Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ سنة ٦٧ على الرّجالة بفَرَسه فرَكِه، وانقصَفَ أصحابُ المختار انقصافةٌ شديدة كأنَّهم أُجَمةٌ فيها حريقٌ، فقال مالك حين ركب: ما أصنعُ بالرُّكوب! والله لأنْ أقتَل ها هنا أحبّ إلىّ مِنْ أن أقتل فى بيتى ؛ أين أهلُ البصائر ؟ أين أهلُ الصّبر؟ فئابَ إليه نحوٌ من خمسين رجلا، وذلك عند المساء، فكرّ على أصحاب محمّد بن الأشْعَث، فقُتل محمَّد بنُ الأشعث إلى جانبه هو وعامَّة أصحابه، فبعضُ الناس يقول: هوَ قتل محمَّد بنَ الأشعث، ووُجد أبو نِمْرَان قتيلا إلى جانبه - وكندةُ تَزعم أنّ عبدَ الملك بن أشاءَة الكِنْدىّ هو الَّذِى قَتّلَه - فلمَّا مرّ المختار فى أصحابه على محمَّد بن الأشْعت قَتِيلا قال : يا مَعَشَرَ الأنصار ، كُرّوا على الشَّعالب الرّواغة، فحملوا عليهم ، فَقُتِل؛ فَخَشْعُمُ تَزعم أن عبدَ اللّه بنَ قُراد هو الَّذِى قَتْلَه. ٧٢٨/٢ قال أبو مخنف : وسمعتُ عوف بنَ عمرو الجشمىّ يَزْعُم أن مولّى لهم قَتّله، فادّعى قتله أربعة نفر، كلّهم يَزعم أنه قتله، وانكَشَف أصحابُ سعيد بن مُنقِذ ، فقاتل فى عصابة من قومه نحو من سبعين رجلاً فَقْتِلوا ، وقاتل سليم بن يزيد الكندىّ فى تسعين رجلاً من قومه، وغيرهم ضارَبَ حتَّى قُتِل، وقَاتَلَ المختارُ على فَمِ سِكَة شَبَت، ونَزّل وهو يريد ألّ يَبرّح، فقاتَلَ عامَّةٌ ليلتِهِ حتَّى انصرف عنه القوم، وقُتِل(١) معه ليلتئذ رجال" من أصحابه مِن أهل الحفاظ، منهم عاصمُ بن عبد الله الأزديّ، وعيّاش بن خازم الهَمْدانى ، ثمّ الثَّورىّ، وأحمر بنُ هديج الهَمْدانىّ ثمّ الفايشىّ. قال أبو مخنف: حدّثنا أبو الزّبير أنّ هَمْدانَ تَنَادَوا ليلتئذ : يا معشرَ هَمْدان، سيفُوهم فقاتِلوهُم أشدَّ القتال ؛ فلمَّا أن تفرّقُوا عن المختار قال له أصحابهُ: أيها الأمير ، قد ذهب القومُ فانصرف إلى منزلك إلى القَصْرِ، فقال المختار: أما والله ما نزلتُ وأنا أريدُ أن آتى القَصْر، فأما إذ انصَرَفوا فاركبوا بنا على اسم الله؛ فجاء حتَّى دخل القَصْر فقال الأعشى (٢) فى قَتْل محمَّد بن الأشعث : ٧٢٩/٢ تأَوَّبَ عَيْنَكَ عُوَّارُهَا وَعَادَ لِنفسِكَ تَذْكَارُهَا (٢) هو أعشى همدان . (١) !: ((وقاتل)). ١٠٢ سنة ٦٧ أَرِقْتَ ولَوَّمَ سَُّّارُها وإِحدى لَيَالِيكَ راجَعْتَها دِ حتَّى تَبَلَّجَ إِسفارُها وما ذاقَتِ العينُ طَعْمَ الرُّقَا فأُسبل بالدمع تَحْدارُها وقامَ نُعَاهُ أَبی قاسم فحقُّ العيون على ابن الأَدْ جِّ أَلاّ يُفَتََّ تَقْطَارُها وأَلَّا تَزالَ تُبكِّی له وتَبَثَلُّ بالدّمع أَشفارُها تَ تَبَكِى البلادُ وأَشجارُها عليك محمّدُ لمّا ثَوَرْ وما يَذْكُرونك إِلَّ بَكْوا إِذا ذِمَّةٌ خانَها جارُها ء لا يتمنَّحُ أَيْسَارُها عاريةٍ من لَيالى الشِّتا ولا يُنْبِحُ الكلب فيها العَقُو ولا ينفعُ الثوبُ فيها الفتى فأَنتَ مُحَمَّدٌ فِى مِثْلِها تَظَلّ ◌ِفانُكَ مَوْضوعةٌ وما فى سقائك مُسْتنطَفُ فيا وَاهِبَ الوُصَفَاءِ الصِّبَا ويا وَاهِبَ الجُرْدِ مِثْلَ القِدا ويا واهبَ البَكَرات الهِجا وكنتَ كدِجْلَةَ إِذْ تَرْتَمی وكنتَ جليدًا وذا مِرَةٍ وكنتَ إِذا بَلدةٌ أَصْفَقَتْ بَعَثْتَ عليها ذَواكِى العُيو بإِذنِ مِن اللهِ والخيلُ قد وقد تُطِعَمُ الخَيلُ منك الوَجِـ رَ إِلا الهرِيرُ وتخْتَارُها. ولا رَبَّةَ الخِدْرِ تَخْدَارُها مُهِينُ الجزائرِ نَحَّارها تَسِيلُ من الشَّحمِ أَصْبَارُها إذا الشَّوْلُ رَوحِ أَغبارُها ح إِن شُبِرَتْ تَمّ إِشبارُها ح قَدْ يُعجِبُ الصّفَّ ثُوَّارها نِ عُوذًا تَجَاوَبُ أَبكارُها فيُقْذَفُ فى البحر تَيَّارُها إِذا يُبتَغِى منكَ إِمرارُها وَآذَنَ بِالحَرْبِ جَبَّارُها ن حتَّى تَواصل أخبارُها أُعِدَّ لذلك مِضْمَارُها فَ حتَّى تُنَبَّذْ أَمهارُها ٢/ ٧٣٠ ١٠٣ سنة ٦٧ وقد تَعلَمُ البازلُ العَيْسَجُو رُ أَنَّكَ بِالخَبْتِ حَسَّارُها وخانتْ رِجَالَكَ فُرَّارُها فيا أَسفَى يومَ لاقيتَهُمْ عِثَارًا تُضَرَّبُ أَدبارُها وأقبلتِ الخيلُ مَهِزُومَةً عليكَ المَوالى وَسَخَّارُها بشطٌّ حَرُوراءَ وَاسْتَجْمَعَتْ ٧٣١/٢ الرَّزِيئَةَ أَخطارُها ڤحاز فأَخطْرتَ نفسَك من دُونهم فقد يبلغُ النفسَ مِقِدارُها فلا تَبعَدَنَّ أَبا قاسم ومَرُّ الليالى وتَكْرَارُها وأَفنى الحوادثُ سَادَاتِنا قال هشام : قال أبى : كان السائب أتى مع مُصعِب بنِ الزّبير ، فقتله وَرْقَاءَ النَّخَعَىّ مِنْ وَهْبيل، فقال وَرْقَاء: عَلوتُ أَخاه بالْحُسامِ المَهَنَّد مَن مُبلغٌ عَنِّى عُبَيْدًا بِأَنَّنى صريحٌ لَدَى الدَّيرين غيرُ مُؤَسَّدٍ فإِنْ كنتَ تبغِى العلمَ عنه فإِنَّه فأَنْكلتُهُ سُفْيانَ بعدَ محمّدٍ وَعَمْدًا علوتُ الرأسَ منه بصارمٍ قال هشام عن أبى مختّف ، قال : حدثنى حَصيرة بن عبد الله، أنّ هندًا بنت المتكلّفة الناعطيّة كان يَجْتَمع إليها كلّ غالٍ من الشيعة فيتحدّث فى بَيْتها وفى بيتِ لَيْلَى بنت قُمامَة المُزّنيَّة، وكان أخوها رفاعة ابن قمامةَ من شيعة علىّ، وكان مقتصدًا، فكانت لا تُحبُّهُ، فكان أبو عبدالله الجُدَلىّ ويَزيد بن شراحيل قد أخبراً ابنَ الحنفيّة خبرَ هاتَن المرأتين وغلوَّهما وخبر أبى الأحراس المرادىّ والبُطَيْن الليثى وأبى الحارِثِ الكِنْدَىّ. قال هشام عن أبى مِخنَّف ، قال : حدّثّنى يحيى بنُ أبى عيسى ، قال : فكان ابنَ الحنفيَّة قد كتب مع يزيدَ بن شراحيل إلى الشيعة بالكوفة يُحذّرهم هؤلاء ، فكتب إليهم : من محمّد بن علىّ إلى مَن بالكوفة مِن شيعتِنا. أمّا بعد ، فاخرُجوا إلى المجالس والمساجد فاذكروا الله علانيةٌ وسِرًا ولا تتخذوا مِنْ دُون المؤمنين ٧٣٢/٢ ١٠٤ سنة ٦٧ بطَانَةً، فإنْ خشيم على أنفسكم فاحذروا على دينكم الكذّابين ، وأكثروا الصلاة والصّيام والدّعاء، فإنَّه ليس أحدٌ من الخَلْق يَمْلِك لأحد ضَرَّا وَلَا نَفْعًا إلاّ ما شاء اللّه، وكلُّ نفس بما كتَسَبَتْ رَهِينَة، وَلَا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أخرى، واللّه قائمٌ على كلّ نفس بما كسبَتْ؛ فاعملوا صالحًا ، وقدموا لأنفسكم حسناً، ولا تكونوا من الغافلين، والسلام عليكم. قال أبو مخنف : فحدثنى حَصيرة بنُ عبدِ الله، أنّ عبد الله بن ذَوْف خرج من بيت هند بنتِ المتكلّفة حين خرج الناسُ إلى حَرُّ وراءَ وهو يقول: يومُ الأربعاء، ترفَّعت السماء، ونَزَلَ القضاء، بهزيمة الأعداء ، فاخرجوا على اسم الله إلى حَروراء. فخرج، فلمَّا التّفى الناس للقتال ضُرِب على وجهه ضربةً ، ورجع الناسُ منهزِمين ، ولقَه عبدُ اللّه بنُ شريك النَّهْدِىّ، وقد سمع مقالتتَه، فقال له : ألم تزعمْ لنا يابن ذَوْف أنَّاً سنهزمهم ! قال: أوَ ما قرأت فى كتابِ الله: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾! قال: فلمَّا أصبَح المصعب أقبلَ يَسير بِمَن معه من أهل البصرة ومَنْ خرج إليه من أهل الكوفة ، فأخذ بهم نحو السّخة ، فرّ بالمهلَّب، فقال له المهلَّب: يا له فتحًا ما أهنأهُ لو لم يكن محمَّد بنُ الأشعثِ قُتِل !قال: صدقتَ، فَرَحِمِ اللّهُ محمَّدًا. ثمّ سار غير بعيد، ثم قال: يا مهلَّب، قال: لبّك أيها الأمير؛ قال: هل علمتَ أنّ عُبيدَ اللّه بنَ علىّ بن أبى طالب قد قُتِل! قال: ﴿إِنَّا لِلِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ، قال : المُصْعَب: أمَّا إنَّه كان ممَّن أحبّ أن يرى هذا الفَتْح، ثم لا نَجْعَل أنفسَنا أحقّ بشىء ممَّا نحن فيه منه، أتدرِى (١) مَن قَتَّه؟ قال: لا؛ قال: إنَّما قَتَلَه مَن يزعم أنَّه لأبيه شيعة، أما إنَّهم قد قتلوه وهم يعرفونه. قال: ثمّ مضى حتَّى نزل السَّبَخة فقطع عنهم الماء والمادّة، وبعث عبدَ الرّحمن بنَ محمد بن الأشعث فنَزّل الكُناسة ، وبعث عبد الرحمن ابنَ مَخْتَف بن سليم إلى جَّانة السَّبيع، وقد كان قال لعبد الرحمن بن مختّف: ما كنت صنعتَ فيما كنتُ وَكَّلِتُك به؟ قال: أصَلحَك الله! وجَدْت ٧٣٣/٢ (١) !: ((وتدرى)). ١٠٥ سنة ٦٧ الناسَ صنفَيْن؛ أمَّا مَن كان له فيك هَوَّى فخرج إليك، وأمَّا مَن كان يرى رأىَ المُختار ، فلم يكن لِيدَعه، ولا ليُؤثِر أحدًا عليه ، فلم أبرح بَيْتى حتى قدمتَ ؛ قال : صدقت ؛ وبعث عبّاد بن الحُصَين إلى جَبَانة كِنْدة ، فكلّ هؤلاء كان يَقطَع عن المختارِ وأصحابهِ الماءَ والمادّة، وهم فى قصر المُخْتار، وبعث زَحْر بنُ قَيْس إلى جَانة مُراد، وبعث عُبيدَ اللّه بن الحرّ إلى جَبَّانة الصائديّين. قال أبو مخنف: وحدثنى فُضَيل بن خَدِيج، قال: لقد رأيتُ عبيدَ اللّه ابن الحُرّ؛ وإنَّه ليطارِدِ أصحابَ خَيْل المختار، يُقاتِلهم فى جَبَّانة الصائديّين والرّبما رأيتُ خيلَهُم تَطْرُدُ خيلَه، وإنَّهُ لوراءَ خَيله يَحْمِيها حتَّى يَنْتهى إلى دار عِكرمة، ثمّ يَكُرّ راجعًا هو وخيلُه، فيَطَرُدهم حتَّى يُلحقتَهم بجبَّانة الصائديّين، ولربَّما رأيت خيلَ عُبيد الله قد أخذتْ القّاء والسقّاءين فيُضرَّبون، وإنَّما كانوا يأتونهم بالماء أنَّهم كانوا يُعطونهم بالرّاوية الدينارَ والدينارين لِما أصابَهم من الجَهْد. وكان المختار ربّما خرج هو وأصحابُه فقاتلوا قتالاً ضعيفًا ، ولا نكاية لهم ، وكانت لا تخرج له خيلٌ إلّ رُميتْ بالحِجارة من فوقِ البُيُوت، ويُصَبّ عليهم الماءُ القَذِر. واجتراً عليهم الناس ، فكانت معايِشُهم أفضلها من نسائهم ، فكانت المرأةُ تخرج من منزليها معها الطَّعام واللَّطَف والماء ، قد التحفتْ عليه، فتخرُج كأنّما تريد المسجدَ الأعظَم للصّلاة ، وكأنَّها تأتى أهلها وتزورُ ذاتَ قرابة لها ، فإذا دَنت من القَصر فُتِح لها، فدخلتْ على زوجِها وحميمِها بطعامه وشرابِه ولَطَفه . وإن ذلك بلغ المصعب وأصحابته، فقال له المهلَّبَ - وكان مجرّباً: اجعلْ عليهمُ دُرُوبًا حتَّى تَمنَع من يأتيهم مِن أهلِهم وأبنائهم ، وتَدَعهم فى حِصْنهم حتى يموتوا فيه . وكان القومُ إذا اشتدّ عليهم العَطَش فى قصرهم استقَوْا من ماء البئر. ثمّ أمر لهم المختارُ بعَسَلَ فصُبّ فيه ليُغيّرَ طعمَه فَيشربوا منه، فكان ذلك أيضًا ممَّا يُروِى أكثرهم. ثمّ إنّ مصعبًا أمر أصحابته فاقتربوا من القَصْر، فجاء عبَّاد بنُ الحُصَين الحَبطىّ حتَّى نزل عند مسجد جُهَيْنة، وكان ربَّما تقدّم حتَّى ينتهى إلى مسجد ٧٣٤/٢ ١٠٦ ٧٣٥/٢ سنة ٦٧ بنى مخزوم، وحتَّى يَرمى أصحابُهُ مَن أشرف عليهم من أصحاب المختار من القَصْر ، وكان لا يلقى امرأةً قريبًا من القصر إلّا قال لها : من أنت ؟ ومن أين جئتِ ؟ وما تريدين ؟ فأخذَ فى يوم ثلاثَ نسوة للشّاميِّين وشاكر أتَيْن أزواجهنّ فى القَصْر، فبعث بهنّ إلى مصعب، وإنّ الطَّعام لمعهنّ، فردّ هنّ مصعب ولم يَعرِض لهنّ، وبعث زَحْر بن قيس، فنَزّل عند الحدّادين حيث تُكْرَى الدّوابّ، وبعث عُبيد الله بن الحُرّ فكان موقِفُه عند دارٍ بلال ، وبعث محمَّد بن عبد الرّحمن بن سعيد بن قيس فكان مَوَقِفِه عند دارٍ أبيه، وبعث حَوْشَب بن يزيد فَوقَف عند زُفَاقِ البَصْريّين عند فم سكة بنى جذيمة بن مالك من بنى أسد بنِ خُزيمة ، وجاء المهلَّب يسير حتَّى نزل جهار سوج خُنيس ، وجاء عبدُ الرحمن بنُ مخنّف من قبَل دار السِّقًاية، وابتدر السوقَ أناسٌ من شَبَابٍ أهل الكُوفة وأهلِ البصرة ، أغمار ليس لهم علمٌ بالحرب، فأخذوا يَصِيحون - وليس لهم أميرٌ: يابن دَومة، يابن دَومَة ! فأشرَف عليهم المختارُ فقال: أما والله لو أن الذى يعيّنى بدَوْمة كان من القريتين عظيمًا ما عَّنى بها . وبصُربهم وبتفرُّفهم وهيئتهم وانتشارهم ، فطمِع فيهم ، فقال لطائفة من أصحابه : اخرجوا معى ، فخرج معه منهم نحوٌ من مائتىْ رجل، فكرّ عليهم، فشدخ نحواً من مائة، وهزمهم ، فركب بعضُهم بعضًا، وأخذوا على دارِ فراتِ بنِ حيَّانَ العِجْلىّ. ثمّ إنّ رجلا من بنى ضَبَّة من أهل البَصْرة يقال له يحيى بن ضَمَضَم ، كانت رِجلاه تكادانِ تَخُطَّان الأرضَ إذا ركب من طُوله ، وكان أقتَل شىء للرجال وأهيَبَهُ عندهم إذا رأوَه، فأخذَ يَحمِل على أصحاب المختار فلا يثبتُ له رجل صَمَد صَمدَه، وبَصُرّ به المختار ، فحمَل عليه فضَرَبَه ضربةً على جَبَهَتَه فأطار جبهته وقحفَ رأسِهِ ، وخرَّ ميتًا . ثمّ إنّ تلك الأمراء وتلك الرءوس أقبلوا من كلّ جانب ، فلم تكن لأصحابه بهم طاقة ، فدخلوا القصر، فكانوا فيه ، فاشتدّ عليهم الحصار فقال لهم المختار: ويحْكم! إنّ الحصارَ لا يَزِيدكم إلّ ضَعْفًا، انزلوا بنا فُلْنقاتل حتَى نُقتل كرامًا إن نحن قُتِلِنا، والله ما أنا بآيس إن صدقتموهم ٧٣٦/٢ ١٠٧ سنة ٦٧ أن ينصركم اللهُ، فضَعُفُوا وعجِزِوا، فقال لهم المختار: أمَّا أنا فوالله لا أعطِى بِيَدِى ولا أحكمهم فى نفسى. ولمَّا رأى عبدُ الله بنُ جعدةَ بنُ هُبَيْرة ابن أبى وَهْب ما يريد المختار تَدَلَّى من القصر بحبْل، فَلِحق بأناس من إخوانه، فاختبأ عندهم . ثم إنّ المختار أزمَع بالخروج إلى القوم حين رأى من أصحابه الضعف ، ورأى ما بأصحابه من الفشل ، فأرسل إلى امرأته أمّ ثابت بنت سمرة بن جُندب الفزارىّ، فأرسلت إليه بطيب كثير ، فاغتسل وتحنّط، ثمّ وضع ذلك الطيب على رأسه ولحيته، ثمّ خرج فى تسعة عشرَ رجلاً؛ فيهم السائب بنُ مالك الأشعريّ - وكان خليفته على الكوفة إذا خرج إلى المدائن- وكانتْ تحتَه عَمْرةُ بنتُ أبى موسى الأشعرىّ، فولدت له غلامًا ، فسمّاه محمَّدًا، فكان مع أبيه فى القصر، فلمَّا قُتل أبوه وأخذ مَن فى القصر وُجِد صبيًا فتُك، ولمَّا خرج المُختار من القصر قال للسَّائب : ماذا ترى ؟ قال: الرّأىُ لك، فماذا ترى؟ قال: أنا أرَى أمِ اللّه يَرَى! قال: اللّهُ يرَى، قال: وَيَبْحَك! أحمق أنت! إنَّما أنا رجل من العَرَب رأيتُ ابن الزّبير انتزَى على الحِجاز، ورأيتُ نَجْدَةَ انتزَى على اليمامة ، ومروانَ على الشأم ، فلم أكن دونَ أحد من رِجالِ العرب ، فأخذتُ هذه البلادَ ، فكنتُ كأحدهم ؛ إلّا أنى قد طلبتُ بثأر أهلِ بيتٍ النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلم إذ نامتْ عنه العرب، فقتلتُ مَن شرَك فى دِمائِهم، وبالغتُ فى ذلك إلى يومِى هذا، فقاتِلْ على حَسبك إن لم تكن لك فِيَّة ؛ فقال: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وما كنت أصنع أن أقاتل على حَسَى! فقال المختار عند ذلك يتمثَّل بقولٍ غَيْلان بن سلمة بن مُعتِّبِ الثَّقَفِىّ: عنَّى الهمومُ بِأُمرِ ما له طبَقُ ولو يَرَانِى أَبو غَيْلَانَ إِذْ حَسَرَتْ غُنْمُ الحياةِ وهَولُ النفسِ والشَّفَقُ لقالَ رُهْباً ورُعْباً يُجْمَعان معاً أَو إِسوة لك فِيمَن تُهلِكُ الوَرَقُ إِما تُسِف على مَجْدٍ وَمَكْرُمَةٍ ٧٣٧/٢ ٧٣٨/٢ فخرج فى سبعةَ عشرَّ رجلا فقال لهم: أتؤمنونى وأخرج إليكم ؟ فقالوا : لا ، إلّ على الحكم ، فقال : لا أحكمكم فى نفسى أبدًا، فضارب بسيفه حتى قُتِل ، وقد كان قال لأصحابه حين أبَوْا أن يُتابعوه على الخرُوجِ معه : ١٠٨ سنة ٦٧ إذا أنا خرجتُ إليهم فقُتِلِتُ لم تَزْدادوا إلَّا ضَعْفًا وذُلّاً، فإنْ نزلتم على حكمهم وثَب أعداؤكم الذين قد وَتَرْتموهم، فقال كلّ رجل منهم لبعضكم : هذا عندَه ثأرِى فيُقتل، وبعضُكم ينظر إلى مَصَارع بعض فيقولون: يا لَيْتنا أطَعْنا المختار وعملنا برأيه! ولو أنكم خرجتم معى كنمْ إن أخطأتُم الظفَر متمّ كرامًا ، وإن هرب منكم هاربٌ فدخل فى عشيرته اشتملتْ عليه عشيرتهُ؛ أنتم غدًا هذه الساعة أذلَ مَن على ظَهْر الأرض، فكان كما قال . قال: وزعم الناس أن المختار قُتِل عندموضع الزیاتین الیوم، قتلهرجلانمن بنى حَنِيفة أخَوَان يُدعى أحدُهما طَرَفَةَ والآخر طرَّافًا؛ ابنا عبد اللّه بن" دجاجة من بنى حنيفة. ولَمّا كان من الغّد مِن قتل المختار قال بُجَيْر بنُ عبد الله المُسْلىِّ: يا قوم، قد كان صاحبُكم أمسٍ أشار عليكم بالرّأى لو أطعتموه. يا قوم، إنكم إن نزلتمْ على حُكم القومِ ذُبِحتم كما تُذبح الغَّمَ، اخرجوا بأسيافكم فقاتلوا حتى تموتوا كرامًا. فعصَوْه وقالوا : لقد أمَرَّ: بهذا مَن كان أطوعَ عندنا وأنصح لنا منك، فعصَينْاه، أفنحن(١) تُطِيعك ! فأمكن القوم من أنفسهم ، ونزلوا على الحُكْم . فبعث إليهم مصعبٌ (٢) عبّاد بنَ الحُصَين الحَبَطَىّ فكان هو يُخرِجهم مكتَّفين، وأوصى عبد اللّه بن شدّاد الجُشَىّ إلى عبّاد بن الحُصّين، وطلب عبد اللّه ابنَ قُراد عصًا أو حديدة أو شيئًا يقاتل به فلم يَجِده ، وذلك أنّ الندامة أدركتْه بعد ما دخلوا عليه، فأخذُوا سيفَه، وأخرَجوه مكتوفًا، فمرّ به عبدُ الرحمن وهو يقول : ٧٣٩/٢ ما كنتُ أَخشَى أَن أُرَى أَسِيرًا إِنَّ الذين خالَفُوا الأَمِيرَا · قد رُغِموا وتُبِّرُوا تَتْبِيرًا * فقال عبدُ الرّحمن بنُ محمد بن الأشعث: علىّ بذا، قدّموه إلىّ أضرب عنقه، فقال له: أما إنى على دين جَدّك الذى آمَنَ ثمّ كفر؛ إنْ لم أكن ضربت أباك بسَيْفى حتى فاظَ ، فنزل ثم قال: أدنُوه منى ، فأدَنوْه منه، (١) ا: ((فنحن)). (٢) ف: ((المصعب)). ١٠٩ سنة ٦٧ فقتله ، فغضب عبّاد، فقال : قتلتَه ولم تُؤمَرَ بقتله! ومرّ بعبد الله بن شدّادِ الجُشمىّ وكان شريفًا، فطلب عبدُ الرحمن إلى عبّاد أن يَحبسه حتى يُكلّم فيه الأمير، فأنى مُصعبًا، فقال: إنى أحِبّ أن تَدفَعَ إلىّ عبدَ الله بنَ شدّاد فأقتلَه، فإنه من الثأر ، فأمر له به ، فلما جاءه أخذه فضرب عنقه ، فكان عبّاد يقول : أما والله لو علمتُ أنك إنما تريد قتلَه لدفعتُه إلى غَيرِك فقتله، ولكنى حسبتُ أنك تكلمه فيه فتخلّ سبيلَه. وأِتِىَ بابن عبد الله بنِ شِدّاد، وإذا اسمهُ شدّاد، وهو رجلٌ محتلِم ، وقد اطّلَّى بنُورة ، فقال: اكشفوا عنه هل أدرَك ! فقالوا: لا، إنما هو غلام ، فخلوا سبيله ، وكان الأسود بنُ سعيد قد طلب إلى مُصعسَب أن يعرِض على أخيه الأمان، فإنْ نَزّل تركه له ، فأتاه فعرض عليه الأمان ، فأبى أن ينزل ، وقال : أموتُ مع أصحابى أحبّ إلىّ من حياة معكم ، وكان يقال له قيس ، فأخرج فقتِل فيمن قُتِل ؛ وقال بُجير بن عبدِ اللّه المُسْلِىّ- ويقال: كان مولّ لهم حين أتِىَ به مصعب ومعه منهم ناس" كثير - فقال له المسلِيّ: الحمد لله الذى ابتلانا بالإسار، وابتلاك بأن تعفو عنّا، وهما مَزِ لتان إحداهما رِضَا اللّه، والأخرَى سخطه، من عفا عفا اللهُ عنه، وزادَه عزًّا، ومن عاقَبَ لم يأمَن القِصاص. يابنَ الزّبير، نحن أهلُ قِبْلَتَكم، وعلى مِلتكم، ولسنا تُرْكاً ولا ديلَماً، فإن خالفْنا إخواننا من أهلِ مِصرِنا فإما أن نكون أصبْنا وأخطئوا، وإما أن نكون أخطأنا وأصابوا فاقتتلْنا كما اقتتل أهل الشأم بينهم ، فقد اختلفوا واقتتلوا (١) ثمّ اجتمعوا، وكما اقتتل أهلُ البَصْرة بينهم فقد اختلفوا واقْتَلوا ثمّ اصطَلَحوا واجتمعوا، وقد ملكتم فأسجِحوا ، وقدقَدْرتم فاعْفُوا. فما زال بهذا القَوْل ونحوه حتى رَقَّ لهم الناسُ ، ورَقَّ لهم مصعب ، وأراد أن يخلّىَ سبيلَهم ، فقام عبدُ الرحمن بنُ محمد بنِ الأشعث فقال: تُخلّى (٢) سبيلهم! اخترنا يابن الزبير أواخترهم. ووثب محمد بنُ عبد الرّحمن بن سعيد بن قَيْس الهَمْدانىّ ٧٤٠/٢ (١) ف: ((فقد اقتتلوا واختلفوا)). (٢) ف: ((أتخلى)). ١١٠ سنة ٦٧ فقال: قُتل أبى وخمسمائة من هَمْدان وأشراف العشيرة وأهل المصر (١) ثم تُخلّى سبيلَهم ، ودماؤنا تَرَقرَق فى أجوافهم! اختَرْنا أو اخترْهم . ووَتَب كلّ قوم وأهل بيت كان أصيبَ منهم رجل فقالوا نحوًا من هذا القول . ٧٤١/٢ فلما رأى مُصعبُ بنُ الزبير ذلك أمَرَ بقَتْلهم، فنادَوَه بأجمعِهم: يابن الزّبير، لا تقتُلْنا، اجعَلْنا مقدّمَتَك إلى أهل الشأم غدًا، فوالله ما بك ولا بأصحابك عنّاغدًاغنّى، إذالقيتم عدوًّكم فإن قتلنا لم نُقتل حتّى زرقتهم لكم (٢)، وإن ظّفِرْنا بهم كان ذلك لك ولمن معك . فأبتى عليهم وتبع رضا العامة ، فقال بجير المسلِىّ: إن حاجتى إليك ألاّ أقتَل مع هؤلاء [القوم] (٣) إنى أمرتُهم أن يخرجوا بأسيافهم فيقاتلوا حتى يموتوا كرامًا فعصوْنى، فقُدّم فقُتِل . قال أبو مخنف : وحدثنى أبى، قال: حدثنى أبو رَوْق أنّ مسافرَ بنَ سعيد بن نِمْران قال لمُصعب بن الزبير: يابن الزّبير، ما تقولُ للّه إذا قدمت عليه وقد قتلتَ أمة من المُسلِمِين صَبْرًا! حكموك فى دمائهم، فكان الحقّ فى دمائهم ألّ تقتل نفساً(٤) مُسلِمة بغير نفس مُسلِمة، فإن كنا قتلْنا عِدّة رجال منكم فاقتلوا عِدَّةَ مَن قتلنامنكم، وخلواسبيل بقيّتنا، وفينا (٥) الآن رجالٌ كثير لم يشهدوا موطنًا من حربنا وحتَربِكم يومًا واحدًا، كانوا فى الجبال والسواد يَجْبون الخراج، ويؤمّنون السبيل. فلم يستمع له ، فقال : قبّح الله قومًا أمرتُهم أن يَخرُجوا ليلا على حَرَس سكةٍ من هذه السكك فنطردهم، ثمّ نلحق بعشائرنا، فعَصوْنى حتى حملونى على أن أعطيت التى هى أنقص وأدنى وأوضح، وأبْوا أن يموتوا إلاّ ميتة العبيد، فأنا أسألك ألاّ تخلط دمى بدِ مائهم. فقُدّم فقُتل ناحية (٦) . ثمّ إنّ المُصعَب أمر بكَفّ المختار فقُطعت ثمّ سُمّرت بمسمار حديد إلى جنب (٧) المسجد ، فلم يزل على ذلك حتى قدم الحجّاج بن يوسفَ ، فنظر إليها فقال: ما هذه ؟ قالوا : كَفّ المختار ، فأمر بَنْزعها . وبعث مُصعَب عُمّاله على الجِبال والسواد ، ٧٤٢/٢ (١) ف: ((والمصر)). (٣) من ف . (٢) فى: ((لك)). (٤) ف: ((ألا تقتل نفس مسلمة)). (٦) ف: ((ناحية فقتل)). (٧) ف: ((جانب)). (٥) ((ففينا)). ١١١ سنة ٦٧ ثمّ" إنه(١) كتب إلى ابن الأشتر (٢) يدعوه إلى طاعته، ويقول له: إن أنتَ أجبتَى ودخلتَ فى طاعتى فلك الشأم وأعِنّة الخيل ، وما غلبت عليه من أرضِ المغرب ما دام لآلِ الزّبير سُلطان. وكتب (٣) عبد الملك بن مروان من الشأم إليه يدعوه إلى طاعته، ويقول : إن أنت أجَبْتَى ودخلتَ فى طاعتى فلك العراق . فدعا إبراهيمُ أصحابه فقال : ما تَرَون ؟ فقال بعضُهم : تدخل فى طاعة عبد الملك ، وقال بعضهم : تدخل مع ابن الزّبير فى طاعته ، فقال ابن الأشتر : ذاك لو لم أكن أصبتُ عبيد الله بن زياد ولا رؤساء أهلِ الشأم تبعتُ عبدَ الملك؛ مع أنى لا أحبّ أن أختار على أهلِ مِصرى مِصْرًا، ولا على عشيرتى عشيرة . فكتب إلى مصعب ، فكتب إليه مصعبٌ أن أقبِل ، فأقبل إليه بالطاعة . قال أبو مخنف : حدّثّنى أبو جَنَّاب الكلبىّ أنّ كتاب مُصعْب قدم على ابن الأشتر وفيه : أما بعد ، فإنّ اللّه قد قتل المختار الكذّاب وشيعتَه الذين دائُوا بالكفر، وكادُوا بالسّحر(٤)، وإنا ندعوك إلى كتاب الله وسنة نبيِّه، وإلى بَيْعة أمير المؤمنين، فإنْ أجبتَ إلى ذلك فأقبِل إلىّ، فإنّك أرض الجزيرة وأرض المغرب(٥) كلّها ما بقيت وبقِىَ سلطانُ آلِ الزبير، لك بذلك عهدُ اللّه وميثاقُه وأشدّ ما أخذ اللّه على النبيِّين من عهد أو عقد ؛ والسلام . ٧٤٣/٢ وكتب إليه عبدُ الملك بنُ مَرْوان : أما بعد، فإنّ آل الزبير انتَزَوْا على أئمة الهدى، ونازعُوا الأمرَ أهله، وألحَدُوا فى بيت الله الحرام(٦) واللّهُ مُمكِنٍ منهم، وجاعل دائرة السوء عليهم ، وإنى (٧) أدعوك إلى اللّه وإلى سُنة نبيّه، فإن قَبَلتَ وأجبتَ فلك سلطانُ العراقِ ما بقيتَ وبقيتُ، علىّ بالوفاء بذلك عهدُ اللّه وميثاقُه. قال : فدعا أصحابه فأقرأهم الكتاب، واستشارهم فى الرأى ، فقائلٌ (١) ف: ((وإنه)). (٣) ف: وكتب إليه)). (٥) ا، س: ((العرب)). (٧) ف: ((فإنى)). (٢) ف: ((إبراهيم بن الأشتر)). (٤) ف: ((وكانوا علماء بالسحر)). (٦) ف: ((واتخذوا الحرم حلا)). ١١٢ : سنة ٦٧ يقول عبد الملك ؛ وقائل يقول : ابن الزبير ؛ فقال لهم : ورأيى اتباع أهلٍ الشأم ، ولكن كيف لى بذلك ، وليس قبيلة تسكُن الشأم إلّا وقد وَتَرْتُها ، ولستُ بتارك عشيرتى وأهل مصرى(١)! فأقبل إلى مُصعب ، فلما بلغ مصعبًا إقباله (٢) بعث المهلب إلى عمله، وهى (٣) السنة التى نزل فيها المهلسب على الفُرات. قال أبو مخنف : حدّثّنى أبو عَلْقمة الخَشَعمىّ أنّ المُصعب بَعث إلى أمّ ثابت بنتِ سمرة بنِ جُندَب امرأةِ المُختار وإلى عَمْرة بنت النعمان بن بشير الأنصارىّ - وهى امرأةُ المختار - فقال لهما: ما تقولان فى المختار ؟ فقالت أمّ ثابت: ما عسينا أن نقول ! ما نقول فيه إلّ ما تقولون فيه أنتم ، فقالوا لها: اذهبى، وأما عمرة فقالت: رحمة الله عليه، إنه كان عبدًا من عباد الله الصالحين، فرفعها مصعب إلى السجن ، وكتب فيها إلى عبدِ الله بن الزّبير إنها تزعم أنه نبيّ، فكَتَب إليه أن أخْرِجْها فاقتُلها. فأخْرَجها بين الحيرة والكُوفة بعد العَتَّمة، فضَرَبَتَها مَطَرٌ ثلاثَ ضَرَبَات بالسيف - ومطَرٌ تابعٌ لآل قتَفَل من بنى تَيَّ اللّه بنِ ثَعْلبة، كان يكون مع الشُّرَط - فقالت: يا أبتاه ، يا أهلاه، يا عَشِيرتاه! فسِمع بها بعضُ الأنصار، وهو أبان بنُ النعمان بن بشير، فأتاه فلطمه وقال له: يابن الزّانية ، قطعتَ نفسَها قطع اللّهُ يَمينَك! فَلزمه حتى رفعه إلى مصعب ، فقال : إنّ أمى مسلمة، وادّعى شهادة بنى قَفَل، فلم يَشهَد له أحد ؛ فقال مصعب : خلّوا سبيلَ الفتى فإنه رأى أمرًا فظيعًا، فقال عمرُ بنُ أبى ربيعة القُرَشِىّ فى قتل مصعب عَمْرةَ بنتَ النعمان بن بشير: قَتْلَ بَيْضَاءَ حُرَّةٍ عُطْبُولِ (٣) إِنَّ مِن أَعْجَبِ العجائبِ عِنْدِى إِنَّ للهِ دَرَّها من قَتيلٍ قُتِلَتْ هكذا على غيرِ جُرْمِ وعلى المحْصنَاتِ جَرُّ الدُّيولِ كُتِبَ القَتسلُ والقِتَالُ علينا قال أبو مخنف : حدثنى محمد بنُ يوسفَ ، أنّ مصعباً لقِى عبدَ الله بن ٧٤٥/٢ (١) ف: ((ولا أهل مصرى)). (٢) بعدها فى فى: ((إليه)). (٣) ملحق ديوانه ٤٩٨. ٧٤٤/٢ ١١٣ سنة ٦٧ عمر فسلم عليه ، وقال له : أنا ابنُ أخيك مصعب ، فقال له ابنُ عمر : نعم ، أنتَ القائلُ سبعةَ آلاف من أهل القبلة فى غداة واحدة ! عِشْ ما استطعتَ! فقال مصعب: إنهم كانوا كفرة سَحَرَة ؛ فقال ابنُ عمر : واللهِ لو قتلت عدَّتهم غَنَماً من تُراثِ أبيك لكان ذلك سَرَفًا، فقال سعيد بن عبد الرّحمن بنِ حسّان بن ثابت فى ذلك : بقتل آبنَة النمعان ذِى الدِّين والحسَب أَتِى راكبٌ بالأَمر ذى النَّبَلِ العجبْ مُهَذَّبَةِ الأَخلاقِ والخِيم والنسَبْ بقتل فَتَاةِ ذاتِ دلِّ سَتِيرَةٍ من المُؤْثِرِين الخير فى سالِفِ الحِقَب مطهّرةٍ من نَسْل قوم أَكارمٍ خليلُ النبيِّ المصطفىَ ونَصِيرُهُ أَتانِ بأَنَّ المُلْحِدِين تَوَافَقوا فلا هَنَأَتْ آلَ الزبير معيشةٌ كأَنَّهِمُ إِذ أَبْرَزُوهَا وَقُطِّعَتْ أَلم تَعجَبِ الأَقوامُ من قَتلِ حُرَّةٍ من الغافلاتِ المؤمناتِ ، بَرِيئةٍ علينا كتابُ القَتَل والبأُسِ واجبٌ على دِينِ أَجدادٍ لها وأُبِوَّةَ من الخفِرات لا خَرُوجٌ بَذِيَّةٌ ولا الجارِذِى القُرْبَى ولم تَدْرِ ما الخنا عَجِبْتُ لها إِذْ كُفِّنَتْ وَهْىَ حَيَّةٌ وصاحبُه فى الحَرْبِ والنّكْبِ والكُرَب على قَتلِها لاجُنِّبُوا القتلَ والسَّلَبْ وذاقُوا لباسَ الذُّلِّ والخوفِ والحَرَبْ بأَسيافِهِمْ فازُوا بِمَملكة العَرَبْ من المُحْصَنات الدّين محمودةِالأَدبْ! من الدَّمّ والبُهْتان والشَّكّ والكذِبْ وهُنَّ العفَافُ فى الحِجَال وفِى الحُجُب كِرام مَضَت لم تُخْزِ أَهلا ولم تُرِبْ مُلائِمَة تَبِغِى على جَارِهَا الجُنْبْ ولم تزدَلِف يوماً بِسُوءٍ ولم تحِبْ أَلَا إِنَّ هذا الخَطْبَ من أُعجَبِ العجَب حدّثْت عن علىّ بن حَرْب المَوْصلىّ، قال: حدثنى إبراهيمُ بنُ سليمانَ الحنفِىّ، ابن أخى أبى الأحْوص، قال : حدّثنا محمد بن أبان ، عن علقمة بن مَرْئد ، عن سُوَيَد بن غَفْلة، قال: بَيْنا أنا أسيرُ بِظَهْر النّجف إذ لتحقنى رجل فَطعنى بمِخْصَرة مِن خلفى، فالتفتّ إليه، فقال: ٧٤٦/٢ ٧٤٧/٢ ١١٤ سنة ٦٧ ما قولُك فى الشيخ ؟ قلتُ : أىّ الشيوخ ؟ قال : علىّ بن أبى طالب؛ قلتُ : إنى أشهد أنى أحبّه بسمعى وبصرى وقلبى ولسانى ؛ قال : وأنا أشهدك أنى أبغضه بسَمْعى وبصرى وقلبى ولسانى. فسِرْنا حتى دخلْنا الكوفة ، فافترقْنا، فمكَث بعد ذلك سِنِينَ - أو قال: زَمَانًا - قال: ثمّ إنى لفى المسجد الأعظم إذ دخل رجلٌ مُعتمّ يتصفّح وجوهَ الخاقِ، فلم يزل ينظُرُ فلم يُرَلُحتى أحمق من لنُحَى همْدان ، فجلس إليهم ، فتحوّلتُ فجلستُ معهم ، فقالوا : من أين أقبلتَ ؟ قال : من عند أهلِ بيتٍ نبيكم ، قالوا : فماذا جئتَنَا به ؟ قال: ليس هذا موضع ذلك ، فوعدهم من الغد موعدًا، فَغَدَا وغدوت ، فإذا قد أخرج كتابًا معه فى أسفله طابع من رصاص ، فدفعه إلى غلام ، فقال له : يا غلام ، اقرأه - وكان أميًّا لا يكتب - فقال الغلام: بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا كتابٌ المختار بنِ أبى عبيد كتبه له وصىّ آل محمد؛ أمّا بعد فكذا وكذا . فاستفرَغَ القوم البُكاء ، فقال : : يا غلام، اِرفَع كتابتك حتى يُفِيق القوم ؛ قلتُ: معاشر هَمْدان، أنا أشهد بالله لقد أدركنى هذا بظَهر النّجف، فقَصَصتُ عليهم قصّتَه، فقالوا: أبَيْتَ واللّهِ إلاّ تَشْبيطا عن آل محمد، وتَزْيِيناً لنَعْثَلِ شَقّاقِ المَصاحِف. قال: قلتُ: معاشرَ هُمْدان ، لا أحدَثَكم إلّا ما سمعته أذُنَاى، ووعاه قلبى من علىّ بنِ أبى طالب عليه السلام ، سمعتُه يقول: لا تُسمّوا عثمانَ شَقَاقَ المصاحف، فوالله ما شقّقها إلّا عن ملإٍ منّا أصحاب محمد، ولو وليتُها لعَمِلتُ فيها مثلَ الذِى عمل؛ قالوا: آللّهَ أنتَ(١) سمعتَ هذا من علىّ ؟ قلت: والله لأنا سمعتُه منه(٢)، قال: فتفرّقوا عنه، فعند ذلك مالَ إلى العبيد، واستعان بهم ، وصنع ما صنع . ٧٤٨/٢ قال أبو جعفر : واقتصّ الواقدىّ من خبر المختارِ بنِ أبى عبيد بعض ما ذكرْنا ، فخالف فيه مَنْ ذكرنا خبره ، فزعم أنّ المختار إنما أظهر الخلاف لابن الزّبير عند قُدومِ مُصعب البَصْرة، وأنّ مُصعباً لما (١) ف: ((أنك)) . (٢) !: ((والله ما قلت إلا ما سمعته منه)). ١١٥ سنة ٦٧ سار إليه فبلغه مسيرُه إليه بعث إليه أحمرُ بنُ شُميط البَجَلَىّ، وأمَّرَه أن يواقِعَه بالمَذَار ، وقال: إنّ الفتح بالمَذار ؛ قال: وإنما قال ذلك المختار لأنه قيل: إن رجلا من ثَقيفَ يُفْتَح عليه بالمَذار فتحٌ عظيمٌ، فظنّ أنه هو، وإنما كان ذلك للحجّاج بنِ يوسفَ فى قتالهِ عبدَ الرّحمن بنَ الأشعث . وأمر مصعبٌ صاحبَ مقدّمّته عَبّاد الحَبَطىّ أن يسيرَ إلى جَمْع المُختار فتقدّمٌ وتقدّم معه عُبيدُ اللّه بنُ علىّ بن أبى طالب ، ونزل مصعب ، نهرَ البصريِّين على شطّ الفرات، وحَفَرَ هُنالك نهراً فسُمَّىَ نهر البصريِّين من أجلِ ذلك . قال : وخرج المختارُ فى عشرين ألفًا حتى وقف بإزائهم وزحف مصعبٌ ومَن معه، فوافَوْه مع اللسيل على تعبية ، فأرسل إلى أصحابه حين أمسَى : لا يَبرحنّ أحدٌ منكم موقفه حتى يسمع منادياً ينادى: يا محمّد، فإذا سمعتموه فاحملوا. فقال رجل من القوم من أصحاب المختار: هذا والله كذّاب على اللّه، وانحازَ ومَنْ معه إلى المصعب، فأمهل المُختار حتى إذا طلع القمرُ أُمَر منادياً، فنادى: يا محمد، ثمّ حملوا على مُصعَب وأصحابِهِ فَهَزَمَوهم، فأدخلوه عسكرَه ، فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا وأصبحَ المختارُ وليس عنده أحد، وإذا أصحابُه قد وَغَطوافى أصحاب مصعب، فانصرف المختارُ منهزمًا حتى دخل قصر الكوفة ، فجاء أصحابُ المُختار حين أصبحوا ، فَوقَفوا مَلِيًّا، فلم يروا المختار، فقالوا: قد قُتِل، فَهَرَب منهم مَن أطاقَ الهَرَب ، واختَفَوْا فى دُور الكوفة ، وتوجّه منهم نحوَ القصر ثمانية آلاف لم يَجِدُوا مَنْ يقاتل بهم، ووجدوا المختارَ فى القَصْر، فدخلوا معه، وكان أصحاب المختار ، قتلوا(١ فى تلك الليلة من أصحاب مصعب١) بشراً كثيراً، فيهم محمد بنُ الأشعث، وأقبلَ مُصعبٌ حين أصبح حتى أحاط بالقصر ، فأقام مصعبٌ يُحاصره أربعةَ أشهُر يَخرُج إليهم فى كلّ يوم فيقاتلهم فى سوق الكوفة من وجه واحد ، ولا يُقدَر عليه حتى قُتِل المختار، فلما قُتِل المختار بعث من فى القصر يتطلب الأمان ، فأبى مصعب حتى نزلوا على حُكْمه، فلما نزلوا على حُكْمه قَتَل من العرب سبعمائة أو نحو ذلك ، وسائرُهم ٧٤٩/٢ (١-١) ف: ((من أصحاب مصعب فى تلك الليلة)). ١١٦ سنة ٦٧ من العَجم؛ قال: فلما خرجوا أراد مُصعَب أن يَقتُل العجم ويتركَ العَرَّب، فكلمه من معه ، فقالوا : أىّ دِينٍ هذا؟ وكيف ترجو النصرَ وأنت تقتُل العَجَمُ وتَتْرُكُ العَرَب ودينُهم واحد! فقدّمهم فضرَبَ أعناقَهم . ٧٥٠/٢ قال أبو جعفر : وحدّثنى عمرُ بنُ شبّة ، قال : حدّثنا علىّ بن محمد ، قال : لما قُتِل المختار شاور مصعبٌ أصحابَه فى المحصورين الذين نزلوا على حكمه، فقال عبدُ الرحمن بنُ محمد بنِ الأشعث ومحمد بنُ عبد الرحمن ابنِ سعيد بن قيس وأشباهُهم ممّن وترهم المُختار: اقتُلهم، وضَجّت ضَبَّةُ، وقالوا : دَمُ مُنذِرِ بن حسان ؛ فقال عبيد اللّه بن الحُرّ: أيّها الأمير ، ادفعْ كلَّ رجل فى يديك إلى عشيرته تمنّ عليهم بهم ، فإنهم إن كانوا قتلونا فقد قَتّلناهم، ولا غِنى بنا عنهم فى ثغورنا، وادفع عبيد نا الذين فى يديك إلى مواليهم فإنهم لأيتامنا وأراملِنا وضُعفائنا ، يردّونهم إلى أعمالهم ، واقتل هؤلاء الموالى، فإنهم قد بدا كفرُهم، وعظُم (١) كبرُهم، وقلّ شُكرُهم . فَضَحِك مُصعَب وقال للأحنف : ما تتَرَى يا أبا بَحْر ؟ قال: قد أرادنى زيادٌ فعَصيْته - يغرّض بهم - فأمرّ مصعب بالقوم جميعًا فقُتلوا ، وكانوا ستة آلاف ، فقال عُقْبَة الأسدىّ : مع العَهْد الموثَّقِ مكتَفِينَا قتَلْمْ سنَّةَ الآلافِ صَبْرًاً ذَلولاً ظَهرُهُ لِلواطِئِينَا جعلتمْ ذِمّة الحَبَطِّ جِسْرًا بِعَهْدهِمُ بِأَوَِّ حائِنِينَا وما كانوا غَدَاةَ دُعُوا فِغُرُّوا(٢) بضَرْبٍ فِى الأَزِقَّةُ مُصْلِتِينا وكنتُ أَمرّتُهُمْ لو طاوَعُونِى وقُتِل المختارُ - فيما قيل- وهو ابنُ سبع وستين سنة، لأربع عشرةَ خَلَتْ من شهر رمضان فى سنة سبع وستين . فلما فرغ مصعب (٣) من أمر المختار وأصحابه، وصار إليه إبراهيم ابنُ الأشتر وجّه المهلب بنُ أبى صُفْرة على المَوْصِل والجزيرة وآذَرْبِيجان وأرْمِينِيَةَ وأقام بالكوفة . (١) فى: ((وظهر)). (٣) ف: ((المصعب)). (٢) ف: ((ففروا)). ١١٧ سنة ٦٧ [خبر عزل عبد الله بن الزبير أخاه المصعب ] وفى هذه السنة عزل عبدُ اللّه بن الزبير أخاه مصعبَ بنَ الزّبير عن البصرة، وبَعَث بابنه حمزة بن عبد اللّه إليها، فاختُلِف فى سبب عزله إيّاه عنها، وكيف كان الأمر فى ذلك . ٢/ ٧٥١ فقال بعضُهم فى ذلك ما حدّثنى به عمر ، قال : حدّثنى علىّ بن محمد قال: لم يزل المُصْعب على البَصرة حتى سار منها إلى المختار ، واستخلف على البصرة عُبيد الله بن معمر، فقُتِلِ المختار، ثمّ وفد إلى عبد الله بنِ الزبير فعزله وحبسه عنده، واعتَذَرَ إليه مِن عَزْله، وقال: واللهِ إنى لأعلم أنّك أحرَى وأكفى من حَمزةَ، ولكنى رأيتُ فيه رأى عثمانَ فى عبد اللّه بنِ عامر حين عزّل أبا موسى الأشعرىّ وولاه . وحدّثنى عمرُ، قال: حدّثنى علىّ بنُ محمد، قال: قَدم حمزةُ البَصرةَ واليًا، وكان جواداً سَخِيًّا مخلّطاً، يجود أحيانًا حتى لا يَدَع شيئًا يملكه ، ويمنع أحيانًا ما لا يمنع مثلُه، فظهرتْ منه بالبَصرة خِفّة وضعف ، فيقال: إنه ركب يومًاً إلى فَيْض البَصْرة، فلما رآه قال: إنّ هذا الغَدير إِن رَفَقُوا به ليكفينّهم صَيْفَهم ، فلما كان بعد ذلك ركب إليه فوافقهُ جازرًا ، فقال : قد رأيت هذا ذاتَ يوم ، وظننت أن لن يكفيَهم ، فقال له الأحنف: إنّ هذا ماءٌ يأتينا ثمّ يَغيض عنّا. وشخص إلى الأهواز، فلما رأى جبلتها قال: هذا قُعَيْفِعان - لموضع بمكة - فسُمَّى الجبلُ قُصَيْقعانَ، وبعث إلى مَرْدَ انْشَاه فاستحثّه بالخراج ، فأبطأ به ، فقام إليه بسسَيْفه فضربه فقتله، فقال الأحنف: ما أحدّ سيفَ الأمير ! حدّثنى عمرُ ، قال: حدثنى علىّ بنُ محمد، قال: لما خَلّطَ حمزةُ بالبصرة وظهر منه ما ظهر ، وهَمَّ بعبد العزيز بنِ بِشْر أن يضربه ، كتب الأحنف إلى ابن الزبير بذلك، وسأله أن يعيد مُصعبًا . قال: وحمزة الذى عقد لعبد الله بن عمير الليْىّ على قتال النّجدّية بالبَحْرين. ٧٥٢/٢ ١١٨ سنة ٦٧ حدّثّنى عمرُ، قال: حدّثنا علىّ بنُ محمد، قال: لما عزل ابنُ الزّبير حمزةَ احتَمَل مالا كثيرًا من مال البصرة، فعَرَض له مالكُ بنُ مِسْمَع، فقال : لا نَدعك تخرج بأعْطياتِنا. فضمِن له عُبيدُ اللّه بنُ عُبيدٍ بنٍ مَعَمزَ العطاءَ، فَكَفَ، وشخص حمزةُ بالمال ، فترك أباه وأتى المدينة ، فأودَع ذلك المال رجالا ، فذهبوا به إلاّ يهوديًا كان أود عه فَوَفَى له، وعلم ابنُ الزّبير بما صنع، فقال: أبعده اللّه! أردتُ أن أباهىَ به بنى مَرْوان فنتكتص . وأمّا هشام بنُ محمد فإنه ذكر عن أبى مخنف فى أمر مُصعَب وعزل أخيه إيّاه عن البَصْرة ورَدُّه إياه إليها غيرَ هذه القصَّة، والذى ذكر من ذلك عنه فى سياقٍ خبر حُدَّثْتُ به عنه(١)، عن أبى المُخارِقِ الرَّاسِيّ، أنّ مُصعباً لما ظَهَر على الكُوفة أقامَ بها سنة معزولا عن البصرة ، عزله عنها عبدُ اللّه، وبعث ابنَه حمزةً، فمكّث بذلك سنة؛ ثمّ إنه وقد على أخيه عبد اللّه بمكة ، فردّه على البَصْرة . وقيل : إنّ مصعبًا لما فرغ من أمرِ المُختار انصرف إلى البصرة وولّى الكوفةَ الحارثَ بنَ عبد الله بن أبى ربيعة. قال: وقال محمد بنُ عمر: لما قتل مُصعبٌ المختارَ ملتَكَ الكُوفة والبصرة . # وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الله بنُ الزّبير. وكان عامِلَه على الكُوفة مصعبٌ ، وقد ذكرتُ اختلافَ أهلِ السير فى العامل على البصرة . وكان على قَضاء الكُوفة عبدُ اللّه بنُ عُتبةَ بن مسعود، وعلى قتَضاءِ البَصْرة هِشامُ بنُ هُبيرة، وبالشأم عبد الملك بن مروان ٧٥٣/٢ وكان على خُراسان عبدُ الله بنُ خازم السُّلمىّ . (١) ا: ((حدث عنه)). ... ثم دخلت سنة ثمان وستين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأُمور الجليلة فمن ذلك ما كان من ردّ عبد الله أخاه مُصعباً إلى العراق أميرًا، وقد ذكرْنا السبب فى ردّ عبد الله أخاه مُصعباً إلى العراق أميرًا بعد عزله إياه ، ولما ردّه عليها أميرًا بعث مصعبٌ الحارثَ بنَ أبى ربيعة على الكُوفة أميرًا ، وذلك أنه بدأ بالبصرة مرجعه إلى العراق أميرًا بعد العزل ، فصار إليها . [ذكر الخبر عن رجوع الأزارقة من فارس إلى العراق ] وفى هذه السنة كان مَرَجِعُ الأزارِقة من فارسَ إلى العِراقِ حتى صاروا إلى قرب الكوفة ، ودخلوا المدائن . • ذكر الخبر عن أمرهم ومسيرهم ومرجعهم إلى العراق : ذكر هشامٌ ، عن أبى مخنَف ، قال : حدثنى أبو المخارق الراسبىّ، أُنّ مُصْعبًا وجّه عمرَ بنَ عُبيد الله بن معمرَ على فارسَ أميرًاً، وكانت الأزارِقةُ لحقت بفارسَ وكرمانَ ونواحى أصْبتَهان بعد ما أوقع بهم المهلب بالأهْواز ، فلما شخص المهلَّبُ عن ذلك الوجه ووُجِّه إلى المَوْصل ونواحيها عاملاً عليها ، وعمر بن عبيد الله بن معمر على فارسَ، انحطّت الأزارقةُ. مع الزّبير بن الماحوز على عُمَر بن عبيد الله بفارسَ ، فلقيَهم بسابورَ ، فقاتَهم قتالا شديدًا، ثم إنه ظّفر بهم ظَفَرً بيناً ، غيرَ أنه لم يكن بينهم كثير(١) قَتْلَى، وذهبوا(٢) كأنهم على حامَّة، وقد تركوا على ذلك المعركة .. ٧٥٤/٢ قال أبو مِخَف : فحدّثّنى شيخٌ للحىّ بالبَصْرة، قال: إنى لأسمعُ قراءة كتابٍ عمرَ بنِ عُبيد الله (٣): (١) ف: ((كبير )). (٢) ف: ((فركبوا)). (٣) بعدها فى ف: ((ابن معمر)). ١١٩ ١٢٠ سنة ٦٨ بسم الله الرّحمن الرّحيم. أما بعد، فإنى أخبرُ الأميرَ أصلحه الله أنى لقيتُ الأزارقة التى مَرَقَتْ من الدّين واتبعتْ أهواءها بغيرِ هُدَّى من الله، فقاتلتُهم بالمسلمين ساعةً من النهار أشدَّ القتال . ثمّ إنّ اللّه ضرب وُجوهِتَهم وأدبارَهم، ومنحنا أكتافتهم، فقتل اللّهُ منهم مَن خابَ وخَسِر، وكلٌّ إلى خُسْران . فَكتبتُ إلى الأمير كتابى هذا وأنا على ظَهْر فَرَسى فى طلب القوم، أرجو أن يَجُدَّهم (١) اللّه إن شاء الله؛ والسلام. ثم إنَّه تَبِعِهم ومضَوْا من فورهم ذلك حتَّى نزلوا إِصْطَخْرَ، فسار إليهم حتَّى لقيتهم على قنطرة طَمَستانَ (٢)، فقاتلهم قتالا شديداً، وقُتل ابنُه . ثمّ إنه ظَفِربهم، فَقَطَعوا قنطرةٌ طَمَسْتانَ، وارتفعوا إلى نحومن أصبهان وكِرْمان، فأقاموا بها حتَّى اجْتَبَروا وقَوُوا، واستعدّوا وكَشُرُوا، ثمّ أقبلوا حتَّى مرّوا بفارسَ وبها عُمرُ بنُ عُبيد الله بنٍ معمر، فَقطعُوا أرضه من غيرِ الوَجْه الَّذى كان فيه أخذوا على سابور، ثمّ خرجوا على أرَّجانَ، فلمَّا رأى عمرُ بنُ عُبيد الله أنْ قد قطعت الخوارجُ أرضَه متوجّهة إلى البَصْرة خشىَ ألّ يحتملها له مُصعَبِ بنُ الزبير، فشمَّر فى آثارهم مُسرِعًا حتى أتى أرّجان، فوجدهم حين خرجوا منها متوجهين قِبَل الأهواز، وبلغ مُصعباً (٣) إقبالُهُم، فَخرَج فعسكر بالناس بالجسر الأكبر ، وقال : واللّهِ ما أدرِى ما الَّذِى أَغْنَ عنّى أنْ وضعتُ عمرَ بنَ عُبيد اللّه بفارسَ، وجعلتُ مَعَهُ جُندًا أجرِى عليهم أرزاقَهم فى كلّ شهر، وأوَفِّيهم أعطياتِهم فى كل سنة، وآسُرُ لهم من المَعَاوِن فى كلّ سنة بمثلِ الأعْطيات ، تتقطَع أرضَه الخوارج إلىّ! وقد قطعتُ علَّنه فأمددتُه بالرّجال وقوّيتُهم، والله لو قَاتَلهم ثم فرّكان أعدْرَ له عندى، وإن كان الفارّ غير مقبولِ العذر، ولا كريم الفعل . وأقبلت الخوارجُ وعليهم الزبيرُ بن الماحُوز حتَّى نزلوا الأهواز، فأتتْهم عيونهم أن عمر بن عُبيد الله فى أثرهم، وأنّ مصعب بن الزّبير قد خرج من البصرة إليهم، فقام فيهم الزَّبيرُ فحَمِدِ اللّهَ وأثنَى عليه ثمّ قال: أمَّا بعد، فإنّ (٢) س: ((طمسيان))، ف: ((طميسان))، وفى امن (١) س: ((ويخزيهم)). (٣) ف: ((وبلغ ذلك مصعبا)). غير نقط . ٧٥٥/٢