Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
سنة ٦٤
عليه ، فأخذ يقول للشيعة : إنى قد جئتكم (١ من قبل المهدىّ محمد بن علىّ
ابن الحنفيَّة١) مؤمنًا مأمونًا، منتجَبًا ووزيراً، فوالله ما زال بالشيعة حتى
انشعبت إليه طائفةٌ تُعَظِّمُهُ وتجيبه، وتنتظر أمره، وعُظْمُ الشّيعةِ مع سليمانَ
ابن صُرّد ، فسليمان أثقل خلق اللّه على المختار .
وكان المختار يقول لأصحابه: أتدرون ما يريد هذا؟ يعنى سليمان بن صُرّد -
إنما يريد أن يخرج فيقتل نفسه ويقتلكم ، ليس له بصرٌ بالحروب، ولا له ٥١٠/٢
علمٌ بها .
قال : وأتى يزيد بن الحارث بن يزيدَ بن رُوَيْم الشيبانىّ عبدَ الله بن
يزيد الأنصارىّ فقال: إنّ الناس يتحدّثون أنّ هذه الشيعة خارجةٌ عليك
مع ابن صُرَد ، ومنهم طائفة أخرى مع المختار ، وهى أقلّ الطائفتين عدداً،
والمختار فيما يذكر الناس لا يريد أن يخرج حتى ينظر إلى ما يصير إليه أمرٌ
سليمانَ بن صُرِّد، وقد اجتمع له أمره ، وهو خارج من أيّامه هذه ، فإن رأيت
أن تجمعَ الشُّرَط والمقاتلةَ ووجوه الناس ، ثمّ تنهض إليهم، وننهض معك،
فإذا دفعت إلى منزله دعوته ، فإن أجابك فحَسْبُهُ، وإنْ قاتلك قاتلتَه ، وقد
جمعتُ له وعبّأت وهو مغترّ، فإنى أخاف عليك إن هو بدأك وأقررته حتى
يخرج عليك أن تشتدّ شوكتُه، وأن يتفاقم أمرُه .
فقال عبدالله بن يزيد: اللّهُ بيننا وبينهم، إنْ هم قاتلَونا قتلناهم ،
وإن تركونا لم نطلبهم، حَدَّثْنى ما يريد الناس ؟ قال : يذكر الناس أنهم
يطلبون بدم الحسين بن علىّ؛ قال : فأنا قتلتُ الحسين ! لعن اللهُ قاتِلّ
الحسين ! قال : وكان سليمان بن صُرَد وأصحابه يريدون أن يثبوا بالكُوفة ،
فخرج عبد الله بن يزيد حتى صَعِد المنبرَ، ثم قام فى الناس فحمد الله
وأثّى عليه ، ثم قال: أمَّا بعد ، فقد بلغنى أنّ طائفة من أهل هذا المصر
أرادوا أن يخرجوا علينا ، فسألتُ عن الذى دعاهم إلى ذلك ما هو ؟ فقيل
لى: زعموا أنهم يطلبون بدم الحسين بن علىّ، فرحم الله هؤلاء القوم، قد ٥١١/٢
واللّه دُلِلتُ على أماكنهم ، وأمرت بأخذهم ، وقيل : ابدأهم قبل
(١- ١) ف وابن الأثير: ((من عند محمد بن الحنفية المهدى)).

٥٦٢
سنة ٦٤
أن يبدءوك، فأبيت ذلك، فقلت: إنْ قاتلونى قاتلتُهم ، وإن تركونى لم
أطلبهم؛ وعلامَ يقاتلوننى! فوالله ما أنا قتلتُ حسيناً، ولا أنا ممن قاتَلَه، ولقد
أصبْت بمقتله رحمة اللّه عليه! فإن هؤلاء القومَ آمنون ، فليخرجوا ولينتشيروا
ظاهرين ليسيروا إلى مَنْ قاتل الحسين ، فقد أقبل إليهم ، وأنا لتهم على قاتِله
ظَهير ؛ هذا ابن زياد قاتل الحسين ، وقاتل خياركم وأماثِليكم ، قد توّجّه
إليكم؛ عَهْدُ العاهد به على مسيرة ليلة من جسر مَنَبِج، فقتاله والاستعداد له
أولى وأرشد من أن تجعلوا بأستكم بينكم ، فيقتل بعضكم بعضاً ، ويسفك
بعضُكم دماءَ بعض ، فيلقاكم ذلك العدوّ غداً وقد رفقتم ، وتلك واللّه أمنية
عدوّكم، وإنه قد أقبل إليكم أعدى خلق الله لكم، مَن وُلِّى عليكم هو وأبوه سبع
سنين ، لا يُقلِعان عن قتل أهل العفاف والدّين ، هو الذى قتلكم ، ومِن
قِبِلَه أتيتم ، والذى قتل مَنْ تثأرون بدمه، قد جاءكم فاستقبلوه بحدكم
وشوكتكم ، واجعلوها به، ولا تجعلوها بأنفسكم؛ إنى لم آلُكُم نصحاً ، جمع
الله لنا كلمتنا، وأصلح لنا أئمتنا !
قال : فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة : أيُّها الناس، لا يغرّنّكم من
السيف والغشم مقالةُ هذا المُداهِنِ الموادِ ع؛ والله لئن خرج علينا خارج لنقتلنّه،
٥١٢/٢ ولئن استقينا أن قومًا يريدون الخروجَ علينا لنأخذنّ الوالد بولده، والمولود
بوالده، ولنأخذنّ الحميم بالحميم، والعريف بما فى عرافته حتى يَدِينوا (١)
للحقّ، ويذلُّوا (٢) للطاعة. فوثب إليه المسيِّب بن نَجَبَة فقطع عليه منطقه
ثم قال: يابن الناكثين (٣)، أنت تهدّدنا بسيفك وغشمك! أنت والله أذلّ
من ذلك ؛ إنا لا نلومك على بغضنا ، وقد قتلنا أباك وجدّك ، والله إنى لأرجو
ألا يخرجك الله من بين ظهرانيْ أهل هذا المصرحتى يثلِّوا بك جدّك وأباك،
وأمّا أنت أيها الأمير فقد قلتَ قولا سديداً، وإنى والله لأظنّ مَن يريد هذا
الأمر مستنصِحًا لك ، وقابلاً قولَك .
فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: إى واللّه، ليقتلنّ وقد أدهن ثمّ أعلن.
(١) ف: ((حتى تدينوا)).
(٢) ابن الأثير: ((يذلوا)).
(٣) ف: ((أيابن الناكثيه)).

سنة ٦٤
٥٦٣
فقام إليه عبد الله بن وال التيمىّ، فقال: ما اعتراضُك يا أخا بنى تيم بن مرّة فيما
بيننا وبين أميرنا ! فوالله ما أنت علينا بأمير ، ولا للَكَ علينا سلطان ، إنما أنت
أميرُ الجِزْية ، فأقبل على خراجِك ، فلعمر اللّه لئن كنت مفسدًا ما أفسد
أمر هذه الأمة إلا والدك وجدّك الناكثان ، فكانت بهما اليدان ، وكانت
عليهما دائرة السَّوْء .
قال : ثم أقبل مسيِّب بن نَجَبَة وعبد الله بن وال على عبد الله بن يزيد
فقالا : أمّا رأيك أيها الأمير فوالله إنا لنرجو أن تكون به عند العامَّة محموداً
وأن تكون عند الذى عَنَيْتَ واعتريت مقبولا . فغضب أناسٌ من عمال
إبراهيم بن محمد بن طلحة وجماعة ممن كان معه، فتشاتموا دونه، فشتَمهم ٥١٣/٢
الناس وخصّموهم .
فلما سمع ذلك عبد الله بن يزيد نزل ودخل ، وانطلق إبراهيم بن محمد
وهو يقول : قد داهن عبد الله بن يزيد أهل الكوفة، واللّه لأ كتبنّ بذلك
إلى عبد الله بن الزبير، فأتى شَبَث بن رِبعىّ التميمىّ عبد الله بن يزيد
فأخبره بذلك ، فركب به وبيزيد بن الحارث بن رُوَيم حتى دخل على
إبراهيم بن محمد بن طلحة ، فحلف له بالله ما أردت بالقول الذى سمعتَ إلا
العافية وصلاحَ ذات البين، إنما أتانى يزيد بن الحارث بكذا وكذا، فرأيتُ
أن أقوم فيهم بما سمعتَ إرادةَ ألّ تختلف الكلمة ، ولا تتفرّق الألفة، وألّ
يقع بأس هؤلاء القوم بينهم . فعذ ره وقبل منه .
قال: ثمّ إنّ أصحاب سليمان بن صُرَد خرجوا ينشرون السلاح ظاهرين،
ويتجهّزون يجاهرون بجهازهم وما يُصلِحِهم .
[ ذكر الخبر عن فراق الخوارج عبد الله بن الزبير ]
وفى هذه السنة فارق عبد الله بن الزبير الخوارجُ الذين كانوا قَدِ موا عليه
مكة ، فقاتلوا معه حصين بن نمير السَّكونىّ ، فصاروا إلى البصرة ، ثمّ افترقت .
كلمتُهم فصاروا أحزابًا .

٥٦٤
سنة ٦٤
ذكر الخبر عن فراقهم ابن الزبير والسبب الذى من أجله فارقوه والذى من
أجله افترقتْ كلمتهم :
حُدَّثت عن هشام بن محمد الكلبىّ، عن أبى مخنف لوط بن يحيى
٥١٤/٢
قال : حدثنى أبو المخارق الراسبىّ ، قال : لما ركب ابن زياد من الخوارج بعد
قتل أبى بلال ما ركب ، وقد كان قبل ذلك لا يكفّ عنهم ولا يستبقيهم غير
أنه بعد قتل أبى بلال تجرّد لاستئصالهم وهلاكهم ، واجتمعت الخوارجُ حین
ثار ابن الزبير بمكّة، وسار إليه أهلُ الشأم، فتذاكروا ما أَّى إليهم ، فقال
لهم نافع بن الأزرق: إنّ اللّه قد أنزل عليكم الكتاب ، وفَرَض عليكم فيه
الجهاد، واحتجّ عليكم بالبيان، وقد جرّد فيكم السيوفَ أهلُ الظلم وأولو العِدًا
والغَشْ، وهذا من قد ثار بمكة ، فاخرجوا بنا نأتِ البيت ونَلَقَ هذا الرّجل ،
فإن يكن على رأينا جاهدنا معه العدوّ ، وإن يكن على غير رأينا دافعْنا عن
البيت ما استطعنا ، ونظرنا بعد ذلك فى أمورنا. فخرجوا حتى قدموا على عبد اللّه
ابن الزبير، فسُرّ بمَقدَمَهم، ونبّأهم أنه على رأيهم ، وأعطاهم الرّضامن غير
توقُّف ولا تفتيش؛ فقاتلوا معه حتى مات يزيد بن معاوية ، وانصرف أهل
الشأم عن مكة . ثمّ إنّ القوم لقىَ بعضهم بعضاً، فقالوا: إنّ هذا الذى
صنعتم أمسٍ بغير (١) رأى ولا صواب من الأمر، تقاتلون مع رجل لا تدرون
لعلّه ليس على رأيكم، إنما كان أمس يقاتلكم هو وأبوه ينادى: يالَ ثارات عثمان!
فأتوه وسَلُوه عن عثمان، فإنْ برئ منه كان وليّكم، وإن أبى كان عدوًّكم .
فمشَوا نحوَه فقالوا له : أيها الإنسان ، إنا قد قاتلنا معك،، ولم نُفتِّشك عن
٥١٥/٢ رأيك حتى نعلم أمِنّا أنت أم من عدوّنا! خبّرنا ما مقالتك فى عثمان؟ فنظر
فإذا من حوله من أصحابه قليلٌ ، فقال لهم : إنكم أتيتمونی فصادفتمونی حین
أردتُ القيام ، ولكن رُوحوا إلىَّ العشيّة حتى أعلمكم من ذلك الذى تريدون .
فانصرفوا ، وبعث إلى أصحابه فقال : البسوا السلاح ، واحضُرونى بأجمعكم
العشيّة ، ففعلوا، وجاءت الخوارج، وقد أقام أصحابه حولته سماطَیْن عليهم
(١) ابن الأثير: ((لغير رأى)).
:

٥٦٥
سنة ٦٤
السلاحُ، وقامت جماعةٌ منهم عظيمة على رأسه بأيديهم الأعمدة (١)، فقال ابن
الأزرق لأصحابه: خشىَ الرجل غائلتكم، وقد أزمع بخلافكم(٢) واستعدّلكم؛
ما تَرَوْن ؟
فدنا منه ابن الأزرق، فقال له : يابن الزبير ، اتّق اللّه رّبك، وأَبْغِض
الخائن المستأثر ، وعاد أوّل من سنّ الضلالة، وأحدث الأحداث، وخالفَ
حُكمَ الكتاب ، فإنك إن تفعل ذلك تُرضِ ربَّك، وتَنْج من العذاب الأليم
نفسُك ، وإن تركتَ ذلك فأنت من الذين استمتعوا بخلاقِهم، وأذهبوا
فى الحياة الدنيا طيِّبّاتيهم.
يا عبيدة بن هلال ، صف لهذا الإنسان ومن معه أمْرَنا الذى نحن
عليه ، والذى ندعو الناس إليه ، فتقدّم عبيدة بن هلال .
قال هشام : قال أبو مخنف : وحدثنى أبو علقمة الخثعمىّ، عن
قبيصة (٣) بن عبد الرحمن القحافىّ، من خثعم، قال: أنا واللّه شاهدٌ عبيدة بن
هلال ، إذ تقدّم فتكلّم ، فما سمعت ناطقاً قطّ ينطق كان أبلغَ ولا أصوَبَ
قولاً منه ، وكان يرى رأى الخوارج .
قال: وإن كان ليجمع القولَ الكثير، فى المعنى الخطير، فى اللفظ
اليسير .
قال : فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ، فإن الله بعث محمداً
صلى الله عليه وسلم يدعو إلى عبادة اللّه، وإخلاص الدّين، فدعا إلى ذلك، ٥١٦/٢
فأجابه المسلمون ، فعمل فيهم بكتاب الله وأمرِهِ ، حتى قبضه الله إليه
صلى الله عليه ، واستخلف الناس أبا بكر، واستخلف أبو بكر مُمَرَ، فكلاهما
عمل بالكتاب وسنّة رسول اللّه، فالحمد لله ربّ العالمين. ثمّ إنّ الناس
استخلقوا عثمانَ بنَ عفان، فحمى الأحماءَ، وآثر القُربَى ، واستعمل
الفتى (٤) ورفع الدِّرّة، ووضع السَّوْط، ومزّق الكتاب، وحقّر المسلم
(١) ابن الأثير: ((العمد)).
(٢) ابن الأثير: ((خلافكم)).
(٣) ط: ((عن أبى قبيصة))، والصواب ما أثبت.
(٤) ابن الأثير: ((الغنى)).

٥٦٦
سنة ٦٤
وضرب منكرى (١) الجوْر، وآوى طريدَ الرسول صلى الله عليه، وضرب السابقين
بالفضل ، وسَيَّرّهم وحَرَمهم، ثم أخذ فىءَ اللّه الذى أفاءه عليهم فقسمه بين
فُسّاقِ قريش، وُمجّان العرب ، فسارت إليه طائفةٌ من المسلمين أخذ الله ميثاقهم على
طاعته ، لا يُبالون فى الله لومةَ لائم، فقتلوه، فنحن لهم أولياءُ، ومن ابن عفان
وأوليائه بُرآء ، فما تقول أنت يابن الزبير؟ قال: فحَد اللّه ابن الزبير وأثنى عليه
ثمّ قال: أما بعد، فقد فهمتُ الذى ذكرتم، وذكرتُ بُه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، فهو
کما قلت صلیالله علیه وفوق ما وصفته ، وفهمت ما ذکرت به أبا بكر وعمر،
وقد وُفِّقْتَ وأصبت، وقد فهمتُ الذى ذكرتَ به عثمان بن عفان رحمة الله عليه ،
وإنى لا أعلم مكانَ أحد من خلق اللّه اليومَ أعلمَ بابن عفان وأمره منّى ،
كنتُ معه حيث نقم القوم عليه ، واستعتبوه فلم يَدعْ شيئًا استعتَبَهُ القوم
فيه إلا أعتبهم منه . ثم إنهم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون أنه كتبه فيهم ،
يأمر فيه بقتلهم فقال لهم : ما كتبتُه ، فإن شئتم فهاتوا بينتكم ؛ فإن لم تكن
حلفتُ لكم ؛ فوالله ما جاءوه ببيّنة، ولا استحلفوه . ووثبوا عليه فقتلوه ، وقد
٥١٧/٢ سمعت ما عبتَه به، فليس كذلك، بل هو لكل خير أهل، وأنا أشهدكم ومن
حضر (٢) أنى ولىٌّ لابن عفّان فى الدنيا والآخرة، وولى أوليائه، وعدوّ أعدائه،
قالوا: فبرئ اللّهُ منك يا عدوّ اللّه؛ قال: فبرئ الله منكم يا أعداء الله.
وتفرّق القوم، فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلىّ ، وعبد الله بن صَفّار
السعدىّ من بنى صَرِيم بن مقاعس، وعبد الله بن إباض أيضًا من بنى صريم،
وحنظلة بن بَيْهس، وبنو الماحوز: عبد الله، وعبيد الله، والزبير، من بنى سليط
ابن يربوع ، حتى أتوا البصرة ، وانطلق أبو طالوتَ من بنى زمَّان بن مالك بن
صعب بن علىّ بن مالك بن بكر بن وائل وعبد الله بن ثور أبو فُدَيْك من
بنى قيس بن ثعلبة وعطيّة بن الأسود اليشكرىّ إلى اليمامة ، فوثبوا باليمامة مع
أبى طالوت ، ثمّ أجمعوا بعد ذلك على نجدة ابن عامر الحنفىّ، فأما البَصرّيون
(١) ابن الأثير: ((منكر الجود)).
(٢) ابن الأثير: ((حضرنى)).

٥٦٧
سنة ٦٤
منهم فإنهم قَدِ موا البصرة وهم مجمعون على رأى أبى بلال .
قال هشام : قال أبو مخنف لوط بن يحيى : فحدّثّنى أبو المثنّى ، عن
رجل من إخوانه من أهل البصرة ، أنهم اجتمعوا فقالت العامَّة منهم : لو خرج
منّا خارجون فى سبيل الله، فقد كانت منّا فترة منذ خرج أصحابُنا ، فيقوم
علماؤنا فى الأرض فيكونون مصابيحَ الناس يدعونهم إلى الدّين ، ويخرج أهلُ
الوَرَع والاجتهاد فيلحقون بالربّ ، فيكونون شُهدَاءَ مرزوقين عند الله أحياء .
فانتدب لها نافع بن الأزرق ، فاعتقد على ثلثمائة رجل ، فخرج ، وذلك
عند وثوب الناس بعبيد الله بن زياد، وكَسْر الخوارج أبوابَ السجون وخروجهم ٥١٨/٢
منها ، واشتغل الناس بقتال الأزْد وربيعة وبنى تميم وقيس فى دم مسعود بن
عمرو ، فاغتنمت الخوارج اشتغال الناس بعضهم ببعض، فتَهيئوا واجتمعوا،
فلما خرج نافع بن الأزرق تبعوه ، واصطلح أهلُ البَصرة على عبد الله بن
الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب يصلّ بهم ، وخرج ابن زياد إلى
الشأم ، واصطلحت الأزْد وبنو تميم ، فتجرّد الناس للخوارج ، فاتبعوهم
وأخافوهم حتى خرج من بقى منهم بالبصرة ، فلَحِقٍ بابن الأزرق ، إلا قليلا
منهم ممن لم يكن أراد الخروج يومه ذلك، منهم عبدُ اللّه بن صَفّار، وعبد الله
ابن إباض، ورجالٌ معهما على رأيهما. ونظر نافع بن الأزرق ورأى أنّ
ولايةَ من تخلّف عنه لا تنبغى، وأنّ من تخلَّف عنه لا نجاةً له ، فقال
لأصحابه: إنّ اللّه قد أكرمكم بمُخرَجكم، وبصْركم ما عَمِىَ عنه غيرُ كم؛
ألستم تعلمون أنكم إنما خرجتم تطلبون شريعته وأمرَه! فأمرُه لكم قائد ، والكتاب
لكم إمام، وإنما تتبعون سُنَّنَه وأثره، فقالوا: بلى؛ فقال: أليس حكمُكم
فى وليسكم حكم النبيّ صلى الله عليه وسلم فى وليّه، وحكمُكم فى عدوّ كم حكم
النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى عدّوه، وعدوّكم اليومَ عدّوَ اللّه وعدوّ
النّبِيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم، كما أنّ عدوّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم يومئذ
هو عدوّ اللّه وعدوّ كم اليوم! فقالوا: نعم ؛ قال: فقد أنزل الله تبارك وتعالى:
﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾(١).
(١) سورة التوبة: ١ .

٥٦٨
سنة ٦٤
وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾(١)، فقد حرّم الله
٥١٩/٢ ولايتهم، والمُقَامَ بين أظهرهم، وإجازةَ شهادتهم، وأكلَ ذبائحهم
وقبول علم الدّين عنهم ، ومنا كحتهم ، ومواريثهم ، وقد احتجّ اللّه علينا بمعرفة
هذا ، وحق علينا أن نُعلِّم هذا الدّينَ الذين خرجْنا من عندهم ، ولا نكتم
ما أنزل الله، واللّه عزّ وجلّ يقول: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ
الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّهُ لِلنَّاسِ فِىِ الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ
اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللََّّعِنُون﴾(٢)، فاستجاب له إلى هذا الرأىِ جميعُ أصحابه .
فكتب: من عُبيد اللّه نافع بن الأزرق إلى عبد اللّه بن صفّار وعبد الله
ابن إباض ومن قِبِلَهما من الناس . سلامٌ على أهل طاعة اللّه من عباد الله،
فإنّ من الأمر كيت وكيتَ ؛ فقصّ هذه القصّة ، ووصف هذه الصفة ،
ثمّ بعث بالكتاب إليهما. فأتيابه، فقرأه عبد اللّه بن صفّر، فأخذه فوضعه
خلفه ، فلم يقرأه على الناس خشيةَ أن يتفرقوا ويختلفوا ، فقال له عبدُ الله بن
إياض: ما لَكَ اللّهِ أبوك! أىَّ شىء أصبْت! أأن قد أصيب إخواننا ، أو
أسر بعضهم ! فدفَعَ الكتابَ إليه، فقرأه ، فقال: قاتله الله!، أىَّ رأى
رَأى! صدَق نافع ابن الأزرق، لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس
رأياً وحُكمًا فيما يشير به ، وكانت سيرتُه كِسيرة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فى
المشركين ، ولكنه قد كذَب وكذَّبَنا فيما يقول ، إنّ القوم كفار بالنعم
والأحكام، وهم بُرَآء من الشِّرْك، ولا تحلّ لنا إلا دماؤهم ، وما سوى ذلك
من أموالهم فهو علينا حرام؛ فقال ابن صفّر : برئ اللّهُ منك، فقد قصّرت ،
وبرئ الله من ابن الأزرق فقد غلا ، برئ اللّه منكما جميعاً ؛ وقال الآخر :
٥٢٠/٢ فبرئ الله منك ومنه.
وتفرّق القوم، واشتدّت شوكة ابن الأزرق، وكثرت جُمُوعه (٣) ، وأقبل
(١) سورة البقرة: ٢٢١.
(٢) سورة البقرة : ١٥٩.
(٣) بعدها فى ابن الأثير: ((وأقام بالأهواز يحيى الخراج ويتقوّى به)).

٥٦٩
سنة ٦٤
نحوَ البصرة حتى دنا من الجسر ، فبعث إليه عبد اللّه بن الحارث مسلم بن
عُبيس (١) بن كُرّيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف فى
أهل البصرة .
[ ذكر الخبر عن مقدم المختار بن أبى عبيد الكوفة ]
قال أبو جعفر : وفى النصف من شهر رمضان من هذه السنة كان مقدم
المختار بن أبى عُبيد الكوفة .
: ذكر الخبر عن سبب مقدمه إليها :
قال هشام بن محمد الكلبىّ : قال أبو مخنف : قال النضر بن صالح :
كانت الشيعة تشتُم المختار وتُعتبه (٢) لِما كان منه فى أمر الحسن بن علىّ يوم
طُعن فى مُظليم ساباط ، فحُمل إلى أبيض المدائن ، حتى إذا كان زمن
الحسين ، وبعث الحسينُ مسلم بن عقيل إلى الكوفة ، نزل دارَ المختار ، وهى
الیوم دارُ سَلْم بن المسيّب ، فبايعه المختار بن أبى عُبید فيمن بايعه من أهل
الكوفة ، وناصّحَه ودعا إليه من أطاعه ، حتى خرج ابن عقيل يوم خرج
والمختار فى قرية له بخُطَرْنِيَة تُدعى لقفا، فجاءَه خبرُ ابن عقيل عند
الظهر أنه قد ظهر بالكوفة، فلم یکن خروجه یوم خرج علی میعاد من أصحابه،
إنما خرج حين قيل له: إنّ هانئ بن عروة المرادىّ قد ضُرِبَ وحُبِس،
فأقبل المختار فى موالٍ له (٣) حتى انتهى إلى باب الفيل بعد الغروب، وقد عَقَد ٥٢١/٢
عبيد الله بن زياد لعمرو بن حُريث راية على جميع الناس ، وأمره أن يقعد
لهم فى المسجد ، فلما كان المختار وقف على باب الفيل مرّ به هانئ بن
أبى حيّة (٤) الوادعى"، فقال للمختار: ما وقوفُك ها هنا!لا أنت مع الناس، ولا
(١) ضبطه ابن الأثير بالعين المهملة المضمومة والباء الموحدة والياء المثناة من تحت وبالسين
المهملة .
(٢) ابن الأثير: ((وتعيبه)).
(٣) ابن الأثير: ((حواليه)).
(٤) ابن الأثير: ((هاذ بن جبة)).

٥٧٠
سنة ٦٤
أنت فى رَحْلك ؛ قال : أصبح رأيى مرتجًا لعُظْم خطيئتكم؛ فقال له: أظنك
واللّه قائلاً نفسَك، ثمّ دخل على عمرو بن حُريث فأخبره بما قال للمختار
وما ردّ عليه المختار .
قال أبو مخنف : فأخبرنى النضر بن صالح ، عن عبد الرحمن بن أبى عمیر
الشّقفىّ؛ قال : كنت جالسًا عند عمرو بن حريث حين بلّغه هانئ بن أبى حيّة
عن المختار هذه المقالة ، فقال لى : قم إلى ابن عمك فأخبره أن صاحبه لا يدرى
أين هو ! فلا يجعلنَّ على نفسه سبيلا ، فقمت لآتيه ، ووثب إليه زائدة بن
قدامة بن مسعود ، فقال له: يأتيك على أنه آمن ؟ فقال له عمرو بن حُرَيث :
أمّا منَّى فهو آمن، وإن رُقّى إلى الأمير عبيد الله بن زياد شىء من أمره أقمتُ
له بمحضره الشهادة ، وشَفَعت له أحسنَ الشفاعة ، فقال له زائدة بن قدامة :
لا يكونن" مع هذا إن شاء الله إلا خيرٌ .
قال عبد الرحمن : فخرجتُ، وخرج معى زائدة إلى المختار، فأخبرناه(١)
بمقالة ابن أبى حيّة وبمقالة عمرو بن حُرَيَث، وناشدناه باللّه ألا يجعل على
نفسه سبيلا ، فنزل إلى ابن حريث ، فسلم عليه ، وجلس تحت رايته حتى
٥٢٢/٢ أصبح، وتذاكر الناسُ أمرَ المختار وفعله، فمشى ◌ُمارة بن عقبة بن أبى مُعيط
بذلك إلى عبيد الله بن زياد، فذكر له، فلما ارتفع النهار فُتِح بابُ عبيد الله
ابن زياد وأذن للناس ، فدخل المختار فيمن دخل ، فدعاه عبيد اللّه، فقال
له : أنت المقبلُ فى الجموع لتنصُر ابن عَقِيل! فقال له: لم أفعل، ولكنى
أقبلت ونزلت تحت راية عمرو بن حُرَيث، وبِتّ معه وأصبحت ، فقال له
عمرو : صدق أصلحك الله! قال: فرفع القضيبَ، فاعترض به وجه المختار
فخبط به عينَه فشَتَرها (٢) وقال: أَوْلَى لك! أما والله لولا شهادةُ عمرو
لك لضربتُ عنقك؛انطلقوا به إلى السجنفانطلقوا به إلی فحُبس فیهفلم يزل فى
السجن حتى قُتل الحسين. ثمّ إنّ المختار بعث إلى زائدة بن قدامة، فسأله أن يسير
إلى عبد الله بن عمرَ بالمدينة فيسأله أن يكتب له إلى يزيد بن معاوية ، فیکتب
(١) ف: ((وأخبرناه)).
(٢) الشتر: انقلاب جفن العين من أعلى إلى أسفل وتشنجه.

سنة ٦٤
٥٧١
إلى عبيد الله بن زياد بتخلية سبيله ، فركب زائدة إلى عبد الله بن عمر
فقدم عليه ، فبلَّغْه رسالةَ المختار، وعلمتْ صفيَّة أختُ المختار بمَحبس أخيها
وهى تحت عبد الله بن عمر ، فبكت وجزعت ، فلما رأى ذلك عبد الله بن
عمَر كتب مع زائدة إلى يزيد بن معاوية : أما بعد ، فإنّ عبيد الله بن زياد
حبس المختار ، وهو صهرى ، وأنا أحبّ أن يعافَى ويُصلّح من حاله ، فإن
رأيتَ رحمنا اللّه وإيّاك أن تكتب إلى ابن زياد (١) فتأمرَه بتخليته فعلتَ.
والسلام عليك ..
فمضى زائدة على رواحله بالكتاب حتى قدم به على يزيد بالشأم، ٥٢٣/٢
فلما قرأه ضحك ثم قال : يشفّع أبو عبد الرحمن ، وأهلُ ذلك هو . فكتب
له إلى ابن زياد: أما بعد ، فخلّ سبيلَ المختار بن أبى عُبيد حين تنظرُ فى
كتابى ، والسلام عليك .
فأقبل به زائدة حتى دفعه ، فدعا ابن زياد بالمختار ، فأخرجه ، ثم قال
له قد أجَّلَتُك ثلاثًا، فإن أدركتُك بالكوفة بعدَها قد برئتْ منك الذّمَّةُ.
فخرج إلى رحله . وقال ابن زياد: والله لقد اجترأ علىّ زائدة حين يرحل إلى
أمير المؤمنين حتى يأتينى بالكتاب فى تخلية رجل قد كان من شأنى أن أطيل
حبسه، علىّ به . فمرّ به عَمرو بن نافع أبو عمان - كاتبٌ لابن زياد- وهو
يُطلَب، وقال له : النَّجاءَ بنفسك ، واذكرها يدأ لى عِندَك.
قال : فخرج زائدة ، فتوارى يومَه ذلك. ثمّ إنه خرج فى أناس من
قومه حتى أتَى القعقاعَ بن شَوْرِ الذّهلىّ، ومسلم بن عمرو الباهلىّ ، فأخذا له
من ابن زياد الأمان .
قال هشام : قال أبو مخنف : ولما كان اليوم الثالث خرج المختار إلى
الحجاز ، قال : فحدّثنى الصقعب بن زهير ، عن ابن العِرْق، مولَى لثقيف ..
قال : أقبلتُ من الحجاز حتى إذا كنت بالبَسِيطَة مِنْ وراء واقِصَّة
استقبلتُ المختارَ بن أبى عُبيد خارجًا يريد الحجاز حين خَلَّی سبیلَه ابنُ زياد،
فلما استقبلتُه رحّبت به ، وعطفتُ إليه ، فلما رأيت شَتَرَ عينه استرجعتُ
له ، وقلتُ له بعد ما توجّعت له : ما بالُ عينك، صرف الله عنك السوءَ!
(١) فى: ((رحمك الله أن تكتب إلى ابن زياد)).

٥٧٢
سنة ٦٤
٥٢٤/٢ فقال: خَبَط عينى ابن الزانية بالقضيب خبطةً صارت إلى ما ترى . فقلتُ
له : ما لَهَ شَكلّت أناملُهُ! فقال المختار: قتلنى اللّه إن لم أقطع أنامله
وأباجلَه وأعضاءَه إِرْبًا إِرْبًا؛ قال: فعجبتُ لمقالته، فقلت له : ما علمُك
بذلك رحمك الله ؟ فقال لى: ما أقول لك فاحفظْه عنّى حتى ترى مصداقه .
قال : ثمّ طَفقٍ يسألنى عن عبد الله بن الزبير، فقلت له: لجأ إلى
البيت ، فقال : إنما أنا عائذٌ بربّ هذه البنية، والناس يتحدّثون أنه يبايع
سرًّا، ولا أراه إلا لو قد (١) اشتدّت شوكته واستكثف من الرجال إلا سيُظهر
الخلافَ؛ قال: أجَل، لا شكّ فى ذلك (٢)، أما إنه رجلُ العرب اليومَ،
أمَا إنه إنْ يخطُّطْ فى أثرى، ويسمعْ قولى أكفِهِ أمرَ الناس، وإلا يفعلْ
فوالله ما أنا بدون أحد من العرب ، يا بنَ العِرْق، إنّالفتنة قد أرعدتْ
وأبرقتْ، وكأنْ قد انبعثتْ(٣) فوطئت فى خطامها، فإذا رأيتَ ذلك وسمعتَ
به بمكان قد ظهرتُ فيه فقل : إنّ المختار فى عصائبه من المسلمين ، يطلب
بدم المظلوم الشهيد المقتول بالطّفّ ، سيِّد المسلمين، وابن سيِّدها ، الحسين
ابن علىّ، فوربِّك لأقتلنّ بقتله عِدّةَ القتلى التى قتلت على دم يحيى بن
زكرياء عليه السلام ؛ قال : فقلت له : سبحان الله ! وهذه أعجوبة مع
الأحدوثة الأولى ؛ فقال : هو ما أقول لك فاحفظه عنّى حتى ترى مصداقه.
ثمّ حرّك راحلته، فمضى ومضيت معه ساعةً أدعو الله له بالسلامة، وحُسنِ
الصحابة. قال: ثمّ إنّه وقف فأقسم علىّ لما انصرفتُ، فأخذتُ بيده !
فودّعته ، وسلمت عليه ، وانصرفت عنه ، فقلت فى نفسى : هذا الذى يذكر
لى هذا الإنسان،- يعنى المختار - مما يزعم أنه كائن، أشىءٌ حدّث به نفسه!
فوالله ما أطلع الله على الغيب أحداً، وإنما هو شىء يتمنّاه فیری أنه كائن،
فهو يوجب (٤) رأيَه، فهذا واللّه الرأىُ الشعاع، فوالله ما كلّ ما يرى الإنسان
أنه كائن يكون ؛ قال: فوالله ما مُتّ حتى رأيتُ كلّ ما قاله. قال: فوالله
٥٢٥/٢
(١) ف: ((وقد)).
(٢) ف: ((فيه)).
(٣) ابن الأثير: ((أينعت)).
(٤) ف: ((: ((فيوجب)).

سنة ٦٤
٥٧٣
لئن كان ذلك من علم ألقى إليه لقد أثبتَ له ، ولئن كان ذلك رأياً رآه ، وشيئًا
تمنّاه ، لقد كان .
قال أبو مخنف: فحدّثنى الصقعب بن زهير ، عن ابن العِرْق، قال :
فحدّثت بهذا الحديث الحجاج بن يوسف ، فضحك ثم قال لى: إنه كان
يقول أيضًا :
ورافِعةِ ذِيلَهَا * وَدَاعِيَة وَيْلَها
بِدِجْلَةَ أَوْ حوْلَها »
فقلت له : أترى هذا شيئًا كان يخترعه ، وتخرُّصًا يتخرّصُه ، أم هو
من علم كان أوتِيَه ؟ فقال: والله ما أدرى ما هذا الذى تسألنى عنه ، ولكن
اللّه درُّهُ! أىّ رجل ديناً ، ومِسْعَرَ حرب ، ومقارعَ أعداء كان!
قال أبو مخنف : فحدّثنى أبوسيف الأنصارىّ من بنى الخزرج ، عن
عباس بن سهل بن سعد ، قال : قدم المختار علينا مكة ، فجاء إلى عبد الله
ابن الزبير وأنا جالسٌ عنده ، فسلّم عليه، فردّ عليه ابن الزبير ، ورحّب به ،
وأوسع له ، ثم قال : حدَّثنى عن حال الناس بالكوفة يا أبا إسحاق ؛ قال :
هم لسلطانهم فى العلانية أولياء ، وفى السرّ أعداء ؛ فقال له ابن الزبير : هذه
صفة عبيد السوء ، إذا رأوا أربابتهم خدموهم وأطاعوهم ، فإذا غابوا عنهم
شَتَّمَوهم ولعنوهم ؛ قال : فجلس معنا ساعةً ، ثم إنه مال إلى ابن الزبير
كأنه يُسارّه، فقال له: ما تنتظر! ابسُطْ يدك أبايعْك، وأعطنا ما يُرضينا، ٥٢٦/٢
وثب على الحجاز فإنّ أهل الحجاز كلهم معك . وقام المختار فخرج ، فلمْ
يُرَ حولا؛ ثم إنَّ بينا أنا جالسٌ مع ابن الزبير إذ قال لى ابن الزبير: متى
عهدُك بالمختار بن أبى عُبيد ؟ فقلت له : ما لى به عهد منذ رأيتُه عندَك عاماً
أوّل ؛ فقال : أين تراه ذهب ! لو كان بمكة، لقد رأىَ بها بعدُ ، فقلت له :
إنى انصرفت إلى المدينة بعد إذ رأيتُه عندَك بشهر أو شهرين، فلبثتُ بالمدينة
أشهراً، ثمّ إنى قدمتُ عليك، فسمعت نفرًا من أهل الطائف جاءوا معتمرين

٥٧٤
سنة ٦٤
يزعمون أنه قدم عليهم الطائف ، وهو يزعم أنه صاحب الغضب، ومُبير (١)
الجبّارين، قال: قاتله اللّه (٢)! لقد انبعث كذّابًا متكهّنًا، إنّ اللّه إنْ
يُهلِك الجبَّارين يكن المختار أحدهم (٣). فوالله ما كان إلا ريث فراغنا من
منطقنا حتى عنّ لنا فى جانب المسجد، فقال ابن الزبير: اذكرْ غائباً ترَهُ ؛أَین
تظُنُّه بهوى؟ فقلت: أظنه يريد البيت ، فأتى البيت فاستقبل الحجر ، ثم طاف بالبيت
أسبوعًا، ثمّ صلى ركعتين عند الحِجْر، ثمّ جلس، فما لبث أن مرّ به رجال
من معارفه من أهل الطائف وغيرهم من أهل الحجاز ، فجلسوا إليه ، واستبطأ
ابن الزبير قيامه إليه ، فقال : ما ترى شأنه لا يأتينا ! قلت : لا أدرى ،
وسأعلم لك علمه ، فقال : ما شئتَ ، وكأن ذلك أعجبه .
قال : فقمتُ فمررتُ به كأنىّ أريد الخروجَ من المسجد ، ثمّ التفتُّ إليه،
٥٢٧/٢ فأقبلت نحوَه ثمّ سلّمت عليه، ثمّ جلست إليه، وأخذت بيده، فقلتُ له:
أين كنت ؟ وأين بلغت بعدى ؟ أبا لطائف كنت ؟ فقال لى: كنتُ بالطائف
وغير الطائف، وَمَس (٤)علىّ أمرَه، فملتُ إليه، فناجَيْته، فقلت له: مثلُك
يغيب عن مِثلِ ما قد اجتمع عليه أهلُ الشرف وبيوتاتٍ العرب من قريش
والأنصار وثقيف !لم يبق أهلُ بيت ولاقبيلة إلا وقد جاء زعيمُهم وعميدُهم فبايع
هذا الرجل ، فعجبًا لك ولرأيك ألا تكون أتيتَه فبايعته ، وأخذتَ بحظِّك من
هذا الأمر! فقال لى: وما رأيتنى؟ أتيتُه العام الماضى ، فأشرت عليه بالرأى، فطوى
أمرَه دونى (٥)، وإنى لما رأيته استغنى عنِّى أحببت أن أرِيَه أنِى مستغن عنه،
إنه واللّه لهو أحوجُ إلىّ منى إليه ؛ فقلت له : إنك كلمتَه بالذى كلمته وهو
ظاهر فى المسجد ، وهذا الكلام لا ينبغى أن يكون إلا والستور دونه مُرخاة
والأبواب دونه مُغلَّقة، القَه الليلةَ إن شئتَ وأنا معك؛ فقال لى: فإنىّ فاعل
(١) ابن الأثير: ((ومسير)).
(٢) ابن الأثير: ((قال ابن الزبير: ماله قاتله الله!)).
(٣) ابن الأثير: ((أولهم)).
(٤) عمس عليه الأمر : خلطه ولبسه ولم يبينه.
(٥) ابن الأثير: ((فكتم على خبره)).

٥٧٥
سنة ٦٤
إذا صلَّينا (١) العَتَمة أتيناه، واتَّعدْنا الحِجْر.
قال : فنهضتُ من عنده ، فخرجت ثم رجعتُ إلى ابن الزبير ، فأخبرتُه
بما كان من قولى وقوله، فسرّ بذلك، فلما صلينا العتمة، التقيْنا بالحِجْر ،
ثمّ خرجنا حتى أتينا منزلَ ابن الزبير، فاستأذنًا عليه، فأذن لنا، فقلت :
أخلِّيكما ؟ فقالا(٢) جميعًا: لاسرَّ دونك، فجلستُ ، فإذا ابن الزبير قد أخذ
بيده، فصافحه ورحّب به ، فسأله عن حاله وأهل بيته ، وسكّتاً جميعاً
غيرَ طويل .
فقال له المختار وأنا أسمع بعد أن تبدّأ فى أوّل منطقه، فحَمِد اللّهَ وأثنى
عليه ثمّ قال: إنه لا خيرَ فى الإكثار من المنطق، ولا فى التقصير عن الحاجة، ٠٢٨/٢
إنى قد جئتك لأبايعَك على ألّ تقضىَ الأمورَ دونى، وعلى أن أكونَ فى أوّل
مَنْ تأذن له ، وإذا ظهرت استعنتَ بى على أفضل عملك . فقال له ابن
الزبير: أبايعك على كتاب اللّه وسنّة نبيِّه صلى اللّه عليه وسلم؛ فقال: وشرّ
غلمانى أنت مبايعه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ما لى فى هذا
الأمر من الحظّ ما ليس لأقصى الخلق منك؛ لا والله لا أبايعك أبداً إلا على
هذه الخصال .
قال عبَّاس بن سهل : فالتقمتُ أذنَ ابن الزبير ، فقلت له : اشترِ منه
دينْبَه حتى ترى من رأيك؛ فقال له ابن الزبير : فإنّ لك ما سألتَه ، فبسط
يدَه فبايعه، ومكث معه حتى شاهد الحصارَ الأوّل حين قدم الحصين بن نمير
السَّكونىّ مكة؛ فقاتل فى ذلك اليوم، فكان من أحسن الناس يومئذ بلاءً، وأعظمهم
غتناءً". فلما قُتل المنذر بن الزبير والمسور بن مَخْرَمة ومصعب بن عبدالرحمن
ابن عوف الزهرىّ، نادى المختار: يا أهل الإسلام، إلىّ إلىّ! أنا ابن أبى عُبید
ابن مسعود، وأنا ابن الكُرّارلا القُرّار، أنا ابن المُقدمين غير المحُجمين (٣)؛ إلىّ
يا أهلَ الحفاظ وحُماة الأوتار . فحمِىَ الناسُ يومئذ، وأبلى وقاتل قتالًاً حَسَناً.
(١) ف: ((صليت)).
(٢) ف: ((قالا)).
(٣) ف: ((لا المحجمين)).

٥٧٦
سنة ٦٤
ثم أقام مع ابن الزبير فى ذلك الحصار حتى كان يوم أحرق البيت،
فإنه أحرق يوم السبت لثلاث مضين من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستين ،
فقاتل المختار يومئذ فى عصابة معه نحو من ثلثمائة أحسنَ قتال قاتله أحدٌ من
٢٩/٢° الناس، إنْ كان ليقاتل حتى يتبلَّد ، ثم يجلس ويحيط به أصحابه ، فإذا
استراح نهض فقاتل ، فما كان يتوجَّه نجو طائفة من أهل الشأم إلاّ ضارَبَهم
حتى يكشفتهم .
قال أبو مخنف : فحدثنى أبو يوسف محمد بن ثابط ، عن عبّاس بن
سهل بن سعد، قال: تولَّى قتال أهل الشأم يوم تحريق الكعبة عبدُ الله بن مطيع
وأنا والمختار ، قال : فما كان فينا يومئذ رجلٌ أحسن بلاءً من المختار .
قال : وقاتل قبل أن يطَّلع أهلُ الشأم على موت يزيد بن معاوية بيوم
قتالاً شديداً، وذلك يوم الأحد لخمس عشرةَ ليلة مضتْ من ربيع الآخر
سنة أربع وستين ، وكان أهلُ الشأم قد رَجوْا أن يَظفروا بنا ، وأخذوا علينا
سكك مكَّة .
قال : وخرج ابن الزبير، فبايَعَه رجالٌ كثير على الموت ؛ قال :
فخرجتُ فى عصابة معى أقاتل فى جانب ، والمختار فى عصابة أخرى يقاتل
فى جُمِّيّعةٍ من أهل اليمامة فى جانب، وهم خوارج، وإنما قاتلوا ليدفعوا عن
البيت ، فهم فى جانب ، وعبد الله بن المطيع فى جانب .
قال : فشدَّ أهل الشأم علىّ ، فحازونى فى أصحابى حتى اجتمعتُ أنا
والمختار وأصحابه فى مكان واحد ، فلم أكن أصنع شيئًا إلا صنع مثله ، ولا
يصنع شيئاً إلا تكلفتُ أن أصنع مِثلُه، فما رأيتُ أشدَّ منه قطّ ؛ قال : فإنا
لنقاتل إذ شدّت علينا رجال وخيل من خيل أهل الشأم ، فاضطرّونى وإياه
فى نحو من سبعين رجلا من أهل الصبر إلى جانب دار من دُور أهل مكة ،
فقاتلهم المختارُ يومئذ ، وأخذ يقول رجل لرجل :
« لا وألتْ نفسُ امرئ يفرُّ*
قال : فخرج المختار ، وخرجتُ معه ، فقلت : ليخرجْ منكم إلىّ رجل

سنة ٦٤
٥٧٧
فخرج إلىّ رجلَ وإليه رجل آخر، فمشيت إلى صاحبى فأقتُله، ومشى المختار ٥٣٠/٢
إلى صاحبه فقتله، ثم صحْنا بأصحابنا، وشدَّدْنا عليهم، فوالله لضربناهم حتى
أخرجناهم من السِّكك كلها ، ثمّ رجعنا إلى صاحبيْنا اللَّذَين قتْلنا. قال :
فإذا الذى قتلتُ رجلٌ أحمرُ شديدُ الحمرة كأنه رومىّ، وإذا الذى قتل
المختار رجل أسودُ شديدُ السواد، فقال لى المختار: تعلّمْ والله إنّ لأظنّ قتيلينا
هذَيْن عبدين؛ ولو أنّ هذين قَتَلاَنا لفُجع بنا عشائرنا ومَن يرجونا ،
وما هذان وكلبان من الكلاب عندى إلا سواء ، ولا أخرج بعد يومى هذا الرجل
أبدًا إلا لرجل أعرفه ؛ فقلت له : وأنا والله لا أخرج إلا لرجل أعرفه.
وأقام المختار مع ابن الزبير حتى هلك يزيدُ بنُ معاوية ، وانقضى الحصار،
ورجع أهلُ الشأم إلى الشأم، واصطلح أهل الكوفة على عامر بن مسعود، بعد
ما هلك يزيد يصلى بهم حتى يجتمع الناس على إمام يرضَوْنه ، فلم يلبث عامر
إلا شهرًا حتى بعث ببيعته وبسيعة أهل الكوفة إلى ابن الزبير ، وأقام المختار مع
ابن الزبير خمسةَ أشهر بعد مَهلِك يزيدَ وأيّاما .
قال أبو مخنف : فحدّثنی عبد الملك بن نوفل بن مساحق ، عن سعيد بن
عمرو بن سعيد بن العاص، قال: والله إنى لمع عبد الله بن الزبير ومعه عبد الله
ابن صَفْوان بن أميّة بن خلف، ونحن نطوف بالبيت ، إذ نظر ابن الزبير
فإذا هو بالمختار ، فقال لابن صفوان: انظر إليه؛ فواللّه لَهو أحذَرُ من ذئب
قد أطافت به السباع ؛ قال: فمضى ومضينا معه ، فلما قضينا طوافنا وصلّنا
الركعتين بعد الطواف لحقنا المختار ، فقال لابن صفوان : ما الذى ذكرنى به
ابن الزبير؟ قال: فكَتَمَه، وقال: لم يذكُرُك إلا بخير؛ قال: بلى وربّ ٥٣١/٢
هذه البنيّة إن كنتُ لمن شأنكما، أما والله ليخطّنّ فى أثرى أولأقدَنّها عليه
سَعْرًاً. فأقام معه خمسة أشهر ، فلما رآه لا يستعمله جعل لا يقدم عليه أحدٌ
من الكوفة إلا سأله عن حال الناس وهيئتهم .
قال أبو مخنف : فحدّثنى عطية بن الحارث أبو رَوْق الهمدانىّ؛ أنّ هانى
ابن أبى حيَّة الوادعى قدم مكة يريد مُمرةَ رمضان، فسأله المختار عن حاله

٥٧٨
سنة ٦٤
وحال الناس بالكوفة وهيئتهم ؛ فأخبره عنهم بصلاح واتّساق على طاعة ابن
الزبير ، إلا أن طائفة من الناس إليهم عدد أهل المصر لو كان لهم رجل يجمعهم
على رأيهم أكل بهم الأرض إلى يوم ما ؛ فقال له المختار : أنا أبو إسحاق
أنا والله لهم! أنا أجمعهم على مَرّ الحقّ، وأنفى(١) بهم ركبان الباطل، وأقتُل
بهم کلّ جبارعنيد ؛ فقال له هانئ بن أبى حية: ويحك یابن أبى عبيد!
إن استطعتَ ألّا تُوضع فى الضلال ليكن صاحبهم غيرُك، فإنّ صاحب الفتنة
أقربُ شىء أجلا ، وأسوأ الناس عملا؛ فقال له المختار: إني لا أدعو إلى الفتنة
إنما أدعو إلى الهدى والجماعة ، ثم وثب فخرج وركب رَواحله ، فأقبل نحو
الكوفة حتى إذا كان بالقَرْعاء لقيه سلمة بن مرثد أخو بنت مرثد القابضىّ من
هَمْدان- وكان من أشجع العرب، وكان ناسكاً-فلما التقيا تصافحا وتساءلا،
٣٢/٢° فخبره المختار؛ ثم قال لسامة بن مرثد: حدّثّنى عن الناس بالكوفة؛ قال : هم
كغنمٍ ضلّ راعيها؛ فقال المختار بن أبى عبيد: أنا الذى أحسِنِ رِعايتها ،
وأبلغ نهايتتها ؛ فقال له سلمة: اتق اللهَ واعلم أنك ميت ومبعوث ، ومحاسب
ومجزىٌّ بعملك إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرًّا فشرٌ، ثُمّ افترقا . وأقبل المختار
حتى انتهى إلى بحر الحيرة يومَ الجمعة، فنزل فاغتسل فيه ، وادّهن
دُهنَّاً يسيراً، وليس ثيابه واعتم، وتقلَّد سيفه، ثمّ ركب راحلته فمرّ بمسجد
السَّكون وجبَّانة كِنْدة؛ لا يمرّ بمجلس إلا سلَّم على أهله، وقال: أبشروا
بالنّصر والفلج ، أتاكم ما تحبّون ، وأقبل حتى مرّ بمسجد بنى ذُهل وبنى
حُجْر، فلم يجد ثمَّ أحداً ، ووجد الناس قد راحوا إلى الجمعة ، فأقبل حتى
مرّ ببنى بدّاء، فوجد عبيدةَ بنَ عمرو البَدّىّ من كِنْدة ، فسلم عليه ،
ثم قال : أبشر بالنصر واليُسر والفلج، إنك أبا عمرو على رأى حَسَن، لن
يَدَعَ اللّهُ لك معه مأثمًا إلا غفره، ولا ذنبا إلا سَتَّرَه - قال: وكان عبيدة
من أشجع الناس وأشعرِ هم ، وأشدِّهم حبًّا لعلىّ رضى الله عنه، و کان لا يصبر
عن الشراب - فلما قال له المختار هذا القول قال له عبيدة: بشّرك الله بخير
(١) ابن الأثير: ((وألى)).

سنة ٦٤
٥٧٩
إنك قد بشّرتنا ، فهل أنت مفسرٌ لنا ؟ قال: نعم ، فالقنِى فى الرّحل الليلةَ
ثمّ مضى .
قال أبو مخنف : فحدّثّى فُضَيل بن خَدِيج ، عن عبيدة بن عمرو
قال: قال لى المختار هذه المقالة، ثم قال لى: القنى فى الرّحل، وبلِّغ أهلَ
مسجِدكم هذا عنّى أنهم قومٌ أخذ الله ميثاقَهم على طاعته، يقتلون المُحِلِّن،
٥٣٣/٢
ويطلبون بدماء أولاد النبيّين ، ويهديهم النور المبين ، ثم مضى فقال لى :
كيف الطريق إلى بنى هند؟ فقلت له : أنظرنى أدلّك، فدعوتُ بفَرَسى وقد
أسرج لى فركبتُه؛ قال : ومضيت معه إلى بنى هند ، فقال: 'دُتنى على
منزل إسماعيل بن كَثِير . قال : فمضيتُ به إلى منزله ، فاستخرجته، فحیاہ
ورحّب به ، وصافحه وبشّره، وقال له : القَنِى أنتَ وأخوك الليلة وأبو عمرو
فإنى قد أتيتكم بكل ما تحبّون؛ قال: ثمّ مضى ومضينا معه حتى مرّ بمسجد
جُهَينة الباطنة ، ثم مضى إلى باب الفيل ، فأناخ راحلته ، ثم دخل المسجد
واستَشرف له الناس، وقالوا: هذا المختار قد قَدم ، فقام المختار إلى جنب سارية
من سوارى المسجد ، فصلَّى عندها حتى أقيمت الصلاة ، فصلَّى مع الناس
ثمّ ركد إلى سارية أخرى فصّلى ما بين الجمعة والعصر، فلما صلى العصر مع
الناس انصرف .
قال أبو مخنف : فحدّثنى المجالد بن سعيد ، عن عامر الشعبيّ، أنّ المختار
مرّ على حلْقة همدانَ وعليه ثياب السَّفَر ، فقال : أبشروا ، فإنى قد قدمت
عليكم بما يسرّكم، ومضى حتى نزل داره ، وهى الدار التى تُدعَى دارَ سلْ
ابن المسيّب ، وكانت الشّيعة تختلف إليها وإليه فيها .
قال أبو مخنف: فحدثنى فُضّيل بن خديج ، عن عبيد بن عمرو ،
وإسماعيل بن كثير من بنى هند، قالا : أتيناه من الليل كما وعدنا ، فلما دخلنا
عليه وجلسنا ساءلتنا عن أمر الناس وعن حال الشيعة، فقلنا له: إنّ الشيعة ٥٣٤/٢
قد اجتمعت لسليمان بن صُرّد الخُزاعىّ ، وإنه لن يلبثَ إلا يسيراً حتى يخرج؛
قال: فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبىّ صلى الله عليه وسلم ثم قال:
٠٠

٥٨٠
سنة ٦٤
أما بعد ، فإنّ المهدىّ ابن الوصىّ، محمّد بن علىّ، بعثنى إليكم أمينًا ووزيراً
ومنتخبًا وأميراً ، وأمرنى بقتال الملحيدين ، والطلب بدماء أهل بيته والدفع
عن الضّعفاء .
قال أبو مخنف : قال فضيل بن خديج : فحدّثنى عبيدة بن عمرو
وإسماعيل بن كثير ، أنهما كانا أوّل خلق الله إجابةً وضرباً على يده ، وبايعاه.
قال : وأقبل المختار يبعث إلى الشيعة وقد اجتمعت عند سليمان بن صُرد ، فيقول
لهم: إنى قد جئتكم من قِبل ولىّ الأمر، ومعدن الفضل، ووصىِّ الوصىّ
والإمام المهدىّ ، بأمر فيه الشفاء ، وكشفُ الغطاء ، وقتل الأعداء ، وتمام
النَّعماء؛ إنّ سليمان بن صُردَ يرحمنا الله وإيّاه إنما هو عَشَمة من العَشم (١)
وحِفشٌ بال، ليس بذى تجربة للأمور ، ولا له علمٌ بالحروب؛ إنما يريد
أن يُخرجكم فيقتل نفسه ويقتلكم . إنى إنما أعمل على مثال قد مُثِّل لى، وأمر
قد بُيِّن لى، فيه عزّ وليّكم ، وقتل عدوّ كم، وشفاء صدوركم ، فاسمعوا منى
قولى ، وأطيعوا أمرى، ثمّ أبشِيروا وتباشروا؛ فإنّى لكم بكل ما تأملون خيرُ زعيم.
قال: فوالله ما زال بهذا القول ونحوه حتى استمالَ طائفةً من الشيعة ، وكانوا
٢/ ٥٣٥ يختلفون إليه ويعظِّمونه، وينظرون أمرَه، وعُظمُ (٢) الشيعة يومئذ ورؤساؤهم
مع سليمان بن صُرد، وهو شيخ الشيعة وأستُّهم ، فليس يَعدِ لون به أحدًا؛
إلاّ أنّ المختار قد اسمال منهم طائفةٌ ليسوا بالكثير، فسليمان بن صُرَد أثقل
خلق الله على المختار، وقد اجتمع لابن صُرّد يومئذ أمرُه ، وهو يريد الخروج
والمختار لا يريد أن يتحرّك، ولا أن يهيج أمراً حتَّى (٣) ينظر إلى ما يصير إليه
أمرُ سليمان ، رجاء أن يستجمع له أمرُ الشيعة ، فيكون أقوى له على درك
ما يطلب (٤)، فلما خرج سليمان بن صرَد ومضى نحو الجزيرة قال عمر بن
سعد بن أبى وقَّاص وشَبَت بن رِبْعِىّ ويزيد (٥) بن الحارث بن رُوَيْم لعبد الله
ابن يزيد الخطمىّ وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله: إنّ المختار أشدّ
(١) رجل عشمة: يابس من الهزال.
(٣) كذا فى س، وفى ط: ((رجاء أن)).
(٥) ابن الأثير: ((وزيد)).
(٢) ابن الأثير: ((وعظماء)).
(٤) ف: ((ما يريد)).