجل)).
(٣) ب: ((وجعل)).
(٥) ب: (كذلك)).
(٢) ب: ((عبروا).
(٤) ب، ر: ((وخرج)).
(٦) ب: ((بالفتح)).

سنة ٩٠
٤٤٥
[خبر صلح قتيبة مع السُّغْد]
وفى هذه السنة جدّد قتيبةُ الصلحَ بينه وبين طَرْخون مَلِك السُّغْد .
ذكر الخبر عن ذلك :
قال علىّ: ذَكَر أبو السَّرىّ عن الجَهم الباهلىّ، قال: لما أوقع قتيبة
بأهل بُخارَى ففضّ جمعهم هابَه أهلُ السُّغْد، فرجع طَرْخون ملك
السُّغد ومعه فارسان حتى وقف قريبًا من عسكر قُتيبة، وبينهما نهر بُخارى،
فسأل أن يَبعث إليه رجلاً يكلمه، فأمر قتيبةُ رجلاً فدنا منه .
وأما الباهليّون فيقولون: نادى طَرْخُونُ حيّانَ النَّبَطِىّ فأتاه ، فسألهم
الصّلح على فِدْية يؤدّيها إليهم، فأجابه قتيبة إلى ما طََّب، وصالحه، وأخذً
منه رَهْنًا حتى يَبَعثَ إليه بما صالحه عليه، وانصرف طرخون إلى بلاده ،
ورجع قتيبةُ ومعه نِیزك .
[غدر نِيزَك ]
وفى هذه السنة غَدَرَ نِيزَك، فنقض الصّلح الذى كان بينه وبين المسلمين
وامتنعَ بقلعته ، وعاد حَرْباً، فغَزاه قُتيبة .
* ذكر الخبر عن سبب غدرِهِ وسببِ الظَّفْتَر به :
قال على: "ذكَر أبو الذّيال، عن المهلب بن إياس والمفضَّل الضّبِىّ،
عن أبيه، وعلىّ بن مجاهد وكُلَيَب بن خَلَف العمىّ؛ كلّ قد ذكر شيئًا.
فألّفته؛ وَذَكَر الباهليّون شيئًا فألحقتُهُ فِى خَبَرَ هؤلاء وألفتُه؛ أنّ قتيبة
فَصَل مِن بخارَى ومعه نِيزَك وقد ذَعَرَه ما قد رأى من الفُتوح، وخاف
قتيبة، فقال: لأصحابه وخاصّته: مُتَّهَم أنا مع هذا، ولستُ آمَنُه؛
وذلك أنّ العربىّ بمنزلة الكَلْب؛ إذا ضربتَه نَبَّح، وإذا أطعمْته بَصْبَص
واتّبعك، وإذا غَزَوْته ثمّ أعطيتَه شيئًا رضىَ، ونسىَ ماصنعتَ به، وقد قاتَلَّه
طرْخونُ مرارً، فلما أعطاه فديةٌ قبلها ورضىَ، وهو شديد السَّطْوة فاجر
١٢٠٥/٢

٤٤٦
سنة ٩٠
فلو استأذنت(١) ورجعتُ كان الرأى، قالوا: استأذنه . فلما كان قتيبة
بآمُل استأذَنَه فى الرّجوع إلى تُخَارِسْتان، فأذن له، فلما فارق عسكره
متوجِّها إلى بَلْخَ قَال لأصحابه: أغِذُوا السِّيرَ ؛ فساروا (٢) سيرًاً شديداً
حتى أنَوا النّوبَهَار (٣)، فنزّل يصلّ فيه وتبرّك به. وقال لأصحابه: إنى
لا أُشكّ أنّ قتيبة قد ندم حين فارقتنا عسكرُه على إذنه لى، وسيُقدِم
الساعة رسولُه على المتغيرة بن عبد الله يأمرُه بحبْسى، فأقيموا ربيئةً تنظر، فإذا رأيتم
الرسولَ قد جاوز المدينةَ وخرج من الباب فإنه لا يبلغ البرُوقان حتى نبلغ
تخارستان، فيبعث المغيرة رجلا فلا يُدرِكنا حتى ندخلَ شِعب خُلم؛ ففعلوا .
قال: وأقبل رسولٌ من قِبل (٤) قتيبة إلى المغيرة يأمُرُه بحبس فِيزَك.
١٢٠٦/٢ فلما مرّ الرّسول إلى المغيرة وهو بالبُروقان - ومدينة بَلْخ يومئذ خَرَاب -
ركب نِيزَك وأصحابه فمضوا، وقدم الرسولُ على المغيرة فركب بنفسه فى
طلبه، فوَجَدَه قد دَخَلَ شِعب خُلْ، فانصرف المغيرة، وأظهر نيزك
الخلج، وكتب إلى أصبهبة بتَلْخ وإلى باذام مَلِك مَرْوَروذ، وإلى سهرب (٥)
مَلَك الطالقان، وإن ترسُل ملك الفارِياب، وإلى الجُوز جانىّ ملك الجُوزجان
يدعوهم إلى ختلْع قتيبة، فأجابوه، وواعَدَ هم الرّبيع أن يجتمعواويغزُوا قتيبة.
وكتب إلى كابل شاء يستظهِر به، وبعث إليه بشَقَلَه وماله، وسأله أنْ
يأذن له إن اضطر إليه أن يأتيَه ويؤمِّنَّه فى بلاده، فأجابه إلى ذلك وضَّمَّ ثقله.
قال: وكان جبْغويه مَلك تخارستان ضعيفًا، واسمه الشذّ، فأخذه نيزك
فقيَّده بقَيْد من ذهَب مخافة أن يَشغَّب عليه - وجبغويه ملك تخارستان
ونِيزَك من عبيد ٥ - فلما استوثق منه وضَعَ عليه الرّقْبَاء، وأخرج عاملَ قُتِيبَةَ
من بلاد جبْغويه، وكان العامل محمد بن سُليم الناصح ، وبلغ قتيبة خلعته
قبل الشتاء ، وقد تفرّق الجند فلم يَبقَ مع قتيبة إلا أهل مَرْو ، فبعث
عبد الرّحمن أخاه إلى بَلْخ فى اثنى عشرَ ألفًا إلى البروقان ، وقال : أقم بها ،
١٢٠٧/٢
(١) ب: ((أستأذنته)).
(٢) ب: ((وسأر)).
(٤) ب: ((عند)).
(٣) ب: ((التوبهار)».
(٥) ط: ((سهرك))، وانظر الطبرى ٢: ١٥٦٦، ١٥٦٩ (أوربا).

٤٤٧
سنة ٩٠
ولا تُحدث سيئًا، فإذا حَسَر الشتاء فعَسْكِرِ وسِرْ نحو تخارستان، واعلم
أنى قريب منك، فسار عبدُ الرّحمن فنزل البروقان، وأمهَ قتيبة حتى
إذا كان فى آخر الشتاء كََّب إلى أبرشهر وبِيوَرْد وسَرَّخْس وأهل «َرَاة
ليقدَمَوا قبل أوانهم الّذى كانوا يَقْدَمَون عليه فيه .
[ خبر فتح الطالقان ]
وفى هذه السنة ، أوقع قتيبة بأهل الطالقان بخراسان - فيما قال بعض
أهل الأخبار - فقتل من أهلها مقتلةً عظيمة ، وصلب منهم سماطيْن أربعة
فراسخَ فی نظام واحد .
، ذكر الخبر عن سبب ذلك:
وكان السبب فى ذك - فيما ذُكر - أنّ نِيزَك طرخان لما غدر وخَطَع قتيبة
وعَزَم على حَربه، طابَقتَه على حربه مَلِك الطالقان، وواعَدَه المصير
إليه مَن استجاب للنهوض معه من الملوك لحرب قُتيبة، فلما هَرَب نِيزَك من
قتيبة ودخل شعب خُلم الذى يأخذ إلى طُخارِستان علم أنه لا طاقةً له
بقُتيبة، فهَرَب، وسارقتيبةُ إلى الطالقان فأوقع بأهلها، ففعل ما ذكرتُ فيما قبل.
وقد خُولِفِ قائلُ هذا القول فيما قال من ذلك ، وأنا ذاكرُه فى أحداث
سنة إحدى وتسعين .
١٢٠٨/٢
وحَجّ بالنّاس فى هذه السنة عمرُ بنُ عبد العزيز، كذلك حدثنى أحمد
ابن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبى مَعَشَر . وكذلك
قال محمد بن عمر .
وكان عمرُ بنُ عبد العزيز فى هذه السنة عامل الوليد بن عبد الملك على
مكّة والمدينة والطائف. وعلى العراق والمشرق الحجّاج بن يوسف ، وعامل
الحجّاج على البَصْرة الجرّاح بن عبد اللّه. وعلى قتَضائها عبد الرحمن بن أذينة،
وعلى الكوفة زياد بن جرير بن عبد الله. وعلى قضائها أبو بكر بن أبى موسى .
وعلى خُراسان قتيبة بن مُسلِمٍ. وعلى مصرَ قُرّة بن قُرّة بن شَرِيك .

٤٤٨
سنة ٩٠
[ هرب يزيد بن المهلب وإخوته من سجن الحجاج ]
وفى هذه السنة هَرَب يزيدُ بن المهلّب وإخوته الذين كانوا معه فى السجن
مع آخرين غيرهم، فلحقوا بسُليمان بن عبد الملك مستجيرين به من الحجّاج
ابن يوسف ، والوليد بن عبد الملك .
ذكر الخبر عن سبب تخلّصهم من سجن الحجّاج ومسيرِهم إلى سليمان:
#
قال هشام : حدثنى أبو محنَف، عن أبى المُخارِقِ الراسبىّ، قال :
١٢٠٩/٢ خرج الحجّاج إلى رُسْتُقْباذ للبَعْث، لأنّ الأكرادَ كانوا قد غلبوا على عامة
أرضٍ فارسَ ، فخرج بيزيدَ وبإخوته المفضّل وعبد الملك حتى قدم بهم
رستقْباذ؛ فجعلهم فى عسكره ، وجعل عليهم كهَيْئة الخَنْدق، وجعلتهم
فى فُسطاط قريبًا من حُجْرته ، وجعل عليهم حَرَساً من أهل الشام ،
وأغرَمَهم ستّة آلافٍ ألف، وأخذ يعذّبهم ، وكان يزيدُ يتصبِر صبراً
حَسَنًا، وكان الحجّاج يَغيظُه ذلك، فقيل له: إنه رُمى بنُشابة فتَبَت
نصلُها فى ساقه، فهو لا يمسّها شىء إلا صاح، فإن حرّكت أدنى شىء
سمعت صوتَة، فأمَر أن يعذَّب ويُدهَق(١) ساقُه، فلما فُعل ذلك به
صاحَ ، وأخته هند بنت المهلّب عند الحجّاج، فلما سمعتْ صِياحَ يزيدَ صاحتْ
وناحتْ ، فطلّقها. ثمّ إنه كفّ عنهم، وأقبَل يستأد بهم ، فأخذُوا يؤدّون
وهم يعملون فى التخلّص من مكانهم ، فبعثوا إلى مروانَ بن المهلب وهو
بالبَصْرة يأمرونه أن يضمر لهم الخيل ، ويُرِى الناسَ أنه إنما يريد بيعتها
ويعرضها على البيع، ويُغلى بها لئلّا تُشتَرى فتكون لنا عُدَّة إن نحن قدرنا
على أن ننجوَ مما هاهنا. ففعل ذلك مروان، وحبيب بالبصرة (٢) يعذَّب أيضًا،
وأمر يزيدُ بالخَرَس فصُنع لهم طعام كثير فأكلوا؛ وأمَر بشراب فسُقُوا ،
فكانوا متشاغلين به، وليسَ يزيدُ ثيابَ طَبّاحه، ووَضَعَ على لحيته لحية
(١) الدهق : شد الساق بخشبتين.
(٢) ب: ((يعذب بالبصرة)).

٤٤٩
سنة ٩٠
١٢١٠/٢
بَيْضاء، وخرج فرآه بعضُ الحرس فقال: كأنّ هذه مِشْية يزيد ! فجاء
حتى استعرض وجهة ليلا، فرأى بياضَ اللُّحية، فانصرف عنه، فقال: هذا
شيخ . وخرج المفضَّل على أثره، ولم يُفطَن له، فجاءوا إلى سُفنهم وقد هيئوها
فى البطائح ، وبينهم وبين البَصرة ثمانية عشرَ فَرْسخًا، فلما انتهوا إلى
السفن أبطأ عليهم عبدُ الملك وشُغِل عنهم ، فقال يزيد للمفضّل: اركَب
بنا فإنه لاحقٌ، فقال المفضّل- وعبد الملك أخوه لأمّه- وهى بهلة، هنديّة:
لا والله، لا أبرَح حتى يجىء ولو رجعتُ إلى السجن. فأقام يزيدُ حتى جاءهم
عبدالملك، وركبوا عند ذلك السفن، فساروا ليلتّهم حتى أصبحوا ، ولما أصبح
الحَرَس عَلِمِ وا بذَ ها بهم، فرُفع ذلك إلى الحجّاج، وقال الفرزدق فى خروجهم(١):
على الجِذْعِ والحرَّاسُ غيرُ نِيامِ
فلمْ أَر كالرَّهْط. الذينَ تَتَابعوا
إِلى قَدَرِ آجالُهُمْ وَحِمَامٍ
مَضْوْا وهُمُ مُسْتَيْقِنُونَ بِأَنَّهِمْ
بعَضْب صقِيلٍ صارمٍ وحُسام
وإِنْ منهمُ إِلا يُسَكِّن جَأْشَهُ (٢)
كبيرٍ ولا رَخْصِ العظام غلام
فلمَّا التقَوْا لم يلتَقوا بمُنَفَّه (٣)
لخمسين قلْ فى جُرْأَةٍ وتمام
بمثلٍ أَبيهمْ حين تمّت لِدَاثُهُمْ
١٢١١/٢
١
ففزع له الحجّاج، وذهبَ وهمه أنّهم ذَهبوا قِبَل خُراسان ، وبعث
البريدَ إلى قتيبة بن مسلم يحذِّره قدومتهم، ويأمُرُه أن يستعدّ لهم ، وبعث
إلى أمَراء الثغور والكُوَر أن يرصدوهم ، ويستعدّوا لهم ، وكتب إلى الوليد بن
عبد الملك يُخبره بِهِرَبهم، وأنه لا يراهم أرادوا إلا خُراسان. ولم يزل الحجّاج
يظنّ بيزيدَ ما صنع ، كان يقول: إنى لأظنه يحدّث نفسه بمثل الذى صنع
ابنُ الأشعث .
ولمّا دنا يزيدُ من البطائح، من مَوْفُوع (٤) استقبلتْه الخيل، قد هُيّئت له
ولإخوته ، فخرجوا عليها ومعهم دليلٌ لهم من كَلْب يقال له : عبد الجبّار بن
يزيدَ بن الربعة ، فأخذ بهم على السَّمَاوَة، وأتِىَ الحجّاج بعد يومين، فقيل
(١) ديوانه ٨١٦ - ٨١٧ .
(٢) الديوان: ((وما منهم)).
(٣) كذا فى ب والديوان، والمنفّه: الضعيف من العلة. وفى ط: ((بمنقه)).
(٤) موقوع : ماء بناحية البصرة .

٤٥٠
سنة ٩٠
له : إنما أخذ الرجل طريقَ الشأم ، وهذه الخيلُ حَسْرَى فى الطريق ، وقد
أتى من رآهم موجّهين فى البرّ، فبعث إلى الوليد يُعلِمِه ذلك، ومَضَى
يزيدُ حتى قَدِمٍ فِلَسطين، فَنَزّل على وهيب بن عبد الرّحمن الأزْدَى-
وكان كريمًا على سليمان - وأنزل بعضَ ثَقَلَه وأهلِهِ على سُفْيان بن سليمان
الأزدىّ ، وجاء وهيب بن عبد الرحمن حتى دخل على سليمان ، فقال : هذا
١٢١٢/٢ يزيدُ بن المهلَّب، وإخوتُه فى منزلى، وقد أتوك هُرَّابًا من الحجّاج متعوِّذِين
بك ؛ قال: فأتِنى بهم فهم آمنون لا يُوصَل إليهم أبداً وأنا حىّ. فجاء
بهم حتى أدخلَهم عليه، فكانوا فى مكان آمِن. وقال الكلبىّ(١) دليلھُم
فى مسيرِهِم :
فداءً على ما كان لابنِ المُهلَّبِ
أَلَا جَعَلَ اللهُ الأَخلَّءَ كلَّهُمْ
رِ كابُكُمُ بالوهب شَرْفَىَّ مَنْقَبِ (٢)
لَنِعْمَ الفتى يا مَعْشَرِ الأَزْدِ أَسعَفتْ
وذات يمينِ القومِ أَعلامُ غُرَّبِ(٣)
عَدَلْنَ يَميناً عنهمُ رَمْلُ عالِجِ
سليمانَ مِن أَهلِ اللَّوى تتأْوَّبِ (٤)
فَإِلَّ تُصَبِّحْ بعدَ خَمْسِ ر كابُنا
وتذْهَبُ فى داجٍ مِنَ الليلِ غَيْهَب
تَقَرُّ قَرار الشَّمس ممّا وراءَنا(٥)
بِظِلْمَاءَ لم يُبْصَرْ بها ضَوْءُ كوكب
◌ِوارٌ حَنَاهُ صائغ السّور مُذْهَب
بِقومٍ هُمُ كانوا الملوكَ هَدَيْتُهُمْ (٦)
ولا قَمٍ إِلَّا ضَئيلاً كأَّنه
قال هشام: فأخبَنى الحسن بن أبَان العُلَمِىُّ، قال: بينا عبد الجبار
١٢١٣/٢ ابن يزيدَ بن الرّبعة يَسرِى بهم فسقطتْ عِمامةُ يزيدَ، ففقَدَها فقال:
يا عبدَ الجبار، ارجعْ فاطلُبْها لنا، قال: إنّ مِثلى لا يُؤمَر بهذا ، فأعاد؛
فأبى ، فتناوَلَه بالسوط ، فانتَسَب له ، فاستحيا منه ، فذلك قوله :
فداءً على ما كان لابن المهلَّبِ
أَلاَ جعلَ اللهُ الأَخلَّءَ كلَّهِمْ
(١) ب: ((وقد قال ابن)).
(٣) ب: ((عزب))، ر: ((عرب).
(٥) ب: ((نفر فرار)).
(٢) ب: ((ركابهم بالوهد)).
(٤) ب : ((نتأوب)).
(٦) ب: ((بقوم من أبناء الملوك)).
٠٠٫٠٠٠

٤٥١
سنة ٩٠
وكتب الحجّاج: إن آل المهلب خانوا مالَ اللّه وهربوا منّى ولحقوا بسليمان،
وكان آل المهذّب قدموا على سليمان ، وقد أمير الناس أن يحصّلوا ليسرَّ حوا
إلى خراسان، لا يَرَون إلا أنّ يزيدَ توجّه إلى خُراسان ليَفَتِن مَن بها. فلما
بلغ الوليدَ مكانه عند سليمان هوّن عليه بعض ما كان فى نفسه، وطار غضباً
للمال الذى ذَهَب به. وكتب سليمانُ إلى الوليد: إنّ يزيدَ بنَ المهلب عندى
وقد آمنته، وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف، كان الحجّاج أغرَمهم ستّة آلاف
ألف فأدَّوْا ثلاثة آلاف ألف، وبقى ثلاثة آلاف ألف، فهىَ علىّ. فكتب
إليه: لا والله لا أؤمّنه حتى تبعث به إلىّ. فكتب إليه : لئن أنا بعثتُ به
إليك لأجيئُنّ معه، فأنشدُك اللّهَ أن تفضَحنى ولا أن تُخفِرِنى. فَكَتَب
إليه : والله لئن جئتَنى لا أؤمنه. فقال يزيد: ابعثنى إليه، فوالله ما أحبّ
أن أوقع بينك وبينه عداوةً وحَرْباً، ولا أن يتشاءَم بى لكما الناسُ ، ابعث
إليه بى (٢)، وأرسِل معى ابنَك، واكتُب إليه بألطفِ ما قدَرَتّ عليه. فأرسَلَّ
ابنه أيوب معه . وكان الوليد أمَرَه أن يَبعَث به إليه فى وَثاق، فبعَث به
إليه ، وقال لابنه: إذا أردتَ أن تدخُل عليه فادخلْ أنتَّ ويزيد فى سلسلة
ثمّ ادخُلا جميعًا على الوليد، ففعل ذلك به حين انتهيا إلى الوليد، فدخَلا
عليه، فلما رأى الوليدُ ابنَ أخيه فى سلسلة، قال: والله لقد بلغْنا من سليمان!
ثمّ إنّ الغلام دَفَع كتابَ أبيه إلى عمّه وقال: يا أميرَ المؤمنين، نفسى فدا ؤُك!
لا تُخفر ذِمة أبى، وأنت أحقّ من مَنَعها، ولا تَقَطَعَ منّا رجاءَ من رجا
السلامة فى جوارنا لمكاننا منك، ولا تُذِلّ من رَجا العِزّ فى الانقطاع إلينا
لعزّنا بك. وقرأ الكتاب:
١٢١٤/٢
لعبد الله الوليد أمير المؤمنين من سُليمان بن عبد الملك. أما بعدُ يا أميرَ
المؤمنين ، فوالله إن كنتُ لأظنّ لو استجار بى عدوّ قد نَابَذَك وجاهدك
فأنزلتُهُ وأجَرْتُهُ أنك لا تُذل جَارِى، ولا تُخفر جِوارِى، بلْه لم أَجِرْ إلا سامعًا
مطيعً حَسَنَ البلاء والأثَر فى الإسلام هو وأبوه وأهل بيته، وقد بعثتُ به إليك،
فإنْ كنتَ إنما تَغْزو قطيعسَى والإخفار لمّتى، والإبلاغ فى مساءتى، فقد
(١) ب: ((بينه وبينك)).
(٢) ب: ((بى إليه)).

٤٥٢
سنة ٩٠
قدرتَ إن أنت فعلت. وأنا أعيذُك باللّ من احتراد (١) قَطيعسَى، وانتهاك حُرْمتى
وترك بيرّى وصلسى، فوالله يا أميرَ المؤمنين ما تدرى ما بقائى وبقاؤك، ولا متى
يُفرّق الموت بينى وبينك! فإن استطاع أمير المؤمنين أدام الله سرورَه ألا يأتى
علينا أجلُ الوَفاة إلا وهولى واصل، ولحقّى مؤدّ، وعن مساءتى نازع، فَليفعل.
١٢١٥/٢ والله يا أميرَ المؤمنين ما أصبحتُ بشىء من أمر الدنيا بعد تَقوَى اللّه فيها بأسَرَّ
منّى برِضاك وسرورِك . وإنّ رضاك مما ألتيِس به رضوانَ اللّه، فإنْ كنتَ
يا أميرَ المؤمنين تريد يومًا من الدّهر مسرّلى وصِلسَى وكرامسَى وإعظامَ حقّى
فتجاوَزْ لى عن يزيدَ، وكلّ ما طلَبْته به فهو علىّ.
فلما قرأ كتابَه، قال: لقد شَققنا على سليمانَ! ثمّ دعا ابن أخيه فأدناه
منه . وتكلّم يزيدُ فحمد اللهَ وأثنى عليه وصلى على نبيّه صلى اللّه عليه وآله
وسلم ثمّ قال :
يا أميرَ المؤمنين، إنّ بلاءكم عندنا أحسنُ البَلاء ، فمن يَنْس ذلك فلسنا
ناسيه ، ومن يكُفر فلَسنا كافرِيه ، وقد كان من بلائنا أهلَ البيت فى
طاعتكم والطعن فى أعين أعدائكم فى المواطن العظام فى المشارق والمغارب
ما إنّ المنة علينا فيها عظيمة .
فقال له : اجْلس، فجلس فَآمَنْه وكفّ عنه، ورجع إلى سليمانَ وسَعَى
إخوتُه فى المال الذى عليه ، وكَتَب إلى الحجّاج:
إنى لم أصل إلى يزيد، وأهلُ بيته مع سليمان، فاكفُف عنهم ، والْهُ عن
الكتاب إلى فيهم .
فلما رأى ذلك الحجاج كفّ عنهم . وكان أبو عُيِينة بن المهلّب عند
الحجّاج عليه ألف ألف درْهم، فَتركها له، وكفّ عن حبيب بن المهلب.
ورَجَعَ يزيدُ إلى سليمانَ بن عبد الملك فأقام عندَه يُعلّمه الهَيْئة، ويتصنَع
له طيّبّ الأطعمة ، ويُهدِى له (٢) الهدايا العظام. وكان من أحسن الناس
عنده منزلةً ، وكان لا تأتى يزيدَ بنَ المهلب هدّيّة إلا بعث بها إلى سليمان ،
ولا تأتى سليمانَ هِدّيّةٌ ولا فائدةٌ إلا بعث بنصفها إلى يزيدَ بن المهلّب،
١٢١٦/٢
(١) الاحتراد: من الحرد؛ وهو القصد، وفى ابن خلكان ٢: ٢٧٠: ((اختيار)).
(٢) ب: ((إليه)).

٤٥٣
سنة ٩٠
وكان لا تُعجِبه جاريةٌ إلا بعث بها إلى يزيدَ إلا خطيئة الجارية. فبلغ ذلك
الوليد بن عبد الملك ، فدعا الحارث بن مالك بن ربيعة الأشعرىّ ، فقال :
انطلق إلى سليمان فقل له: يا خالفةَ أهل بيته، إن أمير المؤمنين قد بلغه(١)
أنه لا تأتيك هديّة ولا فائدةٌ إلا بعثت إلى يزيدَ بَنِصْفها، وإنك تأتى الجاريةُ
من جوارِيك فلا يَّقضى (٢) طُهرُها حتى تَبَعَث بها إلى يزيدَ، وقَبِّحْ ذلك
عليه، وَعَيِّرْه به، أتراك مبلغًا ما أمرتُك به؟ قال: طاعتُك طاعة ، وإنما
أنا رسول؛ قال: فأته فقل له ذلك، وأقِمْ عندَه ، فإنى باعث إليه بهدية
فادفعها إليه، وحُذْ منه البراءة بما تتدفَعَ إليه.
ثمّ أقبلَ فمَضَى حتى قَدم عليه وبين يديه المُصحف، وهو يقرأ،
فدخل عليه فسلّم ، فلم يردّ عليه السلام حتى فرغ من قراءته ، ثمّ رفع رأسه
إليه فكلّمه (٣) بكلّ شيء أمَرَه به الوليدُ، فتمعَّر وجهُهُ، ثمّ قال : أما
والله لئن قدرتُ عليكَ يومًا من الدهر لأقطعنّ منك طابقًا! فقال له : إنما
كانت علىّ الطاعة .
ثمّ خرج من عنده. فلما أتى بذلك الذى بعث به الوليدُ إلى سليمانَ،
دخل عليه (٤) الحارثُ بنُ ربيعة الأشعرىّ وقال له: أعطنى البراءَة بهذا الذى
دفعتُ إليك ، فقال : كيف قلتَ لى ؟ قال: لا أعيدُه عالماً أبداً (٥)،
إنما كان علىّ فيه الطاعة. فسَكَن، وعلم أن قد صَدَقه الرّجل، ثمّ خرج
وخرجوا معه ، فقال: خُذُوا نصفَ هذه الأعْدال وهذه الأسْفاط (٦) وابعثوا
بها إلى يزيد (٧) .
١٢١٧/٢
قال: فعلم الرجُل أنه لا يطيع فى يزيدَ أحداً، ومكث يزيدُ بن
المهلب عند سليمانَ تسعةَ أشهر .
وتُوفى الحجاج سنة خمس وتسعين فى رمضانَ لِتسع بقِين منه فى
يوم الجمعة .
(١) ب: ((إنه قد بلغ أمير المؤمنين)).
(٣) ب: ((وكلمه)).
(٥) د: ((إليك أبداً)).
(٧) ب: ((يزيد بن المهلب)).
(٢) ب: ((يقضى)).
(٤) ب: (( له)).
(٦) ب: ((ونصف هذه الأسفاط)).

ثم دخلت سنة إحدى وتسعين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
ففيها غزا - فيما ذكر محمّد بن عمَر وغيرُه- الصائفةَ عبدُ العزيز بن الوليد،
وكان على الجيش مَسَلَمة بن عبد الملك .
وفيها غزا أيضًا مَسلمة الترْك؛ حتى بلغ البابَ من ناحية أذْرَبِيجان،
ففُتِح على يديه مدائنُ وحُصون .
وفيها غزا موسى بن نُصَير الأندلس ، ففُتح على يديه أيضا مدائنُ
وحصون .
وفى هذه السنة قَتََّل قتيبةُ بنُ مسلم نِيزَكَ طَرْخان.
١٢١٨/٢
[ تتمَّة خبر قتيبة مع نِیزك ]
رجع الحديث إلى حديث على بن محمد وقصّة فِيزَك وظَفَرَ قُتيبة به
حتى قتله. ولما قدم مَنْ كان قتيبةُ كَتَب إليه يأمره بالقُدوم عليه من أهل
أبْرَ شَهْر وبِيوَرْد وسرْخس وهَرَاةَ على قتيبة، سار بالناس إلى مَرْوَرَوذ
واستخلف على الحرب حمّاد بن مسلم، وعلى الخراج عبد الله بن الأهتم .
وبلغ مَرْزُبان مَرْوَرَوذ إقبالُه إلى بلاده، فَهَرَب إلى بلاد الفُرْس. وقَدٍم
قتيبة مَرْوَروذ فأخذ ابنين له فقَتَلَهما وصلبهما، ثمّ سار إلى الطالقان
فقام صاحبُها ولم يحارِبْه ، فكفّ عنه ، وفيها لصوص، فقتلهم قتيبة وصلبهم،
واستعمل على الطالقان عَمْرو بن مسلم، ومضى إلى الفارِباب، فخرج إليه مَلِك
الفارياب مُدْ عِناً مقرًّا بطاعته ، فرضىَ عنه، ولم يقتل بها أحداً، واستعمل
عليها رجلا من باهِلةَ. وبلغ صاحبُ الجُوزجان خبرُهم، فتترك أرضَه وخَرَج
إلى الجبال هاربًا ، وسار قتيبةُ إلى الجُوزجان فلقيه أهلها سامعين مطيعِين ،
٤٥٤

٤٥٥
سنة ٩١
فقَبِل منهم ، فلم يَقتُل فيها (١) أحداً، واستعمل عليها عامرَ بنَ مالك
الحِمّانِىّ، ثمّ أتى بَلْخَ فلقيه الأصبهْبذ فى أهلِ بَلْخ، فدخلها فلم يُقيم
بها إلاّ يومياً واحداً .
ثم مضى يَتَبَعَ عبد الرحمن حتى أتى شعب خُلْ، وقد مضى نيزك فعسكر ١٢١٩/٢
يبَغْلان، وخلف مُقَاتِلةٌ على فم الشعب ومَضايقه يمنعونه (٢)، ووضَع
مُقاتِلَةً فى قَلْعة حصينة من وراء الشُّعب، فأقام قتيبة أيّامًا يقاتلهم على
مَضيق الشّعب لا يقدر منهم على شىء، ولا يقدر على دخوله ، وهو مَضيقٌ،
الوادى يجرِى وسَطه، ولا يعرف طريقًا يُفضِى به (٣) إلى نِيزَك إلا الشّعب
أو مفازة لا تحتمل العساكر ، فبقى متلدِّداً يلتمس الحي.
قال: فهو فى ذلك إِذْ قَدم عليه الرّوب خان مَلِك الرّوب وسِمِنْجان،
فاستأمَتَه على أن يدلّه على مدخَل القَلْعة التى وراء هذا الشّعب، فآمنه
قتيبةُ، وأعطاه ما سأله ، وبعث معه رجالا ليلاً، فانتهى بهم إلى القَلْعة التى
من وراء شِعْب خُلْ، فطرَفُوهم وهم آمنون فقتلوهم، وهرب مَنْ بقى منهم
ومن كان فى الشّعب، فدخل قتيبة والناسُ الشَّعب، فأتى القلعة ثمّ مضى
إلى سِمِنْجان ونيزَك ببَغْلان بعين تدعى فَنْج جاه، وبين سِمِنْجان وبَغْلان
مفازة ليست بالشديدة
قال : فأقام قتيبة بسِمِنْجانَ أيامًا، ثمّ سار نِيزَك، وقدّم أخاه
عبد الرحمن ، وبلغ نِيزَك فارتحتل من منزله حتى قطع وادىَ فَرْغانة ، ووجّه
ثَقلَه وأموالَه إلى كابُل شاه، ومضى حتى نَزّل الكرْز وعبد الرّحمن بن
مسلم يَتَبَعَه ، فنزل عبدُ الرحمن وأخذ بمضايق الكرز ، ونزل قُتيبة أسكيمشت
بينه (٤) وبين عبد الرحمن فَرْسخان. فتحرّز فِيزَك فى الكرز وليس إليه
مَسلّك إلا من وجه واحد، وذلك الوجه صَعْب لا تُطيقه الدّوَابّ، فحصَرَه
قتيبة شهرين حتى قلّ ما فى يد نيزك من الطعام، وأصابهم الجُدَرِىّ وجُدِّر
جبغويه ، وخاف قتيبة الشتاء ، فدعا سُلماً الناصح، فقال: انطلِقِ إلى نِيزَك
١٢٢٠/٢
(١) ب: ((ولم يقتل بها)).
(٣) ب: ((فيه)).
(٢) ر: ((يمنعون).
(٤) ب: ((وبينه)).

٤٥٦
سنة ٩١
واحتَلْ لأنْ تأتيَنى به بغيرِ أمان، فإنْ أعياكَ وأبَى فَآمِنه، واعلم أنى إن
عاينتُك وليس هو معك صلبتُك؛ فاعمل لنفسك . قال : فاكتب لى إلى
عبد الرحمن لا يُخالِفِنى ؛ قال: نعم. فكتب له إلى عبد الرحمن فقَدم
عليه ، فقال له : ابعثْ رِجالاً فليكونوا على فَمِ الشَّعب، فإذا خرجت أنا
ونِيزَك فلْيَعَطِفِوا من ورائنا فيَحُولوا بيننا وبين الشُّعب. قال : فبعث
عبدُ الرحمن خَيْلًا فكانوا حيث أمَرَهم سُلَيم، ومَضَى سُليم وقد حمل معه
من الأطعمة التى تبقى أيامًاً والأخْبِصة أوقاراً، حتى أنى نِيزَك ، فقال له
نِيزَك : خذلْى يا سليم، قال: ما خذلْتُك ، ولكنك عصيتَنى وأسأتَ
بنفسك ، خلعتَ وغدرتَ ، قال : فما الرأى ؟ قال : الرأىُ أن تأتيه فقد
أَحَكْته(١)، وليس يبارح موضعه هذا، قداعتزم على أن يَشتُوَ بمكانِه (٢)؛
هلك أوسلم ؛ قال : آتيه (٣) على غيرِ أمان! قال: ما أظنه يؤمنك لما فى
قلبه عليك ، فإنك قد ملأتَه غيظًا ، ولكنى أرى ألا يعلم بك حتى تتضحَ
يدك فى يده، فإنى أرجو إن فعلتَ ذلكَ أن يستحيىَ ويعفوّ عنك ، قال :
أترى ذلك (٤)؟ قال: نعم؛ قال: إنّ نفسى لتأبى هذا، وهو إنْ رآنى
قتَلَى ، فقال له سليم : ما أتَيَتُك إلا لأشيرَ عليك بهذا ، ولو فعلت
لرجوتُ أن تَسلَم وأن تعودَ (٥) حالُك عندَه إلى ما كانت؛ فأما إذْ أبيتَ
فإنى منصرِف. قال: فنغدّيك (٦) إذاً، قال: إنى لأظنكم فى شُغْل عن
تَهيئةِ الطعام ، ومعنا طعامٌ كثير .
١٢٢١/٢
قال : ودعا سليم بالغداء فجاءُوا بطَعام كثير لا عَهدَ لهم بمثله منذ
حصروا، فانتهَبَه الأتراك، فعمّ ذلك نِيزَك، وقال سليم: يا أبا الهيّاج،
أنا لك من الناصحين ، أرى أصحابك قد جُهِدوا ، وإن طال بهم الحصار
وأقمتَ على حالك لم آمَنَهْم أن يستأمنوا بك، فانطلِقِ وأتٍ قُتيبة ، قال:
ما كنتُ لآمنتَه على نفسى، ولا آتيه على غير (٧) أمان؛ فإنّ ظّى به أنه
(١) المحك : الغضب والمشارة .
(٣) ب: ((أفآتيه)).
(٥) ب: ((ويعود)).
(٧) ب: ((بغير)).
(٢) ب: ((مكانه)).
(٤) ب: ((ذاك)).
(٦) ب: ((فيغديك)).

٤٥٧
سنة ٩١
قاتلى وإن آمننى، ولكنّ الأمان أعذَر لى وأرجى، قال : فقد آمنك
أفتتّهمنى ! قال : لا ، قال : فانطلق معی، قال له أصحابه : اقبَل قول".
سليم، فلم يكن ليقولَ إلا حقًّا ، فدعا بدوابّه وخرج مع سليم ، فلما انتهى
إلى الدرجة التى يُهبط منها إلى قرار الأرض قال : يا سليم ، من كان لا يتعلم
مَتى يَموت فإنى أعلَمَ متى أَمُوت ، أموتُ إذا عاينْتُ قُتيبة ؛ قال : كلّ
أيقتلُك مع الأمان ! فركِب ومضى معه جبغويه - وقد بَرَأْ من الجُدَرِىّ
وصُولُ وعمانُ ابنا أخی نیزك- وصول طرْ خان خليفة جبغویه، وخنس طرخان
صاحب شرطه (١) - قال: فلما خرج(٢) من الشّعب عطفَت الخيلُ التى
خلفها سليم على فوّهة (٣) الشعب، فحالوا بين الأتراك وبين الخروج ، فقال
فِيزَك لسُلَم: هذا أوّل الشرّ؛ قال: لا تفعل، تخلُّف هؤلاء عنك خيرٌ لك. ١٢٢٢/٢
وأقبَل سليم ونِيزَك ومن خرج معه ختى دخلوا على عبد الرحمن بنٍ مُسلِمٍ،
فأرسل رسولاً إلى قتيبة يُعلِمِه، فأرسَل قتيبةُ عَمر وبن أبى مِهْزَم إلى عبد الرحمن:
أن اقدم بهم علىّ، فقَدِمِ بهم عبدُ الرحمن عليه ، فَحبَس أصحابَ
نِيزَك، ودفع فِيزَك إلى ابن بسّام اللّيْثى، وكتب إلى الحجّاج يستأذنه فى قتل
نِيزَك، فجعل ابن بسام فِيزَك فى قُبّته، وحَفَرَ حولَ القبة خَشْدقاً، ووَضَع
عليه حَرَسًا. ووجّه قتيبةُ معاويةَ بن عامر بن علقمة العُلَيَمىّ، فاستخرج
ما كان فى الكُرز مَنْ مَتّاع ومن كان فيه، وقدم به على قتيبة ، فحبسهم
ينتظر كتابَ الحجاج فيما كتب إليه ، فأتاه كتابُ الحجاج بعد أربعين يومًاً
يأمُرُه بقَتْل نيزك. قال: فدعا به فقال: هل لك عندى عَقْد أوعند عبد الرحمن
أو عند سليم ؟ قال : لى عند سليم ؛ قال : كذبتَ ، وقام فدَخَل ورَدًّ
فِيزَك إلى حَبْسه، فمكث ثلاثةَ أيام لا يظهر للناس. قال: فقام (٤) المهلب
ابنُ إياس العدوىّ، وتكلّم فى أمْر نِيزَك، فقال بعضهم: ما يَحِلّ له أن
يَقْتُلُه، وقال بعضهم : ما يحلّ له تَرَكُه، وكثرت الأقاويلُ فيه.
(١) ب: ((شرطته)).
(٣) ب: ((فم الشعب)).
(٥) كذا فى ر، وفى ط: ((فقال)).
(٢) ب: (( خرجوا)).
(٤) ب: ((خرجوا)).

٤٥٨
سنة ٩١
وخرج قتيبة اليومَ الرابعَ فجلس وأذن للناس، فقال: ما تَرَوْن فى قَتْل نيزك؟
فاختطَوا، فقال قائلٌ: اقتلْه، وقال قائل: أعطيتَهُ عَهْداً فلا تَقتُلُه ؛
١٢٢٣/٢ وقال قائل: ما نأمنه (١) على المسلمين . ودخل ضرار بن حُصين الضّبِىّ فقال:
ما تقول يا ضرار؟ قال : أقول: إنَّى سمعتك تقول: أعطيتُ اللّهَ عَهْداً إنْ
أمكتَنك منه أن تقتُلَه، فإن لم (٢ تفعل لا ينصرفك٢) اللّه عليه أبداً. فأطرق
قُتيبةُ طويلا، ثمّ قال: والله لو لم يَبقَ من أجَلَى إلا ثلاث كلمات لقلتُ:
اقُتُلُوه، اقُتْلُوه، اقتُلُوه؛ وأرسَل إلى فِيزَك فأمر بقتله وأصحابه (٣) فقتل مع
سبعمائة .
وأما الباهِلِيّون فيقولون: لم يُؤمنه ولم يُؤمنه سُليم، فلما أراد قتلَه دعا به
ودعا بسَيْف حَتَفىّ فانتضاه (٤) وَطَوّلَ كميّه (٥)ثمّ" ضرب عنقه بيده، وأمَّرَ"
عبد الرحمن فضَرَّب عنقَ صول، وأمر صالحًاً فقَتَل عثمان - ويقال :
شُقْان ابن أخى نِيزَك - وقال لبكر بن حبيب السهْمىّ من باهِلَة: هل
بك قوّة ؟ قال: نعم، وأريد - وكانت فى بكر أعرابيَّة - فقال: ◌ُدُونَك
هؤلاء الدّهاقين . قال: وكان إذا أتِىَ برجل ضَرَب عنقَه وقال: أوردوا
ولا تُصدروا ، فكان من قتل يومئذ اثنا عشر ألفًا فى قول الباهليين، وصلب
نِيزّك وابن أخيه فى أصل عين تُدعى وخْش خاشان فى أسكيمشت، فقال
المغيرة بن حَبْنَاء(٦) يذكر ذلك فى كلمة له طويلة:
العَمْرِى لَنِعْمَتْ غَزْوةُ الجُندِغَرْوَةً قَضَتْ نَحْبَهَا من نِيزكٍ وَتَعلَّتِ
قال علىّ: أخبَرَنا مصعب بن حبّان، عن أبيه، قال: بعث قتيبة برأس
فِيزَك مع محفّن بن جَزْء الكلابىّ، وسوّار بن زَهْدم الجَرْمىّ، فقال
الحجاج : إن كان قتيبة لحقيقًا أن يَبعَث برأسٍ فِيزَك مع وَلَدٍ مُسْلم ،
فقال سَوَّار :
١٢٢٤/٢
(١) ب: ((تأمنه)).
(٣) ب: ((فقتل وقتل أصحابه)).
(٥) ب: ((كته)).
(٢ - ٢) ب: ((يفعل فلا ينصرك)).
(٤) ب: ((فانتضى)).
(٦) ابن الأثير: ((نهار بن توسعة)).

سنة ٩١
٤٥٩
وَآخَرُ بارح مِنْ عَنْ يَمْيِنِى
أَقُولُ لِمِحفَنٍ وَجَرَى سنيحٌ
ترفّع حولَه وتكفّ دونى
وَقَدْ جَعَلَتْ بَوائقُ من أمورٍ
وسَرْجك فوق أَبغُل باذيينِ
نشدْتُكَ هَلْ يَسُرّك أَنَّ سَرْجی
قال : فقالٍ مِحْفَن: نعم وبالصّين .
قال علىّ: أخَبَرَنا حمزة بنُ إبراهيم وعلىّ بنُ مجاهد، عن حَنْبل بن
أبى حريدة؛ عن مَرْزبان قهسْتان وغيرِهما، أنّ قتيبة دعا يومًا بنيزك
وهو محبوس ، فقال: ما رأيك فى السَّبَعَل والشذّ؟ أتراهما يأتيان إن أرسلتُ
إليهما ؟ قال : لا؛ قال : فأرسَل إليهما قتيبة فقَدِما عليه ، وَدَعا نِيزَك
وجبغويه فَدخّلا، فإذا السَّبَل والشذّ بين يديه على كرسيّين، فجلسا بإزائهما،
فقال الشذّ لقتيبة: إن جبغويه - وإن كان لى عدوًّا - فهو أسَنّ منّى، وهو
المَلك وأنا كَعَبْده، فأذن لى أدنُ منه ، فأذن له، فدنا منه ، فقبّل يده
وسجد له، قال: ثم استأذَتَه فى السَّبَل، فأذن له فدنا منه فقبّل يده، ١٢٢٥/٢
فقال نيزك لقتيبة : ائذن لى أدن من الشذّ، فإنى عَبْدُه، فأذن له، فدنا منه
فقبّل يده، ثمّ أذن قتيبة للسَّبَل والشذّ(١) فانصرفًا إلى بلادهما، وضم إلى
الشذّ الحجّاج القينىّ، وكان من وُجُوه أهلِ خُراسان. وقتل قتيبةُ نيزك، فأخذ
الزبيرُ مولَى عابس الباهلىّ خُفًّا لنِيزَكَ فيه جوهر، وكان أكثرَ مَن فى
بلاده مالاً وَعقاراً؛ من ذلك الجوهر الذى أصابه فى خُفّه. فسَوّغه إياه قُتِيَة،
فلم يَزّل مُوسِراً حتى هَلَك بكابُل فى ولاية أبى داود .
قال : وأطلَق قتيبة جبغويه ومَنَّ عليه، وبعث به إلى الوليد ، فلم يزل
بالشأم حتى مات الوليد. ورجع قتيبة إلى مَرْوَ، واستعمل أخاه عبد الرحمن
على بَكْخ ، فكان الناسُ يقولون: غدَرَ قتيبة بنِيزَك، فقال ثابتُ قُطنة :
لا تَحْسَبَنَّ الغَدْرَ حزماً فرُبَّما تَرقَّتْ بِه الأَقْدَامُ يَوْماً فَزَلَّت
وقال: وكان الحجّاج يقول: بعثتُ قتيبةَ فتّ غِرًّا فما زدتُهُ ذراعًا إلا
(١) ب: ((الشذ والسبل)).

:
٤٦٠
سنة ٩١
زادنى باعًا .
١٢٢٦/٢
قال علىّ: أخبرنا حمزةُ بنُ إبراهيم ، عن أشياخ من أهلِ
خُراسان، وعلىّ بن مجاهد، عن حَنْبل بن أبى حريدة ، عن مَرْزُبان
قُهِسْتان وغيرِهما، أن قتيبة بنَ مسلم لما رجع إلى مَرْوَ وقَتَلَ نِيزَك طَلب
ملِكَ الْجُوزجان - وكان قد هَرَب عن بلاده - فأرسَل يطلب الأمانَ،
فآمنه على أن يأتيه فيصاحته ، فطلب رُهُناً یکونون فى يديه ويُعطِی رهائن ،
فأعطَى قتيبةُ حبيب بن عبد الله بن عمرو بن حُصَين الباهلىّ، وأعطى مَلِكُ
الجوزجان رهائنَ من أهل بيته ، فَخلَّف ملك الجوزجان حبيبًا بالجُوزجان
فى بعض(١) حُصولِه، وقَدِم على قتيبة فصالحه، ثمّ رجع فمات بالطالقان .
فقال أهلُ الجُوزجان : سُّوه، فَقَتّلوا حبيبًا، وقتل قتيبة الرُّهُن الذين كانوا
عندَه ، فقال نهار بنُ تتوسعة لقتيبة :
أَراك اللهُ فِى الأَنراكِ حُكماً كحُكْمٍ فى قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ
بهِ يُشفَى الغليلُ من الصُّدُورِ
قضَاءٌ من قُتيبةَ غَيْرُ جوْر
فكمْ فى الحَرب حُمِّق من أَمير!
فإِن يرَ نِيزِكُ خزياً وذُلاًّ
وقال المغيرة بنُ حَبْناء يمدح قتيبة ويذكر قتلَ نِیزك ووصول ابن
أخى نِيزَك وعثمان - أو شُقْران:
إلا بقيةَ أَيصَرِ ثُمامٍ
لِمَنِ الدِّيَارُ عَفَتْ بِسَفْحِ سَنَامِ
وجَرَيْنَ فوق عِرَاصِهَا بتَمام
عَصَفَ الرياحُ ذُيولَهَا فَمحَونَها
مِسكٌ يُشَابُ مزاجُهُ بِمُدَامٍ
دارٌ لِجَارِيَةٍ كأَنَّ رُضابَها
واقرأ عليه تحيَّتِى وسلامِی
أَبلغ أَبا حَفصٍ قُتَيبَةً مِدحتِى
حسَنُ وإِنَّك شاهدٌ لمقامى
يا سيفُ أَبلغهَا فإِنَّ ثَنَاءَها
لِقُتَيْبةَ الحَامِى حِمَى الإِسلامِ
يسْمو فتَتَّضِعُ الرِّجالُ إِذا سما
(١) ب: ((وبعض)).