Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سنة ٨٥
لِمَ صنعم هذا ؟ قالوا : نجد البَرْد فى هذا الوقت، ونجد الحرّ فى الشتاء،
فرجعوا وقالوا: جِنٌّ لا نُقاتِلهم. قال: وأراد صاحبُ الترك أن يغزوّ
موسى، فوجّه إليه رُسُلا، وبعث بسّ ونُشّاب فى مسك، وإنما أراد بالسمّ
أنّ حربهَم شديدة ، والنشّاب الحرب، والمسك السلم، فاخترْ الحرب أو السلم،
فأحرق السمّ، وكسر النشاب، ونثر المِسْك، فقال القوم : لم يريدوا الصّلح،
وأخبر أنّ حربهم مثل النار ، وإنه يَكْسرُنا ، فلم يَغزُهم .
قال: فولى بُكيْرُ بن وشاح خُراسانَ فلم يتعرض له ، ولم يوجّه إليه
أحداً، ثمّ قدم أميّة(١) فسار بنفسِه يريدُه، فخالَفَه بكير، وخلع، فرجع إلى
مرْو ، فلما صالح أمية بكيراً أقام عامَه ذلك ، فلما كان فى قابِل وجّه
إلى موسى رجلاً من خُزاعة فى جمع كثير ، فعاد أهلُ الترمذ إلى الترك
فاستنصّروهم فأبتَوا ، فقالوا لهم: قد غزاهم قومٌ منهم وحصر وهم، فإنْ أعنّاهم
عليهم ظفِرْنا بهم . فسارت الترْك مع أهل الترْمذ فى جمع كثير ، فأطاف
بموسَى الترك والخُزَاعِىّ، فكان يُقَاتِل الخُزاعىّ أول النهار والتركَ آخِر
النهار، فقاتلتهم شهرين أو ثلاثة ، فقال موسى لعمرو بن خالد بن حصين (٢)
الكلابىّ- وكان فارسًا: قد طال أمرُنا وأمرُ هؤلاء، وقد أجمعتُ أن أبيِّت عسكرَ
الخُزَاعِىّ ، فإنهم للبيات آمنون، فما ترى ؟ قال: البيئَات نعمًا هو،
وليكن ذلك بالعَجَمَ، فإنّ العرب أشدّ حَذَرًاً، وأسرع فَزَعًا، وأجرَأ
على الليل مِن العَجَمَ، فبَيِّتْهم فإنّ أرجو أن ينصرَنا الله عليهم، ثمّ ننفرد
لقتالِ الحُزَاعِىّ فنحن فى حصن وهم بالعَراء ، وليسوا بأوْلى بالصبر، ولا
أعلم بالحرب منّا. قال: فأجمَعَ موسى على بياتِ الترك ، فلما ذهب من
الليل ثُلكُه خرج فى أربعمائة ، وقال لعمرو بن خالد: اخرجوا بعدنا وكثُونوا
منّا قريبًا؛ فإذا سمعتم تكبيرنا فكبّروا، وأخذ على شاطئ النهر حتى ارتفع فوق
العسكر ، ثمّ أخذ من ناحية كفتان، فلمّا قرُبَ من عسكرهم جعل أصحابه
أرباعًا، ثمّ قال: أطيفوا بعسكرهم ؛ فإذا سمعتم تكبيرَنَا فكبِّرُوا، وأقبَل
١١٥٠/٢
(١) هو أمية بن عبدالله بن خالد بن الوليد .
(٢) ب، ر: ((حصن)) .

٤٠٢
سنة ٨٥
وقدَّم عَمْراً بين يديه ومشَوْا خلفه ، فلما رأتْه أصحاب الأرصاد قالوا : من
أنتم ؟ قالوا : عابِرى سبيل .
١١٥١/٢
قال : فلما جازوا الرَّصَد تفرقوا وأطافوا بالعسكر وكبّروا ، فلم يشعر
الترك إلا بوَقْع السيوف ، فثاروا يقتل بعضهم بعضًا وولّا ، وأصيب من
المسلمين ستّة عشر رجلاً ، وحَووا عسكرَهم وأصابوا سلاحًا ومالاً، وأصبح
الخُزاعىّ وأصحابه قد كسرَهم ذلك(١)، وخافوا مثلها من البسيات، فتحذّروا(٢).
فقال لموسى عمرو بن خالد: إنك لا تتَظفر (٣) إلا بمكيدة (٤) ولهم أمداد وهم
يكثرون ، فدَعْنى آتِهم لعلّى أصيب من صاحبهم فرصة ؛ إنى (٥) إن
خلوتُ به قتلتُه، فتناولْى بضرب، قال : تتعجّل الضّرب وتتعرّض للقتل!
قال: أما التعرّض للقَتْل فأنا كلّ يوم متعرِّضٌ له، وأما الضرب فما أيْسَرَهُ
فى حَنْب ما أريد. فتناوله بضرب؛ ضربه خمسين سَوْطًا، فخرج من
عسكر موسى فأتى عسكر الخُزاعىّ مستأمِنًّا وقال: أنا رجل من أهل اليمن
كنتُ مع عبد الله بن خازم ، فلما قُتِلِ أتيتُ ابنَه فلم أزل معه، وكنتُ
أوّل من أتاه ، فلما قدمت اتهمسَى، وتعصّب علىّ، وتنكّر لى وقال لى: قد
تعصّبت لعدونا، فأنت عينٌ له، فضَرَبنى، ولم آمَن القَتْل، وقُلت: ليس
بعد الضرب إلا القتل ، فهربت منه ، فآمنه الخُزاعىّ وأقام معه .
قال : فدخل يومًاً وهو خالٍ ولم يَرْ عنده سلاحًا، فقال كأنه يَنصّح
له: أصلّحتك اللّه! إنّ مثلك فى مثلِ حالك لا ينبغى أن يكون فى حال
من أحواله بغيرِ سلاح ، فقال : إنّ معى سلاحًا ، فرفَع صدر فراشه فإذا
سَيفٌ منتضّى، فتناوَلَه عَمرو فضربه فقتله ، وخرج فركب فرستَه ، ونذروا
به بعد ما أمعَن ، فطلبوه ففاتتهم ، فأتى موسى وتفرّق ذلك الجيش ، فقطع
بعضُهم النهر، وأتى بعضُهم موسى مستأمِنًا، فَآمنه، فلم يوجُّه إليه أميّةُ أحدًاً.
قال : وعُزِل أميّة ، وقدَدم المهلب أميراً، فلم يتعرِض لابن خازم ،
(١) ب: ((ذلك)).
(٢) ب: ((فتحرزوا)).
(٣) ب: ((إنكم لا تظفرون)) .
(٥) ب: ((فإنى)).
(٤) ب: ((لمكيدة)).
:

٤٠٣
سنة ٨٥
وقال لبنيه: إياكم وموسى، فإنكم لا تزالون وُلاةَ هذا الثغرما أقام هذا الشطّ (١)
بمكانه، فإنْ قُتل كان أوّل طالع عليكم أميراً على خُراسان رجلٌ من
قيس . فماتَ المهلب ولم يوجّه إليه أحداً ، ثم تولى (٢) يزيدُ بنُ المهلب فلم
يَعرِض له . وكان المهلب ضرب حُرَيْثَ بن قُطْبة الحُزَاعِىّ، فخرج هو
وأخوه ثابت إلى موسى ، فلما ولى يزيد بن المهلب أخذ أموالهما وحرَمَهما
وقَتَّل أخاهما لأمهما ؛ الحارث بن مُنقِذٍ ، وقَتلَ صِهراً لهما كانت عنده
أمّ حفص ابنةُ ثابت ، فبلغهما ما صنع يزيد .
١١٥٢/٢
قال : فخرج ثابت إلى طَرْخون فشكا إليه ما صنع به - وكان ثابت
محبًّا فى العَجَم ، بعيدَ الصّوت، يعظمونه ويثقون به ، فكان الرّجل منهم
إذا أعطَى عهداً يريدُ الوَفاء به حلفَ بحياة ثابت فلا يتغدر - فَغَضِب له
طَرْخون وَجَمَعَ له نَيْزك والسَّبَل وأهلَ بخارى والصّغَانيان، فَقَدٍ موا مع
ثابت إلى موسى بن عبد اللّه، وقد سُقِط إلى موسى فَلّ عبد الرحمن بن العباس
مِن هَرَاةَ ، وفلّ ابن الأشعث من العراق ومن ناحية كابُل ، وقومٌ من بنى
تميم ممن كان يقاتل ابنَ خازم فى الفتنة من أهل خُراسان ، فاجتمع إلى موسى
ثمانية آلاف من تميم وقيس وربيعة واليمن، فقال له ثابت وحرَيْث : سرْ
تقطع النهر فتُخرِج يزيدَ بنَ المهلب عن خُراسان؛ وذوليك، فإنّ طَرْخون
وذَيَزَك والسبل وأهلَ بُخارَى معك، فهمّ أن يفعل ، فقال له أصحابه :
إنّ ثابتً وأخاه خائفان ليزيد، وإن (٣) أخرجت يزيدَ عن خُراسان وأمِنَا تولّيًا
الأمر وغطّباك على خُراسان، فأقمْ مكانك. فقبل رأيتهم ، وأقام بالترْمِذ.
وقال لثابت: إنْ أُخرِجْنا يزيدَ قَدِمِ عاملٌ لعبد الملك، ولكنا نخرِج عمَّل
يزيدَ من وراء النهر مما يلينا ، وتكون هذه الناحية لنا نأكلها . فرضى ثابت
بذلك ، وأخرج من كان من عمال يزيدَ من وراء النهر ، وحُملت إليهم
الأموالُ، وقوىَ أمرُهم وأمرُ موسى، وانصرف طرخون ونيزك وأهل بخارى والسبل
إلى بلادهم ، وتَدْ بير الأمر لحريْت وثابت، والأميرُ موسى ليس له غيرُ الاسم،
١١٥٣/٢
(١) الشط : الثقيل البطن، أو الكوسج الذى عرى وجهه من الشعر.
(٢) ر: ((ولى))، س: ((نزل)).
(٣) ب: ((فإن)).

٤٠٤
سنة ٨٥
فقال لموسى أصحابُه : لسنا نرى من الأمر فى يديك شيئًا أكثرَ من اسم
الإمارة، فأمَّا التدبير فلِحُريث وثابت، فاقتُلْهما وتولَّ الأمر. فأبى وقال :
ما كنت لأغدر بهما وقد قوَّيا أمرى ، فحسَدُوهما وألحّوا على موسى فى
أمرهما حتى أفسدوا قلبه، وخوّفوه غدرَهما، وهمَّ بمتابعتهم على الوثُوب
بثابت وحُريث . واضطرَب أمرُهم؛ فإنهم لفى ذلك إذْ خرجتْ عليهم الهَيَاطِلة
والتَُّّت والتُّرك، فأقبلوا فى سبعين ألفًا لا يعُدّون الحاسرّ ولا صاحبَ بَيْضْة
جمّاء، ولا يعدون إلاَ صاحبَ بَيْضة ذات قَوْنَس. قال: فخرج ابنُ
خازم إلى رَبَض المدينة فى ثلثمائة راجل وثلاثين مجفّضًا، وألقِىَ له كرسى"
فقعد عليه . قال: فأمر طَرْخون أن يثلم (١) حائطَ الرّبض ، فقال موسى:
دَعُوهم ، فهدموا ودخل أوائلهم ، فقال: دعُوهم يكثرون ، وجعل يقلّب
طَبْزِينًا بيده، فلما كثروا قال: الآن امنعوهم ، فركب وحمل(٢) عليهم
فقاتَتَهم حتى أخرَجهم عن الثُّلمة، ثمّ رجع فجلس على الكرسىّ وذمّر
الملكُ أصحابه ليعودوا، فأبَوْا، فقال لفرسانه: هذا الشيطان، منْ سَرّه أن
ينظرَ إلى رستم فلينظرْ إلى صاحب الكرسىّ، فمن أبى فليقدَمَ عليه. ثمّ
تحوّلت الأعاجم إلى رُسْتاقٍ كفتان. قال: فأغاروا على سَرْح موسى، فاغّمٌ
ولم يَطعم ، وجعلَ يَعبتُ بلحيته، فسار ليلا على نهر فى حافَتَيْه(٣)
نبات لم يكن فيه ماء، وهو يُفضى إلى خَندَقهم ، فى سبعمائة ، فأصبحوا عند
عسكرهم ، وخرج السَّرْح فأغار عليه فاستاقه ، وأتبعه قومٌ منهم ، فعطف
عليه سَوَّار، مولّى لموسى ، فطعن رجلاً منهم فصرَعتَه، فرجعوا عنهم وستَلِيم
مُوسى بالسَّرح. قال: وغاداهم العَجَمَ القتال، فوقف مَلِكُهم على تلّ فى
عشرة آلاف فى أكمل عُدّة ، فقال موسى: إن أزلم هؤلاء فليس الباقون
بشىء. فقصد لهم حُرَيْثُ بن قُطْبة فقاتَهم صدرَ النهار، وألحّ عليهم حتى
أزالوهم عن التلّ، ورُمى يومئذ حُرَيَث بُنشابة فى جبهته، فتحاجزوا، فبيتهم
موسى ، وحمل أخوه خازم بن عبد الله بن خازم حتى وصل إلى شمعة ملكهم،
١١٥٤/٢
(١) ب: ((يستلم)).
(٣) ب: ((ناحيتيه)).
(٢) ب: ((وركب فحمل)).

٤٠٥
سنة ٨٥
فوجأ رجلاً منهم بقَبيعة (١) سيفِه، فطعن فرسه، فاحتملَه فألقاه فى نهر
بَلْخ فَغَرَق، وعليه درْعان ، فقتل العجمَ قَتْلاً ذريعًا ، ونجا منهم من
نجا بشرّ، ومات -حُرَبَث بن قطبة بعد يومين، فدُفن فى قبّته .
١١٥٥/٢
قال : وارتحل موسى، وحَملوا الرءوسَ إلى التِّرْمذ، فبنَوا من تلك الرءوس
جَوْسَقَين، وجعلوا الرءوسَ يقابل بعضها بعضًا. وبلغ الحجاجَ خبرُ الوقعة،
فقال : الحمد لله الذى نَصَر المنافقين على الكافرين ، فقال أصحاب موسى:
قدكُفِينا أمرَ حُريث، فأرحْنا من ثابت، فأبى وقال: لا . وبلَغَ ثابتاً بعضُ
ما يخوضون فيه، فدسّ محمد بن عبد الله بن مَرَثَد الخُزَاعِىّ، عمّ نتَصْر بن
عبد الحميد عامل أبى مسلم على الرّىّ - وكان فى خدمة موسى بن عبد الله - وقال
له : إياك أن تتكلم بالعربية ، وإن سألوك من أين أنتَ! فقل: من سَبْى
الباميان (٢)، فكان يخدُم موسى وَيَنقُل إلى ثابت خبرَهم ، فقال له :
تحفَّظْ ما يقولون . وحذر ثابت فكان لا ينام حتى يرجعَ الغلام ، وأمر قوماً
من شاكرِيّته يحرسونه وَيَبيتون عندَه فى داره ، ومعهم قوم من العَرَب،
وألحّ القوم على موسى فأضجروه، فقال لهم ليلةً: قد أكثرتم علىّ، وفيم تريدون
هلاككم ، وقد أبر مْتمونى! فعلى أىّ وجه تُفْتِكون به، وأنا لا أغدِر به! فقال
نوح بن عبد الله أخو موسى: خَلِّنا وإياه ، فإذا غدا إليك غُدوةً عَدلْنا به
إلى بعض الدّور ، فضربْنا عنقَه فيها قبل أن يصلَ إليك ، قال: أما والله
إنه هلاككم، وأنتم أعلم - والغلام يسمع - فأتى ثابتاً فأخبره، فخرج من
ليلته فى عشرين فارسًا ، فمضى، وأصبحوا وقد ذهب فلم يَدْروا من أين أوتُوا ،
وفتَقَدوا الغلام ، فعلموا أنه كان عَيْناً له عليهم ، ولحق ثابت بحشورا فنزل
المدينة، وخرج إليه قومٌ كثير من العَرَب والعجم، فقال موسى لأصحابه:
قد فتحتَ على أنفسكم بابًا فسُدّوه ، وسار إليه موسى(٣)، فخرج إليه ثابت
فى جمع كثير فقاتلهم ، فأمر موسى بإحراق السور ، وقاتلَهم حتى ألحثوا
ثابتًا وأصحابه إلى المدينة ، وقاتلوهم عن المدينة .
١١٥٦/٢
(١) القبيعة : ما يكون على طرف مقبض السيف، تكون من فضة أو حديد.
(٢) ر: ((البابيان)).
(٣) ب: ((موسى إليه)).

٤٠٦
سنة ٨٥
فأقبل رقبة بن الحرّ العَنبرىّ حتى اقتحم النار (١)؛ فانتهى إلى باب المدينة
ورجل من أصحاب ثابت واقفٌ يحمى أصحابته ، فقتله ، ثم رجع فخاض
النار وهى تلتهيب، وقد أخذتْ بجوانب تمَط عليه، فرَى بِه عنه ووقف،
وتحصّن ثابت فى المدينة، وأقام موسى فى الرّبَض، وكان ثابت حين شخص
إلى حشورا أرسَل إلى طَرْخون، فأقبَل طرْخون مُعينًا له، وبلغ موسى مجىءُ
طَرْخون، فرجع إلى التّرْمِذِ، وأعانه أهلُ كِسّ ونَسَف وبُخارَى، فصار
ثابت فى ثمانين ألفًا ، فحَصروا موسى وقطعوا عنه المادّة حتى جُهدوا .
قال : وكان أصحابُ ثابت يعبرُون نهرًا إلى موسى بالنهار -ثمّ يرجعون
بالليل إلى عسكرهم ، فخرج يومًا رَقَبَة - وكان صديقًا لثابت ، وقد كان
يَنهى أصحاب موسى عمّا صنعوا - فنادى ثابتًا، فبرز له- وعلى رَقَبَة قَبَاء
خَزّ - فقال له : كيف حالك يا رَقبة ؟ فقال : ما تسأل عن رَجل عليه
جُبّة خَزّ فى حَمَارَّة القَيْظ! وشكا إليه حالهم ، فقال: أنتم صنعتم هذا
بأنفسكم، فقال: أما والله ما دخلتُ فى أمرِهِم، ولقد كرهتُ ما أرادوا، فقال
ثابت : أين تكون حتى يأتيك ما قُدّر لك؟ قال: أنا عند المُحلّ الطفاوىّ -
رجلٌ من قيس من يَعْصُر - وكان المحلّ شَيخًاً صاحب شراب - فنزل
رَقَبَة عندَه .
١١٥٧/٢
قال : فبعث ثابت إلى رَقَبة بخمسمائة درهم مع علىّ بن المهاجر الخُزاعىّ،
وقال : إنّ لنا تجّاراً قد خرجوا من بَلْخَ، فإذا بلغك أنهم قد قَدِ موا فأرسِلْ
إلىّ تأتِكَ حاجَتُك. فأتى على باب المُحِلّ، فدخل فإذا رَقَة والمحُلّ
جالسان بينهما جَفْنة فيها شراب ، وخِوانٌ عليه دجاج وأرغفة، ورقبة
شَعث الرأس، متوشّح بملحفة حمراء، فدفع إليه الكيس، وأبلغته الرسالة
وما كلمه، وتناوَلَ الكيس وقال له بيَدِهِ، اخرجْ، ولم يكلِّمه . قال : وكان
رقبةُ جَسياً كبيراً، غائرَ العينين، ناتى الوَجْتَين، مفلج، بين كلِّ
سِنَّيْن له موضع من"، كأنّ وجَهه تُرْس .
(١) ب: ((الباب)).
:

٤٠٧
سنة ٨٥
قال : فلمّا أضاق أصحابُ موسى واشتدّ عليهم الحصار قال يزيد بنُ
هزيل: إنما مقام هؤلاء مع ثابت والقّْل أحسَنُ من الموت جُوعًا، والله لأفتكنَّ
بثابت أو لأموتَنّ. فخرج إلى ثابت فاستأمَنََّه، فقال له ظُهير: أنا أعرفُ
بهذا منك، إنّ هذا لم يأتِك رغبةً فيك ولا جَزّعاً لك، ولقد جاءك بغُدْرَة،
فاحذَرْه وخَلّتى وإياه ، فقال: ما كنتُ لأقدم على رَجل أتانى ، لا أدرى
أكذلك هو أم لا . قال : فدَعْنى أرتهن منه رَهْنًا، فأرسل ثابت إلى يزيدَ
فقال: أما أنا فلم أكن أظنّ رجلا يغدر بعد ما يَسأل الأمان، وابنُ عمِّك
أعلَم بك منى، فانظر ما يُعامِلِك عليه، فقال يزيد لظُهير: أبيتَ يا أبا سعيد
إِلا حَسَداً! قال: أما يكفيك ما تَرَى من الذُّلّ! تشرّدتُ عن العِراق
وعن أهلى ، وصرتُ بخُراسان فيما ترى ، أنما تَعطفك الرَّحمُ ! فقال له
ظُهير : أما والله لو تُركْتُ ورأيى فيكَ لما كان هذا، ولكن أَرْهِنّا ابْنِيْك
قُدامة والضحّاك. فدَفَعهما (١) إليهم، فكانا فى يدىْ ظُهير .
١١٥٨/٢
قال : وأقام يزيدُ يلتمس غِرّةَ ثابت ، لا يَقدِر منه على ما يريد ،
حتى مات ابنٌ لزياد القصير الحُزَاعِىّ، أتى أباه نَعيّه من مَرْوَ، فخرج
متفضّلًا إلى زياد ليعزّيه ، ومعه ظُهير ورَهطٌ من أصحابه ، وفيهم يزيد بن
هُزّيل، وقد غابت الشمس، فلما صار على نهر الصغَانيَان تأخّر يزيدُ بن
هزيل ورجلان معه ، وقد تقدم ظُهير وأصحابه ، فدنا يزيد من ثابت فضربه
فعضّ السيف برأسه ، فوصل إلى الدماغ . قال: ورمى يزيد وصاحباه بأنفسِهِم
فى ذَهْرِ الصَّغَانِيان، فرمْوهم، فنجا يزيدُ سباحة وقُتل صاحباه، وحُميل
ثابت إلى منزله، فلما أصبح طَرْخون أرسَل إلى ظهير: ائِتِى بابنَىْ يزيدَ،
فأتاه بهما ، فقدّم ظهيرٌ الضّحاك بنَ يزيدَ فَقَتّله ، ورمى به وبرأسه فى
النهر، وقدّم قدامَة ليقتلَه، فالتفتَ فوَقَعَ السيف فى صَدْرُه، ولم يُبِنْ،
فألقاه فى النهر حيًّا فغرق، فقال طرخون: أبوهما قتلهما وغدرُه . فقال یزید بن
هزيل : لأقتلنّ يابنىّ كلَّ خُزاعىّ بالمدينة، فقال له عبدُ الله بنُ بُدَيَل بنِ
عبد الله بن بُدَيَل بنِ وَرْقَاء - وكان ممن أنىَ موسى من فَلّ ابن الأشعث :
(١) ب ((فدفعهم)).

٤٠٨
سنة ٨٥
لو رُمْتَ ذاكَ من خُزاعة لَصعُب عليكَ. وعاش ثابت سبعة أيام ثمّ
مات . وكان يزيدُ بن هزيل سخيًا شجاعًا شاعراً ، ولى أيّام ابن زياد
١١٥٩/٢ جزيرةَ ابن كاوان، فقال:
قد كنتُ أَدعو الله فى السرّ مخلصاً ليُمْكِنّنِى من جزيةٍ ورِجالٍ ")
ويُحمَدُ فيها نائلى وفِعالى
فأَتْرُك فيها ذِكْرَ طَلحةَ خاملًا
قال: فقام بأمرِ العَجَمَ بعد موت ثابت طَرْخون، وقام ظُهَير بأمر
أصحابٍ ثابت ، فقاما قيامًاً ضعيفاً، وانتَشَر أمرُهم ، فأجمع موسى على
بَيَاتِهم، فجاء رجلٌ فأخبرَ طرخون، فضَحِك وقال: موسى يعجز أن
يدخل متوضّأه، فكيف يبيِّتنا! لقد طار قلبك، لا يحرسنّ الليلة أحدٌ العسكر.
فلما ذهب من الليل ثُلثُه خرج موسى فى ثمانمائة قد عبّاهم من النهار ،
وصيّرهم (٢) أرباعًا. قال: فصيّر على رُبْعَ رَقَة بن الحرّ وعلى رُبْع
أخاه نُوح بن عبد الله بن خازم ، وعلى رُبْع يزيدَ بن هزيل ، وصار هو
فى ربع، وقال لهم: إذا دخلتم (٣) عسكرَهم فتفرّقوا، ولا يُمُرَّن أحدٌ منكم
بشىء إلا ضربه ، فدخلوا عسکرهم من أربع نواحٍ لا يمرّون بدابة ولا رجل
ولا خِباء ولا جوالق إلا ضَرَبوه. وسمع الوجبة فَيْزك فتلبس سلاحه،
ووقف فى ليلة مظلمة، وقال لعلىّ بنِ المُهاجر الخُزاعىّ: انطلق إلى
طرْخونَ فأعِلِمه مَوَقِفى، وقل له: ما ترَى أعمل به، فأتى طرخونَ ، فإذا هو
فى فازة(١) قاعدٌ على كرسىّ وشاكريته قد أوقدوا النيران بين يديْه، فأبلغه رسالة
نَزَك، فقال: اجلس"، وهو طامح ببصره نحو العسكر والصّوت ، إذا
أقبل مَحْمِيَةُ السُّلَمِىّ وهو يقول: ((حم لا يُنْصَرَوَنَ))، فتفرّق فى الشاكرّية،
١١٦٠/٢ ودخل محمِيَةُ الفازة، وقام إليه طَرْخون فَبَدَرَه فضربه، فلم يُغنِ شيئًا،
قال : وطَعَنتَه طرْخون بذُباب السيف فى صَدْرِهِ فصَرَعه، ورجع إلى الكرسى
فجلس عليه ، وخرج محمِيةٍ يَعْدُو .
(١) ب، ر: ((حربه وحلالى)).
(٣) ب: ((ادخلوا)).
(٢) ب: (( وميزهم)).
(٤) الفازة : مظلة تمد بعمود.

سنة ٨٥
٤٠٩
قال : ورجعت الشاكرّية، فقال لهم طَرْخون: فَرَرتم من رجل! أرأيتم
لو كان نارًا هل كانت تَحرِق منكم أكثرَ من واحد! فما فَرَغ من كلامه
حتى دخل جوارِيه الفازَة، وخَرَج الشاكرّية هُرّاباً، فقال للجوارى :
اجلِسْن، وقال لعلىّ بن المهاجر: قُمْ، قال: فخرجا فإذا نوح بنُ عبد اللّه
ابن خازم فى السُّرادق، فتجاوَلاً ساعة ، واختلفا ضربتيْن، فلم يَصنتَعا
شيئًا، وولّى نوح وأتبعه طَرْخون، فطَعَن فرسَ نُوح فى خاصِرَته فشَبّ،
فسَقَطَ نُوح والفَرَس فى نهر الصَّغانيان، ورجع طَرْخون وسيفُهُ يَقْطُر
دمًا، حتى دخل السرادق وعلىّ بن المهاجر معه، ثمّ دخلا الفازة.
وقال طَرْخون للجوارى: ارجعن، فرَجَعَن إلى السرادق؛ وأرسَلَ
طرخون إلى موسى : كُفّ أصحابك ؟ فإنا نرتحل إذا أصبحْنا ، فرجتَع
موسى إلى عسكره ، فلما أصبحوا ارتَحَل طَرْخون والعَجتم جميعًا، فأتى
كلّ قوم بلادهم. قال: وكان أهلُ خُراسانَ يقولون: ما رأيتْنا مِثلَ موسى
ابن عبد الله بن خازم، ولا سمعنا به، قاتَلَ مع أبيه سنتين ، ثمّ خرج يسير
فى بلاد خُراسان حتى أتى ملِكا فغتكتبه على مدينته وأخرجه منها ، ثمّ سارت
إليه الجنُود من العَرَب والترك فكان يُقاتِلَ العَرَب أوّل النهار والعجم
آخر النهار ، وأقام فى حصنه خمسَ عشرةَ سنة، وصار ما وراء النهر
موسی ، لا يُعازہ فیه أحدٌ .
١١٦١/٢
قال: وكان بقُومِسَ رجلٌ يقال له عبد الله، يجتمع إليه فتيانٌ يتنادّ مون
عندَه فى مؤونته ونفَقَتّه ، فلزِمه دَيْن ، فأتىَ موسى بن عبد الله، فأعطاه
أربعةَ آلاف، فأتى بها أصحابَه، فقال الشاعر يُعاتِب رجلا يقال له موسى:
ولا وَاهِبِ القَيْنَات موسَى بنُ خازمِ
فما أَنتَ مُوسَى إِذ يُناجِى إِلهَهُ
قال : فلما عزل يزيدُ ووُلِىَ المفضّل خُراسانَ أراد أن يحظى عند
الحجّاج بقتال موسى بن عبد اللّه، فأخرج عثمانَ بنَ مسعود - وكان يزيدُ
حبَسَة - فقال: إنى أريد أن أوجُّهَك إلى موسى بن عبد الله، فقال: والله
لقد وَتَرَنى، وإنّى الثائر بابن عمتى (١) ثابت وبالخُزاعى"، وما يَد أبيك
(١) س: ((عمى)).

٤١٠
سنة ٨٥
وأخيك عندى وعندَ أهل بيتى بالحسنة ، لقد حبستمونى وشرّدّتم بنى عمّى ،
واصطفَيْم أموالهم. فقال له المفضَّل: دَعْ هذا عنك، وسرْ فَأَدْرِكْ بثأرِك،
فوجّهه فى ثلاثة آلاف، وقال له : مُرْ مناديًا فليُناد : مَن لحق بنا فله
ديوان، فنادَى بذلك فى السوق ، فسارَعَ إليه الناس . وكتب المفضّل إلى
مُدرِك وهو بَلْخَ أن يسيرَ معه، فخرج، فلما كان ببلْخ خرج ليلةٌ يطوف
فى العسكر، فسَمِع رجلا يقول: قتلتُهُ واللّهِ، فرَجَع إلى أصحابه، فقال:
١١٦٢/٢ قتلتُ موسى ورب الكعبة!
قال: فأصبَح فسار مِنْ بَلْخ وخرج مدرك معه مُتثاقِلاً ، فقطع النهرَ
فنزل جزيرةً بالتُّرمِذ يقال لها اليومَ جزيرة عثمان - لنزول عثمان بها فى خمسة
عشر ألفًا - وكتب إلى السَّبَل وإلى طَرْخونَ فقدموا عليه، فحَصَروا
موسى ، فضيَّقوا عليه وعلى أصحابه ، فخرج موسى ليلاً فأتى كفتان ، فامتار
منها ، ثمّ رجع فمكث شهرين فى ضيق، وقد خَنْدَق عمان وحذر البََّات ،
فلم يَقدِرِ موسى منه على غِرَّة ، فقال لأصحابه : حتى متى! اخرُجُوا بنا
فاجعلوا يومتكم؛ إما ظفرتم وإما قُتِلِّم. وقال لهم: اقصِدوا للصّغْد والترك،
فخرج وخلّف النضرَ بنَ سليمان بن عبد الله بن خازم فى المدينة ، وقال له :
إن قُتلتُ فلا تدفعنّ المدينةَ إلى عثمان، وادفَعْها إلى مُدرِك بن المهلّب.
وخرج فصيّر ثُلثَ أصحابه بإزاء عثمان وقال : لا تها يجوه إلا أن يقاتلكم ،
وقصد لطَرْخون وأصحابه، فَصدقوهم، فانهزم طرْخونُ والترك، وأخذوا
عسكرَهم فجعلوا يَتَقلُونه، ونظر معاويةُ بن خالد بنِ أبى بَرْزة إلى عثمانَ
وهو على بِرْذَوْن لخالد بن أبى برزة الأسلميّ، فقال: انزِل أيها الأمير ،
فقال خالد: لا تنزلْ فإنّ معاوية مشئوم. وكرّت الصُّغْد والترك (١)
راجعةً ، فحالوا بين موسى وبين الحصن، فقاتلَهم، فعُقر به فستقَط ، فقال
لمولّى له: احملنى، فقال: الموتُ كرِيه ، ولكن ارتدف ، فإنْ نجوْنا نجونا
جميعًا، وإن هلكْنا هلكنا جميعًا. قال: فارتدف ، فنظر إليه عثمانُ حين
١١٦٢/٢ وَتَب فقال: وَتْبةُ موسى وربّ الكعبة! وعليه مِغفَرَ له مُوشَّى بخزّ أحمر
(١) ب: ((الترك والصغد)).

٤١١
سنة ٨٥
فى أعلاه (١) ياقوتة اسما نسْجُونِيَّة، فخرج من الخندق فكشفوا أصحابَ موسى.
فقصد لموسى، وعثرتْ دابة موسى فستقتَط هو ومَوْلاه ، فابتدَرُوه فانطَووا
عليه فقتلوه ، ونادى منادى عثمان: لا تقتُلُوا أحداً، من لقيتموه فخُذُوه
أسيراً .
قال: فتفرّق أصحابُ موسى، وأسِر منهم قومٌ ، فعُرضوا على عثمان،
فكان إذا أتِىَ بأسير من العرب قال : دماؤُنا لكم حلال ، ودماؤكم علينا
حرام! ويأمر بقتلِهِ، وإذا أتِىَ بأسير من الموَالِى شَتْمَه ، وقال: هذه العربُ
تقاتلنى ، فهَلّ غضبتَ لى! فيأمر به فيُشِدَخ. وكان فَظًّا غليظًا، فلم
يسلّم عليه يومئذ أسيرٌ إلا عبد اللّه بنَ بُدَيل بنِ عبد الله بن بُديل بن
ورْقاء ؛ فإنه كان مولاه ، فلما نظر إليه أعرض عنه وأشارَ بيده أن خَلّوا عنه،
ورَقَّة بن الحرّ لما أُتِىَ به نَظَر إليه وقال: ما كان من هذا إلينا كبيرٌ ذَقْب،
وكان صديقاً لثابت، وكان مع قوم فَوَفى لهم، والعَجَب كيف أسرْ تُموه!
قالوا : طُعن فرسُه فسَقَط عنه فى وهدة فأسر ؛ فأطلَقه وحَملَه، وقال
الخالد بن أبى بَرْزة: ليكُنْ عندَك. قال: وكان الذى أجهز على موسى
ابنِ عبد اللّه واصِلُ بن طَيْسلة العَبْرىّ.
ونظر يومئذ عثمانُ إلى زُرعة بن عَلْقمة السُّلَمَىّ والحجاج بن مروانٍ.
وسنان الأعرابيّ ناحيةً فقال: لكم الأمان، فظن الناس أنه لم يؤمنهم حتى كاتبوه.
١١٦٤/٢
قال: وبقيت المدينةُ فى يَدَى النضربن سليمان بن عبد الله بن خازم، فقال:
لا أدفعُها إلى عثمانَ، ولكنى أدفعُها إلى مُدرك، فدفَعَتَها إليه وآمنه، فدفعتها
مُدرِك إلى عثمانَ. وكتب المفضّل بالفَتْح إلى الحجّاج، فقال الحجّاج: العجب
من ابن بَهْلة! آمرُه بقَتْل ابن سُرة فيكتب إلى أنه لمآبه ويكتب إلى : إنه
قََّل موسى بن عبد الله بن خازم ، قال: وقُتِل موسى سنة خمس وثمانين،
فذَكَر البحترىّ أن مَغراء بن المغيرة بن أبى صُفْرَة قَتَلَ موسى فقال :
ونوحاً وموسى عَرَكَةً بالكَلاَكل
وقد عَرَكتْ بالتِّرمِذ الخيلُ خازماً
(١) ب: ((وفى أعلا)).
٠٠

٤١٢
سنة ٨٥
قال: فضرب رجل من الجند ساقَ موسى، فلما ولّى قتيبة أخبر عنه فقال:
ما دعاك إلى ما صنعتَ بفتى العرب بعد مَوْته! قال : كان قَتَّل أخرى ،
فأمَر به قُتَيبة فقُتِل بين يديه .
1
[ عزم عبد الملك بن مروان على خلع أخيه عبد العزيز ]
وفى هذه السنة أراد عبدُ الملك بن مروانَ خلع أخيه عبد العزيز بنِ
مَرْوان.
ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمرهما فيه :
ذكر الواقديّ أنّ عبدَ الملك همّ بذلك، فَنهاه عنه قبيصةُ بنُ ذُؤَيَب،
وقال: لا تفعل هذا، فإنك باعثّ على نفسك صوتَ نعَّار(١)، ولعلّ الموتّ
يأتيه فتستريحَ منه! فكفّ عبدُ الملك عن ذلك ونفسهُه تُنازِعِه إلى أن يَخلَعَه.
ودخل عليه رَوْح بنُ زِنْباع الجُدامىّ - وكان أجلَّ الناسِ عندَ عبد الملك -
فقال: يا أميرَ المؤمنين، لو خلعتَه ما انتَطَح فيه عنْزان، فقال: ترَى
١١٦٥/٢ ذلك يا أبا زرْعة؟ قال: إى واللّه، وأنا أوّلُ من يُجيبُك إلى ذلك؛ فقال:
نَصيحٌ(٢) إن شاء الله. قال: فبينا هو على ذلك وقد نامَ عبدُ الملك ورَوْح
ابنُ زِنْباع إذ دخل عليهما قَبِيصة بن ذؤيب طروقاً، وكان عبدُ الملك قد
تقدّم إلى حُجّابه فقال: لا يحجب عنّى قبيصة أىّ ساعة جاءً من ليل أو نهار،
إذا كنت خاليًا أو عندى رجل واحد ، وإن كنت عند النساء أدخل المجلس
وأعلِمتُ بمكانه فَدَخَل، وكان الخاتمُ إليه، وكانت السكّة إليه، تأتيه الأخبارُ
قبل عبد الملك ، ويقرأ الكتبَ قبله، ويأتى بالكتاب إلى عبد الملك مَنْشوراً
فيقرؤه، إعظامًا لقبيصة - فدخل عليه فسلم عليه وقال: آجرَك اللّهُ يا أمير المؤمنين
فى أخيك عبد العزيز! قال : وهل تُوفِى ؟ قال: نعم ، فاسترجَع
عبدُ الملك ، ثمّ أقبَل على رَوْح فقال: كفانا اللّه أبا زُرْعة ما كنا نريد
وما أجمَعْنا عليه ، وكان ذلك مخالفًا لك يا أبا إسحاق، فقال قبيصة :
ما هو ؟ فأخَبَرَه بما كان ؛ فقال قبيصة : يا أميرَ المؤمنين، إنّ الرأى كله
(٢) ابن الأثير: ((نصبح)).
(١) ابن الأثير: ((عار)).

٤١٣
سنة ٨٥
فى الأناة، والعجلةُ فيها ما فيها، فقال عبدُ الملك: ربما كان فى العجلة
خيرٌ كثير، رأيتَ أمرَ عَمرو بنِ سعيد ، ألم تكن العَجلة فيه خيراً من التأنّى!
[خبر موت عبد العزيز بن مروان ]
وفى هذه السنة تُوفِّيَ عبدُ العزيز بنُ مَروانَ بَمصرَفى جمادى الأولى،
فضمّ عبد الملك عَملَه إلى ابنه عبدِ الله بن عبد الملك، وولّاه مصر .
١١٦٦/٢
وأما المدائنىّ فإنه قال فى ذلك ما حدّثنا به أبو زيد عنه، أنّ الحجّاج
كَتَّب إلى عبد الملك يزيّن له بيعةَ الوليد، وأوفَدَ وفداً فى ذلك عليهم عمران
ابن عصام العنزىّ، فقام عِمْران خطيبًا، فتكلّم وتكلّم الوَفْد وَحثّوا
عبدَ الملك ، وسألوه ذلك ، فقال عمران بنُ عِصام :
على النأى التحيَّةَ والسلاما(١)
أَميرَ الْمُؤْمنِينَ إِليك نُهدِی
لهمْ عادِيّةً ولنا قِوَاهَا
أجِبْنی فی بنیك یکُنْ جوابی
فلو أَنَّ الوليدَ أُطاعُ فيه
شَبِيهُكَ حَول قُبَّتهِ قريشٌ
ومثلك فى الثُّقى لم يَصْبُ يوماً
فإِن تُؤْثِرْ أَخاكَ بِها فإِنَّا
ولكنَّا نُحاذرُ من بَنيه
ونخشى إِن جَعلتَ المُلكَ فيهِمْ
فلا يَكُ ما حَلبْتَ غدًا لقومٍ
فَأُقْسِمُ لو تَخَطَّأَى عِصَامٌ
ولو أَنِّ حَبَوتُ أَخاً بفضل
جَعَلتَ له الخلافةَ والذِّماما (٢)
به يَستَمِطِرُ الناسُ الغماما
لِدُنْ خَلَعَ القلائدَ والتِّماما
وجَدّكَ لا نُطِيقُ لها اتّهاما
بَنى العَلَّتِ مَأْذَرَةً سَمَا
سَحَاباً أَن تَعُودَ لهم جَهَامَا
وبعدَ غَدٍ بَنُوكَ هُمُ العِيامَا
بذلك ما عَذَرتُ به عِصَاما
أريدُ به المقالة والمقاما.
(١) الأغانى ١٦: ٥٨ (ساسى) وفيه: ((على الشحط)).
(٢) الأغانى: ((جعلت له الإمامة)).

٤١٤
سنة ٨٥
كذلك أَو ◌َرُمتُ له مرامَاً (١)
لعَقَّبَ فى بَنِىَّ على بنيه
١١٦٧/٢
فصَدعُ الملكِ أَبطؤهُ التَثَامَا
فَمَن يَكُ فِى أَقاربه صُدُوع
فقال عبدُ الملك: يا عِمرانُ، إنه عبد العزيز، قال: احتَلْ له
يا أميرَ المؤمنين .
قال علىّ: أراد عبدُ الملك بيعةَ الوليدِ قبل أمرٍ ابن الأشعث ، لأنّ
الحجَّاج بعثَ فى ذلك عمران بن عصام، فلما أبى عبدُ العزيز أعرض عبدُ الملك
عمّا أراد حتى ماتَ عبدُ العزيز، ولما أراد أن يَخلَحَ أخاه عبد العزيز ويُبَايِعَ
لابنه الوليد كتب إلى أخيه : إن رأيت أن تصيِّر هذا الأمر لابن أخيك! فأبى،
فكَتَب إليه: فاجعلْهاله من بعدك، فإنه أعزّ الخلق على أمير المؤمنين . فكتب
إليه عبد العزيز: إنى أرَى فى أبى بكر بن عبد العزيز ما تَرَى فى الوليد ،
فقال عبدُ الملك : اللهمّ إنّ عبد العزيز قَطعَى فاقطعْه. فكتب إليه
عبدُ الملك: احمل خراجَ مصرَ. فكتب إليه عبدُ العزيز: يا أميرَ المؤمنين، إنى
وإيّاكَ قد بلَغْنَا سِنَّا لم يبلْغها أحدٌ من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلا،
وإنّى لا أدرى ولا تَدِرِى (٢) أيُّنا يأتيه الموتُ أَوَلا! فإن رأيتَ ألّ تغنّت(٣) علىّ
بقية عمری فافعل".
١١٦٨/٢
فرقّ له عبدُ الملك وقال: لَعَمْرِى لا أغثّث عليه بقية مُمِره ، وقال
لابنّه: إن يُرد الله أن يُعطيكموها لا يقدِرْ أحدٌ من العباد على ردّ ذلك.
وقال لابنيه : الوليد وسليمان: هل قارْفتُما حَرَامًا قطّ ؟ قالا: لا والله،
قال : اللّهُ أكبر ، نِلتُماها ورب الكعبة!
قال : فلما أبى عبدُ العزيز أن يجيبَ عبدَ الملك إلى ما أراد ، قال
عبدُ الملك: اللهمّ قد قَطَعنى فاقطَعْه، فلما مات عبدُ العزيز قال أهلُ
الشأم : رَدّ على أمير المؤمنين أمره، فدعا عليه، فاستجيب له .
قال: وكتب الحجاج إلى عبد الملك يشيرُ عليه أن يستكتب محمد بن يزيد
الأنصارىّ، وكتب إليه: إن أردتَ رجلامأمونًا فاضلاً عاقلاً وَدِيعاً مُسلِمًاً
(١) ب: ((أو لزمت)). (٢) ب: ((ولا أرى)). (٣) لا تغثث على، أى لا تفسد.

٤١٥
سنة ٨٥
كَتُوماً تتخذه لنفسك، وتَضَع عندَهَ سِرَّك، وما لا تحبّ أن يَظهَر، فاتخذْ
محمد بن يزيدَ. فكتب إليه عبدُ الملك: احمله إلىّ. فَحَمله، فاتَّخذه
عبدُ الملك كاتبًا . قال محمد: فلم يكن يأتيه كتابٌ إلا دفعه إلىّ ، ولا
يَسترُ شيئًا إلا أخَبَنى به وكتّمه الناس، ولا يكتبُ إلى عامل من
عماله إلا أعلَمنيه، فإنى لجالسٌ يومًا نصف النهار إذا ببَريد قد قدم
من مصرَ ، فقال : الإذن على أمير المؤمنين . قلتُ : ليست هذه ساعة إذن ،
فأعلمنى ما قد قدمتَ له ، قال : لا . قُلت : فإن كان معك كتاب
فادفعه إلىّ. قال: لا ، قال : فأبلَغَ بعضُ من حضَرَنى أميرَ المؤمنين ،
فخرج فقال : ما هذا ؟ قلتُ: رسولٌ قَدم من مصرَ، قال: فخُذ الكتاب،
قلتُ: زَعَمَ أنه ليس معه كتاب، قال: فسَلْه عما قَدم له ، قلتُ : قد
سألتهُ فلم يُخِبِرْنى، قال أدخِلْه، فأدخلته، فقال: آجرك الله يا أميرَ المؤمنين
فى عبد العزيز! فاسترْجَعَ وبَكتى ووَجَمَ ساعةٌ ثمّ قال: يَرْحَم
اللّه عبدَ العزيز! مَضَّى واللّهِ عبدُ العزيز لشأنه، وتركَنَا وما نحن فيه ،
ثمّ بكى النساءُ وأهل الدار، ثمّ دعانى من غد، فقال: إنّ عبد العزيز
رحمه اللّه قد مَضَى لسبيله، ولا بدّ للناس من علم وقائم يقومُ بالأمْرِ من
يتعدى، فمن تَرَى؟ قلت : يا أميرَ المؤمنين ، سيّد الناس وأرضاهم وأفضلُهم
الوليدُ بنُ عبد الملك، قال: صدقتَ وفقك الله! فمن ترى أن يكون بعده(١)؟
قلت: يا أمير المؤمنين، أين تَعْدها عن سليمانَ فَتَّىَ العرب! قال: وفّقتَ، أما
إنَّا لو تركْنا الوليدَ وإياها لجعلتها لبنيه، اكتُب عهداً للوليد وسُليمانَ مِن بَعْدِهِ،
فكتبتُ بيعةَ الوليد ثم سليمان من بعده . نغضب علىَّ الوليدُ فَلم يُولَنِى
شيئًا حين أشرْتُ بسليمان من بعده .
١١٦٩/٢
قال علىّ، عن ابن جُعْدبة (٢): كتب عبدُ الملك إلى هشام بن
إسماعيلَ المخزومىّ أن يدعوَ الناس لبيعة الوليد وسليمان، فبايعوا غيرَ سعيد بن
المسيِّب ، فإنه أبى، وقال: لا أبايع وعبد الملك حتىّ ؛ فضَرَبَه هشام ضَرْبًا
(١) ب: ((ثم من))، ر: ((ثم قال من)).
(٢) ب: ((اين جمدة)). ر: ((عن أبى جعدبة)) .

٤١٦
سنة ٨٥
مُبرِّحًا وألبَسَه المسُوحَ، وسرّحه إلى ذباب- ثنية بالمدينة كانوا يُقتلون
١١٧٠/٢ عندَها ويُصلَبون فظنّ أنهم يريدون قتلَه، فلما انتهوا به إلى ذلك الموضع
رَدّوه ، فقال : لو ظننت أنهم لا يَصْلبونى ما لبستُ سراويلَ مُسوح ،
ولكن قلتُ : يصلبونى فيسترنى. وبلغ عبدَ الملك الخبرُ ، فقال: قبح اللّه
هشامًا! إنما كان ينبغى أن يدعوه إلى البيعة ، فإن أبى يضرب عنقه، أو
یکفّ عنه .
[بيعة عبد الملك لابنيه: الوليد ثم سليمان]
وفى هذه السنة بايع عبدُ الملك لابنتيه : الوليد ، ثمّ من بعدهِ لسليمان،
وجعَلَهَما وليَّىْ عهدِ المسلمين، وكتب ببيعتِهِ لهما إلى البُلدان، فبايع الناس،
وامتنع من ذلك سعيدُ بنُ المسيَّب ، فضربه هشام بن إسماعيل - وهو عامل
عبد الملك على المدينة - وطافَ به وحبسه، فكتب عبدُ الملك إلى هشام
يلومُهُ على ما فعل من ذلك، وكال ضربه ستّين سَوْطًا، وطاف به فى
تُبّان(١) شعر حتى بلغ به رأس الثنيّة .
وأما الحارث فإنه قال: حدّثنى ابن سَعْد، عن محمد بن عمتَر الواقدىّ،
قال : حدثنا عبدُ اللّه بنُ جعفر وغيرُه من أصحابنا قالوا: استعمَل عبدُ اللّه
ابنُ الزبير جابرَ بن الأسود بنَ عوف الزّهرى على المدينة، فَدعا الناسَ إلى
البَيْعة لابن الزبير، فقال سعيدُ بنُ المسيِّب: لا، حتى يحتّمَعَ الناسُ؛
فضرَبَه ستّيْن سَوْطًا، فَبَلَغ ذلك ابن الزبير، فكََّب إلى جابر يلومُه،
وقال : ما لنا ولسعيد ، دَعْه!
وحدّثنى الحارث، عن ابن سعد، أنّ محمد بنَ عمَر أخبَرَه ، قال :
حدّثنا عبدُ الله بنُ جعفر وغيره من أصحابنا أن عبدالعزيز بن مروانَ تُوفِّىَ
بمصر فى جمادى سنة أربع وثمانين، فعقد عبدُ الملك لابنيه الوليد وسليمان العهد،
وكتب بالبَيعة لهما إلى البُلْدان، وعامِلُه يومئذ هشامُ بنُ إسماعيل المخزومىّ،
١١٧١/٢
(١) التبان : سراويل صغير يستر العورة.

٤١٧
سنة ٨٥
فدعا الناسَ إلى البَيعة، فبايعَ الناسُ ، ودعا سعيد بن المسيّب أن يبايع
لهما ، فأبى وقال : لا حتى أنظَرَ ، فضَرَبَه هشام بنَ إسماعيل ستين سَوْطًا،
وطاف به فى تُبّان شَعر حتى بلغ به رأسَ الثنيّة، فلما كرّوا به قال : أين
تَكُرّون (١) بى؟ قالوا: إلى السجْن؛ قال: والله لولا أنى (٢)، ظننتُ أنه
الصَّلْب لما لَبِست هذا التُّبّان أبداً. فردّه(٣) إلى السجن، وحسبَسه(٤) وكَتَب
إلى عبد الملك يُخبِرِه بخلافه(٥)، وما كان من أمره ، فكتب إليه عبدُ الملك
يَكومُه فيما صَّنَّعَ ويقول: سعيدٌ واللّهِ كان أحَوجَ أن تتصل رحمَه من أن
تتضربه ، وإنا لنعلم ما عندَه من شقاق ولا خِلاف.
وحجّ بالناس فى هذه السنة هشامُ بن إسماعيل المخزومىّ ، كذلك حدّثنا
أحمدُ بنُ ثابت عمن ذكره ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر .
وكذلك قال الواقدىّ .
وكان العامل على المَشرق فى هذه السنة مع العراق الحجّاج بن يوسف .
(٢) ب: ((إننى)).
(١) ر : ((تكررون)).
(٣) ب: ((فردوه)).
(٥) ب: ((بخبر خلافته)).
(٤) ب: ((فحبسه)).

١١٧٢/٢
ثمّ دخلت سنة ستّ وثمانين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
*
[ خبر وفاة عبد الملك بن مروان ]
فممّا كان فيها من ذلك هلاكُ عبد الملك بن مروان، وكان مَهلكه فى النصف
من شوّال منها . حدثنى أحمدُ بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى،
عن أبى معشر، قال: توفّى عبد الملك بن مروان يومَ الخميس للنّصف من شوّال
سنة ستُّ وثمانين (١)، فكانت خلافتُهُ ثلاثَ عشرة سنة وخمسة أشهر (٢).
وأما الحارث فإنه حدثنى عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال : حدثنى
شُرَحبيل بن أبى عَوْن، عن أبيه، قال: أجمَعَ(٣) الناسُ على عبد الملك بنِ
مَرْوان سنة ثلاث وسبعين .
قال ابنُ عمر: وحدثنى أبو معشر نجيح، قال: مات عبد الملك بنُ
مروانَ بد مشقَ يومَ الخميس للنصف من شوال سنة ست وثمانين ، فكانت (٤)
ولايتُه منذ (٥) يوم بُويع إلى يوم تُوفِىَ إحدى وعشرين سنةً وشهراً ونصفًا،
كان(٦) تسع سنين منها يقاتل فيها عبدَ الله بنَ الزبير، ويسلَّم عليه بالخلافة
بالشأم ، ثمّ بالعراق بعد مقتل مصعب، وبقىَ بعد مقتل عبد الله بن
الزبير واجتماع الناسِ عليه ثلاثَ عشرةَ سنةً وأربعة أشهر إلا سبعَ ليال .
وأما علىّ بن محمد المدائنىّ، فإنه فيما حدثنا أبوزيدعنه - قال: مات
عبد الملك سنة ست وثمانين بد مشق ، وكانت ولايتُهُ ثلاثَ عشرة سنةً
وثلاثة أشهر وخمسةَ عشَر يومًاً .
١١٧٣/٢
(١) بعدها فى س: ((بدمشق)).
(٣) ب: ((اجتمع)).
(٥) ب: ((من يوم بويع)).
(٢) بعدها فى س: ((وذلك بعد موت ابن الزبير)).
(٤) ب: ((وكانت)).
(٦) ب: ((وكان)).
٤١٨

سنة ٨٦
٤١٩
ذكر الخبر عن مبلغ سنَّه يومَ توفّى
اختَلَف أهلُ السِّيَر فى ذلك، فقال أبو معشر فيه ـ- ما حدثنى الحارثُ
عن ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بنُ عمَر، قال: حدثنى أبو معشر نجيح.
قال : مات عبدُ الملك بن مروانَ وله ستّون سنةً.
قال الواقدىّ : وقد رُوِى لنا أنه مات وهو ابن ثمان وخمسين سنةً.
قال: والأوّل أثبسَت. وهو على مولده، قال: وولدسنة ست وعشرين فى خلافة عثمانَ
ابن عَفّان رضى الله عنه، وشَهِد يومَ الدار مع أبيه وهو ابنُ عشر سنين .
وقال المدائنىّ علىّ بنُ محمد - فيما ذكر، أبو زيد عنه: ماتَ عبدُ الملك
وهو ابنُ ثلاث وستّين سنة .
ذكر نسبه وكنيته
أمّا نسبُه، فإنه عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أميّة
ابن عبد شمس بن عبد مناف. وأمّا كنيَتُه فأبو الوليد . وأمه عائشة بنت
معاوية بن المغيرة بن أبى العاص بن أميّة ، وله يقول ابن قيس الرُّقيّات:
فَضَلَتْ أُرُومَ نسَائِها(١)
أَنْتَ ابْنُ عَائِشَةَ الَّتِى
ومَضَتْ على غُلَوائِها
لم تَلتَفِتْ لِلِدَاتَهَا
ذكر أولاده وأزواجه
١١٧٤/٢
منهم الوَليد، وسليمان، ومَرْوان الأكبر - دَرَجَ(٢) - وعائشة؛ أمّهم
ولادة بنت العبّاس بن جَزْء بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رَوَاحة بن
(١) ديوانه ١١٧ .
(٢) درج، أى مات صغيراً .

٤٢٠
سنة ٨٦
ربيعة بنِ مازن بنِ الحارث بن قُطَيّعة بنِ عَبْس بن بغيض .
ويزيد، ومَرْوان، ومعاوية - دَرَج- وأمّ كُلْثُوم، وأمّهم عاتكة بنت
يَزِيدَ بن معاوية بن أبى سُفْيان.
وهشام، وأمّه أمّ هشام بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن
المغيرة المخزومىّ. وقال المدائنىّ: اسمها عائشة بنت هشام .
وأبو بكر، واسُه بكار، أمّه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عُسَيْد اللّه،
والحَكتَم - دَرَجَ - أمه أمّ أيّوب بنت عمرو بن عثمانَ بن عفّان.
وفاطمة بنت عبد الملك، أمّها أمّ المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص
ابنٍ هشام بن المغيرة .
وعبد الله ومَسلّمة والمنذر وَعنْبسة ومحمد وسعيد الخير والحجّاج؛ لأمهاتٍ
أولاد .
قال المَدائىّ: وكان له من النساء - سوى من ذكرْنا- شقراءُ بنتُ سَلَمة
ابن حلبَس الطائىّ، وابنة لعلىّ بن أبى طالب عليه السلام، وأمّ أبيها بنت
عبد الله بن جعفر .
وذكر المدائىّ، عن عوانة وغيرِهِ أنّ سلمة بن زيد بن وهب بن نباتة
١١٧٥/٢ الفَهمىّ دخل على عبد الملك فقال له: أىّ الزمان أدركتَ أفضل ؟ وأىّ
الملوك أكمَل؟ قال: أما الملوك فلمْ أرَ إلا ذامًا وحامدًاً؛ وأما الزمان فيَرفَع
أقواماً ويتضح أقواماً، وكلهم يذُم زمان، لأنه يُبلىجديد هم، ويُهرِمِ صغیر هم،
وكلّ ما فيه منقطع غير الأمل ؛ قال : فأخِرْنى عن فَهْم ، قال : هم
كما قال مَن قال :
مر بنِ عَمْرو فأَصبحُوا كالرّميمِ
دَرَج الليْلُ والنَّهَارُ على فَهـ
بَعْدَ عَزِّ وثَرْوَة ونعيمٍ
وَخَلَتْ دَارُهُمْ فَأَضِحَتْ يَبَاباً
س وتبْقَى دِيَارُهُمْ كالرُّسومِ
كَذَاك الزمانُ يَذْهَبُ بالنا