Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ سنه ٧٦ قال أبو المنذر: رأيت ضربَةَ شبيب بباب القصر قد أثَّرَتُ أثَرًاً عظيماً، ثمّ أقبل حتَّى وقف عند(١) المَصْطبة ، ثم قال: کَیْلٌ يَكِيلُ به شَحِيحٌ مُعْدِمُ وكأَنَّ حافِرَهَا بكلِّ خَمِيدَةٍ لا بل يُقال أَبُو أَبيهمْ يَقْدُمُ عَبْدٌ دَعِىٌّ من ثمودِ أَصلُه ثمّ اقتحموا المسجد الأعظم وكان كبيرًا لا يفارقه قومٌ يصلّون فيه ، فقَّل عقيلَ بن مصعب الوادعيّ وعدىّ بنَ عمرو الثَّقْفِىّ وأبا لَيْث بن أبى ٩١٨/٢ سُلَيم مولى عَنْبسة بن أبى سُفْيان، وقتلوا أزهرَ بنَ عبد اللّه العامرىّ، ومَسَرّوا بدار حَوْشب وهو على الشُّرَط فوقفوا على بابه وقالوا: إنّ الأمير يدعو حَوْشباً، فأخرج ميمون غلامه بِرْذَونَ حَوْشب ليركبه حَوْشب، فكأنَّه أنكرهم فظنُّوا أنَّه قداتَّهمهم ، فأراد أن يدخل، فقالوا له: كما أنت، حتَّى يَخرُج صاحبُك. فسمع حَوْشب الكلامَ، فأنكر القوم، فخرج إليهم، فلمَّا رأى جماعتَهم أنكرَهم ، وذهب لينصرِف، فعجَّلوا نحوه ، ودخل وأغلَق الباب، وقتلوا غلامَه ميموناً، وأخذوا بِرْذَوْنه ومضوا حتى مرّوا بالجحَّاف ابن نبيط الشَّيْبانىّ من رَهْط حَوْشب، فقال له سويد : انزلْ إلينا، فقال له : ما تَصنع بنُزولى! قال له سويد: أقضيك ثمنَ البَكْرة الَّتِى كنتُ ابتعتُ منك بالبادية ، فقال له الجحّاف : بئس ساعةُ القضاء هذه الساعة ، وبئس قَضاءُ الدّين هذا المكان! أما ذكرتَ أمانتك إلّا واللّيل مظلم ، وأنت على ظهر فرسِك! قبَّح اللّه يا سويد ديناً لا يتَصلُح ولا يتمّ إلا بقتل ذوى القَرابة وسفك دماء هذه الأمَّةً . قال: ثمّ مضَوَا فمرّوا بمسجد بنى ذُهْل فلقوا ذُهَل بن الحارث، وكان يصلّى فى مسجد قومه فيُطيلُ الصلاة، فصادفوه منصرفًا إلى منزله ، فشدّوا عليه ليقتُلُوه ، فقال : اللهمَّ إنى أشكو إليك هؤلاء وظلمتَهم وجَهلتَهم. اللَّهمَ إنى عنهم ضعيف، فانتصرْ لى منهم! فضربوه حتَّى قتلوه، ثمّ مضَوا ٩١٩/٢ حتَّى خرجوا من الكوفة متوجّهين نحو المردمة . (١) ب، ف: ((على متن)). F. ٢٤٢ سنة ٧٦ قال هشام: قال أبو بكر بنُ عَيَّاش: واستقبلَهَ النَّضرُ بنُ قَعَقَاع ابن شوْر الذّهْلىّ، وأمّه ناجية بنت هانى بن قبيصة بن هانىُ الشَّيبانىّ فأبطَره حين نظر إليه - قال: يعنى بقوله: ((أبطَرَه)) أفزعه (١) - فقال: السلام عليك" أيّها الأمير ورحمة الله؛ قال له (٢) سويد مبادرًا: أميرَ المؤمنين، وَيْلكَ! فقال: أمير المؤمنين . حتَّى خرجوا من الكوفة متوجّهين نحو المردمة ، وأمر الحجّاج المنادىّ فنادى: يا خيلَ اللّهِ ارْكبى وأبْشِرى، وهو فوق بابِ القَصْر، وثَمَّ مصباحٌ مع غلام له قائم ، فكان أوّل من جاء إليه من الناس عثمان بن قَطَن بن عبد الله بن الحصين ذى الغُصّة، ومعه مواليه ، وناس من أهله، فقال : أنا عثمان بن قَطَن، أعلموا الأمير مكانى ، فليأمر (٣). بأمره ، فقال له ذلك الغلام: قفْ مكانك حتَّى يأتيك أمرُ الأمير ، وجاء الناسُ من كلّ جانب، وبات عثمانُ فيمن اجتمع إليه من الناس حتَّى أصبح . ثمّ إن الحجّاج بعث يُسْرَ بن غالب الأسدىّ من بنى والبة فى ألفى رجل، وزائدة بن قدامةَ الثقفىَّ فى ألفى رجل ، وأبا الضريس مولى بني تميم فى ألف من الموالى، وأعْيَن صاحب حمَّام أعيَن مسَولى بِشْر بن مروان- فى ألف ٩٢٠/٢ رجل، وكان عبد الملك بن مروان قد بعث محمَّد بن موسى بن طلحة على سِجِسْتان، وكتب له عليها عهده، وكتب إلى الحجّاج: أمَّا بعد ، فإذا قدم عليك محمد بن موسى فجهّز معه ألفَىْ رجل إلى سجستان ، وعجِّلْ سَراحه . وأمَر عبد الملك محمَّد بن موسى بمكاتبة الحجَّاج، فلمَّا قدم محمَّد ابنُ موسى جعل يتحبَّس فى الجهاز، فقال له نصحاؤه: تعجَّل أيّها الأمير (٤) إلى عَمَلَك؛ فإنَّك لا تدرى ما يكون من أمر الحَجَّاج! وما يبدو له . فأقام على حالِهِ ، وحدث من أمرٍ شبيب ما حدثَ ، فقال الحجّاج لمحمَّد ابن موسى بن طلحة بن عبيد الله: تلقى شبيبًا وهذه الخارجةَ فتجاهِدْهم ثمّ تَمضى إلى عملك، وبعث الحجّاج مع هؤلاء الأمراء أيضًا عبد الأعلى بن (١) ب، ف: ((أمهله)). (٣) ب، ف: ((بمكانى فليأمرنى)). (٢) ب، ف: ((فقال)). (٤) ب، ف: ((الرجل)). ٢٤٣ سنة ٧٦ عبد الله بن عامر بن كُرَيز القُرَشىّ وزياد بن عمرو العَتكىّ، وخرج شبيبٌ حيث خرج من الكوفة ، فأتى المردمة وبها رجل من حضرَ مَوْت على العُشور يقال له ناجية بن مَرْئد الحضرمىّ، فدخل الحمَّام ودخل عليه شبيب فاستخرجه فضرب عنقه ، واستقبل شبيب النضر بن القَعْقاع بن شَوْر- وكان مع الحجَّاج حين أقبل من البصرة ، فلمَّاطوى الحجَّاجُ المنازل خلّفه وراءه-فلما رآه شبيب ومعه أصحابه عرفه، فقال له شبيب: يا نضر بن القَعْقاع، لاحُكم إلّا اللّه - وإنَّما أراد شبيب(١) بمقالته له تتلقينه ، فلم يفهم النَّضر - فقال: ﴿ إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، فقال أصحاب شبيب : يا أمير المؤمنين؛ كأنَّكَ إنَّما تريد بمقالتك أن تلقِّنَه. فشَدّوا ٩٢١/٢ على نضر فقتلوه . قال : واجتمعتْ تلك الأمراء فى أسفل الفرات ، فترك شبيب الوجه الذى فيه جماعةُ أولئك القَوّاد، وأخذ نحو القادسيَّة، ووجَّه الحجّاج زَحْر بن قيس فى جريدة خيل نقاوة ألف وثمانمائة فارس ، وقال له : أتْبع شبيباً حتى تواقعتَه حيثما أدركْتَه، إلّا أن يكون منطلقًا ذاهبًا فاتركه ما لم يعطف عليك أو ينزل فيقيم لك، فلا تبرحْ إن هو أقام حتَّى تواقعه ، فخرج زَحْر حتى انتهى إلى السَّيْلحِين، وبلغ شبيبًا مَسيرُه إليه، فأقبل نحوه فالتقياً ، فجَعَل زَحْر على ميمنته عبد اللّه بن كَنَّاز الشَّهدىّ، وكان شجاعًا، وعلى ميسرته عدىّ بن عدىّ بن عميرة الكندىّ الشيبانىّ، وجمع شبيب خيله كلّها كَبْكَبَةً واحدة، ثمّ اعترض بها الصفّ، فوجف وجيفاً، واضطرب حتَّى انتهى إلى زَحْر بن قيس ، فنزل زَحْر بن قيس ، فقاتل زَحْر حتَّى صُرع ، وانهزم أصحابُه، وظَنّ القومُ أنَّهم قد قتلوه، فلما كان فى السَّحَر وأصابَه البرد قام يتمشّ حتَّى دخل قريةٌ فبات بها ، وحُمل منها إلى الكوفة وبوَجْهه ورأسِهِ بضع عشرة جراحة ما بين ضربة وطعنة، فمكث أيَّامًا، ثمّ أتى الحجّاج وعلى وجهه وجراحه القُطن، فأجلسه الحجّاج معه على السّرير، وقال لمن حوله: مَن سَرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنَّةِ يمشى بين الناس وهو ٩٢٢/٢ (١) ب، ف: ((تلقينه بمقالتك هذه)). ٢٤٤ سنة ٧٦ شَهِيد فلينظرْ إلى هذا . وقال أصحابُ شبيب لشبيب وهم يظنّون أنَّهم قد قتلوا زَحْرًا : قد هزمنا لهم جُنْدًا، وقتلنا لهم أميراً من أمرائهم عظيمًا، انصرِفْ بنا الآن وافرين ، فقال لهم : إنّ قتلنا هذا الرجل ، وهزيمتنا هذا الجند، قد أرْعبتْ هذه الأمراء والجنود التى بُعثَتْ فى طلبكم ، فاقتصدوا بنا قصْدَهم ؛ فوالله لئن نحن قتلناهم ما دون الحجاج من شىء وأخْذ الكوفة إن شاء اللّه. فقالوا: نحن لرأيك سمع تَع، ونحن طوع يديك. قال: فانقضّ بهم جواداً حتَّى يأتى نَجْران - وهى نَجْران الكوفة ناحية عَيْن التَّمر -. ثمّ سأل عن جماعة القوم فخُّر باجتماعهم برُوذبار فى أسفل الفُرات فى بِهْقُباذ الأسفل ، على رأس أربعة وعشرين فرسخًا من الكُوفة . فبلغ الحجَّاجَ مسيره إليهم ، فبعث إليهم عبد الرحمن بن الغَرِق مولى ابن أبى عَقِيل - وكان على الحجّاج كريمًا - فقال له : الحَق بجماعتهم - يَعِنى جماعةَ الأمراء - فأعلمْهم بمسير المارقة إليهم ، وقل لهم : إنْ جمعكم قِتالٌ فأميرُ الناس زائدة بن قدامة، فأتاهم ابن الغرق فأعلمهم ذلك ، وانصرَفَ عنهم . ٩٢٣/٢ قال أبو مخنف : فحدثنى عبد الرحمن بن جُنْدب قال : انتهى إلينا شَبيب وفينا سَبعة أمراء على جماعتهم زائدةُ بن قدامة، وقد(١) عبَى كلّ أمير أصحابه على حِدَة، ففى ميمنتنا زيادُ بن عمرو العتكىّ، وفى ميسرتنا بِشْر بن غالب الأسدىّ، وكلّ أمير واقف فى أصحابه . فأقبل شبيبٌ حتَّى وقف على تَلّ ، فأشرف على الناس وهو على فرس له كُمسيت أغرّ ، فنظر إلى تعبیتھم ، ثمّ رجع(٢) إلى أصحابه، فأقبل فی ثلاثٍ كتائب يوجفون، حتَّى إذا دنا من الناس مضتْ كتيبةٌ فيها سُوَيَد بن سُليم ، فتقف فى ميمنتنا ، ومضت كتيبة فيها مَصاد أخو شبيب ، فوقفتْ على ميسرتنا ، وجاء شبيبٌ فى كتيبة حتَّى وقف مُقابِل القلب . قال: وخرج زائدة ابنُ قدامة يسيرُ فى الناس فيما بين ميمنتهم إلى ميسرتهم يحرّض الناس ويقول : (١) ب، ف: ((فعى)). (٢) ب، ف: ((ورجع)). ٢٤٥ سنة ٧٦ يا عبادَ اللّه، أنتم الكثيرُون الطيبون، وقد نزل بكم القليلون الخبيثون، فاصبروا - جُعلت لكم الفداء لكرّتين أو ثلاث تكرّون عليهم، ثم هو . النَّصر ليس بينه حاجز ولا دونه شىء . ألا ترون إليهم والله ما يكونون مائتى رجل، إنَّما هم أكتَلَة رأس، إنَّما هم السّرّاق المُرّاق، إنَّما جاءوكم ليُهَرِيقوا دماءكم ، ويأخذوا فَيْئَكم ، فلا يكونوا على أخذه أقوى منكم على مَنْعه ، وهم قليل وأنتم كثير ، وهم أهلُ فُرْقة وأنتم أهلُ جماعة ، غُضّوا الأبصار، واستقبلوهم بالأسِنَّة، ولا تتحملوا عليهم حتى آمركم، ٩٢٤/٢ ثمّ انصرف إلى مَوْقفه. قال : ويَحْمِلِ سُوَيَد بنُ سليم على زياد بن عمرو ، فانكشف صَفُّهم، وثَبَّت زياد فى نحو من نصف أصحابه ، ثمّ ارتفع عنهم سُوَيَد قليلا ، ثم كرّ عليهم ثانيةً ، ثمّ اطَّعنوا ساعة . قال أبو مخنف : فحدّثّنى فروة بن لقيط، قال: أنا واللّه فيهم يومئذ ، قال: اطَّعَنَّا ساعةً وصبروا لنا حتَّى ظننتُ أنَّهم لن يزولوا، وقاتل زياد بنُ عمرو قتالا شديدًا، وجعل (١) ينادى: يا خيلى، ويشُدّ بالسيف فيقاتِل قتالا شديدًا، فلقد رأيتُ سويد بن سليم يومئذٍ وإنَّهُ لأشجع العرب وأشدّه قتالاً ، وما يُعرض له. قال: ثمّ إنا ارتَفَعْنا عنهم آخِراً فإذا هم يتقوّضون ، فقال له أصحابه: ألاتراهم يتقوّضون! احْميل عليهم، فقال لهم شبيب: خدّوهم حتَّى يَخِفّوا، فتركُوهم قليلا، ثم حمل عليهم الثالثة فانهزموا . فنظرت إلى زياد ابن عمرو وإنَّه ليُضَرَب بالسيف (٢) وما مِن سيف يُضْرَب به إلّا نبا عنه وهو محفَّف ، ولقد رأيته اعتوره أكثرُ من عشرين سيفًا فما ضَرّه من ذلك شىء. ثمّ إنه انهزم وقد جُرِح جراحةً يسيرة، وذلك عند المساء. قال: ثمّ شدَدْنا على عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فهزمناه ، وما قاتَنَا كثيرَ قتال، وقد ضارب ساعةً، وقد بلغنى أنه كان جُرح ثمّ لحق بزياد بن عمرو ، فمضينا منهزمين حتى انتهينا إلى محمد بن موسى بن طلحة عند المغرب ، فقاتلنا قتالاً شديداً وصبر لنا . ٩٢٥/٢ (١) ب، ف: ((وحمل)). (٢) ب، ف: ((بالسيوف)). ٢٤٦ سنة ٧٦ ذكر هشامٌ عن أبى مخنَف ، قال : حدثنى عبد الرحمن بن جندب وفروة بن لقيط ، أن أخا شبيب مصادًا حمل على بِشْر بن غالب وهو فى الميسرة، فأبْلَى وَكرُم واللّهِ وصبر، فنزل ونزل معه رجالٌ من أهل الصَّبر نحوٌ من خمسين ، فضارَبوا بأسيافهم حتَّى قُتِلوا عن آخِرِهم ، وكان فيهم عروة بنُ زهير بنِ ناجذ الأزْدىّ، وأمه زارة امرأة ولدتْ فى الأزْد، فيقال لهم بنو زارة، فلمَّا قَتَلوه وانهزَم أصحابُه مالُوا فَشدّوا على أبى الضُّرَيْس مولى بني تميم، وهو يلى بشر بن غالب ، فهزموه حتى انتهى إلى موقف أعَْن، ثمّ شَدّوا عليه وعلى أعْيَن جميعًا فهزموهما حتَّى انتهوا بهما إلى زائدةَ بن قدامة ، فلمَّا انتهَوا إليه نزل ونادى: يا أهل الإسلام ، الأرض الأرض، إلىّ إلى! لا يكونوا على كُفْرهم أصبر منكم على إيمانِكم؛ فقاتلهم عامَّةَ اللَّيْلِ حتَّى كان السَّحَر . ثمّ إنّ شبيبًا شدّ عليه فى جماعة من أصحابه فقَتّله وأصحابه وتركهم رِبْضةً حولته من أهلِ الحِفاظ . قال أبو مخنف : وحدثنى عبد الرحمن بن جندب قال: سمعتُ زائدةً ابن قدامة ليلتئذ رافعًاً صوته يقول : يأيها الناس ، اصبروا وصابروا ، ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. ٩٢٦/٢ ثمّ والله ما بَرَح يقاتلُهم مقبلا غير مدبر حتَّى قُتِل. قال أبو مخنف: وحدثنى فروة بنُ لقيط أنّ أبا الصَُّيْرِ الشَّيبانىّ ذكر أنه قَتَل زائدة بن قدامة، وقد حاجَّه فى ذلك آخر يقال له الفَضْل ابن عامر. قال : ولمَّا قَتَل شبيبٌ زائدةَ بنَ قدامة دخل أبو الضَّرَيس وأعيَن جَوْسَقاً عظيمًا، وقال شبيب لأصحابه: ارفعوا السيف عن الناس وادعوهم إلى البَيْعة، فَدَعَوْهم إلى البيعة عند الفَجْر. قال عبدُ الرحمن بن جُنْدَب: فكنتُ فيمن قدم إليه فبايعه وهو واقفٌ على فرس وخيلُه واقِفة دونه ، فكلّ من جاء ليبايعه نُزع سيفُه عن عاتقه، وأخِذ سلاحُه منه ، ثم يُدْنَى من شبيب فيسلّم عليه بإمرة المؤمنين ، ثم يخلّى سبيله . قال: وإنّا لكذلك إذ انفجر الفَجْر ومحمَّد بن ٢٤٧ سنة ٧٦ موسى بن طلحة بن عبيد اللّه فى أقصى العسكر ، معه عصابةٌ من أصحابه قد صبروا ، فلمَّ انفجر الفجر أمر مؤذٍّنه فأذن ، فلمَّا سَمِع شبيب الأذان قال : ما هذا ؟ فقال: هذا محمَّد بن موسى بن طلحة بن عُبيد الله لم يَبْرَح؛ فقال: قد ظننت أنّ حُمقه وخُيلاءمسيحمله على هذا؛ نَحُّوا هؤلاء عًَّا وانزلوا. بنا فلنُصَلّ. قال: فنزل فأذّن هو، ثمّ استقدم فصلَّى بأصحابه، فقرأ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّهُمَزَةِ لُمَزَةٍ﴾(١)، و﴿أَرَأَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾(٢) ، ثم سلَّم، ثم ركبوا فَحَمَلَ عليهم فانكشفت طائفة من أصحابه ، وثبتتْ طائفة . قال فروة : فما أنسى قوله وقد غَشيْناه وهو يقاتل بسيفه وهو يقول : ﴿آلمّ* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾(٣). ٩٢٧/٢ قال: وضارب حتَّى قتل. قال: فسمعتُ أصحابى يقولون: إنّ شبيبًا هو الَّذى قتله. ثمّ إنّا نزلنا فأخذنا ما كان فى العسكر من شىء، وهرب الذّين كانوا بايعوا شبيبًا ، فلم يبق منهم أحد . وقد ذكر من أمر محمَّد بن موسى بن طلحة غيرُ أبى مِخنَف أمراً غير الَّذى ذكرته عنه، والذى ذكر من ذلك أن" عبد الملك بن مروان كان ولی محمَّدَ بن موسى بن طلحة سجستان، فكتب إليه الحجّاج: إنك عامل كلّ بلد مررت به، وهذا شبيب فى طريقك . فعدل إليه محمَّد، فأرسل إليه شبيب: إنك امر ؤ مخدوع، قد اتَّقَى بك الحجّاج، وأنت جارٌلك حقّ، فانطَلِقْ لِما أمرتَ به ولك اللّه لا آذَيْتك، فأبى إلا محاربته، فواقفه شبيب، وأعاد إليه الرسول، فأبى إلّ قتاله ، فدعا إلى البراز، فبرز إليه البطين ثم قعنب ثم سويد، فأبى إلّا شبيبًا، فقالوا لشبيب: قد رغب عنا إليك، قال: فما ظنّكم هذه (٤) الأشراف ! فبرز إليه شبيب، وقال(٥): إنى أنشدُكَ اللّهَ فى دَمِكَ، فإنّ لك جِوارًاً. فأبى إلّا قِتَاله، فحَمَل عليه شبيبٌ فضربه بعصا حديد (٢) سورة الماعون: ١. (١) سورة الهمزة: ١ . (٣) سورة العنكبوت: ١ - ٣. (٥) ب، ف: ((فقال)). (٤) ا، ب، ف: ((هاهم)). ٢٤٨ سنة ٧٦ فيها اثنا عشر رطلا بالشأمىّ ، فهشم بها بيضة عليه ورأسه فسقط، ثم كفَّنه ٩٢٨/٢ ودفنه ، وابتاع ما غنموا من عسكره ، فبعث به إلى أهله ، واعتذر إلى أصحابه وقال : هو جارى بالكوفة ، ولى أن أهَبَ ما غنمتُ لأهل الرّدّة. قال عمرُ بنُ شَبَّة: قال أبو عبيدة: كان محمَّد بنُ موسى مع عمر ابن عبيد الله بن معمر بفارس، وشهد معه قتال أبى فُدَيَك وكان على ميمنته، وشُهِر بالنَّجْدة(١) وشدة البأس(٢) وزوّجه عمر بنُعُبيد الله بن معمر ابنته أمّ عثمان وكانت أخته تحت عبد الملك بن مروان - فولاه سِجِسْتان ، فمرّ بالكوفة وبها(٣) الحجاج بن يوسف، فقيل للحجاج: إن صار هذا إلى سِجِسْتان مع نجدته وصهْره لعبد الملك فلجأ إليه أحد ممَّن تطلب، مَنَعَك منه ؛ قال : فما الحيلة؟ قيل: تأتيه وتسلّم عليه ، وتذكر نجدته وبأسه وأنّ شبيبًا فى طريقه، وأنَّه قد أعياك، وأنَّك ترجو أن يريحَ اللّه منه على يده، فيكون له ذكر ذلك وشهرته . ففعل ، فعدل إليه محمّد بن موسى بن طلحة بن عُبيد الله، فواقعه شبيب، فقال له شبيب: إنى قد علمتُ خِدَاعَ الحجَّاج، وإنَّما اغترَك ووقى بك نفسَه، وكأنى بأصحابك لو قد التّقَتْ حَلْقَتَا البطان قد أسلموك ، فُصرعتَ متصرع أصحابِك ؛ فأطِعْنى وانطلِق الشأنِك ، فإنى أنفسُ بك عن الموت؛ فأبى محمّد بن موسى ، فبارَزَه شبيب فقتله . ٩٢٩/٢ رجع الحديث إلى حديث أبى مخنف. قال عبدُ الرحمن : لقد كان فيمن بايعتَه تلك الليلة أبو بُرْدة بن أبى موسى الأشعرىّ، فلمَّا بايعه قال له شبيب: ألَسْتَ أبابردة!قال: بلى؛ قال شبيب لأصحابه: يا أخلاًّتى، أبو هذا أحد الحكّمين، فقالوا: ألا نقتل هذا ؟ فقال : إنّ هذا لا ذنب له فيما صنع أبوه ؛ قالوا: أجل قال: وأصبح شبيب: فأتى مُقِبِلا نحوَ القَصْر الَّذى فيه أبو الضُّريس وأعسين (١) ب: ((وكان مشهوراً)). (٣) ب، ف: ((وفيها)). (٢) ب، ف: ((واليأس)). ٠ ٢٤٩ سنة ٧٦ فرّموه بالنَّبل، وتحصَّنا منه ، فأقام ذلك اليوم عليهم ، ثمّ شخص عنهم ، فقال له أصحابُه: ما دون الكوفة أحد يمنعنا؛ فنظر فإذا أصحابُه قد جُرِحوا (١)؛ فقال لهم: ما عليكم أكثر ممَّا قد فعلتم، فخرج بهم على نِفَّرَ ، ثمّ على الصَّراة ، ثمّ على بتَغْداد، ثم خرج إلى خانِيجَار فأقام بها . قال: ولمَّا بلغ الحجَّاجَ أن شبيبًا قد أخذ نحو نِفَّرَ ظَنّ أنَّه يريد المدائن - وهى باب الكوفة ، ومَن أخذ المدائن كان ما فى يده من أرض الكوفة أكثر - فهال ذلك الحجَّاج، وبعث إلى عثمان بنِ قَطَن، ودعاه وسرّحه إلى المدائن، وولّه منبرها ونصّره ومعونة جُوخِى كلَّها وخَرَاجَ الأسْتان . فخرج مسرعاً حتَّى نزل المدائن ، وعزل الحجّاجُ عبدَ الله بن أبى عُصَيغير ؛ وكان بها الجَزْل مقيمًا أشهرًا يُداوى جراحَتَه، وكان ابن أبى عصيفير يعوده ويكرمه ، فلمَّا قدم عثمانُ بن قطن المدائن لم يَعُدْه، ولم يكن يتعاهده ولا يُلطِفِه بشىء، فقال الجزل: اللَّهمَ زِد ابنَ عصيفير جوداً وكرمًا وفضلا، ٩٣٠/٢ وزد عثمان بن قطن ضِيقًا وبُخلا. قال: ثم إن الحجّاج دعا عبد الرحمن بنَ محمد بن الأشعث فقال : انتخِب الناس ، واخرجْ فى طلب هذا العدوّ ، فأمره بنُخْبة ستنَّة آلاف ، فانتخب فُرْسان الناس ووجوههم ، وأخرج من قومِهِ ستَّمائة من كِنْدة وحَضْرَموت، واستحثَّ الحجّاجُ بالعسكر، فعسكر بدیر عبد الرحمن ، فلمّا أراد الحجّاج اشخاصَهُم کتب إليهم : أما بعد ، فقد اعتدتُم عادةَ الأذلاء، وولَِّيمِ الدُّبر يومَ الزَّحْف ، وذلك دأب الكافِرِين ، وإنى قد صفحتُ عنكم مرّة بعد مرّة ، ومرّة بعد مرّة. وإنى أقسم لكم باللّه فَسَمًا صادقًا لئن عدتم لذلك لأوقِعِنّ بكم إيقاعًا أكون أشدَّ عليكم من هذا العدوّ الذى تتَهرُبُون منه فى بطون الأودية والشُّعاب، وتستترون منه بأثناء الأنهار وألّواذ(٢) الجبال، فخافَ من له مَعَقولٌ على نفسِهِ، ولم يسَجعل عليها سبيلاً، وقد أعذر من أنذر ولكنْ لا حياة لمن تُنادِى (٣) وقد أَسمعتَ لَوْ نادَيتَ حيًّا (١) كذا فى ا، وفى ط: ((حرجوا)). (٣) لعمرو بن معد يكرب ، سرح العيون ٤٦٦ . (٢) لوذ الجبل : جانبه . ٢٥٠ سنة ٧٦ والسلامُ عليكم . قال: ثمّ سرّح ابن الأصمّ مؤذّنَّه، فأتى عبدَ الرحمن بن محمَّد ابن الأشعث عندَ طلوع الشمس، فقال له : ارتحِلْ الساعةَ ونادٍ فى الناس : أن برِئِتِ الذّهَّةُ من رجل من هذا البَعْث وَجَدْناه متخلفًا . فخرج عبدُ الرّحمن بنُ محمد بن الأشعَك فى الناس حتَّى مَرّ بالمدائن فنزل يومًاً وليلةٌ، وتشَرّى أصحابه حوائجهم، ثمّ نادى فى الناس بالرّحيل، ٩٣١/٢ فارتحلوا، ثمّ أقبلوا حتى دخل على عثمان بن قطن، ثم أتى الجَزْلَ فَسأله عن جِراحَته، وسأله ساعةً وحدثه. ثم إنّ الجَزْل قال له: يا بن عمّ: إنَّك تسير إلى فُرْسان العَرَب وأبناءِ الحرب، وأحْلاس الخيل، والله لكأنَّما خُلِقوا من ضُلوعها، ثم بُنوا على ظهورِها، ثم هم أسْد الأجَم ، الفارسُ منهم أشدّ من مائة، إن لم تبدأ به بدأ، وإن هُجْهج أقدم، فإنى قد قاتلتُهم وبلَوْتُهم ، فإذا أصحرتُ لهم انتَصفوا مِنّى، وكان لهم الفضل علىّ، وإذا خَدقت علىّ وقاتلتُهم فى مَضِيق نلتُ منهم بعضَ ما أحِبّ ، وكان لى عليهم الظََّر ، فلا تلقهم وأنت تستطيع إلا فى تعبيةٍ أو فى خندق . ثمّ إنه ودّعه، فقال له الجنَزْل: هذه فَرَسى الفُسَيْفِساء، خُذْها فإِنَّها لا تجارى . فأخَذَها ثمّ خرج بالناس نحو شبيب، فلما دنا منه ارتفع عنه شبيبٌ إلى دَقُوقاء وشَهْرَزُور، فخرج عبدُ الرحمن فى طلبه ، حتَّى إذا كان على التخوم أقام ، وقال: إنمَّا هو فى أرض المتَوْصِل ، فليقاتِلوا عن بلادهم أو ليَدَعوه، فكتب إليه الحجَّاج بنُ يوسف : أمَّا بعد، فاطلب شبيبًا واسلُكْ فى أثَرِهِ أين سلك حتَّى تُدرِكَه. فتقتله أو تنفِيهَ، فإنَّما السلطان سلطانُ أميرِ المؤمنين والجندُ جندُه . والسلام . ٩٣٢/٢ فخرج عبدُ الرحمن حين قرأ كتابَ الحجّاج فى طلب شبيب ، فكان شبيبٌ يدَعه حتى إذا دنا منه بيته ، فيجده قد خندق على نفسه وحذر ، فيمضِى ويَدَعُه، فيتبعه عبد الرحمن، فإذا بلغه أنَّه قد تحمّل وأنَّه يسير أقبل فى الخيل ، فإذا انتهى إليه وحده قد صَفَّ الخيل والرّجال وأدنى ٢٥١ سنة ٧٦ المرامية ، فلا يصيبُ له غِرّة ولا له عِلَّة ، فيمضى ويدعه . قال : ولمَّا رأى شبيب أنَّه لا يصيب لعبد الرحمن غِرّةً ولا يصل إليه ، جعل يَخرُج إذا دنا منه عبد الرحمن فى خيله ، فينزل على مسيرةٍ عشرِين فرسخًا ، ثمّ يقيم فى أرض غليظة حزنة (١)، فيجىء عبد الرحمن، فإذا دنا من شبيب ارتحل شبيب فسار خمسةَ عشرَ أو عشرين فرسخًا، فنزل منزلا غليظًا خَشنًا ، ثم يقيم حتَّى يدنوَ عبد الرحمن . قال أبو مخنف : فحدثنى عبد الرحمن بن جُندب أنّ شبيبًا كان قد عَذَّب ذلك العسكرَ وشقّ عليهم، وأحفى دوابّهم، ولَقُوا منه كلَّ بلاء، فلم يزل عبد الرحمن يتَّبعه حتَّى مرّ به على خانقين ثمّ على جلولاء ثم على تامرّاً، ثمّ أقبَل حتَى نزل البتّ - قرية من قُرَى المَوْصل على تُخوم المتَوْصيل، ليس بينها وبين سواد الكوفة إلّا نهر يسمَّى حَوَلايا - قال: وجاء عبدُ الرحمن بنُ محمَّد بن الأشعث حتَّى نزل فى نهر حولايا وفى واذان(٢) الأعلى من أرض جُوخَى، ونزل عَوَاقيل من الشَّهر ، ونزلها عبدُ الرحمن حيث نزلها وهى تُعجِبه، يرى أنَّها مثل الخندق والحصن . قال: ٩٣٣/٢ وأرسل شبيب إلى عبد الرحمن: إنّ هذه الأيام أيامُ عيدٍ لنا ولكم ، فإن رأيتم أن تُوادٍ عونا حتَّى تمضى هذه الأيَّام فافعلوا . فقال له عبدُ الرحمن : نعم ، ولم يكن شىء أحبّ إلى عبد الرحمن من المطاولة والموادعة . قال : وكتب عثمان بنُ قَطَن إلى الحجَّاج: أمَّا بعد، فإنى أخبر الأميرَ أصلحه الله أنّ عبد الرحمن بنَ محمَّد قد حَفَر جُوخَى كلَّها خَندَقًا واحدًاً، وخَلَى شبيبًا وكسر خراجها وهو يأكل أهلها . والسلام . فكتب إليه الحجّاج : أمَّا بعد ، فقد فهمتُ ما ذكرتَ لى عن عبد الرحمن، وقد لعمرى فعل (١) كذا فى ا، وفى ط: ((جدية)). (٢) ب، ف: ((وهو فى رازان)). ٢٥٢ سنة ٧٦ ما ذكرت ، فسِرْ إلى الناس فأنتَ أميرُهم، وعاجِلِ المارقةَ حتَّى تلقاهم ، فإن اللّه إن شاء اللّه ناصِرُك عليهم . والسلام. ١ قال : وبعث الحجَّاج إلى المدائن مطرف بن المغيرة بن شعبة، وخرج عثمان حتى قدم على عبد الرحمن بن محمَّد ومَنْ معه من أهل الكوفة وهم مُعسكرون على نهر حَوْلايا قريبًا من البتّ ، عشيّة الثلاثاء ، وذلك يوم الشّروية ، فنادى الناس وهو على بغلة : أيّها الناس ، اخرجوا إلى عدوّكم . فوثب إليه الناس، فقالوا: فُنْشدك اللهَ، هذا المساءُ قد غُشينا، والناس لم يُوطُّنُوا أنفسهم على القتال، فبت اللَّيلة ثمّ اخرج بالناس على تعبية. فجعل يقول: لأناجزَنَّهم، ولتكوننّ الفرصة لى أوْ لهم. فأتاهم عبد الرحمن ٩٣٤/٢ فأخذ بعنان دابته، وناشده اللّه لمّا نزل، وقال (١) له عَقيلُ بنُ شدّاد السَُّولى: إن الَّذى تريد من مُناجزتهم الساعة أنت فاعلُهُ(٢) غدًا، وهو غدًاخيرٌ لك وللناس. إن هذه ساعة رِ يح وغُبرة، وقد أمسيت فانزل، ثمّ أبكِرْبنا إليهم غُدْوةً . فنزل، فَسفت عليه الريحُ ، وشَقّ عليه الغُبارُ، ودعا صاحب الخراج العُلُوجِ فَبنوا له قُبَّةً فَبَات فيها، ثمّ أصبح يومَ الأربعاء، فجاء أهلُ البتّ إلى شبيب - وكان قد نزل ببيعتتهم - فقالوا: أصلحك الله! أنت ترحم الضّعفاء وأهلَ الجِزْية، ويكلّمك مَنْ تلى عليه، ويشْكون إليك ما نزل بهم فتنظر لهم، وتكفّ عنهم ، وإنّ هؤلاء القوم جبابرة لا يُكلَّمون ولا يَقْبكون العُذْر، والله لئن بلغهم أنَّك مقيم فى بيعتنا ليقتلنّنا إن قُضِى لك أن تَرَتَحِل عنَّاً، فإن رأيتَ فانزل جانبَ القَرْية ولا تجعل لهم علينا مقالاً ، قال: فإنى أفعل ذلك بكم ، ثمّ خرج فنزل جانبَ القَرْية. قال: فباتَ عثمان ليلته كلَّها بحرّضهم؛ فلمَّا أصبح-وذلك يومَ الأربعاء خرج بالنَّاس فاستقبلتهم ريحٌ شديدة وغبرة، فصاحَ الناس إليه، فقالوا (٣): نُنْشِدُك الله أن تخرج بنا فى هذا اليوم، فإنّ الريح علينا! فأقام بهمْ ذلك اليوم ، وأراد شبيبٌ قتالهم، وخرجَ أصحابُه، فلمَّا رآهم لم يَخرجُوا إليه أقام، فلمَّا كان (٢) ب، ف: ((قادر عليه)). (١) س: ((فقال)). (٣) ب، ف: ((وقالوا له)). ٢٥٣ سنة ٧٦ ليلة الخميس خرج عمانُ فعبَّ الناسَ على أرباعِهِم، فجعل كلّ رُبْع فى جانب العسكر، وقال لهم : اخرجوا على هذه التعبية ، وسألهم : من كان على ميمنتكم ؟ قالوا: خالدُ بنُ نَهيك بن قيس الكِنْدىّ، وكان على ٩٣٥/٢ ميسرتنا عَقِيل بنُ شدَّاد السَّلولىّ، فدعاهما فقال لهما: قفا مواقفكما الَّتِى كنّما بها، فقد ولَّتكما المجنَّتيْن، فاثبتا ولا تَفِرّاً، فوالله لا أزول حتَّى يزول نتَخْل راذان عن أصوله. فقالا: ونحن والله الَّذى لا إله إلا هو لا نَفِرّ (١ حتَّى نظفر أو نُقْتَل)، فقال لهما: جزاكما اللّهُ خيراً. ثمّ أقام حتَّى صلّى بالناس الغداة، ثمّ خرج فجعل ربع أهل المدينة تميم وهَمْدان نحوّ نهر حَوْلايا فى الميسرة، وجعل ربع كندة وربيعةَ ومَذحج وأسد فى الميمنة، ونزل يمشى فى الرّجال، وخرج شبيب وهو يومئذ فى مائة وأحد وثمانين رجلا، فقطع إليهم النَّهر، فكان هو فى ميمنة أصحابِه، وجعل على ميسرته سُوَيَد بن سُليم ، وجعل فى القلب مصاد بن يزيدَ أخاه ، وزحفوا وسما(٢) بعضُهم لبعض . قال أبو مخنف: فحدثنى النَّضر بنُ صالح العبسىّ أنّ عثمان كان يقول فيُكثر: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾(٣). أين المحافظون على دينهم، المحامون عن فيئهم! فقال عقيل بن شدّاد بن حُبْشى السَّلُولىّ: لعلّى أن أكون أحدَهم، قتِل أولئك يومَ رُوُذْبار . ثم قال شبيب لأصحابه: إنى حاملٌ على ميسرتهم ممَّا يلى النهر، فإذا هزمتُها فليحمِل صاحبُ ميسرتى على ميمنتهم، ولا يبرح صاحب القلب ٩٣٦/٢ حتى يأتيه أمرى . وحمل فى ميمنة أصحابه ممّا يلى النَّهر على ميسرة عثمانَ بن قَطَنٍ فانهزموا، ونزل عقيل بنُ شدّاد فقاتلَ حتَّى قُتِل، وقُتل يومئذ مالكُ بنُ عبد اللّه الهمْدانىّ ثمّ المُرْهِبِىّ(٤)، عمّ عيَّاشَ بن عبد الله بن عيّاش المَنْتوف، وجعل يومئذ عقيل بنُ شَدّاد يقول وهو يُجالِدهم: لِأَضْرِبَنّ بالحُسَامِ البائِرِ ضَرْبَ غُلاَم مِنْ سَلُولٍ صابر (١-١) ب، ف: ((لا نفر نشهد اللّه الذى لا إله إلا هوعلينا بذلك)). (٢) ب، ف: ((وتسمى)). (٣) سورة الأحزاب: ١٦. (٤) ب ف، ((الموهبى)). ٢٥٤ سنة ٧٦ ودخل شبيب عسكرَهم ، وحمل سُويد بن سليم فى مَسَرَة شبيب على ميمنة عثمان بن قَطَن فهَزّمها ، وعليها خالد بن نهيك بن قيس الكندىّ ، فنزل خالد فقاتل (١) قتالاً شديداً، وحمل عليه شبيبٌ من ورائه وهو على ربع كندة وربيعةَ يومئذ، وهو صاحب الميمنة ، فلم ينثنِ شبيبٌ حتى علاه(٢) بالسيف فقتله ، ومضى عثمان بن قَطَن وقد نزلت معه العُرَفاء وأشرافُ الناس والفُرسان نحو القلب، وفيه أخو شبيب فى نحو من ستين راجلا ، فلمَّا دفا منهم عثمانُ بنُ قطَن شدَّ عليهم فى الأشراف وأهلِ الصبر فضاربوهم حتَّى فرّقوا بينهم، وحمل شبيب بالخيل من ورائهم، فما شعروا إلّا والرّماح فى أكتافهم تُكِبِّهم لوجُوهِهِم ، وعطَف عليهم سُوَيَد بنُ سليم أيضًا فى خَيْله، ورجع مصاد وأصحابُه، وقد كان شبيب رَجَّهم ، فاضطربوا ٩٣٧/٢ ساعةٌ، وقاتل عثمان بن قَطَن فأحسَنَ القتال. ثم إنَّهم شَدّوا عليهم فأحاطوا به، وحمل عليه مصاد أخو شَبيب فضربه ضربةً بالسيف استدارَ لها ، ثمّ قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ الّهِ مَفْعُولاً﴾ (٣). ثم إنّالناس قتلوه، وقُتل يومئذ الأبْرَد بنُ ربيعة الكندىّ، وكان على تَلّ ، فألقى سلاحه إلى غلامه وأعطاهُ فرسه ، وقاتل حتى قُتِل . ووقع عبدُ الرحمن فرآه ابن أبى سَبْرة الجُعَفىّ وهو على بغلة فعرفه ، فنزل إليه فناوله الرّمح وقال له : اركب ، فقال عبد الرحمن ابن محمّد: أيُّنا الرَّديف؟ قال ابنُ أبى سَبْرة: سبحانَ اللّه! أنت الأمير تكون المقدّم ، فركب وقال لابن أبى سَبْرة : ناد فى الناس: الحقوا بديْر أبى مَرْيم، فنادَى، ثمّ انطلاقًا ذاهبين، ورأى واصلُ بن الحارث السّكونىّ فرسَ عبد الرحمن الَّذى حمله عليه الجَزْلُ يَجُول فى العسكر ، فأخذها بعضُ أصحاب شبيب، فَظَنَّ أنَّه قد هلك، فطلبه فى القتلى فلم يجِدْه ، وسأل عنه فقيل له : قد رأينا رجلاقد نزل عن دابَّته فحمله عليها، فماَ أخلقه أن يكون إيَّه؛ وقد أخذ هاهنا آنفًا. فأتبعه واصلُ بنُ الحارث على بِرْذَوْنه ومع واصِل غلامُهُ على بَغْل، فلمَّا دَنوا منهما قال محمَّد بن أبى سَبْرة لعبد الرحمن: قد واللّهِ لَحِقٍ بنا فارِسان، فقال عبدُ الرحمن: فهل (١) ب، ف: ((وقاتل)). (٣) الأحزاب : ٣٧ . (٢) ب، ف: ((عطف)). ٢٥٥ سنة ٧٦ غيرُ اثنين ؟ فقال : لا ، فقال عبد الرحمن : فلا يعجز اثنان عن اثنين . قال: وجعل يحدّث ابن أبى سَبْرة كأنَّه لا يكترث بهما، حتَّى لحقهما الرجلان، فقال له ابنُ أبى سَبْرة: رحمك الله! قد لحقَّا الرّجلان، فقال له : فانزل بنا، فنزلا فانتضيا سيفيهما، ثمّ مضيًا إليهما، فلما رآهما ٩٣٨/٢ واصل عرفهما، فقال (١) لهما: إنّكما قد تركتما النزول فى موضعه، فلا تنزلا الآن، ثمّ حسَرَ العمامةَ عن وجهه، فعرفاه فرحًّا به، وقال لابنِ الأشعث: إنى لمَّا رأيتُ فرسك يجولُ فى العسكر ظننتُك راجلا، فأتيتك بسِرْذَونى هذا لتركتبه، فترك لابن أبى سَبْرة بغلته، وركب البِرْذَون ، وانطلق عبدُ الرحمنُ بنُ الأشعث حتَّى نزل دَيْر اليعار ، وأمرَ شبيبٌ أصحابه فرفعوا عن الناس السَّيف ، ودعاهم إلى البَيْعة ، فأتاه من بقى من الرَّجَّالة فبايعوه، وقال له أبو الصُّغَيْر (٢) المحلَّمىّ: قتلت من الكوفيِّين سبعةً فى جوف النَّهر كان آخرهم رجلا تعلَّق بثوبى وصاح، ورهَّبنى حتَّى رِهِبْتُه، ثمّ إنى أقدَمْت عليه فقتلتُهُ. وَقُتِل من كندة مائة وعشرون يومئذ وألفٌ من سائرِ الناس أو ستّمائة ، وقُتِلِ عُظْم العُرَفاء يومئذ . قال أبو مخنَف : حدّثّى قُدامة بن حازم بنِ سُفْان الخَشْعميّ أَنَّه قَتَّل منهم يومئذ جماعةً ، وبات عبد الرحمن بنُ محمَّد تلك الليلة بدير اليعار ، فأتاه فارسان فصعِدا إليه فوقَ البيت، وقام آخرُ قريبًا منهما فخلا أحدُهما بعبد الرحمن طويلا يناجيه، ثمّ نزل هو وأصحابُه، وقد كان الناسُ يتحدّثون أنّ ذلك كان شبيباً، وأنَّه قد كان كاتبه، ثمّ خرج عبد الرحمن آخر الليل فسارحتى أتى دَيْرَ أبى مريم، فإذا هو بأصحاب الخيل قد وَضع ٩٣٩/٢ لهم محمّد بن عبدالرحمن بن أبى سَبْرة صُبَرَ الشَّعير والقَتّ بعضهُ على بعض كأنه القصور، ونحر لهم من الجزر(٣) ما شاءوا، فأكلوا يومئذ، وعلفوا دوابّھم، واجتمع الناسُ إلى عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث فقالوا له: إنْ سمعَ شبيبٌ بمكانك أتاك وكنتَ له غنيمة ، قد ذهب الناس وتفرقوا وقُتِل خيارهم فالحق" أيها الرجل بالكوفة. فخرج إلى الكوفة ورجع الناسُ أيضًا، وجاء (١) ب، ف: ((وقال)). (٢) ط: ((الصفر)). (٣) أ: ((الجزور)). : ٢٥٦ سنة ٧٦ فاختبأ من الحجّاج حتّى أخَذ الأمانَ بعد ذلك . # [ نقش الدنانير والدراهم بأمر عبد الملك بن مروان ] وفى هذه السَّنَة أمر عبدُ الملك بن مروان بنَقْش الدّنانير والدَّرَاهِم . ذكَر الواقدىّ: أنّ سعدَ بن راشد حدّثه عن صالح بنِ كَيْسانَ بذلك. قال : وحدثنى ابن أبى الزّناد، عن أبيه، أنَّ عبدَ الملك ضرب الدراهمَ والدَّانير عامَئذ، وهو أوّل من أحدَثَ ضربتها . قال : وحدّثنى خالدُ بنُ أبى ربيعة، عن أبى هلال ، عن أبيه ، قال : كانت مثاقيلُ الجاهلية الَّتِى ضرَبَ عليها عبدُ الملك اثنين وعشرين قيراطًا إلاّ حبَّةً، وكان العشرةُ وزنَ سَبْعة. قال : وحدّثنى عبد الرحمن بن جرير اللَّيْىّ عن هلال بن أسامة قال: سألتُ سعيد بن المسيِّب فى كَمْ تَجِب الزكاة من الدّنانير؟ قال: فى كلّ" ٩٤٠/٢ عشرين مثقالاً بالشأمىّ نصفُ مثقال، قلت: ما بالُ الشأمى من المصرىّ ؟ قال: هو الَّذى تُضرب عليه الدّنانير. وكان ذلك وزنْ الدّنانير قبل أن تُضرَب الدّنانير، كانت (٢) اثنين وعشرين قيراطًا إلاّ حبَّة، قال سعيد. قد عرفتهُ، قد أرسلتُ بد نانيرَ إلى دِمَشَقَ فَضُرِبِتْ على ذلك . وفى هذه السَّنة : وفد يحيى بن الحكم على عبد الملك بنِ مَرْوان : ووَلِىَ أبانُ بنُ عثمانَ المدينة فى رجب. وفيها استُقْضِىَ أبانُ بْنُ نوفل بن مُساحِقٍ بن عمرو بنِ خِداش من بنی عامر بن لؤىّ . وفيها وُلِد مِروانُ بنُ مُحمَّد بن مَرْوان . وأقام الحجّ للناس فى هذه السنة أبانُ بنُ عثمانَ وهو أميرٌ على المدينة ، حدّثنى بذلك أحمدُ بنُ ثابت، عمّن ذَكره ، عن إسحاقَ بنِ عيسى ، عن أبى معشر ، وكذلك قال الواقدىّ . وكان على الكوفة والبصرة الحجّاجِ بن يُوسف، وعلى خُراسانَ أميَّة بنُ عبدالله بن خالد، وعلى قضاء الكوفة شُرَيْح، وعلى قضاء البَصْرة زُرَارة بنٌ أَوْ قى. ثم دخلت سنة سبع وسبعين [محاربة شبيب عتاب بن ورقاء وزهرة بن حَوِية وقتلهما ] ففى هذه السنة قتل شبيبٌ عَّاب بن ورقاءَ الرّياحىّ وزُهرة بنَ حَوِية ذكر الخبر عن سبب مقتلهما : وكان سبب ذلك فيما ذكر هشام(١) عن أبى مخنف، عن عبد الرحمن ٩٤١/٢ ابنِ جندَب وفَرْوة بن لَقِيط، أنّ شبيبًا لمَّا هزم الجيشَ الَّذى كان الحجّاج وجَّهَه(٢) مع عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث إليه، وقتَل عمان ابن قطن، وذلك فى صَيْف وحرّ شديد، اشتدّ الحرّ عليه وعلى أصحابهِ ، فأتَى ماه بَهْزاذان فتصيّف بها ثلاثة أشهر، وأتاه ناسٌ كثير ممَّن يطلب الدُّنيا فيلحقُوا به، وناس ممَّن كان الحجّاج يطلبهم بمال أو تباعات ؛ كان منهم رجلٌ من الحىّ يقال له الحرّ بنُ عبد الله بنِ عَوْف، وكان دِهْقانان من أهل نهر دُرْقيط قد أساءَاً إليه وضَيّقًا عليه، فشَدَّ عليهما فقَتَلهما، ثم لَحِقٍ بشبيب فكان معه بماه، وشَهِد معه مواطنَه حتَّى قُتل، فلمَّا آمن الحجَّاجُ كلَّ مَنْ كان خَرَح إلى شبيب من أصحاب المال والتَّاعات - وذلك بعد يوم السَّخة - خرج إليه الحرّ فيمن خرج، فجاء أهلُ الدّهقانَين يَستعدُون عليه الحجّاج ، فأتىّ به فدخل ، وقد أوصى ويئس من نفسه، فقال له الحجّاج: يا عدوَّ اللّه، قتلتَ رَجُلين من أهل الخراج! فقال له: قد كان أصلحك الله ما هو أعظم من هذا، فقال: وما هو ؟ قال : خروجى من الطاعة وفراق الجماعة، ثمّ آمنتَ كلّ من خرج إليك، فهذا أمانى وكتابُك لى. فقال له الحجّاج: أوْلى لك! قد ٩٤٢/٢ لَعَمرى فعلتُ، وخَلَّى سبيله . قال : ولمَّا انفسخ الحسَرّ عن شبيب خرج من ماه فى نحو من ثمانمائة رجل ، فأقبل نحو المدائن وعليها مُطرّف بنُ المغيرة بنِ شُعْبة ، فجاء (١) ب، فى بعدها: ((بن محمد)). (٢) ب، ف: ((وجهه الحجاج)). ٢٥٧ ٢٥٨ سنة ٧٧ حتَّى نزل قناطرَ حُذيفة بن اليمان، فكتب ماذرواسب عظيم بابل مهروذ إلى الحجَّاج : ٩ أمَّا بعد: فإنى أخبر الأميرَ أصلحهُ اللّه أنّ شبيبًا قد أقبل حتى نزل قناطر حُذيفة ، ولا أدرى أين يُريد! فلمَّا قرأ الحجّاج كتابه قام فى الناس فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أيها الناس، واللّه لتقاتِلُنّ عن بلادكم وعن فَيْئكم أو لأبعثنّ إلى قوم هم أطوع وأسمَع وأصبرُ على اللأواء والغيظ منكم ، فيقاتلون عدوًّكم ، ويأكلون فيئكم . فقام إليه الناس من كلّ جانب، فقالوا: نحن نُقَاتِلُهم ونُعتِب الأميرَ، فليندبنا الأميرُ إليهم فإنَّا حيث سِبَرّه. وقام إليه زُهْرة بن حَوّية وهو شيخ كبيرٌ لا يستثمّ قائمًاً حتَّى يؤخذ بيدِه. فقال له: أصلح اللّهُ الأميرَ! إِنَّك إنَّما تَبَعَث إليهم الناسَ متقطُّعين، فاستنفِرِ الناسَ إليهم كافةٌ فليسَنَفروا إليهم كافَّةً(١)، وابعثْ عليهم رجلا ثَبْتَشُجاعًا مجرّبًا للحرب ممَّن يرى الفِرارَ هَضْمًا وعارًا والصبر مجدًا وكرمًا. فقال الحجّاج: فأنت ذاك فاخرج، فقال: أصلح الله الأميرَ! إنما يصلح للناس فى (٢) هذا رجل يَحْمِلِ الرّمح والدّرع، ويهزّ السيفَ، ويَثبت على متن الفرس ، وأنا لا أطيق من هذا شيئًا، وقد ضعف بصرى وضعفتُ ، ولكن أخرْجنى فى الناس مع الأمير، فإنى إنما أثبت على الراحلة(٣) فأكون مع الأمير فى عسكره وأشيرَ عليه برأيى. فقال له الحجّاج: جزاك الله عن الإسلام وأهله فى أوّل الإسلام خيرًا ، وجزاك اللّهُ عن الإسلام فى آخِرِ الإسلام خيراً ، فقد نصحت وصدقتَ ، أنا مُخْرِ جُ الناسَ كافَّة . ألَا فسيروا أيّها الناس . فانصرف الناسُ فجعلوا يَسيرون وليس يَدرون مَنْ أميرُهم! ٩٤٣/٢ وكتب الحجّاج إلى عبد الملك بن مروان : أمَّا بعد، فإنى أخبر أميرَ المؤمنين أكرمه الله أنّ شبيبًا قد شارف المدائن وإنّما يريد الكوفَة ، وقد عجز أهلُ الكوفة عن قتاله فى مواطن كثيرة ، فى (٢) !، س: ((الناس فى هذا)). (١) كذا فى ا، وفى ط: ((فلینفر إليهم)) (٣) س: ((الرجالة)). ٢٥٩ سنة ٧٧ كلها يَقتُلُ أمراءَ هم، ويَقُلّ جنودهم؛ فإنْ رأى أميرُ المؤمنين أن يبعثَ إلى أهل الشأم فيُقَاتِلوا (١) عدوَّهم ويأكلوا بلادهم فلْيَفعل، والسلام. ٩٤٤/٢ فلمَّا أتى عبدَ الملك كتابُه بعث إليه سُفْيان بن الأبرد فى أربعة آلاف، وبعث إليه حبيبَ بنَ عبد الرحمن الحكمىّ(٢) من مَذْحج فى ألفين، فسَرَّحهم حين أتاه الكتاب إلى الحجّاج، وجعل أهلُ الكوفة يتجهّزون إلى شبيب ولا يدرون مَن أميرُهم ! وهم يقولون : يبعث فلانًا أو فلانًا، وقد بعث الحجَّاج إلى عتَّب بن وَرْقاء ليأتيَه وهو على خَيْل الكوفة مع المهلَّب، وقد كان ذلك الجيش من أهل الكوفة هم الَّذين كان بِشْر بنُ مروانَ بعث عبد الرحمن بن مِخَف عليهم إلى قطرىّ ، فلم يلبث عبدُ الرحمن بنُ مخنَف إلّ نحوًا من شهرين حتَّى قدم الحجَّاج على العراق، فلم يلبثْ عليهم عبدُ الرحمن بنُ مخنف بعد قدوم الحجّاج إلّ رَجَبَ وشعبان ، وقََّل قطرىٌّ عبدَ الرحمن فى آخرِ رمضان، فبعث الحجَّاجِ عتَّب بنَ ورقاءَ على ذلك الجيش من أهل الكوفة الَّذين أصيب فيهم عبدُ الرحمن ابنُ مخنف ، وأمر الحجَّاجُ عَّابًا بطاعة المهلَّب، فكأنّ ذلك قد كبُر على عتّاب، ووقع بينَه وبين المهلَّب شرّ، حتَّى كتب عَتَّب إلى الحجّاج يَستعفِيه من ذلك الجيش ويضمُّه إليه، فلمَّا أن جاءه كتابُ الحجّاج بإتيانه سُرَّ بذلك . قال : ودعا الحجّاج أشرافَ أهل الكوفة؛ فيهم زهرةُ بن حَوِيَّة السَّعْدىّ من بنى الأعرج، وقَبيصة بن والق التَّغلَبِىّ، فقال لهم: مَن تَرْون أن أبعثَ على هذا الجيش؟ فقالوا: رأيُك أيّها الأمير أفضل ؛ قال : فإنى قد بعثتُ إلى عتَّبِ بنِ ورقاء ؛ وهو قادمٌ عليكم الليلة أو القابلة ، فيكون هو الَّذى يسير فى النَّاس (٣)؛ قال زُهْرة بن حَوِيَّة: أصلحَ اللّه الأميرَ! رَمَيْتَهُمْ بِحَجَرِهِم ، لا واللّهِ لا يَرجع إليك حتَّى يَظفَر أو يُقتَل. وقال له قَبيصةُ بن وَالق: إنى مُشيرٌ عليك برأيى ، فإن يكن خطأ فبعدَ ٩٤٥/٢ (٢) بعدها فى ب، ف: ((من حكم سعد العشيرة)). (١) ب، ف: ((فليقاتلوا)). (٣) ب، ف: ((بالناس)). ٢٦٠ سنة ٧٧ اجتهادى فى النصيحة لأمير المؤمنين وللأمير ولعامَّة المسلمين ، وإن يك صَوَابًا فاللّهُ سدَّدنى له؛ إنَّا قد تحدّثنا وتحدّث الناسُ أنّ جيشًا قد فصل إليكَ من قِبَل الشأم، وأن أهلَ الكوفة قد هُزِموا وفُّوا واستَخَفّوا بالصبر، وهان عليهم عارُ الفِرار ، فقلوبهم كأنَّها ليست فيهم ، كأنَّما هى فى قوم آخرين، فإنْ رأيتَ أن تبعث إلى جيشك الَّذى أمْدِدتَ به من أهلِ الشأم. فيأخذوا حِذْرَهم ، ولا يبيتُوا إِلّ وهم يرون أنَّهم مُبيّتون فعلت ، فإنك تُحارِبِ حُوَّلَا قُلَّبًا، ظَعَّانَا رَحَّالا، وقد جهّزْتَ إليه أهل الكوفة ولستَ واثقًا بهم كلّ الثقة، وإنما إخوانهم هؤلاء القوم الَّذين بُعثوا إليك من الشأم. إنّ شبيبًا بينا هو فى أرض إذْ هو فى أخرى ، ولا آمن أن يأتيَهم وهم غارّون فإن يَهلِكوا فتهلك ويهلك العراق . فقال: لله أنت! ما أحسن ما رأيت! وما أحسن ما أشرت به علىّ ! قال : فبعث عبد الرحمن بن الغرِق مولى عقيل إلى مَنْ أقبل من أهل الشأم ، فأتاهم وقد نزلوا هِيتَ بكتاب من الحجّاج: أمَّا بعد، فإذا حاذَ يْمِ هِيتَ(١) فدَعُوا طريقَ الفُراتِ والأنبار، وخذوا على عين التّمر حتَّى تقدمُوا الكوفة إن شاء الله، وخذوا حذركم ، وعجُلُوا السَّيرَ . والسلام. فأقبل القومُ سراعًا. قال: وقدم عتّاب بنُ وَرْقَاء فى اللَّيلة الَّتِى قال الحجَّاج إنَّه قادم عليكم فيها، فأمَرَه الحجَّاج فخرج بالناس فعسكر بهم بحمام أعيَنَ، وأقبل شبيب حتى انتهى إلى كَلْوَاذَا فقطع منها دِجنة ، ثمّ أقبل حتَّى نَزَل مدينة بَهُرَسير الدّنيا، فصار بينه وبين مطرّف بن المغيرة ابن شُعْبة جِسر دِجْلة . فلمَّا نزل شبيب مدينةَ بَهُرَسير قَطَعَ مطرِّف الجِسْر، وبعث إلى شبيب : أن ابعثْ إلىّ رجالا من وجوه أصحابك أدارِسهم القرآن ، وأنظر فيما تدعو إليه . فبعث إليه شبيب رجالاً من وجوهِ أصحابه؛ فيهم فعْنَب وسُوَيَد والمحلّل، فلمَّا أرادوا أن ينزِلوا فى السفينة بعث إليهم شبيب ألّ (١) !: ((فإذا حاربم بهيت)). ٩٤٦/٢