Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
سنة ٦٦
ومن غيرهم من الناس ، فلا يعرض له إلّ بخير. شهد السائبُ بنُ مالك
وأحمرُ بنُ شميط وعبدُ اللّه بنُ شدّاد وعبدُ اللّه بنُ كامل . وجعلَ المختارُ
على نفسه عهدَ اللّه وميثاقَه ليَفِيَنَّ لعمرَ بن سعد بما أعطاه من الأمان،
إلّا أن يُحدث حدثًا، وأشهد اللّهَ على نفسه، وكفى بالله شهيداً.
٦٧٣/٢
قال: فكان أبو جعفر محمَّد بن علىّ يقول: أمَّا أمانُ المختار لعمر بن سعد:
إلّا أن يُحدث حدثاً، فإنه كان يريد به إذا دخل الخلاء فأحدث .
قال : فلمَّا جاءه العريان بهذا خرج من تحت ليلته حتَّى أتى حمامه،
ثم قال فى نفسه: أَنزِل دارِى، فرجع فعبر الرَّوْحاءَ، ثمّ أتى دارَه غُدوَةً، وقد
أتى حمَّمَه، فأخبر مولّ له بما كان من أمانه وبما أريد به ، فقال له مولاه :
وأىّ حَدَث أعظمُ ممَّا صنعتَ! إنَّك تركت رَحلك وأهْلَك(١) وأقبلتَ
إلى ها هنا، ارجع إلى رحلك، لا تجعلنّ(٢) للرجل عليك سبيلا. فرجع إلى
منزله ، وأتى المختارَ بانطلاقه، فقال: كلّ إنّ فى عنقه سلسلةً ستردّه، لو جَهَد
أن ينطلق ما استطاع. قال: وأصبح المختارُ فبعث إليه أبا عمرةَ ، وأمسَرَه أن
يأتيه به ، فجاءه حتَّى دخل عليه فقال : أجِب الأميرَ، فقام عمر: فعثر فى
جُبَّة له، (٣ ويضربه أبو عَمْرة بسيفه ٣) ، فقتله، وجاء برأسه فى أسفل قَبَائه
حتَّى وضعَه بين يدَى المختار ، فقال المختار لابنه حفص بن عمرَ بن سعد وهو
جالس عنده : أتعرف هذا الرّأس ؟ فاسترجع وقال : نعم ، ولا خير فى
العيش بعدَه ، قال له المختار : صدقت ، فإنَّك لا تعيش بعده ، فأمر به
فَقُتِل، وإذا رأسُه مع رأس أبيه. ثمّ إنّ المختار قال: هذا بحُسَين وهذا
بعلىّ بن حسين (٤)، ولا سَواء، واللّهِ لو قتلتُ به ثلاثة أرباع قريش ما وَفَوا
أنمُلةً من أنامله ؛ فقالت حُميدَة بنت عمر بنِ سعد تَبكِى أباها :
أَو غيرُ ذى يَمَنٍ وغيرُ الأَعْجمِ
لو كان غيرُ أَخِى قَسِىٌّ غَرَّهُ
عنه وما البَطْرِيق مِثْلُ الأَلأَّمِ
سَخَّى بنفسى ذاكَ شيْئاً فاعلمُوا
عهدًا يلينُ له جَنَاحُ الأَرقم.
أَعْطَى آبن سعدفى الصَّحيفة وابنه
٦٧٤/٢
(١) ف: ((أهلك ورحلك)).
(٢) ف: ((لا تجعل)).
(٣-٣) ف: ((وبصر به أبو عمرة فضر به)).
(٤) ف: ((الحسين)).

٦٢
سنة ٦٦
فلمَّا قَتل المختارُ عمرَ بن سعد وابنه بعث برأسَيْهما مع مسافر بن سعيد
ابن نِمِرْأن الناعطىّ وظَبْيان بن عمارة التميمىّ، حتَّى قَدِمَا بهما على محمَّد
ابن الحنفيَّة، وكتب إلى ابن الحنفيّة فى ذلك بكتاب .
قال أبو مخنف : وحدثنى موسى بن عامر ، قال: إنَّما كان هيَّج المختار
على قتل عمرَ بن سعد أنّ يزيدَ بن شراحيلَ الأنصارىّ أتى محمَّد بن الحنفيَّة،
فسلّم عليه ؛ فجرى الحديثُ إلى أن تذاكروا المختارَ وخروجَه وما يدعو إليه
من الطلب بدماء أهلِ البيت، فقال محمَّد بنُ الحنفيّة: على أهون رسله يزعم
أُنَّه لنا شيعة، وقَّلة الحسين جلساؤه على الكراسىّ يحدّثونه! قال: فوعاها
الآخر منه ، فلما قدم الكوفة أتاه فسلّم عليه ، فسأله المختار: هل لقيتَ
المهدىّ ؟ فقال له : نعم ، فقال : ما قال لك وماذا كَرَك ؟ قال : فخبّره
الخبر. قال: فما لبّث المختارُ عمرَ بنَ سعد وابنه أن قَتَلهما، ثمّ بعث
برأسيهما (١) إلى ابن الحنفيّة مع الرسولين اللَّذَين سَمَّينا، وكتب معهما إلى
٦٧٥/٢ ابن الحنفيَّة:
بسم الله الرّحمن الرّحيم. للمهدّى محمَّد بن علىّ من المختار بن
أبى عُبَيد. سلام عليك يأيُّها المهدىّ، فإنى أحمد إليك اللّه الَّذِى لا إله إلا
هو، أمَّا بعد: فإنَّ اللّه بَعَشَى نِقِمَةً على أعدائكم ، فهم بين قتيل
وأسير، وطريد وشريد، فالحمد لله الَّذِى قتل قاتليكم (٢)، ونصر مؤازٍرِيكم(٣).
وقد بعثتُ إليك برأس عمرَ بن سعد وابنه ، وقد قتلنا من شَرّك فى دم الحسين
وأهل بيته- رحمةُ اللّه عليهم - كلّ من قَدَرْنا عليه، ولن يُعجز اللّه من بقى،
ولست بمُنْجم (٤) عنهم حتَّى لا يبلغنى أنّ على أديم الأرضِ منهم أرمِيًّا(٥).
فاكتب إلىّ أيها المهدىّ برأيك أتَّبعه وأكون عليه، والسلام عليك أيها المهدىّ
ورحمة الله وبركاته .
ثمّ إنّ المختار بعث عبدَ اللّه بنَ كامل إلى حكيم بن طُفَيَل الطائىّ
السنْبِسِىّ - وقد كان أصاب صلب العبَّاس بن علىّ، ورَمَى
(١) كذا فى ف وفى ط: ((برءوسهما)). (٢) فى: ((قاتلكم)). (٣) ف: ((موازركم)).
(٥) إرميا، أى أحداً، يقال: ما بالدار إرميا، أى أحد.
(٤) ف: ((بمتنح)).

سنة ٦٦
٦٣
حسيناً بسَهْم، فكان يقول : تعلَّق سهمى بسِرْباله وما ضرّه - فأتاه عبدُ الله
ابنُ كامل، فأخَذُهُ ثمّ أقبل به، وذهب أهلُه فاستغاثُوا (١) بعدىّ بن حاتم،
فلحقهم فى الطَّريق، فكلّم عبد اللّه بن كامل فيه، فقال: ما إلىّ (٢) من
أمره شىء، إنَّما ذلك (٣) إلى الأمير المختار. قال: فإنى آتيه؛ قال: فأته
راشدًا . فمضى عدىّ نحوَ المختار ، وكان المختار قد شفَّعه فى نفر من قومه
أصابهم يومَ جَبَّانة السَّبيع، لم يكونوا نَطَقوا بشىء من أمر الحسين ولا أهل
بيته ، فقالت الشيعة لابن كامل : إنَّا نخاف أن يشفِّع الأمير عدىّ بن حاتم ٦٧٦/٢
فى هذا الخبيث، وله من الذنب ما قد علمت (٤)، فدعْنا نَقتُلُه. قال : شأنكم
به، فلما انتهَوْا به إلى دار العَنَّيِّين وهو مكتوف نتصبوه غَرَضًاً، ثم
قالوا له : سلبتَ ابن علىّ ثيابَه، والله لنَّسلبنّ ثيابَك وأنتَ حىّ تنظُر!
فنزعوا ثيابَه، ثمّ قالوا له: رَمَيْتَ حسيناً، واتّخذته غَرَضاً لنَبْلُك، وقلت:
تعلّق سهمِى بسِرْبالِهِ ولم يضرّه، وإيمُ اللّه لنرمينَّك كما رميته بغبال ما تعلّق
بك منها أجزاك . قال: فرَمَوْه رشْقاً واحدًا، فوقعتْ به منهم نبالٌ كثيرة
فخرّ ميتاً .
قال أبو مخنف: فحدّثنى أبو الجارود(٥)، عمَّن رآه قتيلا كأنَّه قُنفُدْ لِمَا
فيه من كثرة النَّبل : ودخل عدىّ بن حاتم على المختار فأجلَسَه معه على مجلسه،
فأخبره عدىّ عمَّا جاء له ، فقال له المختار: أتستحلّ يا أبا طَريف أن تَطلُب
فىّ قَتّلة الحسين! قال: إنه مكذوب عليه أصلحك الله! قال (٦): إذًا
ندَعَه لك قال : فلم يكن بأسرع من أن دخل ابن كامل فقال له المختار :
ما فَعَل الرجل ؟ قال : قتلتْه الشيعة: قال : وما أعجَلَك إلى قتله قبل أن
تأتيَنى به وهو لا يسرّه أنَّه لم يقتله ــ وهذا عدىّ قد جاء فيه، وهو أهلّ أن
يُشفَّع ويؤتى ما سرّه (٧)! قال: غلبتْنى واللّهِ الشيعة، قال له عدىّ: كذبتَ
يا عدوَّ اللّه، ولكنْ ظننْتَ أنّ من هو خيرٌ منك سيشفّعَى فِيه، فبادرتَسَى
(١) ف: ((فاستعانوا)).
(٢) فى: ((مالى)).
(٤) ف: ((علمته)).
(٣) ف: ((ذاك)).
(٥) هو زياد بن زياد، الذى تسمى باسمه فرقة الجار ودية .
(٦) ف: ((فقال))
(٧) ف: ((يسره)).

٦٤
سنة ٦٦
فقتلتَه، ولم يكن خطر يدفعك عمَّا صنعت. قال: فاسحَنْفر (١) إليه ابن
٦٧٧/٢ كامل بالشَّتيمة، فوضع المختار إصبعه على فيه ، يأمر ابن كامل بالسكوت
والكفّ عن عدىّ ، فقام عدىّ راضيًا عن المختار ساخطًا على ابن كامل ،
يشكوه عند من لقى من قومه . وبعث المختار إلى قاتل علىّ بن الحسين عبدَ الله
ابن كامل، وهو رجلٌ من عبد القيس يقالى له مُرّة بن مُنْقذ بن النعمان العبدىّ
وكان شجاعًا، فأتاه ابنُ كامل فأحاط بداره ، فخرج إليهم وبِيَدِه(٢)
الرّمح، وهو على فرس جواد ، فطعن عبيد الله بن ناجية الشَّامىّ ، فصَرَعه
ولم يضرّه . قال : ويضربه ابن كامل بالسيف فيتّقيه بيده اليسرى ، فأسرع (٣)
فيها السيف، وتمطّرت به الفرس (٤)، فأفلت ولحق بمصعب، وشُأَّت يده بعد
ذلك . قال: وبعث المختارُ أيضًا عبدَ الله الشاكرىّ إلى رجل من جَشْب
يقال له زيدُ بن رُقَاد، كان يقول: لقد رميتُ فتَّ منهم بسهم وإنَّه لواضِع
كفَّه على جبهته يتَّقَى النبلَ فأثبتُّ كفَّه فى جبهته، فما استطاع أن يزيل
كفّه عن جبهته ،
قال أبو مخنف : فحدّثّنى أبو عبد الأعلى الزُّبيديّ أنّ ذلك الفتى عبد الله
ابن مسلم بن عقيل، وأنَّه قال حيث أثبت كفَّه فى جبهته: اللَّهمَ إنّهم
استقلّونا واستذلّونا، اللَّهمّ فاقتلهم كما قَتَلونا، وأذلَّهم كما استذلّونا. ثمّ
إنَّه رمى الغلامَ بسَهم آخَرَ فقَتَلَه، فكان يقول: جئتُه ميِّتًا فنزعتُ
سهمى الَّذِى قتلتُهُ به من جَوْفه، فلم أزل أُنصْفِض السَّهم(٥) من جبهته
حتَّى نَزْعته ، وبقَى النَّصل فى جبهته مُثبَتَاً ما قدرتُ على نزعه .
قال : فلمَّا أتى ابن كامل دارَه أحاط بها ، واقتحم الرجالُ عليه ، فخرج
مصلتًا بسيفه(٦) - وكان شجاعًا - فقال ابن كامل: لا تضربوه بسيف،
ولا تَطعنوه برمح ، ولكن ارموه بالنبل، وارجموه (٧) بالحجارة ، ففعلوا ذلك به،
فسقط، فقال ابن كامل : إن كان به رَمَق فأخرِ جوه (٨)؛ فأخرجوه وبه
٦٧٨/٢
(١) فى اللسان: يقال: اسخنفر الرجل فى خطبته، إذا مضى واتّسع فى كلامه.
(٣) ف: ((فيسرع)).
(٢) فى: ((بيده)).
(٥) نضنض السهم ؛ إذا حركه ..
(٤) ف: ((فرسه)).
(٦) ف: ((بالسيف)). (٧) ف: ((وأرضخوه)). (٨) ف: ((فأحرقوه بالنار)).

٦٥
سنة ٦٦
رَمَق، فدعا بنار فحرّقه بها وهو حىّ لم تخرج رُوحُه ، وطلب المختار سنان
ابن أنس الَّذِى كان يدّعى قَتْلَ الحسين، فَوَجده قد هَرَب إلى البصرة،
فهدّم داره. وطلب المختارُ عبدَ اللّه بن عُقْبَة الغَنَوَىّ فوجده قد حَرَب،
ولحق بالجزيرة ، فهدم داره، وكان ذلك الغَنَّوىّ قد قتل منهم غلامًا ، وقتل
رجلٌ آخرُ من بنى أسد يقال له حَرْملة بن كاهل رجلا من آل الحسين ،
ففيهما يقول ابن أبى عتَقِب اللَّيْىّ:
وفى أَسَد أُخرَى تُعَدُّ وتُذكَرُ
وعِندَ غَنِىُّ قطرَةٌ من دِمائنا
وطلب رجلا من خَشْعَم يقال له عبد الله بن عروة الخثعمىّ - كان يقول:
رميت فيهم باثنى عشر سهمًا ضَيْعَةً - ففاته ولَحِقِ بمصعب، فَهَدّم
دارَه، وطلب رجلا من صُداء يقال له عَمْرو بن صُبَيَح، وكان يقول: لقد
طعنتُ بعضَهُم وجرحتُ فيهم (١) وما قتلت منهمْ أحدًا، فأتِىَ ليلا وهو
على سَطْحه وهو لا يشعر بعد ما هدأت العيون، وسيفُه تحت رأسه، فأخذوه ٦٧٩/٢
أخْذَاً، وأخذوا سيفَه ، فقال: قبحك اللّه سيفًا، ما أقرَبك وأبعَدَك!
فجىء به إلى المختار ، فحَبَسه معه فى القصر، فلمَّا أن أصبح أذِنَ لأصحابه،
وقيل: لِيدخلْ من شاء أن يَدخُل، ودخل الناس، وجىء به مقيَّدًا، فقال :
أما والله يا معشر الكَفرة الفجرة أن لو بيدِى سيفى لعلمتم أنى بنصل السيف
غير رَعِش ولا رِعْديد، ما يسرّنى إذ(٢) كانت منيسّى قَتْلا أنَّه قتلى من
الخلق أحد (٣) غيركم. لقد علمتُ أنَّكم شرار خلقِ اللّه، غيرَ أنى وددتُ
أنّ بيدى سيفًا أضرب به فيكم ساعة، ثمّ رفع يدَه فلطم عينَ ابن كامل
وهو إلى جنبه ، فضحك ابن كامل ، ثمّ أخذ بيده وأمسكها ، ثم قال: إنَّه
يزعم أنَّه قد جرح فى آل محمد وطعن ، فَمُرْنا بأمرك فيه ، فقال المختار :
علىّ بالرماح، فأتىَ بها، فقال: اطعَنوه حتَّى يموت، فطُعِن بالرماح
حتى مات .
قال أبو مخنف: حدّثنى هشام بنُ عبد الرّحمن وابنه الحكم بنُ هشام
(٢) ف: ((إن)).
(١) ف: ((لقد طعنت فيهم وجرحت)).
(٣) ف: ((أحد من الناس)).

٦٦
سنة ٦٦
أنّ أصحاب المختار مرّوا بدار بنى أبى زُرعة بن مسعود، فرَموهم من فوقها ،
فأقبلوا حتَّى دخلوا الدارَ، فقتلوا الهبياط بن عثمان بن أبى زُرعة الثقفىّ
وعبد الرحمن بن عثمان بن أبى زرعة الثَّقَفىّ، وأفلََّهم عبدُ المالك بن أبى زرعة
ضربة فى رأسه، فجاء يشتدّ حتَّى دخل على المختار، فأمر امرأتَه أمَّ ثابت
٦٨٠/٢ ابنة سَمُرة بن جُنْدَب، فداوتْ شجّته، ثمّ دعاه ، فقال: لا ذنب لى،
إِنَّكم رميتم(١) القوم فأغضَبْتموهم (٢). وكان محمَّد بنُ الأشعث بن قيس فى
قرية الأشعث إلى جنب القادسيَّة ، فبعث المختار إليه حَوْشبا سادنَ الكرسىّ
فى مائة، فقال : انطلق إليه فإنَّك تجده لاهيًا متصيّدًاً، أو قائمً
متلبّداً، أو خائفًا متلدّدًا، أو كامنًا متغمّدًا، فإن قدرت عليه فأتنى
برأسه . فخرج حتَّى أتى قصرَه فأحاط به ، وخرج منه محمَّد بن الأشعث
فلحق بمصعب، وأقاموا على القصر وهم يَرْون أنَّه فيه، ثم دخلوا فعلهاأَّ.
قد فاتَهم ، فانصرفوا إلى المختار ، فبعث إلى داره فهدمها ، وبنى بلسَبِنها
وطِينِها دارَ حُجْر بن عدىّ الكِنْدىّ، وكان زيادُ بن سُمسَيَّة قد هَدَمَها.
[ذكر الخبر عن البيعه للمختار بالبصرة ]
قال أبو جعفر: وفى هذه السنة دَعَا المثنَّى بن مخرِّبة العبدىّ إلى البيعة
للمختار بالبصرة أهلها ؛ فحدّثنى أحمد بن زهير ، عن علىّ بن محمَّد ، عن
عبد الله بن عطَّة اللَّيْى وعامر بن الأسود ، أنّ المثنىّ بن مخرّبة العبدىّ كان
مِمَّن شهد عينَ الوَرْدة مع سليمانَ بن صُرَد، ثمّ رجع مع مَن رجع مِمَّن
بقى من التَّّابين إلى الكوفة ، والمختار محبوس، فأقام حتَّى خرج المختار من
السجن، فبايعه المثنَّ سرًّا، وقال له المختار: الحقْ بَبلدك بالبصرة فارع
الناسَ ، وأسِرّ أمْرَكَ ؛ فقدم البصرة فدعا ، فأجابه رجالٌ من قومه وغيرهم
فلمَّا أخرج المختارُ ابنَ مطيع من الكوفة ومَنَعَّ عمرَ بنَ عبد الرحمن بن الحارث
٦٨١/٢ ابن هشام من الكوفة خرج المثنَّى بن مخرّبة فاتَّخذ مسجدًا، واجتمع (٣) إليه
(١) ف: ((أرهبم)).
(٣) ف: ((فاجتمع)).
(٢) ف: ((وأغضبتموه)).

٦٧
سنة ٦٦
قومه ، ودعا إلى المختار ، ثمّ أتى مدينة الرّزق فعسكر عندها. وجمعوا الطعام"
فى المدينة، ونَحَروا الجُزُر، فوجَّه إليهم القُباعُ عبَّادَ بن حصين وهو على
شُرْطته، وقيس بن الهيثم فى الشّرَط والمقاتلة ، فأخذوا فى سكَّة الموالى حتَّى
خرجوا إلى السَّخة، فوقموا ، ولزِم الناسُ دورَهم ، فلم يخرج أحد، فجعل
عبَّاد ينظر هل يرى أحدًا يسأله! فلم ير أحدًا؛ فقال: أما ها هنا رجلٌ
من بني تميم؟ فقال خليفة الأعور مولى بنى عدىّ، عدىّ الرّباب: هذهدار ورَّاد
مولَى بنى عبد شَمْس؛ قال: دُقّ الباب، فدقَّه، فخرج إليه ورّاد ،
فشَّمه عبَّاد وقال: وَيَْحك! أنا وَاقفٌ ها هنا، لِمَّ لَمْ تخرج إلىّ!
قال: لم أدر ما يوافقك، قال: شُدَّ عليك سلاحَك واركب، ففعل، ووَقتَقوا،
وأقبل أصحابُ المثنَّى فواقفوهم ، فقال عبَّاد لورّاد : قف مكانك مع
قيس ، فوقف قيس بن الهيثم وورّاد، ورجع عبَّاد فأخذ فى طريق الذّبَّاحين،
والنَّاس وقوفٌ فى السَّبَخة، حتَّى أتى الكلأ، ولمدينة الرّزَق أربعة أبواب:
باب مِمًّا يلى البصرة، وباب إلى الخلاّلين، وبابٌ إلى المسجد، وبابٌ إلى مهبّ
الشمال؛ فأتى الباب الَّذِى يدِى النهر مِمًّا يلى أصحاب السقَط، وهو بابٌ
صغير ، فوقف ودعا بسلّم فوضعه مع حائط المدينة ، فصعد ثلاثون رجلا ،
وقال لهم : الزموا السطح ، فإذا سمعتم التكبيرَ فكبّروا على السطوح ، ورجع
عبَّاد إلى قيس بن الهيثم وقال لوّراد: حَرّشِ القومَ ؛ فطارَدَ هم ورّاد ، ثم
التبس القتال فقُتِل أربعون رجلا من أصحاب المثنَّى، وقُتِل رجل من أصحاب
عبَّاد، وسمع الَّذين على السطوح (١) فى دار الرزق الضجيّة والتكبير، ٦٨٢/٢
فكبّروا، فهرب مَن كان فى المدينة ، وسمع المثنَى وأصحابه التكبير
من ورائهم ، فانهزموا ، وأمر عبَّاد وقيس بن الهيثم (٢ الناسَ بالكفّ عن
اتباعهم٢) وأخذوا مدينة الرّرق وما كان فيها، وأنى المثنَّى وأصحابُه عبدَ القيس
ورجع عبَّاد وقيس ومَنْ معهما إلى القُباع فوجّههما إلى عبد القيس، فأخذ
قيس بن الهيثم من ناحية الجسر ، وأتاهم عبَّاد من طريق المِرْبد، فالتَقَوْا
فأقبل زياد بن عَمْرو العَتكىّ إلى القُباع وهو فى المسجد جالس على المنبر،
(١) ف: ((السطح)).
(٢ - ٢) ف: ((بالكف عن الناس وعن)).

٦٨
سنة ٦٦
فدخل زياد المسجدَ على فرسه؛ فقال: أيُّها الرجل، لتردّنّ خيلتَك عن
إخواننا أو لنقاتلنَّها(١). فأرسل القُباع الأحنفَ بنَ قيس وعمر بن عبد الرحمن
المخزومىّ ليُصلحا أمرَ الناس، فأتَّّا عبد القيس، فقال الأحنف لبكر
والأزْد وللعامَّة: ألستم على بيعة ابن الزبير! قالوا: بلى، ولكنَّا لا نُسلِمِ إخواننا .
قال: فمروهم فليخرجوا إلى أىّ بلاد أحبّوا، ولا يُفسدوا هذا المِصرّ على أهله،
وهم آمنون فليخرجوا حيث شاءوا. فمشى مالكُ بنُ مُسْمَعَ وزيادُ بن عمرو
ووجوهُ أصحابهم إلى المثنّى، فقالوا له ولأصحابه: إنَّا والله ما نحن على
رأيكم ، ولكنّا كرهْنا أن تُضامُوا(٢)، فالحقوا بصاحبكم، فإنّ من أجابكم
إلى رأيكم قليل، وأنتم آمنون. فقَبِيل المثنّى قولتَهما وما أشارا به ، وانصرف .
٦٨٣/٢ ورجع الأحنف وقال: ما غَبنت رأيى إلا يومِى هذا، إنى أتيت هؤلاء القوم
وخلَّت بكرًاً والأزد ورائى، ورجع عبّاد وقيس إلى القُباع، وشخص المثنَّى
إلى المختار بالكُوفة فى نفر يسير من أصحابه، وأصيب فى تلك الحرب سُويد بنُ
رئاب الشَّنّىّ، وعقبة بن عشيرة الشنَّىّ، قَتَّه رجل من بني تميم وقُتل التميمىّ
فَوَلَغ أخو عقبة بن عشيرة فى دَم التميمىّ ، وقال : ثأرى. وأخبر
المثنّى المختار حين قدم عليه بما كان من أمر مالك بن مِسمَع وزياد بن عمرو
ومسيرهما إليه ، وذبّهما عنه حتَّى شخص عن البصرة ، فطَمع المختار فيهما ،
فكتب إليهما : أمّا بعد، فاسمعا وأطيعا أوتكما(٣) من الدنيا ما شئتما،
وأضمن لكما الجنَّة . فقال، مالكٌ لزياد: يا أبا المغيرة ، قد أكثر لنا
أبو إسحاقَ إعطاءَنا الدنيا والآخرة! فقال زياد لمالك مازحاً: يا أبا غسّان،
أمّا أنا فلا أقاتل نسيئةً، مَن أعطانا الدّراهم قاتَلْنا معه. وكتب المختارُ إلى
الأحنف بن قيس :
من المختار إلى الأحنف ومَن قِبَله، فسَلْم أنتم، أمَّا بعد، فويلُ أُمّ ربيعة
من مضَر، فإنّ الأحنفَ مُورد قومَهَ سَقَر، حيث لا يستطيع لهم الصَّدَرَ،
وإنى (٤) لا أملك ما خُطّ فى القَدَر، وقد بلغنى أنَّكم تسمُونى (٥) كذّابًا،
٦٨٤/٢
(١) ف: وابن الأثير ((لنقاتلتهم)).
(٣) ف: ((ولكما)).
(٥) ف: ((تسمونى)).
(٢) ف: ((تصابوا)).
(٤) ف: ((وأنا)).

٦٩
سنة ٦٦
وقد كُذّب الأنبياء مِنْ قَبْلى، ولستُ بخير من كثير منهم .
وكتب إلى الأحنف :
إذا اشتريتَ فَرساً من مالِكَا ثمّ أَخذتَ الجَوْبَ فِى شِمالِكًا
* فاجعلْ مِصاعاً حذما مِن بالِكا »
حدّثنى أبو السائب سَلْم بن جُنادة ، قال : حدّثنا الحسن بن حمَّاد،
عن حِبّان(١) بن علىّ، عن المجالد، عن الشَّعْبِىّ، قال: دخلتُ البَصْرة
فقعدتُ إلى حَلْقة فيها الأحنف بن قيس، فقال لى بعضُ القوم: مَن
أَنْتَ؟ قلت: رجلٌ من أهل الكوفة ؛ قال: أنتم موالٍ لنا ؛ قلت : وكيف ؟
قال : قد أنقذنا كم من أيدى عبيدكم مِن أصحاب المختار ، قلتُ : تدرى
ما قال شيخُ هَمْدان فينا وفيكم ؟ فقال الأحنف بن قيس : وما قال ؟
قلت : قال :
وهزممْ مَرَّةٌ آلَ عَزَلْ
أَفَخَرْتُمْ أَنْ قَتَلْمْ أَعْبُدًا
ما فعلْنا بكُم يومَ الجمَلْ
وإِذَا فاخَرْتُمُونا فاذْكُرُوا
وفتّى أَبِيضَ وضَّاحِ رِفَلْ
بينَ شيخٍ خاضبٍ عُثْنُونَهُ
ء
جاءنا يَهْدِجُ فی
فِذَبَحْناه ضُحِّى ذَبْحَ الحمَلْ
سابغة
فَنَسِيتُمْ
وكَفَرْتُمْ نِعْمَةَ اللهِ الأُجَلّ
عفونا
وعفْونا
بَدَلاً من قومِكُمْ شَرَّ بَدَلْ
خَشَبِیین بهمْ
وقَتَلْتُمْ
فغضب الأحنف ، فقال (٢): يا غلام، هات تلك الصحيفة، فأتىَ ٦٨٥/٢
بصحيفة فيها :
بسم الله الرّحمن الرحيم. من المختار بن أبى عبيد إلى الأحنف بن قيس ،
أمَّا بعد، فويلُ أم ربيعةَ ومضرَ(٣)، فإنّ الأحنف مُوردٌ قومَهَ سَقَرَ،
حيثُ لا يقدرون على الصَّدَرَ، وقد بلغنى أنَّكم تُكذّبونى، وإن كُذْبتُ
(١) ط: ((حيان)) تصحيف. (٢) ف: ((وقال)). (٣) ف: ((من مضر)).

٧٠
سنة ٦٦
فقد كُذّب رسلٌ مِن قَبْلى، ولستُ أنا خيرًا(١) منهم. فقال: هذا منَّا
أو منکم !
وقال هشام بنُ محمَّد عن أبى مختف ، قال : حدثنى مَنّيع بن العلاء
السعدىّ أنّ مسكين بنَ عامر بن أنَيْف بن شُريح بن عمرو بن عدس کان
فيمن قَاتَل المختار ، فلمَّا هزم الناس لحق بآذر بيجان بمحمّد بن عمير بن
عطارد ، وقال :
قد عَلَانِى مِنَ المَشِيبِ خِمارُ
عجِبَتْ دَخْتُنُوس لمّا رَأَتْنِى
لا تهالى قد شاب منّى العِذَارُ
فأهلَّتْ بصوتِها وَأَرَنَّتْ
إِن تَرَيْنِى قد بانَ غَرَبُ شبابِى
فابنُ عامَيْن وابن خمسين عاماً
ليت سيْفِى لها وجَوْبتَها لى
لَيْتِنَا قبلَ ذلك اليوم مِتْنَا
فعلَ قوم تَقَاذف الخیرُ عنهمْ
وَأَتَّى دونَ مولدى أَعصَارُ
أَىّ دهر إلاَّ له أَدهارُ!
يومَ قالتِ أَلا كريم يَغارُ!
أَو فعلْنا ما تفعلُ الأَحرارُ
لم تُقاتلْ وقاتَلَ العَيْزَار
وتولَّيتُ عِنْهُمُ وَأُصيبوا ونَفَانى عنهمْ شَغَارٌ وعارٌ
يومَ يُؤْنَى برأسه المختارُ!
٦٨٦/٢
لَهْفَ نَفسِی علی شِهَابِ قُرَیش
وقال المتوكِّلُ الليثى :
قتلوا حُسَيناً ثم همْ ينعونَه
لَا تَبْعَدِنْ بِالطَّفِّ قَتْلَى ضُيِّعَتْ
ما شُرْطَة الدّجّالِ تحتَ لوائِه
أَبنى قَسى أَوْثِقُوا جَّلَكم
لو كان علمُ الغيب عندأخيكمُ
ولكان أَمْرًا بِيِّنًا فيما مضَى
إِنَّ الزمانَ بأَهله أَطْوارُ
وسقَى مسَاكِن هامِهَا الأَمطار
بأَضَلَّ مِمَّنْ غرَّهُ المختارُ
يجْلَ الغُبارُ وَأَنتُمُ أَحرارُ
التَوطَّأَتْ لَكُمُ به الأَحبارُ
تأْنى به الأنباءُ والأخبارُ
(١) ف: ((بخير)).

٧١
سنة ٦٦
طعنٌ يَشُقُّ عصاكُمُ وحِصَارُ
إِنِّى لأرجو أن يُكَذِّبَ وحْيَكِمْ
بأَكفِّهِمْ تحتَ العَجاجة نارُ
٥٠٠٠٠
ويجيئكم قومٌ كَأَنَّ سُيُوفَهُمْ
إِلاَّ وَهَامُ كُمَاتِكُمْ أَعشارُ
لا يَنْثَنونَ إِذا هُمُ لَا قَوْكُمُ
[ ذكر الخبر عن بعث المختار جيشه للمكربابن الزبير ]
قال أبو جعفر: وفى هذه السنة بعث المختارُ جيشًا إلى المدينة للمكثر بابن
الزبير، وهو مُظهِر له أنَّه وجَّههم مَعُونَةً له لحرب الجيش الَّذى كان
عبد الملك بن مروانَ وجَّهه إليه لحروبه ، فنزلوا وادىّ القُرى.
ذكر الخبر عن السبب الداعى كان للمختار إلى توجيه ذلك الجيش
وإلى ما صار أمرهم :
قال هشام بن محمَّد : قال أبو مخنف : حدّثنى موسى بن عامر ، قال :
لمَّا أخرج المختارُ ابنَ مطيع من الكوفة لسَحقَ بالبصرة . وكره أن يقدم
ابن الزبير بمكّة وهو مهزوم مفلول ، فكان بالبَصْرة مقيمًا حتَّى قدم عليه
عمرُ بنُ عبد الرحمن بن هشام ، فصارا جميعًا بالبصرة . وكان سبب قدوم
عمرَ البصرة أنّ المختار حين ظهر بالكوفة واستجمع له الأمر وهو عند الشّيعة
إنَّما يدعو إلى ابن الحنفيَّة والطلب بدماء أهل البيت ، أخذ يخادع ابنَ
الزبير ويكتب إليه ، فكتب إليه : أمَّا بعد، فقد عرفتَ مُناصَحتى إيَّاك
وجتهدى على أهل عداوَتِك، وما كنتَ أعطيتَنى إذا أنا فعلتُ ذلك من نفسك
فلمَّا وفَيتُ لك، وقضيتُ الَّذى كان لكَ علىّ، خِسْتَ بِى، ولم تَف بما
عاهَدْتنى عليه، ورأيت منّى ما قد رأيت ، فإن تُرد مراجعتى أراجعك،
وإن تُرد مُناصَحتى أنصح لك. وهو يريد بذلك كفَّه عنه، حتَّى يَستجمع
له الأمر(١)، وهو لا يُطْلع الشّيعة على شىء من هذا الأمر، وإذا بلغهم
شىء منه أراهم أنَّه أبعد الناس عن ذلك. قال : فأراد ابن الزبير أن يتعلم
أسلم هو أم حرب ! فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومى
٦٨٧/٢
(١) ف: (( أمره)).

٧٢
سنة ٦٦
٦٨٨/٢
فقال له: تجهّزْ إلى الكوفة فقد ولَّينا كتها (١)، فقال: كيف وبها المختار! قال:
إنّه يزعم أنَّ سامع مطيع. قال: فتجَّهِزَ بما بين الثلاثين الألف درهم إلى الأربعين
ألفًا(٢)، ثم خرج مقبلا إلى الكوفة. قال: ويجىء عينُ المختار من مكَّةُ حتَّى
أخبره (٣) الخبر، فقال له : بكم تجهّز؟ قال : بما بين الثلاثين ألفً إلى الأربعين
ألفاً. قال: فدعا المختارُ زائدةَ بنَ قدامة وقال (٤) له: احمل معك سبعين
ألفَ درهم ضعفَ ما أنفق هذا فى مسيره إلينا وتلقّه فى المفاوز، واخرج معك
مسافر(٥) بن سعيد بن نمْران الناعطىّ فى خمسمائة فارس دارعٍ راميح، عليهم
البَيْض، ثمَّ قل له : خذ هذه النَّفقة فإنَّها ضعف نَفَقَّك، فإنَّه قد
بلغنا أنَّك تجهَّزَتَ وتكلّفْت قدرَ ذلك، فكرِهنا أن تغرم ، فخذها
وانصرف ، فإن فعل وإلّا فأره الخيل وقل له : إنّ وراء هؤلاء مثلهم مائة كتيبة .
قال : فأخذ زائدة المال ، وأخرج معه الخيل ، وتلقَّاه بالمفاوز ، وعرض
عليه المال، وأمَرَه بالانصراف ، فقال له : إنّ أمير المؤمنين قد ولأنى الكوفة
ولا بدّ من إنفاذ أمره . فدعا زائدةٌ بالخيل وقد أكمنها فى جانب ، فلمَّ رآها
قد أقبلتْ قال: هذا الآن أعذَرُ لى وأجملُ بى، هاتِ المالَ ، فقال له
زائدة : أمَّا إنَّه لم يبعث به إليك إلّ لما بينك وبينه، فدفعه إليه فأخذه ، ثمّ
مضى راجعاً نحوّ البصرة ، فاجتمع بها هو وابنُ مطيع فى إمارة الحارث بنٍ
عبدِ الله بن أبى ربيعة، وذلك قبلَ وثوب المثنَّى بن مخرَّبة العبدىّ بالبصرة.
قال أبو مخنف : فحدّثنى إسماعيل بن نُعيم أنّ المختار أخبر أنّ أهل
الشأم قد أقبلوا نحو العراق، فعَرَف أنه به يُبْدَأ، فخشى أن يأتيه أهلُ
الشأم من قبل المغرب، ويأتيه مصعب بن الزبير من قِبَل البصرة، فوادَعَ
ابن الزبير وداراه وكايده (٦)؛ وكان عبدُ الملك بن مروانَ قد بعث عبد الملك
ابن الحارث بن الحكم بن أبي العاص إلى وادى القرى، والمختار لابن الزبير
مكايدٌ موادع ، فكتب المختار إلى ابن الزبير :
٦٨٩/٢
(١) ف: ((وليتكها)).
(٢) ف: ((ألف درهم)).
(٤) ف: ((فقال)).
(٣) ف: ((أخبرته)).
(٦) ف: ((وكاتبه )).
(٥) ط: ((بمسافر)).
-

٧٣
سنة ٦٦
أمَّا بعد ، فقدبلغنى أنّ عبد الملك بن مروانَ قد بعث إليك جيشًا، فإن
أحببتَ أن أمدّك بمَدَدَ أمددتُك.
فكتب إليه عبدُ الله بن الزبير :
أما بعد ، فإن كنتَ على طاعتى فلستُ أكره أن تبعث الجيشَ
إلى بلادى وتبايعَ لى الناس قِبِلك، فإذا أتتْنى بيعتُك صدّقتُ مقالتُكَ، وكففتُ
جنودى عن بلادك، وعَجِّل علىّ بتسريح الجيش الَّذى أنت باعثه،
ومُرُهم فليسيروا إلى مَنْ بوادى القرى من جُنْد ابن مروانَ فليقاتلوهم .
والسلام .
فدعا المختارُ شُرحبيلَ بن وَرْس من هَمَدانَ، فسرّحه فى ثلاثة آلاف
أكثرهم الموالى ، ليس فيهم من العرب إلاّ سبعمائة رجل، فقال له: سرْ حتَّى
تدخلَ المدينة، فإذا دخلتتَها فاكتب إلىّ بذلك حتَّى يأتيك أمرى؛ وهو
يريد إذا دخلوا المدينة أن يبعث عليهم أميرًاً من قبله ، ويأمرَ ابنَ ورس أن
يمضىَ إلى مكَّة حتَّى يحاصرَ ابنَ الزبير ويقاتلَه بمكَّة، فخرج الآخر يسير
قِبَل المدينة ، وخشى ابن الزبير أن يكون المختار إنما يكيده ؛ فبعث من
مكة إلى المدينة عباس بن سَهْل بن سعد فى ألفين، وأمَرّه أن يستنفر
الأعراب ، وقال له ابنُ الزبير : إنْ رأيتَ القومَ فى طاعتى فاقبل منهم ،
وإلاّ فكايِدْهم حتَّى تُهلِكَهم . ففعلوا ، وأقبَل عبَّاس بن سهل حتَّى لقى
ابن ورس بالرقيم، وقد عبَى ابن ورس أصحابه ، فجعل على ميمنته سلمان
ابن حِمِيَرَ الشَّوريّ من هَمْدان، وعلى مَيْرته عيَّاش بن جَعْدة الجُدَّلىّ،
وكانت خيلُه كلها فى الميمنة والميسرة ، فدنا فسلّم عليه ، ونزل هو يمشى فى
الرّجّالة، وجاء عباس فى أصحابه وهم منقطعون على غير تعبية ، فيجد ابن
ورس على الماء قد عبّى أصحابه تعبية القتال، فدنا منهم فسلّم عليهم، ثم قال:
اخلُ معى ها هنا ، فَخلاَ به ، فقال له: رحمك الله ! ألستَ فى طاعة ابن
الزبير ! فقال له ابن ورس : بلى ، قال : فسرْ بنا إلى عدوّه هذا الَّذِى بوادى
القرى، فإنّ ابن الزبير حدثنى أنَّه إنَّما أشخصكم صاحبكم إليهم، قال ابن
ورس: ما أمرت بطاعتك، إنما أمرت أن أسير حتى آتى المدينة ، فإذا نزلتها
رأيت رأيى. قال له عبّاس بن سهل : فإن كنت فى طاعة ابن الزبير فقد
٦٩٠/٢

!
٧٤
سنة ٦٦
أمرنى أن أسيرَ بك وبأصحابك إلى عدوّ نا الَّذِين (١) بوادى القرى، فقال له
ابن ورْس : ما أمِرتُ بطاعتك، وما أنا بمتَّعك دون أن أدخل المدينة ، ثمّ
أكتب إلى صاحبى فيأمرنى بأمره. فلمَّا رأى عبَّاس بن سهل لتجاجتَّه عرف
خلافَه، فكَرِهِ (٢) أن يُعلمه أنَّه قد فطن له، فقال: فرأيك أفضل، اعملْ بما بدا
لك؛ فأمّا أنا فإنى سائر إلى وادى القرى. ثم جاء عبَّاس بن سهل فنزل بالماء،
وبعث إلى ابنَ ورْس بجزائر كانت معه، فأهداها له ، وبعث إليه بدقيق وغنم
مسلّحة - وكان ابن ورس وأصحابه قد هلكوا جوعًا - فبعث عباس بن سهل
إلى كلّ عشرة منهم شاة(٣)، فذبحوها، واشتغلوا بها ، واختلطوا على الماء ،
وترك القومُ تعبيتهم ، وأمِن بعضُهم بعضًا ؛ فلَّما رأى عبّاس بن سهل ما هم
٦٩١/٢ فيه من الشغل جَمَعَ من أصحابه نحواً من ألفِ رجل من ذوى البأس والنَّجدة
ثمّ أقبل (٤) نحو فسطاط شُرَحبيل بنِ وَرْس، فلمَّا رَآهم ابنُ وَرْس
مُقْبلين إليه نادى فى أصحابه ، فلم يَّوافَ إليه مائةُ رجل حتَى انتهى إليه
عبّاس بن سهل وهو يقول: يا شُرْطةَ اللّه، إلىّ إِلىّ! قاتلوا المُحِلِّين،
أولياء الشيطان الرجيم ، فإنَّكم على الحقّ والهدى ؛ قد غَدَروا وفجروا .
قال أبو مخنف: فحدثنى أبو يوسف أنّ عبّاسًا انتهى إليهم ، وهو
يقول :
أَرْوَعُ مِقْدَام إِذا الكبشُ نَكَلْ
أَنَا ابن سهل فارسٌ غيرُ وَكَلْ
بالسّيف يومَ الرَّوْعِ حتَّى يُنْخَزَلْ
وَأَعْتَلَى رْسَ الطَّرِمَّاحِ البِطَلْ
قال: فوالله ما اقتتلنا إلّا شيئًا ليس بشىء حتَّى قُتل ابن ورس فى
سبعين من أهل الحفاظ، ورَفَعَ عبَّاسُ بن سهل رايةَ أمان لأصحاب ابن
ورس، فأتَّوْها إلّ نحواً من ثلثمائة رجل انصرفوا مع سلمانَ بنِ حِمير
الهمدانىّ وعياش بن جَعْدة الجدلىّ، فلمَّا وقعوا فى يد عبّاس بن سهل
أمر بهم فقُتِلوا إلّ نحوًا من مائتى رجل، كره ناس من النَّاس ممَّن دُفِعُوا
إليهم قتلتَهم ، فخلَّوا سبيلهم ، فرجعوا ، فمات أكثرُهم فى الطريق، فلمَّا
(٢) ف: (( كره)).
(١) ف: ((الذى)).
(٤) ف: ((وأقبل)).
(٣) ف: ((بشاة)).

٧٥
سنة ٦٦
بلغ المختار أمرُهُم، ورجع من رجع منهم ، قام خطيبًا فقال: ألا إنّ
الفُجَّار الأشرار، قَتَلوا الأبرار الأخيار. ألا إنَّه كان أمراً مأتِيًّا، وقضاءً
مقضيًا. وكتب المختار إلى ابن الحنفيَّة مع صالح بن مسعود الخَثَعَمِىّ:
بسم الله الرحمن الرحيم. أمَّا بعد، فإنى كنت بعثتُ إليك جندًا ليُذلّوا
لك الأعداء، وليجوزُوا لك البلاد، فساروا إليك حتَّى إذا أظلُّوا على طَيْبَة، ٦٩٢/٢
لقيهم جندُ المُلحِد، فخدعوهم باللّه، وغرّوهم بعهد اللّه، فلمَّا
اطمأنّوا إليهم، ووَثِقوا بذلك منهم ، وثبوا عليهم فقتلوهم ، فإن رأيت
أن أبعثَ إلى أهل المدينة مِنْ قبلى جيشًا كثيفًا، وتَبَعثَ إليهم مِن قِبتلك
رُسُلا؛ حتَّى يعلم أهلُ المدينة أنى فى طاعتك ، وأنما بعثت الجند إليهم عن
أمرك، فافعل، فإنَّك ستجد عظمهم بحقكم أعرف، وبكم أهل البيت أرأف
منهم بآل الزبير الظّلمة الملحدين ، والسلام عليك .
فكتب إليه ابنُالحنفيّة: أمَّا بعد، فإنّ كتابك لمَّا بلغنى قرأتُه،
وفهمتُ تعظيمَك لحقّى، وما تنوى به من سرورى. وإنّ أحبّ الأمور
كلّها إلىّ ما أطيع اللّهَ فيه ، فأطع اللّه ما استطعتَ فيما أعلنتَ وأسررت ،
واعلم أنى لو أردت لوجدتُ الناسَ إلىّ سراعًا، والأعوانَ لى كثيراً ، ولكنى
أعتزِلهم، وأصبر حتّى يَحكم الله لى وهو خير الحاكمين .
فأقبل صالح بنُ مسعود إلى ابن الحنفيَّة فودّعه وسلّم عليه ، وأعطاه
الكتاب وقال له: قل للمختار فليتَّقِ اللّه، وليكفُفْ عن الدّمَاء، قال :
فقلت له : أصلحك الله! أوَ لم تكتَبْ بهذا إليه! قال له ابن الحنفيَّة:
قد أمرتهُ بطاعة الله، وطاعةُ اللّه تجمع الخيرَ كلَّه، وتَنهَى عن الشر ٦٩٣/٢
كلّه. فلمَّا قَدم كتابُه على المختار أَظهر للناس أنى قد أمِرتُ بأمر يجمع
البرّ واليسر، ويَضْرح الكُفْر والغَدْرِ.
[ذكر الخبر عن قُدوم الخشبيّة مكة وموافاتهم الحجّ ]
قال أبو جعفر: وفى هذه السنة قدمت الخشبيّة مكة ، ووافوا الحج وأميرهم
أبو عبد الله الجدلى".
ذكر الخبر عن سبب قدومهم مكة :
٠
وكان السبب فى ذلك - فيما ذكر هشام، عن أبى مخنف وعلىّ بن محمَّد،

٧٦
سنة ٦٦
٦٩٤/٢
عن مَسْلمة ابن محارب - أنّ عبد الله بن الزبير حبس محمّد بن الحنفيّة ومن
معه من أهل بيته وسبعةَ عشرَ رجلا من وجوه أهل الكوفة بزمزم ، وكرِهوا
البَيْعة لمن لم تجتمع عليه الأمَّة، وهربوا إلى الحرم، وتوعَّدهم بالقَتْل
والإحراق ، وأعطى اللّهَ عهدًا إن لم يبايعوا أن يُنفذ فيهم ما توعّدهم به ،
وضرب لهم فى ذلك أجَلاً، فأشار بعضُ من كان مع ابن الحنفيَّة عليه أن
يبعث إلى المختار وإلى مَنْ بالكوفة رسولا يعلمهم حالتهم وحال من معهم ،
وما توعَّدهم به ابن الزبيرُ . فوجَّه ثلاثة نفر من أهل الكوفة حين نام الحرس
على باب زمزم، وكتب معهم إلى المختار وأهل الكوفة يُعلِمهم حالتَه وحالَ
من معه ، وما توعدهم به ابن الزبير من القتل والتحريق (١) بالنار ، ويسألهم ألّ
يخذلوه كما خذلوا الحسين وأهل بَيْته. فقد موا على المختار، فدَفَعَوا إليه
الكتاب (٢) فنادى فى الناس وقرأ عليهم الكتاب وقال: هذا كتاب (٣) مهدّيكم
وصريحُ أهلٍ بيت نبيِّكم ، وقد تركوا محظورًا عليهم كما يُحظر على الغنم
ينتظرون القتلَ والتحريق بالنار فى آناء اللّيل وتارات النهار، ولستُ
أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزَّرًا، وإن لم أسرّب إليهم الخيل فى أثر
الخيل، كالسَّيل يتدُوه السيل، حتَّى يَحُلّ بابن الكاهلَّة الوَيْل.
ووجَّه أبا عبدالله الحدنىّ فى سبعين راكبًا من أهل القوّة، ووجَّه ظَبْيان
ابن عمارة(٤) أخا بنى تميم ومعه أربعمائة، وأبا المعتمر فی مائة ، وهانئ بن قيس
فى مائة، وعُمَير بن طارق فى أربعين ، ويونسَ بنَ عمران فى أربعين ، وكتب
إلى محمد بن علىّ مع الطُّفْسَيل بن عامر ومحمّد بن قيس بتوجيه الجنود إليه،
فخرج الناسُ بعضُهم فى أثر بعض، وجاء أبو عبد اللّه حتَّى نزل ذاتَ
عِرْق فى سبعین راكباً ، ثمّ لحقه عمير بن طارق فی أربعين راكبًا ، ویونس
ابن عمران فى أربعين راكبًا، فتموا خمسين ومائة ، فسار بهم حتَّی دخلوا
المسجد الحرام ، ومعهم الكافركوبات ، وهم ينادُون : يا لثارات الحسين !
حتَّى انتهَوا إلى زمزم، وقد أعدّ ابنُ الزبير الحَطَب ليحرقهم ، وكان قد
(١) ف: ((الإحراق)).
(٢) ف: ((من مهديكم)).
(٣) ف: ((فدفعوا الكتاب إليه)).
(٤) ط: ((عثمان))، وهو خطأ، وانظر الفهرس.

٧٧
سنة ٦٦
٦٩٥/٢
بقى من الأجل يومان ، فطردوا الحّرَس، وكسروا أعوادَ زمزم، ودخلوا على
ابن الحنفيّة، فقالوا له : خَلّ بيننا وبين عدوّ اللّه ابن الزبير، فقال لهم:
إنى لا أستحلّ القتال فى حرم الله فقال ابن الزبير: أتحسبون أنى ◌ُختَلُ
سبيلَهم دون أن يبايع ويبايعوا (١)! فقال أبو عبد الله الجدّلىّ: إِى وَرَبّ
الرُّكْن والمقام، وربّ الحِلّ والحرام ، لتخلّينّ سبيله أو لنجالدنَّك بأسيافنا
جلادًا يرتاب منه المُبطِلون. فقال ابن الزبير: والله ما هؤلاء إلاّ أكتلة رأس،
والله لو أذنت لأصحابى ما مضتْ ساعة حتَّى تُقْطَف رءوسهم؛ فقال له
قيس بن مالك: أما والله إنى لأرجو إن رمت ذلك أن يُوصَل إليك قبل أن ترى
فينا ما تحبّ . فكفّ ابن الحنفيّة أصحابَه وحذّرهم الفتنة، ثمّ قدم
أبو المعتمر فى مائة، وهانئ بن قيس فى مائة، وظَبيان بن عمارة فى مائتين، ومعه
المال حتَّى دخلوا المسجد، فكبّروا: يا لثارات الحسين! فلمَّا رآهم ابن الزبير
خافَهم ، فخرج محمّد بن الحنفيّة ومَن معه إلى شعب علىّ وهم يسبّون
ابنَ الزبير ، ويستأذنون ابنَ الحنفيَّة فيه، فيأبى عليهم، فاجتمع مع محمّد
ابن علىّ فى الشعب أربعة آلاف رجل ، فقسم بينهم ذلك المال .
[ ذكر الخبر عن حصار بني تميم بخراسان ]
قال أبو جعفر: وفى هذه السنة كان حصار عبد اللّه بن خازم مَنْ
كان بخراسان من رجال بنى تميم بسبب قتل من قتل منهم ابنه محمَّدًا.
٦٩٦/٢
قال علىّ بن محمَّد: حدّثنا الحسن بن رُشيد الجُوزَ جانىّ عن الطّفيْل
ابن مرداس العمّىّ، قال: لمَّا تفرّقَتْ بنوتميم بخراسان أيامَ ابن خازم، أتى قصر
فَرَتنَا عدّةٌ من فُرْسانهم ما بين السبعين إلى الثمانين؛ فولّوا أمرهم عثمان بن
بشر بن المحتفز المُزَنىّ، ومعه شُعْبة بن ظَّهِير النهشلىّ ، وورد بن الفلق
العنبرىّ، وزُهَير بن ذؤيب العدوىّ، وجَيْهان بن مَشْجَعَة الضّبِىّ،
والحجَّاج بن ناشب العدَوىّ، ورقبة بن الحرّ فى فُرسان بنى تميم. قال: فأتاهم
ابن خازم، فحصرهم وخَنْدَق خَندَقًا حصينًا . قال : وكانوا يخرجون إليه
(١) س: ((وتبايعوا)).

٧٨
سنة ٦٦
فيقاتلونه ، ثمّ يرجعون إلى القصر. قال : فخرج ابن خازم يومًا على تعبية من
خندقه فى ستَّة آلاف ، وخرج أهلُ القصر إليه ، فقال لهم عثمان بن بشر بن
المحتفز : انصرفوا اليومَ عن ابن خازم، فلا أظنّ لكم به طاقة، فقال زهير بنُ
ذؤيب العدوىّ: امرأته طالقٌ" إنْ رجع حتَّى ينقض صفوفهم - وإلى جنبهم نَّهْر
يدخله الماء فى الشتاء ، ولم يكن يومئذ فيه (١) ماء ، فاستبطنه زهير ، فسار فيه ،
فلم (٢) يشعر به أصحابُ ابن خازم حتَّى حمل عليهم، فحطّم أوَّهم على
آخرهم، واستداروا(٣) وكرّ راجعًا، واتَّبعوه على جنبى النَّهر يصيحون به: (٤
لا ينزل إليه أحد٤)، حتَّى انتهى إلى الموضع الَّذِى انحدر فيه، فخرج
فحمل عليهم، فأفرَجوا له حتَّى رجع ؛ قال : فقال ابنُ خازم لأصحابه :
إذا طاعنتم زهيرًا فاجعلوا فى رماحكم كلاليب فأعلقوها (٥) فى أداته إنْ
قدَ رَتم عليه، فخرج إليهم يومً وفى (٦) رماحهم كلا ليب(٧ قد هيَّوها له ،
فطاعَوه، فأعلقوا٧) فى درعه أربعةَ أرماح، فالتفَت إليهم ليحمل عليهم ،
فاضطربت أيديهم ، فخذوا رماحتهم ، فجاء يجرّ أربعة أرماح حتَّى دخل
القصر ؛ قال : فأرسل ابن خازم غَزْوان بن جَزْء العدوىّ إلى زهير فقال :
قل له: أرأيتك إن آمنتك وأعطيتك مائة ألف، وجعلتُلك باسار (٨) طعمة
تناصحنى ؛ فقال زهير لغَزْوان: ويحك! كيف أناصح قومًا قتلوا الأشعثَ
ابنَ ذؤيب! فأسقط بها غزوان عند موسى بن عبد الله بن خازم .
قال : فلمَّا طال عليهم الحصار أرسلوا إلى ابن خازم أن خَلُّنا نخرج
فنتفرّق، فقال: لا إلّا أن تنزلوا على حُكْمى؛ قالوا: فإنا ننزل على حُكْمك،
فقال لهم زهير: ثِكلَتْكم أمّهاتُكم! واللّه ليقتلنّكم عن آخركم ، فإن
طبّم بالموت أنفسً(٩) فموتوا كرامًا، اخرجوا بنا جميعاً فإمَّا أن تموتوا جميعاً
وإمَّا أن ينجوّ بعضكم ويهلكَ بعضكم ، وايم الله لئن شددتم عليهم
(٢) ف: ((ولم)).
(١) فى: ((((فيه يومئذ ماء)).
(٣) ف: ((واستدار)).
(٤-٤) فى: ((ولا يجسر أحد منهم أن ينزل فيه)).
(٥) ف: ((الكلاليب ثم أعلقوها)). (٦) - ف: ((فى)).
(٧-٧) فى: ((فأعلقوها فى أدائه لما يهيئوها له، وطاعنوه ساعة وأعلقوا)).
(٨) ظ: ((باسان)).
(٩) ف: وابن الأثير: ((نفساً)).
٦٩٧/٢
٠

٧٩
سنة ٦٦
شدّةً صادقة ليُفرِجُنّ لكم عن مثل طريق المِرِبَد، فإن شئتم كنت أمامكم، ٦٩٨/٢
وإن شئتم كنت خلفكم. قال: فأبوا عليه، فقال: أما إنى سأريكم ، ثم
خرج هو ورقَبة بن الحرّ ومع رقَبة غلام له تركىّ وشعبة بن ظَهِير . قال :
فَحَمَلَوا على القوم حملَةً منكرة، فأفرجُوا لهم، فَمَضوا؛ فأمَّا زهير فرجع
إلى أصحابه حتَّى دخل القصر فقال لأصحابه : قد رأيتم فأطيعونى ، ومضى
رقبة وغلامه وشعبة، قالوا: إنّ فينا من يضعُف (١) عن هذا ويطمع(٢) فى الحياة،
قال (٣): أبعدكم اللّه! أتَخذَّوْن عن أصحابكم! والله لا أكون أجزَعَكم عند
الموت . قال: ففتحوا القصر ونزلوا، فأرسل فقَّيدهم، ثمّ حملوا إليه رجلا رجلاً ،
فأراد أن يمنّ عليهم، فأبى ابنُه موسى، وقال: واللّه لكن عفوت عنهم لأنَّكِئِنّ
على سيفى حتَّى يخرج من ظهرى؛ فقال له عبد الله: أما والله إنى لأعلم أنّ
الغىّ فيما تأمرنى به، ثمّ قتلهم جميعًا إلاّ ثلاثة؛ قال: أحدهم الحجّاج بن
ناشب العدوىّ - وكان رمى ابن خازم وهو محاصرهم فكسر ضرسه ، فحلف
لئن ظفر به ليقتلَّنه أو ليقطعنّ يده، وكان حدثًا، فكلّمه فيه رجال منبنى
تميم كانوا معتزلين؛ من عمرو بن حنظلة، فقال رجل منهم: ابن عمىّ وهو غلام
حدث جاهل ؛ هَبْه لى، قال : فوهبه له ، وقال : النَّجاء! لا أرينَّك.
قال : وجيهان بن مشجعة الصَّبِى الَّذى ألقى نفسَه على ابنه محمَّد يوم قُتِل ،
فقال ابن خازم : خلّوا عن هذا البَغْل الدارج ، ورجل من بنى سعد ، وهو
الَّذِى قال يومَ لتحقوا ابنَ خازم : انصرفوا عن فارسِ مضر. قال :
وجاءوا بزهير بن ذؤيب فأرادوا حمله وهو مقيّد، فأبى وأقبلَ يَحجُل ٦٩٩/٢
حتَّى جلس بين يديه ، فقام له ابن خازم: كيف شُكرك إنْ أطلقتُك
وجعلتُ لكَ باسار (٤) طعمة؟ قال: لو لم تصنعْ بى إلّ حقنَ دمى لشكرتُك،
ققام ابنه موسى فقال: تقتل الضبع وتترك الذّيخ (٥)! تقتل اللبُؤَة وتترك اللَّيث!
قال: وَيْحَك! نقتل مثلَ زهير! مَن لقتال عدوّ المسلمين! مَن لنساء
العرب ! قال : والله لو شركتَ فى دم أخى أنت لقتلتك؛ فقام رجل من بنى
(١) ف: ((وقالوا إذا نضعف)).
(٣) ف: ((فقال)).
(٢) ف: ((ونطمع)).
(٤) ط: ((بأسان)).
(٥) الذيخ : الذكر من الضباع، ويطلق الضبع على الأنثى منها .

٨٠
سنة ٦٦
سُلَيمٍ إلى ابن خازم، فقال: أُذكِّرك اللّهَ فى زهير! فقال له موسى: اتَّخذه
فَحْلاً لبناتك، فغضب ابن خازم ، فأمر بقتله، فقال له زهير: إنّ لى
حاجة ، قال : وما هى ؟ قال : تقتلنى على حدة ، ولا تخلط دمى بدماء
هؤلاء اللثام، فقد نهيتُهم عمَّا صنعوا وأمرتهم أن يموتوا كرامًا ، وأن يخرجوا
عليكم مصلتين ، وإيم اللّه أن لو فعلوا لذَعَروا بُنيّك هذا، وشغلوه بنفسه
عن طلب الثأر بأخيه فأبْوا ، ولو فعلوا ما قتل منهم رجل حتَّى يقتل رجالاً .
فأمر به فنُحِّى ناحية فقُتل .
قال مسلمة بن محارب : فكان الأحنفُ بنُ قيس إذا ذكرهم قال :
قبّح اللّه ابن خازم! قتل رجالا من بني تميم بابنه، صبىّ وَغْد أحمقَ لا يُساوِى
علّقًا ، ولو قتل منهم رجلا به لكان وفّى .
قال : وزعمت بنو عدىّ أنهم لما أرادوا حمل زهير بن ذؤيب أبتى واعتمد
على رُمْحُه وجمع رجليه فوَتَب الخندق، فلمَّا بلغ الحَريشَ بن هلال
قتلهم قال :
٧٠٠/٢
وقد عضَّ سيفى كَبْشَهُمْ ثم صمّمَا
أَعَاذِلَ إِنّى لم أُلِمْ فِی قِنَالِهِمْ
رجالٌ وحتَّى لم أجد مُتَقَدّمَا
أَعاذل ما ولَّيْتُ حتى تَبَدَّدَتْ
مُقَارَعَةَ الأَبطالِ يرجعْ مكلّمَا
أَعادل أَفْذَانى السلاحُ ومنيُطِلُ
دماًلازماً لى دون أن تسكُبا الدّمَا
أَعَيْنِىَّ إِن أَنْزَفْتُما الدمعَ فاسكُبًا
ووردٍ أُرَجّى فى خُراسانَ مَغْنَما
أَبَعْدَ زهيرٍ وآبنِ بشرٍ تَتَابعا
أَكُرُّ إِذا ما فارسُ السّوءِ أَحْجَمَا
أُعاذل کم من یوم حربٍ شهدتُه
يعنى بقوله: (( أبعْدَ زهير))، زهير بن ذؤيب، وابن بشر، عثمان بن بشر المحتفز
المازنىّ ، وورد بن الفلق العنبرىّ، قُتلوا يومئذ، وقتل سليمان بن المحتفز أخو
بشر .
قال أبو جعفر: وججّ بالناس فى هذه السنة عبدُ الله بنُ الزبير ، وكان
على المدينة مصعب بن الزبير مِن قِبَل أخيه عبد اللّه، وعلى البصرة الحارثُ