Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
سنة ٨٦
قال : فمن يقول منكم (١):
رأَيتُ الناسَ مذ خُلقُوا و كانوا
يُحبُّون الغَنِىَّ من الرجالِ
!
بَخيلاً بالقليل من النوالِ
وإِن كان الغَنِىُّ قليلَ خيْرٍ
وماذا يَرْتَجُون من البِخَالِ (٢)!
فما أَدْرِى عَلَامَ فيمَ هذا
ولا يُرْجی لحادثَةِ اللَّيَالى
أَلِلِدّنْيا ؟ فَلَيْسَ هُنَاك دنْيا
قال : أنا .
قال علىّ: قال أبو قطيفة عَمرو بن الوليد بن عُقْبة بن أبى مُعَيْط
لعبدِ المَلِك بنِ مَرْوان:
ومَن ذا من النَّاس الصحيحُ المَسَلَّمُ (٣)!
نبِّئْتُ أَنَّ آبنَ القَلَمَّس عابَنِى
وقد يُبْصِرُ الرَشْدَ الرئيسُ المَعَمَّمُ
فأبصرَ سُبْلَ الرشدِ سيّدُ قومه
وقد جعلت أَشياءُ تَبْدُو وتُكْتَمُ
فَمن أَنْمُ؟ ها خَبّونا منَ آَنتُمُ؟
١١٧٦/٢
فقال عبد الملك : ما كنتُ أرى أنّ مثلنا يقال له: من أنتُمْ! أما
واللّهِ لولا ما تتعلم لقلتُ قدَوْلا ألحقكم بأصلكم الخبيث ، ولضربتُك حتى
تموت .
وقال عبدُ اللّه بنُ الحجّاج الثعلبىّ لعبد الملك:
أَنتَ سِدادُ الدِّينِ إِن دِينٌ وَهَى(٤)
يا بنَ أَبى العاص ويا خيرَ فَتَى
جيبتْ قريش عنكمُ جَوْبَ الرَّحَى
أَنتَ الَّذى لا يَجعلُ الأَمَرَ سُدَى
أَوْصَى بَنِيهِ فَوَعَوْا عنه الوَصَى
إنّ أبا العاصِى وفى ذاك اعْتَصَى
الطاعنِين فى النُّحورِ والكُلَى
إِنْ يَسعروا الحرْبَ ويأبوا ما أبىَ
إلى القتال فَحوَوْا ما قد حَوَى
شَزْرًا ووضْلاً للسيوف بالخُطَا
(١) ب: ((فيكم)).
(٢) البخال : جمع بخيل ، مثل كريم وكرام .
(٤) الأغانى ١٣ : ١٦٩، مع
(٣) الأغانى ١: ٣٤، والقلمس: الرجل الداهية.
اختلاف فى الرواية .

٤٢٢
سنة ٨٦
وقال أعشَى بنى شَيْبان :
لِبَنِى أَبى العاص الإِمَارة
عرفتْ قَرَيْشٌ كلُّها
عند المَشورَةِ بالإِشَارَهْ
وأَحَقِّها
لأَبَرِّما
الضَّرارهْ
ذوی
والنافعِین
وَلُوا
لِمَا
المانعين
والمرارة
بها عند الحلاوة
ك ـمـ
وَهُمْ أَحَقُّهُمُ
وقال عبد الملك : ما أعلم مكانَ أحد أقوَى على هذا الأمر منّى، وإنّ
ابنَ الزّبير لطويلُ الصّلاة، كثيرُ الصّيام، ولكنْ لبخله لا يتصلُح أن
يكون سائساً .
١١٧٧/٢

خلافة الوليد بن عبد الملك
وفى هذه السنة بُويع الوليد بن عبد الملك بالخلافة، فَذُكِر أنه لما دَفَن
أباه وانصرف عن قبره، دَخَل المسجدَ فصعد المنبرَ، واجتَمَع إليه الناس،
فَخْطَب فقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون! واللُّ المستعان على مصيبتنا بموتٍ
أمير المؤمنين، والحمدُ لله على ما أنعتم به علينا من الخلافة. قومُوا فبايعوا .
فكان أوّل مَنْقام لبَيعته عبدُاللّه بن هَمّام السَّولى"، فإنه قام وهو
يقول :
وقد أراد المُلْحدُون عَوْقَهَا
اللهُ أَعْطَاكَ الَّتِى لا فَوْقَهَا
إِلَيكَ حتى قَلَّدُوكِ طَوْقَها
عَنْكَ ويأْنِى اللهُ إِلَّا سَوْقَها
فبايَعَتَه ، ثمّ تتابعَ الناسُ على البَيعة.
١١٧٨/٢
وأما الواقدىّ فإنه ذكر أنّ الوليدَ لما رجع من دَفْن أبيه، وُدُفِن خارج
باب الجابية ، لم يدخُل منزله حتى صعد على مِنبرِ دِمشقَ، فحمد الله
وأثَّنى عليه بما هو أهله ، ثمّ قال :
أيّها الناسُ، إنه لا مُقدِّم لِما أخّر اللّه، ولا مؤخّر لِمَا قَدّم الله،
وقد كان من قضاء اللّه وسابق عِلمِه وما كَتَب على أنبيائه وحملة عرشِه
الموت . وقد صار إلى منازل الأبرار ولىّ هذه الأمة الذى يحقّ عليه الله من
الشدّة على المُريب، واللّين لأهل الحقّ والفضل، وإقامة ما أقام اللّه من مستنار
الإسلام وأعلامه؛ مِن حَجّ هذا البيت، وغَزْو هذه الثغور، وشَنّ هذه
الغارة على أعداء اللّه ، فلم يكن عاجزاً ولا مُفرِّطًا . أيها الناس ، عليكم
بالطاعة ، ولزوم الجماعة ، فإنّ الشيطان مع الفرد. أيها الناس، مَن أبدى
لنا ذاتَ نفسِهِ ضربنا الذى فيه عَيْناه، ومن سكّت ماتَ بدَائه.
ثمّ نَزّل، فنَظَر إلى ما كان من دواب الخلافة فحتازه، وكان جبّاراً عنيداً.
٤٢٣

٤٢٤
سنة ٨٦
[ ولاية قتيبة بن مسلم على خُراسان من قِبَل الحجاج ]
وفى هذه السنة قَدِم قتيبةُ بنُ مسلم خُراسانَ واليًا عليها من قِبَل
١١٧٩/٢ الحجّاج، فذكر على بن محمد أنّ كُليب بن خَلَف، أخبره عن طُفيل
ابن مِرْداس العمىّ(١) والحسَن بن رُشيد، عن سليمان بن كثير العمىّ ،
قال: أخبرنى عمّى قال: رأيت قُتيبَة بنَ مُسلِمٍ حين قَدِمِ خُراسانَ فى
سنة ست وثمانين، فقدم والمفضّلُ يَعرِض الجُنْدَ، وهو يريد أن يغزُوَ أخْرون
وشُومان، فَخَطَب الناسَ قتيبة ، وحتّهم على الجهاد ، وقال :
إنّ اللّه أحلكم هذا المَحَلّ ليُعزَّ دينَه، ويذبَّ بكم عن الخُرُمات، ويزيد
بكم المال استفاضة، والعدوّ وَقَما (٢)، ووعد نبيه صلى الله عليه وسلّم النصر بحديث
صادق، وكتاب ناطق، فقال: ﴿هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى
وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْكَرِهَ المُشْرِكُونَ) (٣).
ووعَدَ المجاهدين فى سبيله أحسنَ الثواب، وأعظَمَ الذُّخْرِ عندَه فقال :
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَاً وَلَا نَصْبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلٍ
الله﴾، إلى قوله: ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(٤). ثم أخبر عمن قُتِل
فى سبيله أنه حىّ مرزوق، فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلٍ
الله أمْوَاتًا بَلْ أَحْيَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)(٥). فتنجَّزوا موعودَ
ربُكم ووطُّنوا أنفسكم على أقصى أثر وأمضى ألم ، وإيّاى والهُوَيْنِى.
ذكر ما كان من أمر قتيبة بخُراسان فى هذه السنة
ثمّ عَرَض قُتِيةُ الجُنْدَ فى السلاح والكُراع، وسار واستخلَفَ بمرْوَ
على حَرْبها إياسَ بنَ عبد الله بن عمرو، وعلى الخراج عثمان بن السعدىّ(٦)،
فلما كان بالطالقان تلقّاه دهاقينُ بَلْخَ وبعضُ عُظَمائهم فساروا معه ،
فلما قَطَع النهرَ تلقّاه تيش(٧) الأعوَرَ مَلِك الصّغانيانِ بهدايا ومفتاح من
١١٨٠/٢
(١) ب: ((القمى)).
(٤) سورة التوبة: ١٢٠، ١٢١
(٦) ابن الأثير: ((عثمان السعيدى)).
(٢) الوقم: الذل. (٣) سورة الصف:٩.
(٥) سورة آل عمران: ١٦٩.
(٧) ط: ((بيش)).
.

٤٢٥
سنة ٨٦
ذهب ، فدعاه إلى بلاده، فأتاه وأنَى ملك كفتان بهدايا وأموال ، ودعاه إلى
بلاده، فمضى مع بيش إلى الصَّغْتَانيان، فسلّم إليه بلادَه، وكان ملك أخْرون
وشُومان قد أساءَ جوارَ تيش وغزاه وضَيّق عليه، فسار قُتيبةُ إلى أُخْرون
وشُومان - وهُما من طُخارستانَ، فجاءه غشتاسبان(١) فصالحه على فدية
أدّاها إليه ، فَقِلها قتيبة ورضىَ، ثمّ انصرف إلى مَرْوَ، واستخلفَ على
الجند أخاه صالحَ بنَ مسلم، وتقدّم جندَه فسبقتهم إلى مَرْوَ، وفَتْتَح
صالح بعد رجوع قتيبةَ باسارا ، وكان معه نصر بن سَيّار فأبلَى يومئذ ؛
فَوَهَب له قريةٌ تُدْعَى تنجانة، ثمّ قَدِمِ صالح على قُتيبةَ فاستعمله
على التّرمذ .
قال : وأما الباهليّون فيقولون : قَدم قتيبةُ خُراسانَ سنة خمس وثمانين
فعَرَض الجندَ ، فكان جميعُ ما أحصَوا من الدرّوع فى جُنْد خُراسان
ثلثمائة وخمسين دِرْعًا، فغزا أخْرون وشُومان، ثمّ قَفَل فركِبَ السفُن
فانْحدَرَ إلى آمُل، وخَلّف الجُنْد، فأخذوا طريقَ بَكْخ إلى مَرْو ، وبلغ
الحجّاج، فكَتَّب إليه يلومه ويعجّز رأيته فى تخليفه الجندَ، وكتب إليه :
إذا غزوتَ فكنْ فى مُقَدَّم الناس، وإذا قفلتَ فكن فى أخْرَياتهم وساقَتِهم.
١١٨١/٢
وقد قيل : إنّ قتيبةَ أقامَ قبلَ أن يَقطع النهر فى هذه السنة على بَلْخ،
لأنّ بعضها كان منتقِضًا عليه، وقد ناصَبَ المسلمين، فحارَبَ أهلها،
فكان ممن سبَتَى امرأة بؤمك، أبى خالد بنِ بَرْمك - وكان بَرَمَك على
النُّوبَهار - فصارت لعبد الله بن مسلم الذى يقال له الفقير، أخى قُتِيَة بن
مسلم، فوَقَعَ عليها، وكان به شىء من الجُذام. ثمّ إنّ أهلَ بَلْخ صالحوا
من غَد اليوم الذى حارَبهم قُتيبةُ، فأمَر قتيبة بردّ السَّبْى، فقالت امرأة
برْمَك لعبد اللّهِ بن مسلم: يا تازِى، إنّى قد عَلَقْتُ منك. وحضرتْ
عبد الله بن مسلم الوفاةُ، فأوصى أن يُلحق به ما فى بطنها، وردّت إلى بَرْمَك،
فذكر أنْ ولدَ عبدِ الله بن مُسلم جاءوا أيامَ المهدىّ حين قَدِمِ الرّىّ
إلى خالد، فادّعَوْه، فقال لهم مُسلِمٍ بنُ قتيبة: إنه لا بدّ لكم إن
(١) ط: ((غيسلشتان)).

٤٢٦
سنة ٨٦
استلْحَقْتموه ففَعَل مِنْ أن تُزوّجوه، فترّكوه وأعرضوا عن دَعْواهم.
وكان بَرْمَك طبيبًا، فدَاوَى بعد ذلك مسلمةَ من عِلّة كانت به .
#
وفى هذه السنة غزا مَسْلمة بن عبد الملك أرضَ الرّوم.
وفيها حَبس الحجّاج بنُ يوسفَ يزيدَ بنَ المهلَّب، وعَزّل حبيب بن
المهلَّب عن كرمانَ ، وعبد الملك بن المهلب عن شُرْطته .
١١٨٢/٢
١
وحَجّ بالناس فى هذه السنة هِشامُ بنُ إسماعيلَ المخزومىّ ، كذلك
حدّثّنى أحمد بنُ ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر.
وكذلك قال الواقدىّ .
وكان الأمير على العراق كله والمَشرِق كلّه الحجاج بنُ يُوسف. وعلى
الصّلاة بالكُوفة المغيرة بن عبد الله بن أبى عقسيل. وعلى الحرب بها من قبل
الحجّاج زيادُ بنُ جريرٍ بن عبد الله. وعلى البَصْرة أيّوب بن الحكم . وعلى
خُراسانَ قُتيبة بن مُسلِمٍ .

ثم دخلت سنة سبع وثمانين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
:
ففى هذه السنة عَزّل الوليدُ بنُ عبد الملك هشامَ بنَ إسماعيل عن المدينة ،
وورَدَ عزلُه عنها - فيما ◌ُذُكر - ليلةَ الأحد لسبعٍ ليال خلَّوْن من شهر
ربيع الأوّل سنة سبع وثمانين. وكانت إمْرته (١) عليها أربعَ سنين غير شهر
أو نحوه .
[خبر إِمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة ]
وفى هذه السنة ولّ الوليدُ عمرَ بنَّ عبد العزيز المدينةَ . قال الواقدىّ:
قد متها واليًا فى شهر ربيع الأوّل ؛ وهو ابن خمس وعشرين سنة ، وُوُلد
سنة اثنتين وستين .
قال: وقدم على ثلاثين بعيراً، فَنَزل دارَ مَروانَ . قال : فحدّثنى
عبدُ الرحمن بن أبى الزِّناد، عن أبيه، قال: لما قَدِم عمر بن عبد العزيز ١١٨٣/٢
المدينةَ ونَزّل دارَ مروانَ دخل عليه الناسُ فسلّموا، فلما صلَّى الظهرَ دعا
عشرةً من فُقْهَاء المدينة: عُرْوةَ بنَ الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة،
وأبا بكر بن عبد الرحمن ، وأبا بكر بن سليمان بن أبى حثمة (٢)، وسليمان بن
يَسَار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبد الله
ابن عمرو ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة ، وخارجة بن زَيْد ؛ فدخلوا عليه
فجلسوا، فحمِد اللّهَ وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال :
إنى إنما دعوتكم الأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانًا على الحقّ،
ما أريد أن أقطَع أمراً إلا برأيكم أو برأيٍ من حَضَر منكم، فإن رأيتم أحداً
(١) ساقطة من ب .
(٢) ط: ((خيثمة))، وانظر الفهرس.
٤٢٧

٤٢٨
سنة ٨٧
يتعدّى، أو بلَغَكم عن عامل لى ظُلامة، فأحَرّجُ اللّه على مَنْ بلغه
ذلك إلا بلّغنى .
فخرجوا يجزُونه خيراً ، وافترقوا .
قال: وكتَب الوليدُ إلى عمرَ يأمرُهُ أنْ يقف هشام بن إسماعيلَ للناس،
وكان فيه سيِّيّ الرأى .
قال الواقدىّ: فحدّثّنى داودُ بن جُبير، قال: أخبرتْنى أمّ وَلد سعيد بن
المسيّب أن سعيداً دعا ابنَه ومواليه فقال: إنّ هذا الرجل يُوقف للناس -
أو قد وُقُف - فلا يتعرّضْ له أحدٌ ولا يؤذِهِ بكلمة، فإنا سنتْرُك ذلك
اللّه وللرَّحِيمِ ، فإن كان ما علمتُ لسيِّىَّ النظر لنفسه، فأمّا كلامُه فلا
أكلِّمه أبداً .
قال : وحدّثنى محمد بنُ عبد اللّه بنِ محمد بن عمر، عن أبيه، قال:
١١٨٤/٢ كان هشامُ بنُ إسماعيلَ يسىء جِوارَنا ويؤذينا، ولقىَ منه علىّ بنُ
الحسين أذَّى شديداً، فلما عُزُل أَمَرَ به الوليدُ أن يُوقّف للناس، فقال :
ما أخاف إلا من علىّ بنِ الحسين. فمَرّ به علىّ وقد وُقِفِ عند دارٍ مَرْوان،
وكان علىّ قد تقدّم إلى خاصّته ألّا يَعرِض له أحد منهم بكلمة ؛ فلما مرّ
ناداه هشامُ بنُ إسماعيل : اللّهُ أعلم حيث يجعل رسالاته .
[خبر صلح قتيبة ونيزك ]
وفى هذه السنة قَدمِ نَزَك على قُتيبة، وصالَح قتيبةُ أهلَ باذَ غيس على
ألّ يَدخُلُها قتيبة .
ذكر الخبرِ عن ذلك :
ذَكَر علىّ بنُ محمد أن أبا الحسن الجُشِمِىّ أخبَرَه عن
أشياخ من أهل خُراسانَ ، وجبلة بن فرّوخ عن محمد بن المثنّى ، أنّ نيزك
طَرْخان كان فى يديه أسراءُ مِن المسلمين، وكتب إليه قُتيبة حينَ صالَحَ مَلِك
شُومان فيمن فى يديه من أسرى المسلمين أن يُطلِقهم، ويهدّده(١)فی کتابه،
(١) ب: ((وتهدده)).
!

٤٢٩
سنة ٨٧
فخافَةٍ (١) نيزك، فأطلق الأسرى، وبعث بهمْ إلى قتيبة ، فوجّه إليه قتيبة
سُلْماً الناصح مولّى عُبيد الله بن أبى بكرة يدعوه إلى الصّلح وإلى أن يؤمِّنه،
وكتب إليه كتابًا يحلف فيه باللّه: لئن لم يقدم عليه ليغزونّه، ثمّ ليطلبنه حيث
كان ، لا يُقلع عنه حتى يظفر به أو يموتَ قبل ذلك. فقَدِم سُلَّم على
نَيَزَك بكتاب قتيبة - وكان يستنصحه - فقال له: ياسليم، ما أظنّ عند صاحبك
خيراً، كَتَب إلىّ كتابًا لا يُكتَّب إلى مِثلِى! قال له سليم : يا أبا
الهَيّاج، إنّ هذا رجل شديد فى سلطانه ، سَهْل إذا سُوهِل، صعب إذا
عُوسِر ، فلا يمنعْك منه غلظة كتابه إليك، فما أحسنَ حالتَكَ عندَه وعندَ
جميع مُضَرَ! فقَدِمِ نيزك مع سُلِيمٍ على قُتيبة، فصالَحه أهلُ باذَغيس
فى سنة سبع وثمانين على ألّ يَدَخُل باذَغيس .
١١٨٥/٢
[خبر غزو مسلمة بن عبد الملك أرض الروم ]
وفى هذه السنة غزا مَسلّمة بنُ عبد الملك أرضَ الرّوم، ومعه يزيدُ بن
جُبَيْر، فلقى الرّومَ فى عدد كثير بسُوسَنة من ناحية المَصّصّة.
قال الواقدىّ: فيها لاقى مسلمةُ مَيْموناً الجُرْجمانىّ ومع مسلمة نحوٌ
من ألفٍ مُقاتِل من أهل أنطاكيةَ عند طُوَانَة، فقتل منهم بَشَراً كثيراً،
وفَتَّح اللّه على يديه حُصونًا .
وقيل : إنّ الذى غَزّا الرّوم فى هذه السنة هشامُ بن عبد الملك ،
فَفَتَّح اللّه على يديه حِصْنَ بولَق وحصن الأخرم وحِصْن بولس وقمقم،
وقَتَل من المُستعرِبة نحواً من ألفِ مُقَاتِلِ، وسجَّ (٢) ذراريّهم ونساءَ هم.
[خبر غزو قتيبة بِيكَنْد]
وفى هذه السنة غزا قتيبة بِيْكَنْد .
ذكر الخبر عن غزوته هذه :
(١) ب: ((محافة)).
(٢) ر: ((وساق)).

٤٣٠
سنة ٨٧
ذكر علىّ بنُ محمّد أن أبا الذّيال أخبره عن المهلّب بن إياس، عن
١١٨٦/٢
أبيه ، عن حسين(١) بن مُجاهد الرّازىّ وهارون بن عيسى، عن يونس
ابنِ أبى إسحاق وغيرهم، أن قتيبة لما صالَحَ نِيزك أقام إلى وَقْت الغَزْو، ثمّ
غزا فى تلك السنة - سنة سبع وثمانين - بيكند، فسار من مسَرْوَ وأتى مَرْوَ الرُّوذ،
ثمّ أتى آمُلَإثمّ مضى إلى زَمّ فقَطَعَ النهر، وسار إلى بِيكَنْد - وهى أدنى
مدائنٍ بِسُخارَى إلى النهر ، يقال لها مدينة التجّار على رأس المفازة من بُخارَى ..
فلما نزل بعَقْوَتهم استنصَروا الصُّغْد، واستمدّوا مَن حَولهم ، فأتتَوْهم فى
جمع كثير ، وأخذوا بالطريق، فلم ينفذ لقتيبة رسولٌ ، ولم يتصل إليه رسول،
ولم يجرِ له خبرٌ شَهْرَين، وأبطأ خبرُه على الحجّاج، فأشفق الحجّاج على
الجند ، فأمر الناسَ بالدّعاء لهم فى المساجد ، وكتب بذلك إلى الأمصار وهم
يقتتلون فی کلّ يوم .
قال : وكان لقُتيبة عينٌ يقال له تنذر (٢) من العَجَم، فأعطاه أهل
بُخارَى الأعلى مالاً على أن يَفْئأ عنهم قتيبة ؛ فأتاه ، فقال : أخْلنى ،
فنَتَهَض الناسُ واحتَبَس قتيبةُ ضِرارَ بنَ حصين الضّبِىّ، فقال تنذر :
هذا عاملٌ يتقدم عليك، وقد عُزل الحجاج، فلو انصرفتَ بالناس إلى مروّ !
فدعا قُتيبة سِيَاه مولاه، فقال: اضرِب عُنُقَ تنذر، فقَتَلَه ، ثم قال
١١٨٧/٢ الضرار: لم يبق أحدٌ يَعَلَ هذا الخبر غَيْرى وغيرك، وإنّى(٣) أعطِى اللّهَ
عَهْدًا إن ظَهَر هذا الحديثُ من أحد حتى تنقضىَ حربُنا هذه لألحقنّك
به ؛ فاملِكْ لسانَك، فإنّ انتشار هذا الحديث يَفُتّ فى أعضاد الناس.
ثمّ أذِنِ للناس.
قال : فدخلوا ، فَرَاعَتَهم قَتَلُ تنذر ، فوَجَمَوا وأطرَقوا، فقال قتيبة :
ما يَروعُكم مِن قتل عبد أحانَه اللّه! قالوا: إنا كنا نظنّه ناصحًا للمسلمين،
قال: بل كان غاشًا(٤) فأحانتَه اللّه بذنبه، فقد مضى لسبيله، فاغدُوا على
(١) ب: ((وحصين)).
(٣) ب: ((فإنى)).
(٢) ر: ((تيذر)).
(٤) بعدها فى ب: ((هم)).

٤٣١
سنة ٨٧
قتال عدّوكم، والقَوْهم بغيرِ ما كنتم تلقَّونهم به . فغدا الناسُ متأهِّبين،
وأخذوا مَصافَّهم، ومَشَى قُتيبة فحضّ أهلَ الرايات، فكانت بين الناس
مُشاوَلة(١)، ثم تزاحَقوا (٢) والتقَوا، وأخذتِ السيوفُ مأخذَها، وأنزل اللّهُ على
المسلمين الصبرَ، فقاتلوهم حتى زالت الشمس، ثمّ مَنَّح اللّهُ المسلمين
أكتافَهم ، فانهز موا يريدون المدينة، واتبعهم المسلمون فشَغلوهم عن الدّخول
فتفرّقُوا، وركِبهم المسلمون قَتْلا وأسراً كيف شاءوا، واعتصم مَن دخل
المدينة بالمدينة، وهم قليل، فوَضَعَ قتيبةُ الفَعلة فى أصلها ليتَهد مها ، فسألوه
الصلحَ فصالحهم، واستعمل عليهم رجلا من بنى قُتيبة .
وارتَحل عنهم يريدُ الرّجوع، فلما سارم-َرحلةٌ أو ثنتين، وكان منهم على
خمسة فراسخ نَقضوا وكفروا، فقتلوا العاملَ وأصحابَه ، وجدّعوا
آنُفتَهم وآذانتَهم ، وبلغ قتيبة فرجع إليهم ، وقد تحصّوا ، فقاتلتهم
شهراً ، ثمّ وضع الفعلة فى أصل المدينة فعلقُوها(٣) بالخَشَب، وهو يريد إذا
فرغ من تعليقها أن يحرق الخشب فتنهدِم ، فسقط الحائط وهم يعلّقونه،
فقتل أربعين من الفَعَلَة ، فطلبوا الصّلح ، فأبى وقاتَلَهم ، فَظفِر بهم
عَنْوة ، فقتل من كان فيها من المُقاتِلة، وكان فيمن أخِذُوا فى المدينة رَجُل
أعور كان هو الذى استجاش التُّرْك على المسلمين ، فقال لقتيبة : أنا أفدى
نفسى ، فقال له سُلَيم الناصح : ما تَبَذُل ؟ قال : خمسةَ آلاف حريرة
صينية قيمتُها ألف ألف ، فقال قتيبة : ما تَرَون ؟ قالوا : نرى أنّ فداءه
زيادة فى غنائم المسلمين ، وما عسى أن يبلغ من كَيْد هذا! قال : لا
واللّه لا تُرُوَّع بك مسلمةٌ أبداً، وأمَرَ به فقُتِل.
١١٨٨/٢
قال علىّ : قال أبو الذّيّال، عن المهلّب بن إياس ، عن أبيه والحسن
ابن رُشيد ، عن طُفَيل بن مِرْداس ، أنّ قتيبة لما فتح بِيكنْد أصابوا فيها
من آنية الذهب والفضّة ما لَا يُحصَى، فولىَ الغنائمَ والقَسْم عبد الله بن وألان
العدوىّ أحد بنى ملكان- وكان قتيبة يسمِّه الأمينَ ابنَ الأمين - وإياس بن
(٢) ب: ((تراجعوا)).
(١) ب: ((مساواة)). والمشاولة: القتال بالرماح.
(٣) ب: ((فعقلها)).
١
:
:

٤٣٢
سنة ٨٧
بَيْهَس الباهلىّ، فأذابا الآنية والأصنامَ فرَفَعَاه إلى قتيبة، ورَفعا إليه
خَبَث ما أذاباً ، فوهبه لهما ، فأعطيا به أربعين ألفًا، فأعلماه فَرَجع
فيه وأمَرَهما أن يُذِيباه فأذاباه ، فخرج منه خمسون ومائة ألف مثقال -
١١٨٩/٢ أو خمسون ألف مثقال -- وأصابوا فى بِيكَنْد شيئًا كثيراً، وصار فى أيدى
المسلمين من بيكَنْد شىء لم يُصيبوا مثله بخُراسان. ورجع قتيبة إلى مرو ،
وقَوِىَ المسلمون، فاشترَوا السلاح والخيلَ، وجُلبتْ إليهم الدّوابّ، وتنافَسوا
فى حُسن الهيئَة والعُدّة، وغالمَوْا بالسلاح حتى بَلَغ الرّمح سبعين؛ وقال
الكُمَيت :
ويومَ بِيكَنْدَ لا تُحصَى عجائبهُ وما بُخارَاءُ ممّا أَخطأًّ العَدَدُ
وكان فى الخزائن سلاحٌ وآلةٌ من آلة الحرب كثيرة، فكَتَب قتيبةُ
إلى الحجّاج يستأذنه فى دَفْع ذلك السلاح إلى الجُنْد، فأذن له ، فأخرجوا
ما كان فى الخزائن من عُدَّة الحرب وآلة السَّفَر ، فقَسَمه فى الناس ،
فاستعدّوا، فلما كان أيامُ الربيع ندب الناسَ وقال: إنّى أغزيكم قبل أن تحتاجوا
إلى حَمْل الزاد، وأنتقلكم قبل أن تحتاجوا إلى الإِدْفاء؛ فسار فى عُدّة
حَسَنة من الدّوابّ والسلاح، فأتى آمُلَّ؛ ثم عبرَ من زَمّ إلى بُخارَى،
فأتى نومُشَكَث - وهى من بُخارَى - فصالحوه .
قال علىّ: حدثنا أبو الذّيال، عن أشياخ من بنى عَدِىّ، أنّ مسلمًا
الباهلىَّ قال لِوَأْلانَ: إنّ عندى(١) مالا أحبّ أن أستودعكنه،
١١٩٠/٢ قال: أتريد أن يكون مكتومً أو لا تكره أن يعلمه الناس ؟ قال: أحبّ أن
تكتُمه؛ قال : ابعث به مع رجل تَشِق به إلى موضع كذا وكذا ، ومُرْه
إذا رأى رجلا فى ذلك الموضع أن يَضَع ما معه وينصرِف ؛ قال : نعم ،
فجتَعَل مسلم المال فى خُرْج، ثمّ حَمَلَه على بغل وقال لمولَّىَّ له: انطلِقٍ
بهذا البغل إلى موضع كذا وكذا ، فإذا رأيت رجلاً جالسًا فخلِّ عن البتَغْل
وانصَرِفٍ . فانطَلَقَ الرجلُ بالبَغْل، وقد كان وألان أتى الموضعَ لمِيعاده ،
(١) ب: ((عندى مال)).

٤٣٣
سنة ٨٧
فأبطأ عليه رسولُ مسلم، ومضى الوقتُ الذى وَعدَه، فظنّ أنه قد بدا له، فانصرف،
وجاء رجلٌ من بنى تَغِلِبَ فجلس فى ذلك الموضع، وجاء مولى مسلم فرأى
الرجل جالسًا ، فخلّى عن البغل ورَجَعَ ، فقام التغلبِىُّ إلى التَبَغْل ، فلما
رأى المال ولم يَرمع البَغْل أحداً قادَ البغَل إلى منزله، فأخذ البغلَ وأخذَ
المال ، فظنّ مسلم أن المال قد صار إلى وألان ، فلم يسأل عنه حتى احتاج
إليه ، فَلَقيَه فقال: مالى! فقال : ما قبضت شيئًاً ، ولا لك عندى مال .
قال : فكان مُسلمٍ يشكوه ويتنقّصه . قال : فأتى يومًا مجلس بنى ضُبيعة
فشكاه والتغلبىُّ جالسٌ ، فقام إليه فخلاً به وسأله عن المال، فأخبَرَه،
فانطلق به إلى منزله، وأخرج الخُرْج فقال: أتعرِفِه؟ قال: نَعَم ،
قال : والخاتتم؟ قال : نعم ؛ قال: اِقِبض مالَكَ، وأخبره الخبر ، فكان
مسلم يأتى الناسَ والقبائل التى كان يشكو إليهم وألان فيَعَذِره ويُخبرهم
الخبر ، وفى وألان يقول الشاعر :
وَلَسْتَ كَوَأْلَانَ الَّذى سَادَ بالنُّقَى ولستَ كعمرانٍ وَلَا كالمُهِلَّبِ ١٩١/٢
وِعِمْرانُ : ابنُ الفصِيل البُرْجُمِىّ .
وحجّ بالناس فى هذه السنة - فيما حدّثنى أحمد بن ثابت ، عمّن ذكره ،
عن إسحاق بن عيسى، عن أبى مَعَشَر- عمر بن عبد العزيز، وهو أميرٌ
على المدينة .
وكان على قضاء المدينة فى هذه السنة أبو بكر بن عَمْرو بن حَزْم من
قِبَلَ مُمَّر بن عبد العزيز .
وكان على العراق والمنَشرِق كلِّه الحجّاج بن يوسف، وخليفته على البَصْرة
فى هذه السنة - فيما قيل - الجَرَّح بنُ عبد الله الحَكَمَىّ. وعلى قضائها عبدالله
ابن أذَينة ، وعامله على الحرْب بالكوفةِ زياد بن جَرِير بن عبد اللّه، وعلى
قضائِها أبو بكر بن أبى موسى الأشعرىّ، وعلى خُراسانَ قُتيبة بن مسلم .

ثم دخلت سنة ثمان وثمانين
[ ذكر ما كان فيها من الأحداث ]
[خبر فتح حصن طُوانة من بلاد الرّوم]
فمن ذلك ما كان مِن فَتْح اللّه على المسلمين حِصْنًا من حصون الرّوم
يُدعَى طُوانة فى جُمادى الآخرة (١)، وشتَّوا بها، وكان على الجيش
مَسْلمة بنُ عبد الملك ، والعبّاس بن الوليد بن عبد الملك .
١١٩٢/٢
فذكر محمّد بن عمَرَ الواقدىّ أن ثورَ بنَ يزيدَ حدّثه عن أصحابه قال:
كان فَتْح طُوانَة على يدى مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد ،
وَهَزم المسلمون العدوّ يومئذ هزيمةً صاروا إلى كنيستهم، ثمّ رَجَعُوا
فانهَزَم الناس حتى ظَنّوا ألا يجتبروها أبداً، وبقِى العباس معه نُفَيْر؛ منهم
ابن ◌ُحَيْرِيزِ الجُمَحِىّ ، فقال العباس لابن ◌ُحَيرِيزَ: أين أهلُ القرآن الذين
يريدون الجنة؟ فقال ابنُ مُحَيريز: نادِهِم يأتوك؛ فنادَى العبّاس : يا أهلَ
القرآن! فأقبلوا جَميعًا، فهزَم اللّه العدوّ حتى دخلوا طُوانة.
وكان الوليدُ بنُ عبد الملك ضرب البَعْث على أهل المدينة فى هذه
السنة. فذَكَر محمّد بنُ عمَرَ، عن أبيه، أنّ مُخَرَمة بن سليم الوالبىّ قال:
ضرب عليهم بعث ألفين . وأنهم تجاعلوا فخرج ألف وخمسمائة، وتخلّف
خمسمائة ، فغَزوا الصائفة مع مَسلَمة والعبّاس ، وهما على الجيش. وإنهم
شتَوا بطُوانة وافتَّحوها .
وفيها وُلد الوليدُ بنُ يزيدَ بن عبد الملك .
(١) ب وابن الأثير: ((الأولى منها)).
٤٣٤

سنة ٨٨
٤٣٥
[ذكر عمارة مسجد النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ]
وفيها أمَر الوليدُ بنُ عبد الملك بهَذْم مسجد رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهدمِ بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وإدخالها فى المسجد،
فَذَكَرَ محمد بنُ عَمر، أنّ محمد بن جعفر بن ورْدان البنّاء قال : رأيتُ
الرسول الذى بعثَه الوليد بن عبد الملك قدم فى شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين،
قدم مُعتجِراً ، فقال الناس : ما قدم به الرسول ! فَدخَل على عمر بن
عبد العزيز بكتاب الوليد يأمره بإدخال حُجَرَ أزواج رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى مسجد رسول الله، وأن يشترىَ ما فى مؤخّره ونواحيه حتى يكون مائتى
ذراع فى مائتى ذراع ويقول له: قدّم القِبْلة إنْ قَدَرَت، وأنت تقدر لمكان
أخوالك، فإنهم لا يخالفونك، فمن أبى منهم فمرْ أهل المصر فليقوّموا له قيمة
عدل، ثم اهدمْ عليهم وادفَع إليهم الأثمان، فإنّ لك فى ذلك سَكَف صدق؛
عمر وعثمانَ فأقرأهم كتابَ الوليد وهم عندَه ، فأجاب القوم إلى الثمن ،
فأعطاهم إياه، وأخَذَ فى هَدْم بيوتِ أزواج النبيّ(١) صلى الله عليه وسلّم وبناء
المسجد، فلم يَمكُث إلا يَسيراً (٢) حتى قدم الفعلة، بَعَث بهم الوليد.
قال محمد بنُ عمَرَ: وحدّثنى موسى بن يعقوبَ، عن عمّه، قال :
رأيت عمر بنَ عبد العزيز يتَهدِمِ المسجدَ ومعه وجوهُ الناس: القاسم، وسالم ،
وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، ومُبيد اللّه بن عبد الله بن عُشْبة،
وخارجة بن زيد، وعبد الله بن عبد الله بن عمَرَ، يُرُونه أعلامًا فى المسجد
ويقدّرونه، فأسَّسُوا أساسه .
١١٩٣/٢
قال محمّد بنُ عمر: وحدثنى يحيى بنُ النعمان الغفارىّ، عن صالح بن
كَيْسان، قال: لما جاء كتابُ الوليد من دمشقَ وسار (٣) خمس عشرةَ بهدم
المسجد ، تجرّد عمرُ بنُ عبدالعزيزَ. قال صالح : فاستعملنى على هَدْمُه
وبنائه، فهدَمْناه بعمّال المدينة، فبدأنا بهَدْم بيوت أزواج النبيّ صلى اللّه
١١٩٤/٢
عليه وسلّم حتى قَدِم علينا الفَعلة الذين بَعَسَث بهم الوليد .
(١) ب: ((رسول الله)).
(٣) ط: ((سار)).
(٢) ب: ((قليلا)).
1

٤٣٦
سنة ٨٨
قال محمد : وحدّثنى موسى بنُ أبى بكر، عن صالح بن كَيْسان،
قال : ابتدأنا بهَدْم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلّم فى صَفَر من سنة
ثمان وثمانين، وبَعَثَ الوليدُ إلى صاحب الرّوم يُعلمه أنه أمر بهدم مسجد
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأن يُعينَه فيه ، فبعث إليه بمائة ألف مثقال
ذهب ، وبعث إليه بمائة عامل، وبعث إليه من الفَُيْفِساء بأربعين حِمْلا،
وأمر أن يتتبَّعَ الفُسَيْفِساء فى المدائن التى خُرّبت ، فبعث بها إلى الوليد ،
فبعث بذلك الوليد إلى عمرّ بنِ عبد العزيز .
وفى هذه السنة ابتدأ عمر بنُ عبد العزيز فى بناء المسجد .
وفيها غَزّاً أيضًا مسلمَةُ الرّوم، ففُتِح على يديه حُصونٌ ثلاثة :
حصن قُسْطَنْطِينة، وغَزّالة، وحِصْن الأخْرم. وقتل من المستعربة
نحوٌ من ألف مع سَبْىِ الذرّيّة وأخذِ الأموال .
[ذكر غزو قتيبة نومُشَكَث ورامِيثَنه ]
وفى هذه السنة غزا قتيبة نومُشكَث ورامِيثَنه .
١١٩٥/٢
ذكر الخبر عما كان من خبر غزوته هذه :
ذكر على بن محمد، أنّ المفضّل بن محمد أخبره عن أبيه ومصعب بن
حيّان، عن مولّى لهم أدرك ذلك، أن قتيبة غزا نومشكك فى سنة ثمان وثمانين،
واستَخلَف على مرْو بشّار بن مُسلمٍ، فتلقّاه أهلُها، فصالَحهم ، ثم صار
إلى راميثنه فصالَحه أهلُها، فانصَرَفْ عنهم (١) وزِحَفَ إليه التّرْك، معهم(٢)
السُّغْد وأهلُ فَرْغانة، فاعتَرَضوا المسلمين فى طريقهم، فلَحِقوا عبد الرحمن
ابن مسلم الباهلىّ وهو على الساقة، بينه وبين قُتيبة وأوائلِ العسكر مِيلٌ ،
فلما قربوا منه أرسل رسولاً إلى قتيبةَ بخبره ، وغِشيَه التّرك فقاتَلُوه ، وأتى
الرسولُ قتيبةَ فرَجَع بالناس، فانتهى إلى عبد الرحمن وهو يقاتلُهم، وقد كاد
(١) ب: ((عنها)).
(٢) ب: ((ومعهم).

٤٣٧
سنة ٨٨
التّرْك يسْتعمِلُونهم، فلما رأى الناس قتيبة طابت أنفسهم فصَبروا ، وقاتلوهم
إلى الظهر، وأبلَى يومئذ نيزكُ وهو مع قتيبة، فهَزَم اللّهُ الترك، وفض
جَمعهم، ورجع قتيبةُ يُريدُ مَرْوَ، وقطع النهر من التّرْمِذ يريد بَلْخ ، ثم
أتى مَرْوَ. وقال الباهِلِيّون: لقى الترْك المسلمين عليهم كُور مغانون التركىّ
ابن أخت ملِك الصّين فى مائتى ألف ، فأظهر اللّهُ المُسلِمِين عليهم .
[ذكر ما عمل الوليد من المعروف ]
وفى هذه السنة كتب الوليد بنُ عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز فى
تسهيل الثنايا وحَقْر الآبار فى البُلْدان .
قال محمد بنُ عمر: حدّثنى ابنُ أبى سَبْرة، قال: حدثنى صالح بن
كَيْسان، قال: كتب الوليدُ إلى عمر فى تسهيل الثنايا وحفر الآبار بالمدينة،
وخرجتْ كتبُهُ إلى البُلْدان بذلك، وكتب الوليدُ إلى خالِد بنِ عبد اللّه
بذلك . قال : وحَبَس المجدّمين عن أن يخرجوا على الناس ، وأجرى
عليهم أرزاقًا، وكانت (٢) تُجرّى عليهم .
١١٩٦/٢
١
وقال ابن أبى سَبْرة، عن صالح بنِ كَيْسان؛ قال: كتب الوليدُ إلى عمر
ابن عبد العزيز أن يعمل الفوّارة التى عند دار يزيد بن عبد الملك اليومَ ،
فعملها عمرُ وأجرَى ماءَها، فلما حجّ الوليد وَقَف عليها، فنظر إلى بيت الماء
والفوّارة، فأعجبتْه، وأمَرَ لها بقُوَّامٍ يَقُومون عليها، وأن يُسقى أهلُ المَسجِد
منها ، ففُعل ذلك .
وحجّ بالناس فى هذه السنة عمرُ بنُ عبد العزيز فى رواية محمّد بن عمر .
ذكَر أنّ محمد بن عبد الله بن جُبير - مولى لبنى العباس - حدثه عن
صالح بن كَيْسان، قال: خرج عمر بن عبد العزيز تلك السنة - يعنى سنة ثمان
وثمانين- بعدّة من قريش، أرسل إليهم بصلات وظَهْر للحُمولة، وأحرموا
معه من ذى الخُلَيْفة، وساق معه بُدْنا، فلما كان بالتّنعيم لقيتهم نتَفَرَ
(١) ط: ((كور بغانون)).
(٢) ب: ((فكانت)) ..

٤٣٨
سنة ٨٨
من قريش، منهم ابن أبى مُلَيكة وغيره، فأخبروه أنّ مكّة قليلة الماء، وأنهم
يخافون على الحاجّ العَطّش، وذلك أن المطر قلَّ، فقال عمر: فالمَطْلب
هاهنا بيِّن، تعالوا نَدْع الله. قال: فرأيتُهم دَعَوْا ودعا معهم ، فألحوا فى
١١٩٧/٢ الدّعاء. قال صالح: فلا(١) والله إن وصلنا إلى البيت ذلك اليوم إلا مع
المطر حتى كان مع الليل، وستكتبت السماء، وجاء سَيْلُ الوادى، فجاء
أمرٌ خافَه أهلُ مكة، ومُطرت عرفةُ ومِنَّى وجُمْعٌ ؛ فما كانت إلا عُبْراً ،
قال: ونبتت مكّة تلك السنة للخِصْب .
وأمّا أبو مَعشَر فإنه قال : حجّ بالناس سنة ثمان وثمانين عمرُ بنُ الوليد
ابن عبد الملك ، حدّثنى بذلك أحمدُ بنُ ثابت عمّن ذكره ، عن إسحاقَ
ابن عيسى عنه .
وكانت العمّال على الأمصار فى هذه السنة العمّال الذين ذكرْنا أنهم
كانوا عمّالها فى سنة سبع وثمانين .
(١) ب: ((فوالله))، س: ((ولا واللّه)).
۔۔

ثمّ دخلت سنة تسع وثمانين
ذكر الخبر عن الأحداث التى كانت فيها.
[ خبر غزو مسلمة أرض الرُّوم ]
فمن ذلك افتتاحُ المسلمين فى هذه السنة حصنَ سُورية ، وعلى الجيش
مَسَلَمَة بن عبد الملك، زَعَمَ الواقدىّ أنّ مَسلمة غزا فى هذه السنة أرضَ
الرّومِ، ومعه العبّاس بنُ الوليد ودخَلاَ ها جميعًا ثمّ تفرّقًا، فافتتح مسلمة
حصنَ سُورِية، وافتَتَّح العبّاس أذروليّة، ووافق من الرّومِ جَمْعاً فَهَزَمَهم.
١١٩٨/٢
وأما غيرُ الواقدىّ فإنه قال: قصدمسلمة عَمورّيّة فوافق بها للرّومِ جَمعًا
كثيراً، فهزمهم اللّه، وافتتح هِرَقْلةَ وقمودية .
وغزا العبّاس الصائفة من ناحية البُدَ نْدُون.
[خبر غزو قتيبة بخارى]
وفى هذه السنة غزا قُتيبةُ بُخارَى، ففتح رامِيثنه. ذكر علىّ بنُ محمّد
عن الباهليّين أنهم قالوا ذلك ، وأن قتيبة رَجَعَ بعد ما فتحها فى طريق
بَلْخ، فلمّا كان بالفارياب أتاه كتاب الحجّاج: أن رِدْ وَرْدان خُذَاه .
فرَجَعَ قتيبة سنة تسع وثمانين، فأتى زَمّ، فقطع النهر، فلِقِيَة السُّغد وأهل
كِسّ ونَسَف فى طريق المفازة، فقاتلوه، فظنَفِر بهم ومَضَى إلى بُخارَى،
فَنَزل خَرْقانة السفْلى عن يمين وَرْدان، فلقوه بجمع كثير ، فقاتَلَهم
يومَيْن ولياَين، ثمّ أعطاه الله الظَّفَر عليهم؛ فقال نهار بن تتَوسِعَة:
وباتت لَهُمْ منَّا بِخَرْقَانَ لَيْفَة وَلَيْلَتُنَا كانت بِخَرْقَانَ أَطْوَلَا
قال علىّ: أخبَرَنا أبو الدّيّال عن المهلّب بن إياس، وأبو العلاء عن
٤٣٩

٤٤٠
سنة ٨٩
١١٩٩/٢ إدريس بن حنظلة، أنّ قتيبة غزا وَرْدانَ خُذَاه (١) ملك بُخارَى سنة تسع
وثمانين فلم يُطِقْه، ولم يظفر من البلد بشىء، فرجع إلى مرْو، وكَتَب إلى
الحجاج بذلك ، فكَّتَب إليه الحجاج : أنْ صَوّرْها لى، فبعث إليه بصُورتها ،
فكتَبَ إليه الحجّاج: أن ارجع إلى مَراغتك(٢) فتُبْ إلى اللّه مما كان منك،
وأتِها من مكانٍ كذا وكذا .
وقيل: كَتَب إليه الحجاج أن كِسْ بكسّ وانسفْ نَّف ورِدْ
وَرْدان، وإيّاك والتحويط (٣)، وَدَعْنى من بُنيّاتِ الطريق(٤).
[خبر ولاية خالد القسرى على مكة ]
وفى هذه السنة ولىَ خالد بن عبد الله القَسْرىّ مكّة فيما زعم الواقدىّ ،
وَذَكَر أنّ عمَر بن صالح حدّثه عن نافع مولى بني مخزوم، قال : سمعت
خالدَ بنَ عبد الله يقول على مِنبرِ مسكّة وهو يخطب :
أيّها الناس، أيّهما أعظَمَ ؟ أخليفةُ الرّجل على أهلِهِ، أمْ رسوله إليهم؟
والله لو لم تعلّمُوا فَضْل الخليفة، إلا أنّ إبراهيم خليلَ الرّحمن استَسْهفى
فسقّاه ملْحًا أجاجاً، واستسقاه(٥) الخليفةُ فَسقاه عذباً فراتاً، بِيراً حفَرَها
الوليد بنُ عبد الملك بالشَّنْيَتين - ثَنِيّة طوَّى وثنية الحجُون(٦) - فكان ينقَل
٢ / ١٢٠٠ ماؤها فيوضَع فى حوض من أدَم إلى جَنْب زمزمَ ليُعْرف فضلُه على زَمْزَم.
قال : ثمّ غارت البئر فذهبتْ فلا يُدرَى أين هىَ اليوم.
(١) ب: ((خدأه)).
(٢) المراغة فى الأصل: متمرّغ الدابة؛ أراد بها بخارى أى أن يفتحها ويتخذها معقلا يتقلب
فيه كما تتقلب الدابة فى مراغتها .
(٣) حوّط حول الأمر، أى دار، وأصله من حوط كرمه تحويطاً، أى بنى حوله حائطاً؛
يريد : إياك والدوران فى القول وكثرة المراجعة فيه .
(٤) بنيّات الطريق: الطرق الصغار تتشعب من الجادّة، أى اسلك الطريق المستقيم الذى
(٥) ب: ((واستسقى)).
لا تعریج فيه .
(٦) ابن الأثير: ((بثنية طوى فى ثنية الحجون)).