Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ سنة ٧٢ العُمانيّ مولاه، وعلى ديوان الرّسائل جناح مولاه، وعلى المستغلات نُفَيع ابنُ ذُؤیب مولاه , ٨٣٨/٢ وكان يكتُب لسليمان سليمانُ بنُ نعيم الحِمْيرىّ. وكان يكتُب لمسلمة سميع مولاه، وعلى ديوان الرسائل اللّيث بن أبى رُقَيّة مولى أمّ الحَكَم بنت أبى سُفْيان، وعلى ديوان الخراج سليمانُ بنُ سعد الخُشَنِىّ، وعلى ديوان الخاتَمَ نُعَيِمُ بنُ سلامة مَوَلَّى لأهل اليمن من فِلَسْطين؛ وقيل : بل رجاء بن حيَيْوَة كان يتقلّد الخاتم. وكان يَكتب ليزيدَ بن المهلب المغيرةُ بنُ أبى فَرْوة . وكان يكتب لعمرَ بن عبد العزيز الدّثُ بنُ أبى رقيّة (١) مولى أمّ الحكم بنت أبى سُفْيَان، ورَجاء بن حَيْوة. وكتب له إسماعيلُ بن أبى حكيم مولى الزّبير، وعلى ديوان الخراج سليمانُ بنُ سعد الخُشْسَىّ، وقدد مكانه صالح بن جُبير الغَسانى - وقيل: الغُدَانىّ - وعدىّ بنُ الصبّاح بن المثنى، ذكَر الهيثمُ بنُ عَدَىّ أنه كان من جِلّة كُتّابِه . وكتَّب ليزيدَ بن عبد الملك قبل الخلافة رجلٌ يقال له يزيد بن عبد الله، ثمّ استكتب أسامةَ بنَ زيد السُّلَيحىّ. وَكَتَب لهشام سعيدُ بنُ الوليد بن عمرو بن جَبَّة الكلبىّ الْأبْرَش ، ويُكنى أبا مخاشع، وكان نصر بن سَيّار يتقلّد ديوان خراج خُراسان لهشام. وكان من كتّابه بالرُّصافة شعيبُ بنُ دينار . وكان يكتب للوليد بن يزيدَ بكير بن الشمّاخ ، وعلى ديوان الرسائل سالمُ مولَى سعيد بن عبد الملك ، ومِن كتّابه عبدُ الله بنُ أبى عمرو ، ويقال : عبد الأعلى بن أبى عمرو، وكتب له على الحضرة عَمْرو بنُ عُشْبة . ٨٣٩/٢ وَكَتَب ليزيد بن الوليد الناقص عبدُ اللّه بنُ نُعَيم، وكان عمرو ابنُ الحارث مولى بنى جُمَح يتولّى له ديوانَ الخاتم، وكان يتقلد له ديوان (١) ط: ((ابن أبى فروة))، وانظر تصويبات ط. ٤ ٠٠ ١٨٢ سنة ٧٢ الرسائل ثابتُ بنُ سليمانُ بن سعد الخُشْسَىّ- ويقال الرّبيع بن عرعرة الخُشَنىّ- وكان يتقلد له الخراجَ والدّيوانَ الذى للخاتم الصغير النّضُربنُ عَمْرُو مِن أهل اليَمَن . وَكَتَب لإبراهِيمَ بن الوليد ابنُ أبي جمعة، وكان يتقلّد له الديوانَ بفلسطين ، وبايع الناس إبراهيم - أعنى ابنَ الوليد - سوى أهل حِمْصَ، فإنهم بايعوا مروانَ بنَ محمد الجَعْدىّ. وكتَّب لمروانَ عبدُ الحميد بنُ يحيى مولى العلاء بن وَهْب العامرىّ، ومُصعَب بن الربيع الخَفْعمىّ، وزيادُ بنُ أبى الوَرْد . وعلى ديوان الرسائل عثمانُ بنُ قيس مولى خالد القَسْرىّ. وكان من كتّابه مخلد بن محمد بن الحارث - ويُكْنى أبا هاشم - ومن كتّابه مُصعسَب بن الرّبيع الخَفْعمىّ، ويُكْنَى أبا موسى . وكان عبد الحميد بنُ يحيى من البلاغة فى مكان مسكين ، ومما اختير له من الشعر : وَأَعقَبَ ما ليْسَ بالزَّائلِ تَرحّلَ ما ليس بالقَافِلِ ولَهفى على السلفِ الراحلِ فَلَهْفى على الخَلَفِ النازلِ بكاءَ مُوَّهَةٍ ثاكِلٍ أُبكِّى على ذا وأَبكِى لذا وتبكى على آبنٍ لها واصلٍ تُبَكِّى من آبن لها قاطعٍ ٨٤٠/٢ لها فى الضّمير ومن هامِل فليستْ تفَتَّرُ عن عَبْرةٍ وردَّ الثُّقَى عَنَنَ الباطِلِ تقضَّت غَواياتُ سُكْرِ الصّبَى وَكَتَب لأبى العباس خالدُ بنُ بَرْمَك، ودفع أبو العباس ابنّته رَيْطة إلى خالد بن بَرْمك حتى أرضعتْها زوجتُه أم خالد بنت يزيد بلبان بنت لخالد تُدعى أمَّ يحيى، وأرضعت أم سلمة زوجة أبى العبَّاس أمّ يحيى بنت خالد بلبان ابنتها ريطة . وقلَّد ديوان الرسائل صالح بن الهيثم مولى رَيْطة بنت أبى العِبَّاس . ١٨٣ سنة ٧٢ وَكَتَب لأبى جعفر المنصور عبد الملك بنُ حُميد مولى حاتم بن الضّعمان الباهلىّ من أهل خُراسان ، وكتب له هاشم بنُ سعيد الجُعْفِىّ وعبدُ الأعلى بن أبى طَلْحة من بني تميم بواسِطَ . ورُوى أنّ سليمانَ بنَ مخلد كان يكتُب لأبى جعفر، وما كان يَتمثّل به أبو جعفر المنصور: إِذا حاجةٌ فى النفس طالَ اعتراضُها وما إِنْ شَفَى نفساً كأَمرِ صريمةٍ وَكَّسَب له الرّبيع. وكان عمارةُ بنُ حَمزةَ من نُبلاء الرّجال، وله : إِنَّ الغِنَى فِى صِحّة الجسمِ لا تَشْكوَنْ دهْرًا صَحِحْتَ بهِ هَبْك الإِمامُ أَكنتَ منتفِعاً بغضارةِ الدّنيا مع السّقْمِ! وكان يتمثَّل بقول عبد بنى الحَسْحَاس : أَمِنْ أُمَيّةَ دمعُ العينِ مَذْروفُ لو أَن ذا منكَ قبلَ اليومِ معروفُ(١) فيه تفرَّقَ ذو إِلْفِ ومَأَلُوفُ لا تُبكِ عينَك إِنَّ الدْهَر ذو غَيْرٍ وَكَتَّب للمهدىّ أبو عُبيد الله وأبانُ بنُ صَدقة على ديوان رسائله، ومحمَّد بن حُمَيَد الكاتب على ديوان جُنْده ويعقوب بن داود، وكان ٨٤١/٢ اتَّخذه على وزارته وأمْره ، وله : عَجباً لتصريفِ الأُمو رٍ محَبَّةً وكراهيَهْ ل له دوائرٌ جاريه يَلَعَب بالرِّجا والدَّهُ ولابنه عبد الله بن يعقوب - وكان له محمَّدٌ ويعقوبُ، كلاهما شاعرٌ مجيدٌ : وزع المَشيبُ شراستى وغَرَامِى وَمَرَى الجفونَ بمُسْبَلٍ سَجّامٍ (١) ديوانه ٦٢، ٦٣؛ وهى أبيات ثلاثة روايتها هناك: لو أَنَّ ذا منكِ قبْلَ اليَوْم معروف أَمِنْ سُميَّةَ دمْعُ العيْنِ مَذْرُوفُ فهل عذابُك عنِّى اليوم مَصْروفُ! المال مالِكُمُ والْعَبْد عبدُكُمُ ظِىٌّ بعُسفانَ ساجى الطرف مطروف كأَنَّها يَوم صدّتْ ما تكلِّمنا ١٨٤ سنة ٧٢ عن مقلىَّ فرُمْتُ غَيرَ مرام ولقد حَرَصتُ بأَن أُوارِى شخصه صِبغى ودامت صبغةُ الأَيام وصبغتُ ما صَبَغَ الزمانُ فلم يدمْ فارقتُها فى سالفِ الأَعوام لا تَبعدنَّ شبيبةٌ ذيّالةٌ إِلَّا كبعضِ طوارقِ الأحلامِ ما كان ما أَستصحَبْت من أَيَّامها ولا بيه : واتَّخِذ زَوْجَّا سِواها طَلِّق الدنيا ثلاثاً لا تُبَالِى مَنْ أَناها إِنَّها زَوْجةُ سَوْءِ واستوزر بعدَه الفسَيْض بنَ أبى صالح، وكان جواداً. وكتب للهادى موسى عُبيدُ اللّه بن زياد بن أبى ليلى ومحمَّد بن حُمَيَد. وسأل المهدىّ يومًا أبا عبيد اللّه عن أشعار العرب ، فصنَّفها له ، فقال : ٨٤٢/٢ أحكمُها قولُ طَرفة بن العَبْد: كقَبْرٍ غَوِىٌّ فى البَطالة مُفسدِ(١) أَرى قبر نحامٍ بخيلٍ بماله صفائحُ صُمَّ من صفيحٍ مصمَّدٍ(٢) ترى جُثوتَيْنِ من تُرابٍ عليهما عقيلةَ مالِ الفاحشِ المتشدِّدِ(٣) أَرَى الموتَ يعْنام الكرامَ وَيَصطفِى وما تَنقُص الأَيام والدهر يَنفَدِ أَرَى العَيْشَ كنزًا ناقصاً كلّ ليلة العمرُك إِنَّ الموتَ ما أَخطأً الفتى لكالطَوَلِ المُرْخَى وَثِنْياه باليَدِ (٤) 1 وقوله : لو أَنَّ شيئاً إِذا ما فاتَنا رَجعَا وقد أَرانا كِلَانَا هَمَّ صاحبِهِ دَهُرٌ يكرُّ على تفريقِ ما جمَعا وكان شىءٌ إِلى شىءٍ ففرَّقَه (١) ديوانه ٥٢ - ٥٤ . (٢) الجثوتان ، مثنى جثوة ؛ وهى كومة التراب . (٣) يعتام: يختار؛ وكذلك يصطفى. وعقيلة كل شىء : خياره. (٤) الطول : الحبل الذى يطوّل للدابة فترعى به . ١٨٥ سنة ٧٢ وقول لبيد : أَلا تَسأَلانِ المرءَ ماذا يُحاوِلُ أَلاَ كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلٌ أَرَى الناسَ لا يدرون ما قدرُ أَمرِهِمْ وكقول النابغة الجعدى : وقد طالَ عهدى بالشّباب وأَهلِه فلم أَجِدِ الإِخوانَ إِلاَّ صحابةً أَلم تعْلمى أَن قد رُزِئتُ مُحارِباً وكقول هُدْبَة بن خَشْرَم : أَنَحْبٌ فيُقضَى أَم ضلالٌ وباطلٌ (١) وكلُّ نعيمٍ لا محالةٌ زائلٌ بلى كلُّ ذى رأىٍ إِلى الله واسِلُ ولاقيتُ رَوْعات تُشيبُ النَّواصيَا(٢) ولم أَجِدِ الأَهلين إلاَّ مثاويا فما لكِ منه اليوم شىءٌ ولا لِيا ولستُ بِمفراحٍ إِذا الدهرُ سرَّنِى ولا أَبتغى الشرَّ والشرّ تاركی وما يَعرِفِ الأَقوامُ للدَّهِر حَقَّهُ وللدهر فى أَهل الفتى وتِلادِه وكقول زيادة بن زيد؛ وتمَّل به عبدُ الملك بن مروان : ولا جازعٍ من صَرفه المتقلِّبِ (٣) ولكن مَتَى أُحَمَلْ على الشَّرِّ أَركبٍ (٤) ٨٤٣/٢ وما الدّهُر مِما يكرهون بمُعتِبٍ نصيب كَحزِّ الجازِرِ المتشعِّب لها بعد إِكثارٍ وطُول نحيبٍ تذكَّر عن شَحْطِ أُميمةَ فَارْعَوِى تقلُّبَ عَصْرَيه لغيرُ لبيبٍ وإِنَّ امرأً قد جَرّب الدهر لم يخَفْ رزيئةُ مالٍ أَو فراقُ حبيبٍ هل الدهرُ والأَّيامِ إِلَّ كما تَرَى ولستَ لشىءٍ ذاهبٍ بنَسيبٍ وكلّ الذى يأتى فأَنتَ نَسيبُهُ (١) ديوانه ٢٥٤، ٢٥٦. (٢) أبيات منها فى الحماسة - بشرح المرزوقى برقمى ٣٣٥، ٣٧٥، وأبيات منها أيضًا فى خزانة الأدب للبغدادى ٢ : ١٣،١٢. (٣) الكامل ٤: ٨٦، مع اختلاف فى الرواية. (٤) بعده فى الكامل : مُتَى ما يجرّبْك ابن عَمِّكَ تَحْرَب وَحَرّبنى مَوْلايَ حَتَّى غَشِيتُه ١٨٦ سنة ٧٢ ولا ما مَضَى من مُفْرِح بقَرِيبٍ وليس بعيدٌ ما يجىء كمقبِلٍ وكقول ابن مُقيل(١) : والشَّيب أَرْذلُ هذه الأَبدالِ لَا رَأَت بدل الشَّبابِ بكتْ له طول الحياة يَزيدُ غير خَبالٍ والناس همهُمُ الحياةُ ولا أَرَى ذُخرًا يكون كصالحِ الأعمال وإِذا افتقرتَ إِلى الذَّخائر لم تَجِدْ ووزر له يحيى بن خالد . ووَزَر للرشيد ابنه جعفر بن يحيى بن خالد ، فمن مليح كلامه: الخَطّ سِمَة الحكمة، به تفصَّل شُذورُها، ويُنْظَم منثورُها . قال ثمامة : قلتُ لجعفر بن يحيى : ما البيان ؟ فقال : أن يكون الاسم محيطًا بمعناك، مُخبيراً عن مَغْزاك، مُخرجاً من الشركة ، غير مستعان عليه بالفكرة. قال الأصمعىّ : سمعتُ يحيى بنَ خالد يقول : الدنيا دُّوَل، والمال عاريّة، ولنا بمن قَبَلَنا أسْوة، وفينا لمن بعدنا عِبْرة . ونأتى بتسمية باقى كتاب خلفاء بنى العباس إذا انتهيْنا إلى الدّولة العبّاسيّة إن شاء الله تعالى . (١) كذا فى الأصول؛ والأبيات من قصيدة للأخطل فى ديوانه ١٥٩ - ١٦٣، ومطلعها: دَرَسَتْ وغيّرها سِنونُ خوال لمن الديار بجابلٍ فوعالِ ونسب المبرد فى الكامل ٣ : ١٤ البيت الثالث إلى الخليل بن أحمد . ٨٤٤/٢ ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ذكر الكائن الذى كان فيها من الأمور الجليلة [ خبر مقتل عبد الله بن الزبير ] فمن ذلك مقتل عبد الله بن الزبير . ذكر الخبر عن صفة ذلك : حدّثنى الحارث، قال: حدّثنا محمد بنُ سعد، قال: أخبرنا محمّد بنُ عمر. قال : حدّثنى إسحاق بنُ يحيى ، عن عُبيد الله بن القبطيَّة، قال : كانت الحرب بين ابن الزّبير والحجَّاج ببطن مكَّة ستّة أشهر وسبعَ عشرةَ ليْلة . قال محمّد بنُ عمر : وحد ثني مصعب بنُ ثابت، عن نافع مولى بنى أسد - وكان عالماً بفتنة ابن الزبير - قال: حُصِر ابن الزّبير ليلَة هلال ذى القعدة سنة اثنتين وسبعين وقتل لسبع عشرةَ ليلةٌ خلتْ من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين ، وكان حصرُ الحجّاج لابن الزبير ثمانية أشهر وسبعَ عشرة ليلة . ٨٤٥/٢ حدّثنا الحارث ، قال: حدّثنا محمَّد بنُ سعد، قال : أخبرنا محمَّد ابن عمر: قال : حدثنى إسحاقُ بنُ يحيى ، عن يوسفَ بن ماهَك ، قال : رأيتُ المَنَجنيقَ يُرمَى به، فرعدت السماء وبرقت، وعلا صوتُ الرّعد والبرق على الحجارة ، فاشتمل عليها، فأعظم ذلك أهلُ الشام، فأمسكوا بأيديهم، فرفع الحجَّاج بِرْكة قَبَائه فغرَزَها فى منطقته، ورفع حجر المنجنيق فوضعه فيه ، ثم قال: ارمُوا، وربى معهم. قال: ثمّ أصبحوا ، فجاءت صاعقة تتبعها أخرى ، فقتلتْ من أصحابه اثنى عشرَ رجلا، فانكسر أهلُ الشأم ، فقال الحجاج : يا أهل الشأم، لا تُنكروا هذا فإنى ابن تيهامة ، هذه صواعقُ تِهامة ، هذا الفتح قد حضر فأبشروا، إنّ القوم يُصيبُهم مثل ما أصابكم، فصعقت من الغد. فأصيب من أصحاب ابن الزبير عدّة ؛ فقال الحجَّاج: ألا تَرَوْن أنَّهم يصابون وأنتم على الطَّاعة، وهم على خلاف ١٨٧ ١٨٨ سنة ٧٣ الطاعة! فلم تزل الحربُ بينَ ابنِ الزبير والحجَّاج حتَّى كان قُبيلَ مقتله وقد تفرّق عنه أصحابه ، وخرج عامَّة أهلِ مسكة إلى الحجَّاج فى الأمان . حدّثنى الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمَّد بنُ عمر، قال: حدّثنى إسحاق بنُ عبد اللّه(١)، عن المنذر بنِ جَهْم الأسدىّ، قال: رأيتُ ابنَ الزبير يوم قُتِل وقد تفرّق عنه أصحابُه وخذله من معه خذلاناً شديدًا، وجعلوا يخرجون إلى الحجَّاج حتَّى خرج إليه نحوٌ من عشرةٍ آلاف . وذكر أنَّه كان مَّن فارقه وخرج إلى الحجَّاج ابناه حمزة وخُبَيْب، فأخذا منه لأنفسهما أمانً ، فدخل على أمّه أسماء- كما ذكر محمَّد بنُ ٨٤٦/٢ عمرَ عن أبى الزّناد، عن مَخرَمَة بن سليمان الوالبيّ، قال: دخل ابنُ الزبير على أمّه حين رأى من الناس ما رأى من خِذْلانهم ، فقال : يا أمَّه ؛ خذَلَنِى الناسُ حتَّى ولدى وأهلى، فلم يَبَق معى إلّا اليسير مَّنْ(٢) ليس عنده من الدّفع أكثر من صبر ساعة ، والقوم يعطونى ما أردت من الدنيا ، فما رأيك ؟ فقالت: أنت واللّهِ يا بُنىَّ أعلم بنفسك، إن كنتَ تعلم أنَّك على حقّ وإليه تدعو فامضٍ له ، فقد قُتل عليه أصحابك، ولا تُمكّن من رقبتك يتلعَّب بها غِلمانُ أميَّة، وإن كنتَ إنَّما أردتَ الدّنيا فبئس العبدُ أنتَ! أهلكتَ نفسَك، وأهلكت من قُتِل معك، وإن قلتَ : كنتُ على حق فلمَّا وَهَن أصحابى ضعُفْتُ، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدّين، وكم خلودُكَ فى الدنيا! القتلُ أحسن . فدنا ابن الزبير فقبَّل رأسها وقال : هذا واللّهِ رأبى، والذى قمتُ به داعيًا إلى يومى هذا ما ركَنْت إلى الدنيا، ولا أحببتُ الحياةَ فيها ، وما دعانى إلى الخروج إلّا الغضب لله أن تُستحَلّ حُرَمَه، ولكنّى أحببتُ أن أعلم رأيك، فزدْتِى (٣)، بصيرةً مع بصيرتى. فانظرى يا أمَّهْ فإنى مقتول من يومى هذا، فلا يشتدَّ حُزْنك، وسَلّسى الأمر الله، فإنّ ابنَكِ لم يتعمَّد إتيان(٤) مُنكّر، ولا عَملا بفاحشة، ولم يَجُرْ فى i (١). ط: ((عبيد))، وصوابه من ١. (٢) ب: ((ومن))، ا، ف: ((من)). (٣) ب، ف: ((فقد زدتنى)). (٤) ب، ف: ((إيثار)). ١٨٩ سنة ٧٣ حكم الله، ولم يغدر فى أمان، ولم يتعمَّد ظُلم مسلم ولا معاهد ، ولم يبلغنى ظلم عن عُمَّالى فرضيتُ به بل أنكرتُه، ولم يكن شىءٌآثَرَ عندى (١) من ٨٤٧/٢ رِضَا رَبى . اللهمّ إنى لا أقول هذا تزكية منّ لنفسى، أنت أعلمُ بى، ولكن أقولُه تعزية لأمّى لتسلوَ عنِّى. فقالت أمه: إنى لأرجو من الله أن يكون عزائى فيك حَسَنًا إن تقدّمتَى ، وإن تقدّمْتُك فى نفسى ، اخرج حتَّى أنظر إلى ما يصير أمرك. قال : جزاك الله يا أمَّه خيرًا، فلا تَدَعى الدّعاء لى قبلُ وبعدُ. فقالت: لا أدَعه أبدًا، فمن قُتِل على باطل . فقد قُتِلَت على حقّ. ثم قالت: اللَّهمّ ارحمْ طول ذلك القيام فى اللّيل الطويل ، وذلك النَّحيب والظّمَا فى هَوَاجِرِ المدينة ومكلَّة، وبرَّه بأبيه وبى. اللَّهُمّ قد سلَّمته لأمرك فيه، ورضيتُ بما قضيتَ، فأثِبْنى فى عبد اللّه ثوابَ الصابرين الشاكرين(٢). قال مصعب بنُ ثابت : فما مكثتْ بعدَه إلَّا عَشْرًا، ويقال : خمسة أيَّام . قال محمد بنُ عمر: حدثنى موسى بنُ يعقوب بن عبد الله، عن عمّه قال : دخل ابنُ الزبير على أمه وعليه الدّرع والمِغفَر، فوقف فسلّم، ثمّ دنا فتناول يدها فقبلها (٣). فقالت: هذا وداع فلا تَبعد، قال ابن الزبير : جئت مودِّعا، إنى لأرى هذا آخر يوم من الدنيا يمرّ بى ، واعلمى (٤) يا أمَّه أنى إن قُتلت فإنَّما أنا لحم لا يضرّى ما صُنع بى، قالت : صدقتَ يا بُنىَّ، أتمِم على بصيرتك، ولا تُمكِّن ابنَ أبى عَقِيل منك، وادنُ منى أوَدّعْك، فدنا منها فقبَّلَها وعانَقتها، وقالت حيث مَسَّت الدّرْع: ما هذا ٨٤٨/٢ صنيعُ من يريد ما تريد ! قال : ما لبستُ هذا الدّرع إلّا لأشدّ منك، قالت العجوز: فإنَّه لا يشدّ منّى، فنّزّعها ثمّ أدرج كمَّيْه، وشَدّ أسفل قميصِه، وجُبَّة خزّ تحت القميص فأدخل أسفلَها فى المنطقة ، وأمّه تقول: البَس ثيابَك مشمَّةً . ثمّ انصرف ابن الزبير وهو يقول : (١) ب، ف: ((عندى آثر)). (٣) ف: ((يديها فقبلهما)). (٢) ب، ف: ((الشاكرين الصابرين)). (٤) ب: ((وأعلم)). 1 ١٩٠ سنة ٧٣ إِنّى إِذَا أَعْرِفِ يومِى أَصِرْ إِذْ بَعْضُهِمْ يَعْرِفُ ثم يُنكِرْ فسمعت العجوزُ قولَه، فقالت: تتصببَّر والله إنْ شاء اللّه، أبوك أبو بكر والزّبير، وأَمّك صفيَّة بنتُ عبد المطّلب. حدثنى الحارث، قال : حدثنى ابنُ سعد، قال: أخبرنى محمّد بنُ عمر، قال : أخبرنا ثورُ بنُ يزيدَ، عن شيخ من أهلِ حِمْصَ شهد وقعة ابن الزبير مع أهل الشأم، قال: رأيتُه يوم الثُّلاثاء وإنَّا لنطلع عليه أهل حمص خمسمائة خمسمائة من باب لنا ندخلُه ؛ لا يدخله غيرُنا ، فيخرج إلينا وحدَه فى أثرنا ، ونحن منهزمون منه ، فما أنسىَ أرجوزةً له : إِنّى إِذَا أَعْرِفُ يومِى أَصِرْ وإنَّما يَعْرِفِ يَوْمَيْهِ الحُزْ * إِذْ بعضُهمْ يَعرِف ثم يُنكِرْ * فأقول : أنتَ واللّهِ الحرّ الشريف، فلقد رأيتُه يقف فى الأبطح ما يدنو منه أحدٌ حتَّى ظننًا أنَّه لا يقتَّل . ٨٤٩/٢ حدّثنى الحارث، قال: حدثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمَّد بنُ : عمر ، قال : حدّثنا مصعب بن ثابت، عن نافع مولى بنى أسد ، قال : رأيتُ الأبوابَ قد شُحِنت من أهل الشأم يوم الثلاثاء ، وأسلم أصحابُ ابن الزّبير المحارس، وكثرهم القومُ فأقاموا على كلّ باب رجالا وقائدًا وأهل بلد ، فكان لأهل حمص الباب الَّذى يواجه باب الكعبة ، ولأهل دمشق باب بنى شَيْبة، ولأهل الأرْدُنّ باب الصّفا، ولأهل فلسطين باب بنى جُمَح، ولأهل قِنَّسْرِين باب بنى سَهْم ، وكان الحجّاج وطارق بن عمرو جميعًا فى ناحية الأبطح إلى المروة ، فمرّة يَحمِل ابنُ الزبير فى هذه الناحية، ومرة فى هذه الناحية، فلكأنَّه أسدٌ فى أجمة ما يُقدِمِ عليه الرّجال، فيعدوفى أثر القوم وهم على الباب حتَّى يُخرِجَهم وهو يرتجز : إِنّى إِذَا أَعْرِفِ يومِى أَصبرْ وإنَّما يَعرف يومَيْه الحُرْ ثم يصيح : يا أبا صَفوان (٤)، ويلُ أمّه فَتْحًا لو كان له رجال ! (١) !: ((أباصفوان)) وهو عبد الله بن صفوان وانظر ص ١٩٢. ١٩١ سنة ٧٣ * لو كانَ قِرْنِى وَاحِدًا كَفَيْتُهْ (١) # قال ابن صفوان : إى واللّه وألف. حدّثّنى الحارث، قال : حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرَنا محمَّد بنُ عمرَ ، قال: فحدَّثَنى ابنُ أبى الزّناد وأبو بكر بنُ عبداللّه بنِ مصعب، عن أبى المنذر (٢). وحدّثنا نافع مولى بنى أسد، قالا: لمَّا كان يوم الثلاثاء صبيحة" سبع عشرة من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وقد أخذ الحجَّاجُ على ابن الزبير بالأبواب، بات ابنُ الزّبير يصلِّى عامَّة اللَّيل، ثمّ احتبَى بحمائلٍ ٨٥٠/٢ سيفهٍ فأغنى ، ثمّ انتبه بالفجر فقال: أُذّن يا سعد، فأذَّن عند المقام ، وتوضَّْ ابنُ الزبير ، وركع ركعتى الفجر، ثم تقدَّم ، وأقام المؤذّنِ فصلَّى بأصحابه، فقرأ ﴿٥ ٣ والقلم) حَرْفًا حرفًا، ثمّ سلّم، فقام فحَمِد اللّهَ وأثنى عليه ثم قال : إكشفوا وجوهكم حتَّى أنظر، وعليهم المغافر والعمائم، فتكتشفوا وجوههم فقال: يا آل الزبير، لو طبْتم لى نَفْسًا عن أنفسكم كنَّا أهلَ بيت من العرب اصطُلِمْنا فى اللّه لم تصبْنا زيَّاءُ بَّة. أمَّا بعد يا آل الزبير ، فلا يرُعْكم وقعُ السيوف، فإنى لم أحضر موطنًا قطّ إلّا ارتشِئْتُ فيه من القتل، وما أجدُ من أدواء جراحها أشدّ ممَّا أجد من ألم وقعِها . صونوا سيوفتكم كما تصونون وجوهكم، لا أعلم امرأً كَسَر سيفَه، واستَبقَى نفسه ، فإنّ الرجَل إذا ذهب سلاحُه فهو كالمرأة أعزل، غُضوا أبصارَكم عن البارقة، ولِيَشْغَلْ كلّ امرىُ قِرْنَه، ولا يُلهِينَّكم السؤالُ عنّى، ولا تقولُنّ: أين عبدُ الله بنُ الزبير؟ ألا من كان سائلا عنّى فإنى فى الرَّعِيل الأوّل. مُلاقى المنايا أَىَّ صَرْفٍ تيمَّمَا (٣) أَبِى لابن سَلْمَى أَنَّهُ غيرُ خالِدٍ ولا مُرَتَقِ مِنْ خَشْيَةِ الموتِ سُلَّمَا (٤) فَلَسْتُ بمُبتاعِ الحَياة بسُبَّةٍ (١) لدويد بن زيد، وانظر طبقات الشعراء لابن سلام ٢٨. (٢) ط: ((ابن)) وصوابه من ا، وهو أبو المنذر هشام بن محمد الكلبى. (٣) للحصين بن الحمام المرى، من المفضلية ١٢. (٤) المفضليات: ((ولا مبتغ)). ١٩٢ ٠ سنة ٧٣ احملوا على بركة الله . ثمّ حمل عليهم حتَّى بلغ بهم الحَجُون، فِرُسِى بآجُرّة فأصابته فى وجهِهِ فأرعِش لها، ودمى وجهُهُ، فلمَّا وَجد سخونةَ الدَّم يسيل على وجهه ولحيتهِ قال : فَلَسْنَا على الأَعقاب تَدْعَى كُلُومُنا ولكنْ على أَقدامِنَا تَقْطُرُ الدّما(١) . وتغاوَوْا عليه . قالا : وصاحت مولاة لنا مجنونة : وا أميرَ المؤمنيناه! قالا: وقد رأتْه حيث هوى، فأشارتْ لهم إليه، فقتل وإنّ عليه ثيابَ خَزّ. وجاء الخبر إلى الحجّاج، فسجد وسار حتَّى وقف عليه وطارق بنُ عمرو ، فقال طارق : ما وَلَدت النساءُ أذكرَ من هذا؛ فقال الحجّاج: تمدَح مَن يُخالف طاعة" أمير المؤمنين! قال : نعم ، هو أعذَر لنا، ولولا هذا ما كان لنا عُذر، إنَّا مُحاصروه وهو فى غير خندق ولا حصن ولا مَنَعة منذ سبعة أشهر ينتصف منًّاً، بل يفضل علينا فى كلّ ما التقينا نحن وهو ؛ فبلغ كلامُهما عبدَ الملك ، فصوّب طارقًا . حدّثنا عمر، قال : حدّثنا أبو الحسن، عن رجاله، قال : كأنى أنظر إلى الزبير وقد قتل غلامًا أسود، ضَرَبَه فعرقبه، وهو يمرّ فى حملتِه عليه ويقول : صَبْرًا يا بن حام ، ففى مثلِ هذه المواطن تتَصْبر الكرام ! حدّثنى الحارث ، قال : حدّثنا ابن سعد ، قال : أخبَرّنا محمّد ابنُ عمر، قال : حدثنى عبد الجبار بنُ عُمَارة ، عن عبد الله بن أبى بكر ٨٥٢/٢ ابنِ محمَّد بن عمرو بن حزم، قال: بعث الحجَّاجُ برأس ابنِ الزّبير ورأسٍ عبدِ الله بنِ صِفْوان ورأس عمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة فنصبتْ بها، ثم ذُهِب بها إلى عبد الملك بن مروان، ثمّ دخل الحجّاج (١) للحصين بن الحمام المرى، ديوان الحماسة - بشرح المرزوقى ١: ١٩٢، وفى ط: ((لسنا)) وأثبت ما فى ب ، ف ، وهو يوافق ما فى الحماسة . ٨٥١/٢ ١٩٣ سنة ٧٣ مكَّة ، فبايع (١) مَن بها مِن قريش لعبد الملك بن مروان . ** * قال أبو جعفر: وفى هذه السنة ولَّى عبدُ الملك طارقًا مولى عثمان المدينة فوليَها خمسة أشهر . وفى هذه السنة تُوفّىَ بِشرُ بنُ مروانَ فى قول الواقدىّ، وأمَّا غيرُه فإنَّه قال : كانت وفاته فى سنة أربع وسبعين . وفيها أيضًا وَجَّه - فيما ذُكر- عبد الملك بن مروان عمرَ بن عبيد الله بن معمَرَ لقتال أبى فُدَيَك، وأمره أن يندب معه من أحبّ من أهل المِصْرين ، فقدِم الكوفة فندب أهلها، فانتدب معه عشرةُ آلاف، ثم قَدِمِ البَصْرة فندب أهلها ، فانتدب معه عشرةُ آلاف، فأخرج لهم أرزاقتهم وأعطياتِهم، فأعطُوها. ثمّ سار بهم عمرُ بن عُبيد اللّه، فَجَعَل أهلَ الكوفة على الميمنة وعليهم محمَّد بن موسى بن طلحة ، وجعل أهلَ البصرة على الميسرة وعليهم ابن أخيه عمر بن موسى بن عُبيد الله، وجعل خيلَه فى القلب، حتَّى انتَهُوْا إلى البحرَيْن، فصفّ عمر بنُ عبيد اللّه أصحابه، وقَدِمِ الرّجَّالة فى أيديهم الرّماح قد ألزموها الأرض، واستتروا بالبراذع، فَحَمل أبو فُدَيَك وأصحابُه حملةَ رجل واحد، فَكشفوا ميسرة عُمرَ بن عبيد الله حتى ٨٥٣/٢ ذهبوا فى الأرض إلا المغيرةَ بن المهلَّب ومَعْن بن المغيرة ومُجّاعة بن عبد الرحمن وفُرسان الناس فإنَّهم مالوا إلى صَفّ أهل الكوفة وهم ثابتون ، وارتُثّ عمرُ بن موسى بن عبيد الله، فهو فى القتلى قد أنخِن جراحةً. فلمَّا رأى أهلُ البصرة أهلَ الكوفة لم ينهزموا تذقُّوا ورجعوا وقاتلوا وما عليهم أمير حتى مَرّوا بعمر بن موسى بنُ عبيد اللّه جريحًا فحملوه حتَّى أدخلوه عسكرَ الخوارج وفيه تبْن كثير فأحرقوه ، ومالت عليهم الرّيح، وحمل أهلُ الكرفة وأهلُ البصرة حتَّى استباحوا عسكرَهم وقتلوا أبا فُدَيَك، وحَصَروهم فى المُشَقَّر، فنزلوا على الحكم، فقَتَل عمرُ بنُ عُبيدِ اللّه منهم - فيما ذُكِر- نحوًا من ستَّة آلاف، وأسَر ثمانمائة، وأصابوا جارية أميّة بن عبد اللّه حُبْلَى من أبىَ فدَيك وانصَرَفوا إلى البَصْرةِ . (١) ب: ((فبايعه))، ا، س: ((فبايع بها)). ١٩٤ سنة ٧٣ وفى هذه السنة عَزّل عبدُ الملك خالدَ بنَ عبد اللّه عن البصرة وَوَلاَها أخاه بِشْر بن مروان ، فصارت ولا يتُها وولايةُ الكوفة إليه ، فشخص بِشر لمَّا وُلِّىَ مع الكوفة البصرة إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمروبن حريث . وفيها غزا محمَّد بنُ مروانَ الصائفة . فهزم الرّوم . وقيل : إنَّه كان فى هذه السنة وقعةُ عثمانَ بنِ الوليد بالرّوم فى ناحية أَرْمينيَةَ وهو فى أربعة آلاف والروم فى ستين ألفًا، فهَزَمَهم وأكثر القَّلَ فيهم . وأقام الحجّ فى هذه السَّنَة للناس الحجَّاج بن يوسف وهو على مكَّة واليمن واليمامة ، وعلى الكوفة والبصرة - فى قول الواقدىّ - بشر بنُ مُروان، وفى قولٍ غيرِه على الكوفة بِشْر بن مَرْوان ، وعلى البصْرة خالد بن عبد الله بن خالدٍ بن أسيد ، وعلى قضاء الكوفة شُرَيَح بن الحارث ، وعلى قَضَاء البَصْرة هشام ابنُ هُبيرة، وعلى خُراسانَ بُكتير بن وشاح . ٨٥٤/٢ ثمّ دخلت سنة أربع وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة [ قال أبو جعفر: ] فمما كان فيها من ذلك عَزْلُ عبد الملك طارق بن عمرو عن المدينة ، واستعمالُه عليها الحجَّاج بن يوسف، فقد مها - فيما ذكر - فأقام بها شهرًا ثمّ خرج معتمرًا . وفيها كان - فيما ذُكِر - نَقْضُ الحجّاجِ بن يوسفَ بنيان الكعبة الَّذى كان ابنُ الزبير بناه، وكان إذ بناه أدخل فى الكعبة الحِجْر، وجعل لها بابَيْن ، فأعادها الحجّاجُ على بنائها الأوّل فى هذه السنة، ثمّ انصرف إلى المدينة فى صفر، فأقام بها ثلاثة أشهر يتعبَّث بأهل المدينة ويتعنَّتهم، وبنى بها مسجدًا فى بنى سلِمة ، فهو يُنسَب إليه . واستخفّ فيها بأصحاب رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم، فَختَم فى أعناقهم؛ فَذَ كَر محمَّد بنُ عمرانَ بن أبى ذئب، حدّثَهَ عمَّن رأى جابرَ بنَ عبد اللّه مختومًا فى يده . وعن ابن أبى ذئب ، عن إسحاق بن يزيد ، أنه رأى أنس بن مالك مختوماً ٨٥٥/٢ فى عنقه ، يريد أن يُذِ لَّه بذلك . قال ابن عمر: وحدّثنى شُرَحبيل بن أبى عون ، عن أبيه، قال : رأيتُ الحجَّاج أرسل إلى سهل بن سعد فدعاه ، فقال : ما منعك أن تنصُر أميرَ المؤمنين عثمانَ بنَ عفَّان! قال: قد فعلتُ. قال: كذبتَ، ثمّ أمَر به فختم فى عنقِهِ برصاص . وفيها استتَقْضَى عبدُ الملك أبا إدريسَ الخَوْلانيَّ - فيما ذَكَر الواقدى". وفى هذه السنة شَخَص فى قول بعضهم بِشر بن مروان من الكوفة إلى البَصْرة واليًا عليها . * * [ذكر الخبر عن حرب المهلب الأزارقة ] وفى هذه السنة وُلِّىَ المهلَّبُ حَرْبَ الأزارقة مِن قِبَل عبدِ الملك . ١٩٥ ١٩٦ سنة ٧٤ ذكر الخبر عن أمره وأمرهم فيها : ولمَّا صار بِشْر بالبصرة كتب عبدُ الملك إليه - فيما ذَكَر هشام عن أبى مخنّف ، عن يونس بن أبى إسحاق ، عن أبيه : أمَّا بعد، فابعث المهلَّب فى أهل مصره(١ إلى الأزارقة، ولْينتخب من أهلِ مِصْرِه وجوههم وفُرسانهم وأولى الفَضْل والتجربة منهم١)، فإنَّه أعرف بهم، وخَلّهِ ورأيه فى الحرب، فإنى أوثَقُ شىء بتجربته ونصيحته للمسلمين . وابعثْ من أهل الكوفة بَعْثًا كثِيفًا، وابعثْ عليهم رجلا معروفًا شريفًا، حسيباً صليبًا، يُعرَف بالبأس والنَّجْدة والتَّجربة للحَرْب، ثمّ أنهِضْ إليهم أهلَ المِصْرين فلُتبعِوهم أىَّ وجهٍ ما توجَّهوا حتَّى يُبِيدَهم اللّه(٢) ٨٥٦/٢ ويستأصلتهم. والسلام عليك(٣). فدعا بِشْرٌ المهلَّبَ فأقرأه الكتاب ، وأمره أن ينتخب مَنْ شاء، فبعث بجُديع بن سعيد بن قَبِيصة بن سرّاق الأزْدى - وهو خالُ يزيدَ ابنِه - فأمره أن يأتى الدّيوان فينتخب الناس، وشقّ على بشر أنّ إمرَة المهلَّب جاءتْ مِن قِبَل عبد الملك، فلا يستطيع أن يبعث غيره، فأوغرتْ صدَرَه عليه حتَّى كأنَّه كان له إليه ذنب. ودعا بشر بنُ مروانَ عبد الرحمن بنَ مِخْتفَ فبَعثه على أهل الكوفة، وأمره أن ينتخب فُرسانَ الناس ووجوهَهم وأولى الفَضْل منهم والنَّجْدة . قال أبو مخنف : فحدّثنى أشياخ الحىّ ، عن عبد الرحمن بن مِخَف قال : دعانى بشر بنُ مروانَ فقال لى: إنَّك قد عرفتَ منزلتك منّى، وأثَرَّتَك عندى، وقد رأيتُ أن أولِّيَك هذا الجيش للَّذى عرفتُ من جَزئك وغَنائك وشَرَفِك وبأسِك، فكن عند أحسن ظنى بك . انظرْ هذا الكذا كذا - يقع فى المهلب - فاستبدّ عليه بالأمر ، ولا تقبلنّ له مشورة ولا رأياً ، وتَنْتَقَّصْه وقتَصِّر به . قال : فَرَك أن يُوصينى بالجُنْد، وقتالِ العدُوّ، والنّظر لأهل (١ - ١) ب، ف: ((ووجوههم وفرسانهم وأولى الفضل والتجربة منهم إلى الأزارقة ولينتخب من أحب)). (٢) ب، س: ((يبيرهم)). (٣) بعدها فى ف: ((ورحمة الله وبركاته)). ١٩٧ سنة ٧٤ الإسلام ، وأقبل يُغرِينى بابن عمتى كأنى من الشُّفهاء أو ممَّن يُستَصْبى ويُستجهَل، ما رأيتُ شيخًا مِثْلى فى مِثْل هيئى ومنزلتى طُمِع منه فى مِثلِ ما طَمع فيه هذا الغلامُ مِنّى ، شَبَّ عَمرو عن الطَّوْق . قال: ولمَّا رأى أنى لستُ بالنَّشيط (١) إلى جوابه قال لى: مَا لَكَ؟ قلتُ: ٨٥٧/٢ أصلحك الله! وهل يَسعنى إلّ إنفاذ أمرِك فى كلّ ما أحببت وكرهت ! قال : امضِ راشدًا. قال : فودّعتُهُ وخرجتُ مِن عنده، وخرج المهلَّب بأهل البصرة حتَّى نزل رامَ مَهُرْمُز فلقتى بها الخوارج ، فخندق عليه ، وأقبل عبدُ الرحمن بنُ مخنف بأهل الكوفة على ربع أهل المدينة معه(٢) بِشْر بن ء جريرٍ ، وعلى ربع تميم وهَمْدان محمَّد بنُ عبدِ الرحمن بن سعيد بن قيس ، وعلى ربع كِنْدَةَ وربيعةَ إسحاقُ بنُ محمَّد بن الأشعث ، وعلى ربع مذ حج وأسَدَ زَحْر بن قيس. فأقْبَل عبدُ الرحمن حتَّى نزل من المهلَّب على مِيل أو مِيل ونصف. حيث تراءى العسكران برَام مَهُرْمُز، فلم يلبَث الناسُ إلّ عشرًا حتىّ أتاهم نِعِىّ بِشر بن مروان، وتُوفّىَ بالبصرة، فارفضّ ناس كثيرٌ من أهل البصرة وأهلِ الكوفة ، واستخلف بشر خالدَ بنَ عبد اللّه ابن أسيد، وكان خليفته على الكوفة عمرو بن حُرَيث ، وكان الَّذين انصرفوا من أهل الكوفة زَحْر بن قيس وإسحاق بن محمَّد بن الأشعث ومحمّد بن ابن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، فبعث عبدُ الرحمن بنُ مخنف ابنه جعفرًا فى آثارهم ، فردّ إسحاق ومحمَّدًا، وفاتّه زحْر بن قيس ، فحبسهما يومين ، ثمّ أخذ عليهما ألاّ يفارقاه، فلم يلبثا إلّ يوما (٣) حتى انصرفا، فأخذا (٤) غير الطريق ، وطُلبا فلم يُلحَقا، وأقبَلا حتى لحقا زَحْر بنَ قيس بالأهواز، فاجتمع بها ناس كثير ممَّن يريد البَصْرة ، فبلغ ذلك خالد بن عبد الله، ٧٥٨/٢ فكتب إلى الناس كتابًا (٥ وبعث رسولاً" يضرب وجوه الناس ويردّهم٥)، فقدم بكتابه مولّ له ، فقرأ الكتاب على الناس ؛ وقد جُمِعوا له : (١) ب، ف: ((بنشيط)). (٣) ب، ف: ((يومين). (٢) ب، ف: ((ومعه)). (٤) س: ((انصرفوا فأخذوا)). (٥ - ٥) ب، ف: ((وبعث رسلا تضرب وجوه الناس وتردهم". ١٩٨ سنة ٧٤ بسم الله الرّحمن الرحيم، من خالد بنِ عبد اللّه، إلى من بلغه كتابى هذا من المؤمنين والمسلمين. سلام" عليكم، فإنى أحمد إليكم اللّه الَّذى لاَ إله إلاّ هو. أمَّا بعد، فإنّ اللّه كتب على عباده الجهاد، وفرض طاعةَ وُلاة الأمر ، فمن جاهد فإنَّما يُجاهد لنفسه ، ومن ترك الجهاد فى اللّه كان اللّه عنه أغنى، ومن عَصَى وُلاةَ الأمر والقُوّام بالحق أسخَط اللّهَ عليه، وكان قد استحقّ العقوبة فى بشره، وعرّض نفسَه لاستفاءَة ماله وإلقاء عطائه، والتسيير إلى أبعد الأرض وشَرّ البلْدان. أيّها المسلمون، اعلموا(١) على من اجترأتم ومن عصيتم! إنَّه عبدُ الملك بنُ مروان أميرُ المؤمنين ، الذى ليست فيه غَمِيزة ، ولا لأهلِ المعصية عنده رُخْصة، سوْطه على مَن عَصى، وعلى مَن خالف سيفُه، فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلا ، فإنى لمآلُكُم نصيحةٌ. عبادَ الله، ارجعوا إلى مَكْتبِكم(٢) وطاعةٍ خليفتِكم، ولا ترجعوا عاصين مخالفين فيأتيتكم ما تكرهون. أقسم بالله لا أثقتف عاصياً بعد كتابى هذا إلّا قتلتُه إن شاء اللّه؛ والسلام عليكم ورحمة الله . وأخَذَ كلما قرأ عليهم سطرًا أو سطرين قال له زحْر : أوْجز ؛ فيقول له مولى خالد: والله إنى لأسمع كلامَ رجل ما يريد أن يفهم ما يسمع . أشهد ٨٥٩/٢ لا يعيج (٣)، بشىء مما فى هذا الكتاب. فقال له: اقرأ أيها العبد الأحمر ما أمرتَ به ، ثم ارجع إلى أهلك ، فإنك لا تدري ما فى أنفسنا . فلما فرغ من قراءته لم يلتفت الناسُ إلى ما فى كتابه، وأقبَل زَحْر(٤) وإسحاقُ بنُ محمد ومحمد بن عبد الرحمن حتى نزلوا قريةً لآل الأشعث إلى جانب الكوفة ، وكتبوا إلى عمرو بنٍ حُرَيَث : أما بعد، فإنّ الناس لمّا بلغتَهم وفاةُ الأمير رحمةُ اللّه عليه تفرّقوا فلم يَبقَ معنا أحد ؛ فأقبلنا إلى الأمير والى مصرنا، وأحببنا ألّ نَدخل الكوفة إلّا بإذن الأمير وعلمه . (١) ب، ف: ((أتعلمون)). (٢) ب، ف: ((أمكنتكم)). (٣) لا يعيج: لا يكترث. وفى ب، ف: ((لا تهيح فتنة إلا كنت رأسها)). (٤) بعدها فى ب، ف: ((وأصحابه)). ١٩٩ سنة ٧٤ فکتب إلیھم : أما بعد، فإنكم تركتم مكتبكم (١) وأقبلتم عاصين مخالفين، فليس لكم عندنا إذَّن ولا أمان . فلما أتاهم ذلك انتظروا حتى إذا كان الليل دخلوا إلى رحالهم ، فلم يزالوا مقيمين حتى قدم الحجاج بن يوسف . [ عزل بكير بن وشاح عن خراسان وولاية أمية بن عبد الله عليها ] وفى هذه السنة عزل عبدُ الملك بُكيرَ بن وشاح عن خُراسان وولاها أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد . ذكر الخبر عن سبب عزل بُكتير وولاية أميّة : وكانت ولايةُ بُكَير بن وشاح خُراسان إلى حينِ قدم (٢) أمية عليها والياً سنتين فى قول أبى الحَسَن، وذلك أن ابن خازم قتل سنة ثلاث وسبعين وقدم أميّة سنة أربع وسبعين . وكان سبب عزل بُكير عن خُراسان أنّ بحِيرًا - فيما ذَكَرَ علىّ عن المفضّل - حبَهُ بُكير بن وشاح لما كان منه فيما ذكرت فى رأس ابن خازم ٨٦٠/٢ حين قتله، فلم يزل محبوسًا عنده حتى استعمل عبدُ الملك أميّة بنَ عبد الله ابن خالد بن أسيد، فلما بلغ ذلك بُكيرًا أرسل إلى بحير ليصالحه ، فأبى عليه وقال: ظَنّ بُكير أنّ خُراسان تبقى له فى الجماعة ! فمشت السفراء بينهم ، فأبى بَحِير، فدخل عليه ضرار بن حصين الضَّىّ، فقال: ألا أراك مائقًا! يُرسل إليك ابنُ عمِّك يعتذر إليك وأنتِ أسيرُه، والمَشرّفىّ فى يده - ولو قتلك ما حبَقَتْ فيك عنز - ولا تقبل منه!ما أنت بموضَّق(٣). اقبَل الصّلح، واخرج وأنت على أمرك. فقبل مشورته، وصالح بنكبرا، فأرسل إليه بكير بأربعين ألفاً، وأخذ على بَحير ألّ يقاتله. وكانت تميم قد اختلفت بخُراسان ، فصارت مُقاعس والبطونُ يتعصّبون له، فخاف أهلُ خُراسان أن تعود الحربُ وتفسد البلاد ، ويقهرهم عدوّهم من المشركين ، فكتبوا إلى (١) ب، ف: ((أمكنتكم)). (٣) ب، ف: ((بموثق)). (٢) ب، ف: ((قدوم)). ٢٠٠ سنة ٧٤ عبد الملك بنِ مَرْوان: إنّ خُراسان لا تصلح بعد الفتنة إلّ على رجل من قريش لا يحسدونه ولا يتعصّبون عليه، فقال عبد الملك: خُراسان ثتَغْر المشرق ، وقد كان به من الشرّ ما كان، وعليه هذا التميمىّ، وقد تعصّب الناس وخافوا أن يصيروا إلى ما كانوا عليه ، فَيَهلك الثّغر ومَنْ فيه ، وقد سألوا أنْ أولىَ أمرَهم رجلامن قريش فيسمعوا له ويطيعوا ، فقال أميّة بنُ عبد الله: يا أمير المؤمنين ، تداركهم برجل منك ، قال : لولا انحيازُك عن ٨٦١/٢ أبى فُدَيَك كنت ذلك الرجل. قال: يا أمير المؤمنين، والله ما انحزْتُ حتى لم أجدْ مُقَاتَلاً، وخَذَ لنى الناس ، فرأيت أنّ انْحيازى إلى فئة أفضل من تعريضى عصبةٌ بقيتْ من المسلمين للهلكة، وقد علم ذلك مَرّار بن عبد الرحمن بن أبى بكرة، وكتب إليك خالدُ بن عبد اللّه بما بكَغه من عُذْرى- قال : وكان خالد كتب إليه بعذره، ويُخبره أنّ الناس قد خذلوه- فقال مرار: صدق أميّة يا أمير المؤمنين، لقد صبر حتى لم يجد مقاتلاً، وخَذلَه الناس. فولا٥ خُراسان، وكان عبدُ الملك يُحبّ أميّة، ويقول: نتيجتى، أى لِدَنى، فقال الناس : ما رأيْنا أحدًاً عُوّض من هزيمة ما عُوّض أمية، فرّ من أبِى فُدَيْك فاستُعمل على خراسان؛ فقال رجل من بكر بن وائل فى محبس بشكتير بن وشاح : تُكَشَّفُ عَنْ مَذَاكِبِهَا القُطوعُ(١) أَتَتْكَ العِيسُ تَنْفخُ فى بُراها حَمَامُ كَنَائِسِ بُقْعُ وُقوعُ كأَنَّ مَواقِعَ الأُكوارِ منها(٢) بأَبيْضَ من أُميَّةَ مضرحِىٌّ كأَنَّ جبينَهُ سَيْفُ صنِيعُ (٣) وبحير يومئذ بالسِّنْج يسأل عن مسير أميّة ؛ فلما بلغه أنه قد قارب ٨٦٢/٢ أبْر شَهْر قال لرجل من عجم أهل مرْوَ يقال له رُزَين - أو زرير: دُلّنى (١) الأغانى ١٣: ٢٥٨، ٢٥٩، ونسب الشعر لعبد الرحمن بن الحكم بن العاص؛ وذكر البيت الأول ، ثم الثالث. العيس : النوق البيض يخالط بياضها شقرة. والبرى؛ جمع برة، وهى حلقة من فضة أو صفر أو شعر تجعل فى أقف البعير . والقطوع ، بضم القاف : جمع قطع ؛ وهو الطنفسة (٢) كذا فى ا، وفى ط: ((الأكرار)) تحت الرحل على كتفى البعير . (٣) المضرحى: السيد الكريم . والصنيع: السيف الأبيض المجلو .