Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ سنة ٦٤ قال أبو عبيدة: فحدثنى مَسْلَمة بن محارب، قال: فأتوا عُبيد الله فقالوا: قد صعد مسعود المنبر ، ولم يُرمَ دون الدار بكُتّاب (١)، فبيناه فى ذلك يتهيَّأ ليجىء إلى الدار، إذ جاءوا فقالوا : قد قتل مسعود ، فاغترز فى ركابه فلحق بالشأم ، وذلك فى شوّال سنة أربع وستين . قال أبو عبيدة: فحدثنى رَوَّاد الكعبىّ، قال: فأتى مالكَ بنَ مسمع أناسٌ من مضرّ ، فحصروه فى داره، وحرّقوا ، ففى ذلك يقول غطفان بن أنيف الكعبىّ فى أرجوزة : يَبْغِى قُصورًا دونَهُ وَدُورَا وَأَصْبَح ابنُ مِسْمَعَ مَحْصورًا « حَتَّى شَبَبْنا حَوْلَهُ السَّعِيرًا * ولما هرب عُبيد اللّه بن زياد اتَّبعوه، فأعجز الطلبة، فانتهبوا ما وجدوا له ، ففى ذلك يقول وافد بنُ خليفة بن أسماء ، أحد بنى صخر بن مِنقَر بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد : قد صَارَ فينا تاجُهُ وَسَلَبَهْ يا رُبَّ جَبَّار شَدِيد كَلبُهْ مِنْهُمْ عُبِيْدُ اللّهِ حينَ نَسْلُبِهْ جیادَهُ وبزَّه ونَنْهَبُهْ لَوْ لَمْ یُنجِ ابنَ زِیادٍ هَرَبُهْ يوْمِ التَّقَى مِقْنَبُنا ومِقْنَبُهْ وقال جرهم (٢) بن عبد الله بن قيس ، أحد بنى العدوّية فى قتل مسعود فى كلمة طويلة : صبَحْنَا حَدَّ مَطْرُور سَنينًا(٣) ومسْعودَ بن عَمْرو إِذْ أَتانا صَريعاً قد أَزَرْناهُ المَنونا رجا النَّأْمِيرَ مسعودٌ فأضحى قال أبو جعفر محمد بن جرير : وأمّاً مُمر؛ فإنه حدّثنى فى أمر خروج عبيد اللّه إلى الشام ، قال : حدثی زهير ، قال : حدثنا وهب بنجرير بن حازم ، قال : حدّثنا الزبير بن الخِرّيت ، قال: بعث مسعود مع ابن زياد (١) قال فى اللسان: الكتاب: السهم عامة، وما رماه بكثاب، أى بسهم))، وفى ط : (٢) فى اللسان ٩ : ١٧٩ ((عوم)). (( بكتاب » تحريف . (٣) سنينًا، بفتح السين أى مستوفاً ، فعيل بمعنى مفعول. ٤٠٦/٢ ٥٢٢ سنة ٦٤ مائةً من الأزْد ، عليهم قرّة بن عمرو بن قيس ، حتى قدموا به الشأم . وحدثنى عمر ، قال : حدثنا أبو عاصم النبيل ، عن عمرو بن الزبير ٤٠٧/٢ وخلاّ د بن یزید الباهلىّ والوليد بن هشام ، عن عمّه، عن أبيه، عن عمرو بن هُبيرة (١) ، عن يَسَاف (٢) بن شُرَيح اليشكرىّ، قال؛ وحدّثّنيه علىّ بن محمد ، قال - قد اختلفوا فزاد بعضُهم على بعض -إنّ ابن زياد خرج من البَصْرة، فقال ذات ليلة: إنه قد ثَقُل علىّ ركوبُ الإبل، فوطُّئُوا لى على ذى حافر؛ قال: فألقيتْ له قطيفةٌ على حمار، فركبه وإنّ رجليه لتكادان تخُدّان فى الأرض. قال اليشكرىُّ: فإنه ليسير أمامى إذا سكتَ سكْنَةٌ فأطالها ، فقلت فى نفسى : هذا عُبيد اللّه أميرُ العراق أمس نائمٌ الساعةَ على حمار، لو قد سقط منه أعْنَتَه؛ ثمّ قلت: والله لئن كان نائمًا لأنغّصنّ" عليه نومَه؛ فدنوتُ منه ، فقلت : أناثم أنت ؟ قال : لا ؛ قلت : فما أسكتك؟ قال : كنتُ أُحدّث نفسى؛ قلتُ : أفلا أحدثك ما(٣) كنت تحدّث به نفسَك ؟ قال : هات، فوالله ما أراك تكيس ولا تصيب، قال: قلتُ: كنت تقول : ليتنى لم أقتل الحسين ، قال : وماذا؟ قلتُ: تقول: ليتنى لم أكن قتلتُ مَن قتلت ؛ قال: وماذا؟ قلتُ: كنتَ تقول: ليتنى لم أكن بنَيتُ البَيضاء ؛ قال : وماذا؟ قلت: تقول: ليتنى لم أكن استعملت الدّهاقين، قال : وماذا؟ قلتُ: تقول: ليتني كنت أسخى مما كنتُ؛ قال: فقال: والله مانطقتَ بصواب ، ولا سكتَّ عن خطإٍ، أما الحسين فإنه سار إلىّ يريد قتلى ، فاخترت قتله على أن يقتلنى؛ وأما البيضاء فإنى اشتريتها من عبد الله بن عثمان الثقفىّ، وأرسل (٤) ٤٥٨/٢ يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها، فإن بقيتُ فلأهلى، وإن هلِكتُ لم آسَ عليها مما لم أعِّنْف فيه؛ وأما استعمال الدّهاقين فإنّ عبد الرحمن بن أبى بكرة وزاذان فرُّوخ وقَعَا فىَّ عند معاوية حتى ذكرا قشورَ الأرزّ ، فبلَغًا بخراج العراق مائة ألف ألف ، فخيَّرنى معاوية بين الضمان والعزْل؛ فكرهتُ العزل، (١) فى التصويبات: ((لعله: ((عمر بن هبيرة)). (٢) ابن الأثير: ((مسافر)). (٤) ابن الأثير: ((وأرسل إلى)). (٣) ابن الأثير: ((بما)). سنة ٦٤ ٥٢٣ فكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر الخراج ، فتقدّمت إليه أو أغرمت صدور قومه، أو أغرمت عشيرته أضررت بهم ، وإن تركتُه تركتُ مالَ اللّه وأنا أعرف مكانَه ، فوجدتُ الدّهاقينَ أبصر بالجباية ، وأوفى بالأمانة ، وأهوّن فى المطالبة (١) منكم، مع أنى قد جعلتكم أمناءَ عليهم (٢) لئلا يظلموا أحداً . وأما قولك فى السخاء ، فوالله ما كان لى مال فأجودَ به عليكم ، ولو شئتُ لأخذتُ بعضَ مالِكم فخصصتُ به بعضكم دون بعض ، فيقولون : ما أسخاه ! ولكنى عمَمتكم، وكان عندى أنفع لكم . وأما قولك: ليتنى لم أكن قتلتُ من قتلتُ؛ فما عملت بعد كلمة الإخلاص عملا هو أقربُ إلى اللّه عندى من قتلى (٣) من قتلتُ من الخوارج ، ولكنى سأخبرك بما حدّثت به نفسى ؛ قلت : ليتنى كنتُ قاتلت أهلَ البَصرة، فإنهم بايعونى طائعين غير مكرهين ، وآيمُ اللّه لقد حرصتُ على ذلك؛ ولكن بنى زياد أتَوْنى فقالوا: إنك إذا قاتلتهم فظَهَروا عليك لم يبقوا منا أحداً، وإن تركتهم تغيَّب (٤) الرجل منّا عند أخواله وأصهاره ؛ فرفقت لهم فلم أقاتل . وكنتُ أقول : ليتنى كنت أخرجتُ أهلَ السجن فضربتُ أعناقهم ، فأما إذ فاتت هاتان فليتنى كنت أقدم الشأم ولم يُبرِموا أمراً . قال بعضهم : فقدم الشأم ولم يُبرموا أمراً ، فكأنما كانوا معه صبيانًا ؛ وقال بعضهم : قدم الشأم وقد أبرموا ، فنقض ما أبرموا إلى رأيه . ٤٥٩/٢ وفى هذه السنة طرد أهلُ الكوفة عمرو بن حُرَيَث وعَزَلوه عنهم ، واجتمعوا على عامر بن مسعود . ذكر الخبر عن عزلهم عمرو بن حُريث وتأميرهم عامراً قال أبو جعفر: ذكر الهيثم بن عدىّ، قال : حدّثنا ابن عيَّاش، قال: (١) ابن الأثير: ((بالمطالبة)). (٢) ابن الأثير: ((عليه)). (٣) ابن الأثير: ((من قتل من قتلت)). (٤) ط : ((يغيب)). ٥٢٤ سنة ٦٤ كان أوّل من جُمع له المصران: الكوفة والبصرة زياداً وابنه، فقتلا من الخوارج ثلاثة عشر ألفًا ، وحبس عبيد اللّه منهم أربعة آلاف ، فلما هلك يزيد قام خطيبًا، فقال: إنّ الذى كنا نقاتل عن طاعته قد مات ، فإن أمرتمونى جَبَيْت فَيْتَكم، وقاتلتُ عدوّكم . وبعث بذلك إلى أهل الكوفة مُقَاتِل ابن مِسمَعَ وسعيد بن فرحا، أحد بنى مازن ، وخليفته على الكوفة عمرو بن حُرّيث ، فقاما بذلك ، فقام يزيد بن الحارث بن رُوَيم الشيبانىّ فقال : الحمد لله الذى أراحنا من ابن سُمَيَّة، لا ولا كرامة! فأمر به عمرو فلبِّب ومُضِىَ به إلى السجن ، فحالت بكْر بينهم وبينه ، فانطلق يزيد إلى أهله خائفًا، فأرسل إليه محمد بن الأشعث : إنَّك على رأيك ، وتتابعت عليه الرُّسُل بذلك ، وصعد عَمرو المنبر فحتصبُوه ، فدخل دارَه ، واجتمع الناسُ فى المسجد فقالوا: نؤمِّر رجلا إلى أن يجتمعَ الناسُ على خليفة ، فأجمعوا على عمر (١) بن سعد، فجاءت نساء هَمْدان يبكين حُسيْنًا، ورجالُهم متقلدو ٤٦٠/٢ السيوف، فأطافوا بالمنبر، فقال محمد بن الأشعث: جاء أمرٌ غيرَ ماكنا فيه، وكانت كِنْدة تقوم بأمرٍ مُمر بن سَعْد لأنهم أخوالُه ، فاجتمعوا على عامر ابن مسعود ، وكتبوا بذلك إلى ابن الزبير ، فأقرّه . وأما عوانة بن الحكم؛ فإنه قال فيما ذكر هشام بن محمد عنه : لما بايع أهلُ البَصرة عُبيد الله بن زياد بعث وافدين من قِبله إلى الكوفة : عَمرو بن مِسمَعَ ، وسعد بن القرحا التميمى، ليعلم أهل الكوفة ما صنع (٢) أهل البصرة، ويسألانهم البيعة لعُبيد الله بن زياد، حتى يصطلح الناس، فجمع الناسَ عَمرو بن حريث، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّ هذين الرجلين قد أتيناكم من قِبَل أمير كم يدعوانكم إلى أمر يجمع الله به كلمتكم، ويُصلِح به ذاتَ بينكم ، فاسمعوا منهما ، واقبلوا عنهما ، فإنهما برشد ما أتَيَاكم . فقام عمرو بن مسمع ، فحِمَد الله وأثنى عليه، وَذَكَر أهل البصرة واجتماعَ رأيهم على تأمير عبيد الله بن زياد حتى يرى الناسُ رأيهم فيمن يولون عليهم ؛ (١) ط: ((عمرو)»، تحريف. (٢) ف: ((بما صنع)). ٥٢٥ سنة ٦٤ وقد جئناكم لنجمع أمرنا وأمر كم فيكونَ أميرُنا وأميركم واحداً، فإنما الكوفة من البَصْرة والبَصْرة من الكوفة ، وقام ابن القرحا فتكلم نحوًا من كلام صاحبه . قال: فقام يزيد بن الحارث بن يزيد الشيبانىّ - وهو ابن رُويم - فحصبهما أوّل الناس، ثمّ حصبهما الناسُ بعد، ثم قال: أنحن نبايع لابن مَرْجانة ! لا ولا كرامة ؛ فشرّفت تلك الفعلة يزيدَ فى المِصْر ورفعتْه، ورجع الوفد إلى البصرة فأعلم الناس الخبر فقالوا: أهلُ الكوفة يخلعونه، وأنتم تولونه وتبايعونه! فوثب به الناس ، وقال : ما كان فى ابن زياد وصمةٌ إلا استجارتَه بالأزد. قال: فلمَّا نابذَه الناسُ استجار بمسعود بن عمرو الأزدىّ، فأجاره ومنعه، ٤٦١/٢ فمكث تسعين يوماً بعد موت يزيدَ، ثمّ خرج إلى الشأم، وبعثت الأزد وبکر ابن وائل رجالا منهم معه حتى أوردوه الشأم ، فاستخلف حين توجّه إلى الشأم مسعود بن عمرو على البَصْرة ، فقالت بنو تميم وقيس : لا نرضى ولا نجیز ولا نولّى إلاّ رجلاً ترضاه جماعتنا، فقال مسعود: فقد استخلفى فلا أدَعُ ذلك أبدًا ؛ فخرج فى قومه حتى انتهى إلى القصر فدخله ، واجتمعتْ تميم إلى الأحنف بن قيس فقالوا له : إنّ الأزد قد دخلوا المسجد ؛ قال : ودخل المسجد فَهْ! إنما هو لكم ولهم، وأنتم تدخلونه ؛ قالوا: فإنه قد دخل القصر، فصَعِد المنبرَ . وكانت خوارجُ قد خرجوا ، فنزلوا بنهر الأساورة حين خرج عُبيد الله بن زياد إلى الشأم، فزعم الناس أنّ الأحنف بعث إليهم أنّ هذا الرجل الذى قد دخل القصر لنا ولكم عدوّ ، فما ◌َمنعكم من أن تبدءوا به ! فجاءت عصابةٌ منهم حتى دخلوا المسجد، ومسعود بن عمرو على المنبر يبايع مَن أتاه ، فيرميه عِلْج يقال له : مُسلم من أهل فارسَ ، دخل البصرة فأسلم ثمّ دخل فى الخوارج، فأصاب قلبَه فقتله وخرج، وَجَال الناسُ بعضُهم فى بعض فقالوا : قُتِل مسعود بن عمرو ، قتلتْه الخوارج، فخرجَتْ الأزْد إلى تلك الخوارج فقتلوا منهم وجَرّحوا، وطردوهم عن البصرة ، ودفنوا مسعوداً، فجاءهم الناس فقالوا لهم : تعلمون أنّ بنى تميم يزعمون أنهم قتلوا مسعود بن عمرو، فبعثَت الأزدُ تسأل عن ذلك؛ فإذا أناسٌ منهم يقولونه ، فاجتمعت الأزد عند ذلك فرأسوا عليهم زيادَ بنَ عمرو العتكىّ، ثم ازد لفوا إلى بني تميم ٥٢٦ سنة ٦٤ ٤٦٢/٢ وخرجتْ مع بنى تميم قيس، وخرج مع الأزد مالكُ بن مسمع وبكر بن وائل فأقبلوا نحو بنى تميم . وأقبلتْ تميم إلى الأحنف يقولون : قد جاء القوم، اخرجْ. وهو متمكِّث، إذ جاءته امرأةٌ من قومه بمِجمر فقالت : يا أحنف اجلس على هذا ، أى إنما أنت امرأة؛ فقال : اسْتك أحقّ بها، فما ◌ُمِع منه بعد كلمةٌ كانت أرفتَ منها ، وكان يُعرَف بالحلم . ثمّ إنه دعا برايته فقال : اللهمّ انصُرْها ولا تُذللها، وإنّ نُصرتها ألا يُظهَر بها ولا يُظهَر عليها ؛ اللهمّ احقن دماءَنا ، وأصلح ذاتَ بيننا . ثم سار وسار ابن أخيه إياس بن معاوية بين يديه ، فالتقى القوم فاقتتلوا أشدَّ القتال ، فقُتل من الفريقين قتلى كثيرة ، فقالت لهم بنو تميم : اللّه اللّه يا معشر الأزد فى دمائنا ودمائكم! بيننا وبينكم القرآن ومَنْ شئتم من أهل الإسلام، فإن كانت لكم علينا بيّنةٌ أنّا قتلنا صاحبكم، فاختاروا أفضلَ رجل فينا فاقتلوه بصاحبكم، وإن لم تكن لكم بيّنة فإنا نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا، ولا نعلم لصاحبكم قاتلاً ، وإن لم تریدوا ذلك فنحن نَدى صاحبكم بمائة ألف درهم. فاصطلحوا، فأتاهم الأحنف بن قيس فى وجوه مضرَّ إلى زياد بن عمرو العَتكىّ ، فقال : يا معشر الأزد ، أنتم جيرتُنا فى الدار ، وإخوتُنا عند القتال ، وقد أتيناكم فى رحالكم لإطفاء حشيشتكم، وسلَّ سخيمتكم، ولكم الحكمُ مرسلا ، فقولوا على أحلامنا وأموالنا ، فإنه لا يتعاظمُنا ذهاب شىء من أموالنا كان فيه صلاح بيننا ، فقالوا : أتدُون صاحبنا عشرَ ديات ؟ قال : هى لكم ؛ فانصرف الناس واصطلحوا ؛ فقال الهيثم بن الأسود : أَعْلَى بمسعودِ النّاعِى فقلتُ له نِعْمَ اليمانى تجرُّوَّا على الناعى فتّى دعاهُ لرأس العدَّةِ الداعِى أَوْفَى ثمانين ما يسطِيعُهُ أَحدُ فَأَوسعَ السَّرْبَ منه أَىَّ إِيساعَ آوَى آبن حرب وقدسُدَّتْ مذاهبُه وکانَ ذَا ناصرٍ فیھا وأَشیاعِ حتَّى توارت به أَرضُ وعامِرها ٤٦٣/٢ ٥٢٧ سنة ٦٤ وقال عُبيد الله بن الحُرّ: تقصَّرُ عن بنْيانِها المتطاوِلِ ما زِلتُ أَرجو الأَزْدَ حتَّى رأيتُها وصارَتْ سيوفُ الأَزْدِ مِثِلَ المناجلِ أَيُقتلُ مسعودٌ ولَم يَثْأَرُوا به تسَبُّ به أَحياوُهم فى المحافِلِ وَمَا خيرُ عقلٍ أَوْرَثَ الأَزْدَ ذِلَّةً ثَعَالِبُ فِى أَعناقِها كالجَلَاجِلِ على أَنَّهِمْ شُمْطٌ كأَنَّ لِحامُمُ واجتمع أهلُ البصرة على أن يجعلوا عليهم منهم أميراً يصلى بهم حتى يجتمع الناس على إمام ، فجعلوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر شهراً ، ثم جعلوا بيَّة - وهو عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب - فصلى بهم شهرين، ثمّ قدم عليهم عمر بن عبيد الله بن مَعْمَرَ من قبَلِ ابن الزبير، فمكث شهراً، ٤٦٤/٢ ثمّ قدم الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى" بعزله، فوليها الحارث وهو القُباع . قال أبو جعفر : وأما عمر بن شبَّة؛ فإنه حدثنى فى أمر عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كُرَيز وأمر بيَّة ومسعود وقتله ، وأمر عمر بن عبيد الله غيرَ ما قال هشام عن عوانة . والذى حدّثنى عمر بن شبّة فى ذلك أنه قال: حدّثنى علىّ بن محمد، عن أبى مُقَرِّن عبيد اللّه الدّهنىّ، قال: لما بايع الناس بيَّة ولَّى بيّة شُرطتَه همْيَان بن عدىّ، وقدم على بيَّة بعضُ أهل المدينة، وأمر همیان بن عدى بإنزاله قریباً منه ، فأتى همیان دارًا للفيل مولی زیاد التى فى بنى سُليم وهمّ بتفريغها لُنزلَها إِيَّاه، وقد كان هرب وأقفل أبوابته، فمنعت بنو سُليم هميان حتى قاتلوه ، واستصرخوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كُرَيَزِ ، فأرسل بُخارِيَّته ومواليه فى السلاح حتى طردوا هميان ومنعوه الدار ، وغدا عبد الملك من الغد إلى دار الإمارة ليسلَّم على بَبَّة، فلقيه على الباب رجل من بنى قيس بن ثعلبة، فقال : أنت المعيّن علينا بالأمس! فرفع يدَه فلطمه، فضرب قوم من البخاريَّة يدَ القيسىّ فأطارها ؛ ويقال : بل سليم القيسىّ، وغضب ابن عامر فرجع ، وغضبتْ له مضر فاجتمعتْ وأتت بكر بن ٥٢٨ سنة ٦٤ وائل أشيمَ بن شقيق بن ثور فاستصرخوه، فأقبل ومعه مالك بن مسمع حتى صعد المنبر فقال : أىّ مضرىّ وجدتموه فاسلبوه. وزعم بنو مسمع أنّ مالكًا جاء يومئذ متفضّلاً فى غير سلاح ليرد" أشيم عن رأيه. ثمّ انصرفت بكر وقد ٤٦٥/٢ تحاجزوا هم والمضريّة، واغتنمتِ الأزد ذلك، فحالفوا بكراً، وأقبلوا مع مسعود إلى المسجد الجامع، وفزعسَتْ تميم إلى الأحنف ، فعقد عمامته على قناة ، ودفعها إلى سلمة بن ذؤيب الرّياحى" ، فأقبل بين يديه الأساورة حتى دخل المسجد ومسعود يخطب ، فاستنزّلوه فقتلوه، وزعمَت الأزْد أن الأزارقة قتلوه ، فكانت الفتنة ، وسفر بينهم عمر بن عبيد الله بن معمر وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام حتى رَضِيت الأزدُ من مسعود بعشر ديّات ، ولزم عبد الله بن الحارث بيته ، وكان يتديّن، وقال: ما كنتُ الأصلح الناس بفساد نفسى . قال عمر : قال أبو الحسن : فكتب أهلُ البصرة إلى ابن الزبير ، فكتب إلى أنس بن مالك يأمره بالصّلاة بالناس ، فصلَّى بهم أربعين يومًا . حد ٹی عمر ، قال : حدثنا على بن محمد، قال: کتبابن الزبير إلى عمر ابن عبيد الله بن مَعْمَر التيمىّ بعهده على البصرة، ووجّه به إليه ، فوافقه وهو متوجّه يريد العُمْرة، فكتب إلى عُبيد الله يأمره أن يصلّى بالناس، فصلى بهم حتى قدم عمر . حد ◌ّثنی عمر ، قال: حدثی زهير بنحرب ،قال: حدثنا وهب بن جرير ، قال: حدثنى أبى، قال : سمعتُ محمد بن الزبير، قال : كان الناس اصطلحوا على عبد الله بن الحارث الهاشمىّ ، فولى أمرهم أربعة أشهر، وخرج نافع بن الأزرق إلى الأهواز ، فقال الناس لعبد الله: إن الناس قد أكل بعضُهم بعضًاً ؛ تؤخذ المرأة من الطريق فلا يمنَعُها أحد حتى تُفضّح ؛ قال : فتريدون ماذا؟ قالوا : : تضَعَ سيفَك، وتَشدُّ على الناس ؛ قال : ما كنت لأصلحهم ٤٦٦/٢ بفساد نفسى، يا غلام، ناوِلِى نعلى، فانتعل ثمّ لحق بأهله، وأمَّر الناسُ عليهم مُمَرَ بن عبيد الله بن معمر التيمىّ؛ قال أبى، عن الصَّعْب بن زيد: ٥٢٩ سنة ٦٤ إنّ الجارف وقع وعبد الله على البصرة، فماتت أمُّه فى الجارف ، فما وجدوا لها من يحملها حتى استأجروا لها أربعة أعلاج فحملوها إلى حُفْرتها ، وهو الأمير يومئذ . حدّٹی عمر، قال : حدثنى على بن محمد، قال : کان بية قد تناول فى عمله على البَصرة أربعين ألفًا من بيت المال ، فاستودّعها رجلاً ، فلما قدم عمر بن عبيد اللّه أميرًا أخذ عبد الله بن الحارث فحبسه، وعذّب مولى له فى ذلك المال حتى أغرمه إياه . حدّثنى عمر قال : حدّثنى علىّ بن محمّد ، عن القافْلانىّ، عن يزيد ابن عبد الله بن الشَّخِّر ، قال: قلت لعبد الله بن الحارث بن نوفل: رأيتك زمان استعملت علينا أصبْتَ من المال، واتَّقيت الدم ، فقال: إنّ تَبيعة المال أهون من تَبِعة الدم . [ ذكر الخبر عن ولاية عامر بن مسعود على الكوفة ] وفى هذه السنة ولَّى أهلُ الكوفة عامرَ بنَ مسعود أمرهم ، فذكر هشام ابن محمد الكلبىّ، عن عوانة بن الحكم، أنهم لما ردّوا وافدَىْ أهل البصرة اجتمع أشرافُ أهل الكوفة ، فاصطلحوا على أن يصلّىَ بهم عامر بن مسعود - وهو عامر بن مسعود بن خلف القرشىّ، وهوُ دحروجَةُ الجُعَل الذى يقول فيه عبد الله بن هَمَّم السَّلولى": اشْدُدْ یدیْكَ بزیْدٍ إِن ظَفِرْتَ بهِ واشفِ الأَرَامِلَ مِن دُحرُوجَةِ الجُعلِ وكان قصيراً - حتى يرى الناس رأيهم، فمكث ثلاثة أشهر من مهلك ٤٦٧/٢ يزيدَ بن معاوية، ثم قدم عليهم عبدُ الله بن يزيدَ الأنصارىّ ثم الخَطْمىّ على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة (١) بن عبيد الله على الخراج، فاجتمع (١) ابن الأثير: ((طليحة)). ٥٣٠ سنة ٦٤ لابن الزبير أهلُ الكوفة وأهل البصرة ومن بالقبلة من العرب وأهل الشام ، وأهل الجزيرة إلا أهلَ الأردُنّ . [ خلافة مروان بن الحكم ] وفى هذه السنة بُويع لمروانَ بن الحكم بالخلافة بالشأم . ذكر السبب فى البيعة له : حدّثنى الحارث ، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: حدّثنا محمد بن عمر ، قال: لما بويع عبدُ الله بن الزبير ولَّى المدينةَ عُبيدةَ بن الزبير، وعبد الرحمن بن جَحْدَمَ الفِهْرِىّ مصرَ، وأخرَج بنى أميّة ومروان بن الحكم إلى الشأم - وعبد الملك يومئذ ابن ثمان وعشرين - فلما قدم حصين بن نمير ومَن معه إلى الشأم أخبر مَرْوانَ بما خلَّف عليه ابن الزبير ، وأنه دعاه إلى البيعة، فأبى فقال له ولبنى أمية : نراكم فى اختلاط شديد ، فأقيموا أمركم (١) قبل أن يدخل عليكم شأمتكم ، فتكون فتنة عمياءَ صمَّاء ؛ فكان من رأى مروان أن يرحل فينطلق إلى ابن الزبير فيبايعه ، فقدم عبيد اللهبن زياد واجتمعت عنده بنو أميّة، وكان قد بلغ عبيد الله ما يريد مروان ، فقال له: استحييتُ لك مما تريد! أنت كبيرُ قريش وسيِّدها ، تصنع ما تصنعه! فقال : ما فات شىءٌ بعدُ؛ فقام معه بنو أميّة ومواليهم، وتجمع إليه أهلُ اليمن ، فسار وهو ٤٦٨/٢ يقول: ما فات شىءٌ بعدُ؛ فقدم دمشقَ ومن معه، والضّحاك بن قيس الفهرىّ قد بايعه أهلُ دمشق على أن يصلّىَ بهم ؛ ويقيمَ لهم أمرهم حتى يجتمع أمرُ أمَّة محمد . وأما عوانة فإنه قال- فيما ذكر هشام عنهإنّ يزيد بن معاوية لمامات وابنه معاوية من بعده، و کان معاوية بن يزيد بن معاوية۔۔ فيما بلغنىأمر بعد ولا يته فنودىَ بالشأم: الصلاة جامعة! فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد، فإنى قد نظرت فى أمركم فضعفتُ عنه ، فابتغيت لكم رجلا مثلَ عمر بن (١) ابن الأثير: ((أميركم)). ٥٣١ سنة ٦٤ الخطّاب رحمة اللّه عليه حين فزع إليه أبو بكر فلم أجده ، فابتغيت لكم ستّةً فى الشورى مثل ستّة عمر، فلم أجدها، فأنتم أولَى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم . ثم دخل منزله ولم يخرج إلى الناس، وتغيَّب حتى مات . فقال بعض الناس: دُسّ إليه فسُقى سمًا، وقال بعضهم: طُعن. * رجع الحديث إلى حديث عوانة. ثمّ قدم عبيدالله بن زياددمشق وعليها الضحاك ابن قيس الفهرىّ، فثارزُفَر بن الحارث الكلابىّ بقِنَّسرِین يبايع لعبد الله بن الزبير ، وبايع النعمان بن بشير الأنصارىّ بحمص لابن الزبير ، وكان حسان ابن مالك بن بَحْدَل الكلبىّ بفلسطين عاملاً لمعاوية بن أبى سُفْيان، ثمّ ليزيد ابن معاوية بعده، وكان يَهوَى هَوَى بنى أميَّة، وكان سيِّدَ أهل فلسطين ، فدعا حسّان بن مالك بن بحدل الكلبىّ رَوْحَ بن زنباع الجُذامىّ، فقال: إنى مستخلفُك على فلسطين ، وأدخل هذا الحىّ من لدخْ وجُذام، ولست بدون رجل إذكنت واستخلف روح بن زنباع علی فلسطین ، فثار ناتل بن قيس بروح بن زنباع فأخرجه ، فاستولى علی فلسطین ،وبایعلا بن الز بير ، وقد كان عبد الله بن الزبير كتب إلى عامله بالمدينة أن ينفىَ بنى أميَّةَ من المدينة، فنُفُوا بعيالاتهم ونسائهم إلى الشأم ، فقدِ متْ بنو أميّة دمشق وفيها مروان بن الحكم، فكان الناس فريقين: حسّان بن مالك بالأردنّ يَهوَى هَوَى بنى أمية، ويدعو إليهم؛ والضحَّاك ابن قيس الفهرىّ بدمشقَ يَهوَى هَوَى عبد الله بن الزبير ، ويدعو إليه. قال: فقام حسان بن مالك بالأردن، فقال: يا أهلَ الأردن"، ما شهادتُكم على ابن الزبير وعلى قَتْلَى أهلِ الحرّة ؟ قالوا : نشهد أنّ ابن الزبير منافق وأنّ قَتَلَى أهلِ الحرّة فى النار ؛ قال: فما شهادتُكم على يزيد بن معاوية وقتلاكم بالحرّة ؟ قالوا : نشهد أنّ يزيد على الحقّ، وأنّ قتلانا فى الجنة ؛ قال: وأنا أشهد لئن كان دينُ يزيد بن معاوية وهو حىّ حقًّا يومئذ إنه اليوم وشيعتُهُ على حقّ؛ وإن كان ابن الزبير يومئذ وشيعته على باطل إنه اليومَ على باطل وشيعته ؛ قالوا له : قد صدقتَ، نحن نبايعك على أن نقاتل من عينهم قاتلت بمن معك من قومك. وخرج حسَّان بن مالك إلى الأردنّ ٤٦٩/٢ ٥٣٢ سنة ٦٤ خالفك من الناس ، وأطاعَ ابنَ الزبير ، على أن تجنِّبنا هذين الغلامين، فإنا نكره ذلك - يَعْنُون ابنَى يزيد بن معاوية عبد اللّه وخالداً - فإنهما حديثةٌ أسنانهما، ونحن نكره أن يأتيّنا الناس بشيخ ونأتيهم بصبىّ. وقد كان الضحاك ٢/ ٤٧٠ ابن قيس بدمشقَ يَهوَى هَوَى ابن الزبير؛ وكان يمنعه من إظهار ذلك أنّ بنى أميّة كانوا بحضرته ، وكان يعمل فى ذلك سرًّا ، فبلغ ذلك حسان بن مالك ابن بحدل ، فكتب إلى الضحاك كتابًا يعظّم فيه حقّ بنى أمية ، ويذكر الطاعة والجماعة وحُسْنَ بلاءٍ بنى أميَّة عندَه وصنيعهم إليه ، ويدعوه إلى طاعتهم ، ويذكر ابن الزبير ويقع فيه ويشتمه ، ويذكر أنه منافق ، قد خلع خليفتين ، وأمره أن يقرأ كتابه على الناس . ودعا رجلا من كَلْب يُدعى ناغضة فسرَّح بالكتاب معه إلى الضحَّاك بن قيس ، وكتب حسان بن مالك نسخةَ ذلك الكتاب ، ودفَعَه إلى ناغضة، وقال : إنْ قرأ الضحاك كتابى على الناس وإلاّ فقم فاقرأ هذا الكتاب على الناس ؛ وكتب حسان إلى بنى أمية يأمرهم أن يحضروا ذلك ، فقَدِمِ ناغضةُ بالكتاب على الضحَّك فدفعه إليه ودفع كتابَ بنى أميّة إليهم ، فلما كان يومَ الجمعة صعد الضحَّاك المنبر فقام إليه ناغضة، فقال: أصلح اللّه الأمير! ادعُ بكتاب حسَّان فاقرأه على الناس ، فقال له الضحاك : اجلس، فجلس ؛ ثمّ قام إليه الثانية فقال له : اجلس ؛ ثمّ قام إليه الثالثة فقال له : اجلس ؛ فلما رآه ناغضة لا يفعل أخرج الكتابَ الذى معه فقرأه على الناس ، فقام الوليد بن عتبة بن أبى سُفْيَانَ فصدّق حساناً وكذّب ابن الزبير وشتمه، وقام يزيد بن أبى النِّمس (١) الغسانىّ، فصدّق مقالة حسان وكتابه، وشتم ابن الزبير ، وقامَ سُفْيان بن الأبرد الكلىّ فصدّق مقالة حسان وكتابه ، وشتم ابن الزبير . وقام عمرو بن يزيد الحكمىّ فشتم حسّان وأثنى على ابن الزبير ، واضطرب ٢/ ٤٧١ الناس تبعًا لهم، ثمّ أمر الضحاك بالوليد بن عتبة ويزيد بن أبى النّمس وسُفْيان (١) ابن الأثير: (أبو الغمس))، قال: ((بالسين المهملة، وقيل بالشين المعجمة، وكان قد ارتد عن الإسلام ودخل الروم مع جبلة بن الأيهم ؛ ثم عاود الإسلام ، وشهد صفين مع معاوية وعاش إلى أيام عبد الملك بن مروان )) . سنة ٦٤ ٥٣٣ ابن الأبرد الذين كانوا صدّقوا مقالة حسان وشتموا ابن الزبير فحُبسوا ، وجال الناسُ بعضُهم فى بعض، ووثبت كَلْب على عمرو بن يزيد الحكمىّ فضربوه وحرّقوه بالنار ، وخرّقوا ثيابه . وقام خالد بن يزيد بن معاوية فصعد مرْقاتين من المنبر (١) وهو يومئذ غلام، والضحَّاك بن قيس على المنبر، فتكلّم خالد بن يزيد بكلام أوْجَز فيه لم يُسمع مثلُهُ، وسكِّن الناس ونزل الضحاك فصلَّى بالناس الجمعة ، ثمّ دخل فجاءت كلب فأخرجوا سفيان بن الأبرد ، وجاءت غسّان فأخرجوا یزید بن أبى النُّمس ، فقال الوليد بن عتبة : لو كنتُ من كلب أو غسان أخرِجت . قال: فجاء ابنا يزيد بن معاوية: خالد وعبد الله؛ معهما أخوالُهما من كلب فأخرجوه من السِّجن، فكان ذلك اليوم يسمِّه أهلُ الشأم يومَ جَيْرون الأوّل. وأقام الناس بدمشقَ ، وخرج الضحَّاك إلى مسجد دمشقَ ، فجلس فيه فذكر يزيدَ بنَ معاوية ، فوقع فيه ، فقام إليه شابٌ من كلب بعصًا معه فضربه بها، والناس جلوس فى الحلق متقدِّدى السُّوف، فقام بعضُهم إلى بعض فى المسجد ، فاقتتلوا ؛ قيس تدعو إلى ابن الزبير ونُصرة الضحَّاك، وكلْب تدعو إلى بنى أمية ثم إلى خالد بن يزيد ، ويتعصّبون ليزيد ، ودخل الضحاك دارَ الإمارة ، وأصبح الناس فلم يخرج إلى صلاة الفجر ، وكان من الأجناد ناس يهوَوْن هَوَى بنى أمية ، وناس يهوَوْن هَوَى ابن الزبير، فبعث الضحاك ٤٧٢/٢ إلی بنی أميّة فدخلوا علیه منالغد ،فاعتذر إليهم ،وذ کر حُسنَ بَلائهم (٢) عند موالیه وعنده ، وأنه لیس یرید شيئًا يكرهونه . قال : فتكتبون إلى حسّان ونكتب، فيسير من الأردن" حتى ينزل الجابية، ونسير نحن وأنتم حتى نوافيته بها ، فنبايع لرجل منكم ، فرضيَتْ بذلك بنو أميّة، وكتبوا إلى حسان ، وكتب إليه الضحاك، وخرج الناس وخرجت بنو · أميّة واستقبلت الرايات ، وتوجهوا يريدون الجابية، فجاء ثور بن معن بن يزيد ابن الأخنس السُلَمىّ إلى الضحاك، فقال: دعوتنا إلى طاعة ابن الزبير فبايعْناك (١) فى ابن الأثير: ((فصعد مرقاتين من المنبر وسكّن الناس)). (٢) ف: ((بلانه)). ٥٣٤ سنة ٦٤ على ذلك ، وأنت تسير إلى هذا الأعرابىّ من كَلْب تستخلف ابن أخيه خالد ابن يزيد! فقال له الضحّاك: فما الرأىُ؟ قال: الرأى أن نُظهر ما كنا نسرّ وندعو إلى طاعة ابن الزبير ، ونقاتل عليها ، فمالَ الضحّاك بمن معه من الناس فعَطفهم، ثمّ أقبل يسير حتى نزل بمَرْج راهطَ . واختُلف فى الوقعة التى كانت بمرج راهط بين الضحاك بن قيس ومروان ابن الحكم، فقال محمد بن عمرَ الواقدىّ: بُويع مروانُ بنُ الحكم فى المحرّم سنة خمس وستين ، وكان مروانُ بالشأم لا يُحدّث نفسه بهذا الأمر حتى أَطْمَعَه فيه عُبيد الله بن زياد حين قدم عليه من العراق، فقال له : أنت كبيرُ قريش ورئيسها، يلى عليك الضحاك بن قيس! فذلك حين كان ما كان، فخرج إلى الضحاك فى جيش ، فقتلهم مروان والضحاك يومئذ فى طاعة ابن ٤٧٣/٢ الزبير، وقُتلت قيس بمرج راهط مقتلةً لَمْ يُقتل مِثلُها فى موطن قطّ. قال محمد بن عمر : حدثنى ابن أبى الزناد ، عن هشام بن عروة ، قال : قُتِل الضحاكيومَ مَرْج راهط على أنه يدعو إلى عبد الله بن الزبير، وكُتِبَ به إلى عبد الله لما ذُكِرِ عنه من طاعته وحسن رأيه (١). وقال غيرُ واحد : كانت الوقعة بمرج راهط بين الضحاك ومروان فى سنة أربع وستين . وقد حُدّثت عن ابن سعد ، عن محمد بن عمر ، قال : حدّثنی موسی ابن يعقوب، عن أبى (٢) اُوَيْرث، قال: قال أهل الأردن" وغيرهم لمروان: أنت شيخٌ كبير ، وابن يزيد غلام وابن الزبير كَهْل ، وإنما يُقرع الحديدُ بعضه ببعض، فلا تبارِه بهذا الغلام ، وارم بنحرك فى نحره ، ونحن نبايعك، ابسط يدك ، فَبَسَطها ، فبايعوه بالجابِيَة يومَ الأربعاء لثلاث خلون من ذى القعدة سنة أربع وستين . قال محمد بن عمر : وحدّثنى مصعب بن ثابت ، عن عامر بن عبد الله أن الضّحاك لما بلغه أنّ مروان قد بايعه من بايعه على الخلافة ، بايع من معه (١) ط: ((لنا وذكر من طاعته لنا)). (٢) ط: ((بنى))، وانظر الفهرس. سنة ٦٤ ٥٣٥ لابن الزبير ، ثم سار كلّ واحد منهما إلى صاحبه، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقُتل الضحاك وأصحابه . قال محمد بن عمر : وحدثنى ابن أبى الزّناد ، عن أبيه؛ قال : لما ولى المدينة عبد الرحمن بن الضحاك كان فتّ شابًّا، فقال: إنّ الضحاك ابن قيس قد كان دعا قيسًا وغيرها إلى البيعة لنفسه ، فبايعهم يومئذ على الخلافة ، فقال له زُفَر بن عقيل الفيهرىّ : هذا الذى كنا نعرف ونسمع ، وإنّ بنى الزبير يقولون: إنما كان بايع لعبد الله بن الزبير، وخرج فى طاعته حتى ٢ /٤٧٤ قتل ، الباطلَ واللّه يقولون؛ كان أوّل ذاك أنّ قريشً دعتْه إليها ، فأبى عليها حتى دخل فيها كارهًا . * ذكر الخبر عن الوقعة بمرج راهط بين الضحَّك بن قيس ومروان بن الحكم وتمام الخبر عن الكائن من جليل الأخبار والأحداث فى سنة أربع وستين قال أبو جعفر : حدّثنا نوح بن حبيب، قال: حدّثنا هشام بن محمد، عن عوانة بن الحكتم الكلبىّ ، قال : مال الضحاك بن قيس بمن معه من الناس حين سار يريد الجابية للقاء حسَّان بن مالك، فعطفهم ، ثمّ أقبل يسير حتى نزل بمرْج راهط ، وأظهر البيعة لابن الزبير وخلع بنى أميّة ، وبايعه على ذلك جُلّ أهل دمشق من أهل اليمن وغيرهم . قال: وسارت بنو أميّة ومن تبعهم حتى وافتَوا حسّانَ بالجابية، فصلّ بهم حسّان أربعين يومًا ، والناس يتشاورون ، وكتب الضحاك إلى النعمان بن بشير وهو على حِمْص، وإلى زُفر بن الحارث وهو على قِنَّسرين ، وإلى ناتل ابن قيس وهو على فلسطين يستمدّهم ، وكانوا على طاعة ابن الزبير ، فأمدّه النعمان بشُرَ حْبيل بن ذى الكَلاع ، وأمده زُفَر بأهل قنَّسْرِين ، وأمدّه ناتل بأهل فلسطين ، فاجتمعت الأجناد إلى الضحاك بالمرْج . وكان الناس بالجابية لهم أهواء مختلفة، فأمّا مالك بن هبيرة السَّكُونِيّ فكان يَهوَى هَوَى بنى يزيد بن معاوية ، ويحبّ أن تكون الخلافة فيهم ، وأما الحصين بن نمير السَّكونىّ فكان يَهوَى أن تكون الخلافة لمروان بن الحكم، ٥٣٦ سنة ٦٤ فقال مالك بن هبيرة لحصين بن نمير : هلمّ فلنبايع (١) لهذا الغلام الذى نحن ولَدْنا أباه ، وهو ابن أختنا ، فقد عرفت منزلتنا كانت من أبيه ، فإنه يحملنا على رقاب العرب غداً - يعنى خالد بن يزيد - فقال الحصين: لا، لَعَمر اللّه، لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيهم بصبىّ؛ فقال مالك: هذا ولم تتردى (٢) تهامة ولما يَبلُغ الحزامُ الطُّبيَيْن؛ فقالوا: مهلاً يا أبا سليمان! فقال له مالك : والله لئن استخلفت مروانَ وآل مروان ليحسدُنَّك على سوطك وشراك نعلك وظلّ شجرة تستظلّ بها؛ إنّ مروان أبو عشيرة، وأخو عشيرة، وعمّ عشيرة، فإن بايعتموه كنتم عبيداً لهم ، ولكن عليكم بابن أختكم خالد ، فقال حصين : إنّى رأيت فى المنام قِنْديلا معلّقًا من السماء، وإنّ من يَمدّ عنقه إلى الخلافة تناولتَه فلم ينلْهُ، وتناوله مروان فنالَه، واللّه لنستخلفنَّه؛ فقال له مالك : وَيْحك يا حصين! أتبايع لمروان وآل مروان وأنت تعلم أنهم أهل بيت من . قيس ! فلما اجتمع رأيُهم للبيعة لمروان بن الحكم قام رَوْح بن زنباع الجذامیّ، فحَمَد اللّهَ وأثنى عليه ثم قال: أيُّها الناس، إنكم تذكرون عبد الله بن عمر ابن الخطاب وصُحبَتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدمَه فى الإسلام، وهو كما تذكرون؛ ولكن ابن عمر رجلٌ ضعيفٌ ، وليس بصاحب أمة محمد ٢ /٤٧٦ الضعيفُ، وأمَّا ما يذكر الناس من عبد الله بن الزبير ويدْ عون إليه من أمره فهو واللّه كما يذكرون بأنه لابن الزبير حوارىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أسماء ابنة أبى بكر الصدّيق ذاتِ النَّطاقَين، وهو بعدُ كما تذكرون فى قَدَمَه وفَضْله ؛ ولكنّ ابن الزبير منافق ، قد خلع خليفتين: يزيد وابنه معاوية ابن يزيد ، وسَفَك الدماء ، وشقّ عصا المسلمين ، وليس صاحبَ أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم المنافقُ؛ وأمَّا مروان بن الحكم؛ فوالله ما كان فى الإسلام صَدْعٌ قطُّ إلا كان مروان ممَّن يَشعَب ذلك الصّدع، وهو الذى قاتل عن أمير المؤمنين عثمان بن عفّان يومَ الدار ، والذىٍ قاتل علىّ بن أبى طالب يومَ الجَمَل، وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير ويستشبّوا (٣) الصغير - (١) فى وابن الأثير: ((نبايع هذا الغلام)). (٢) ف: ((ترد)). (٣) ابن الأثير: ((ويستشيرا)). ٥٣٧ سنة ٦٤ يعنى بالكبير مروانَ بنَ الحكم ، وبالصغير خالدَ بنَ يزيد بن معاوية. قال : فأجمع رأى الناس على البيعة لمروان ، ثمّ لخالد بن يزيد من بعده ، ثم لعمرو ابن سعيد بن العاص من بعد خالد ، على أنّ إمارة دمشقَ لعمرو بن سعيد ابن العاص ، وإمارة حمصَ لخالد بن يزيد بن معاوية . قال : فدعا حسان ابن مالك بن بحدل خالد بن يزيد فقال: أبُنىَّ أخْتِى، إنّ الناس قد أبَوْك الحداثة سنِّك، وإنى والله ما أريد هذا الأمر إلا لك ولأهل بيتك، وما أبايع مروان إلا نظراً لكم؛ فقال له خالد بن يزيد : بل عُجِّزْت عنا ، قال : لا والله ما عُجِّزْتُ عنك، ولكنّ الرأى لك ما رأيتُ. ثمّ دعا حسان بمروانَ فقال: يا مروان، إن الناس والله ما كلُّهم يرضى بك، فقال له مروان: إِنْ يُرِدِ اللّه ٤٧٧/٢ أن يعطنيها لا يمنعنى إياها أحدٌ من خلقه، وإن يُردْ أن يمنعنيها لايُعطِنيها أحدٌ من خلقه. قال : فقال له حسان : صدقت ، وصَعِد حسان المنبر يومَ الاثنين، فقال: يأيّها الناس، إنا نستخلف يومَ الخميس إن شاء الله؛ فلما كان يوم الخميس بايع لمروانَ، وبايع الناسُ له، وسار مروان إلى الجابية فى الناس حتى نزل مَرْجَ راهط على الضحاك فى أهل الأردن" من كَلْب، وأنته السَّكاسك والسَّكون وغسان، وربع حسان بن مالك بن بحدل إلى الأردن" . قال : وعلى ميمنته- أعنى مروان- عمرو بن سعيد بن العاص، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد ، وعلى ميمنة الضحاك زياد بن عمرو بن معاوية العُقَيْلىّ وعلى ميسرته رجل آخر لم أحفظ اسمه، وكان يزيد بن أبى النَّمس الغسانىّ لم یشهد الجابية ؛ وكان مختبئًا بدمشق ، فلما نزل مروانُ مرج راهط ثار یزید ابن أبى نمس بأهل دمشق فى عبيدها ، فغلب عليها ، وأخرج عامل الضحاك منها ، وغلب على الخزائن وبيت المال، وبايع لمروان وأمدّه بالأموال والرجال والسلاح ، فكان أوّلَ فتح فتحَ على بنى أميّة . قال : وقاتل مروان الضحاك عشرين ليلةً كان، ثم هُزِم أهلُ المرج، وقُتلوا وقُتل الضحاك، وقُتل يومئذ من أشراف الناس من أهل الشام ممن كان مع الضحاك ثمانون رجلا كلهم كان يأخذ القطيفة ، والذى كان يأخذ القطيفة يأخذ ألفين فى العطاء، وقتل أهل ٤٧٨/٢ الشأم يومئذ مقتلةً عظيمةً لم يقتّلوا مثلها قطّ من القبائل كلها، وقتل مع الضحاك ٥٣٨ سنة ٦٤ يومئذ رجل من كلب من بنى عليم يقال له مالك بن يزيد بن مالك بن كعب، وقتُل يومئذ صاحب لواء قُضاعةَ حيث دخلتْ قضاعة الشأم، وهو جدّ مُدلَّج ابن المقدام بن زَمْل بن عمرو بن ربيعة بن عمرو الجُرَشىّ، وقُتِل ثور بن معن بن يزيد السُّلمىّ، وهو الذى كان ردّ الضحاك عن رأيه . قال: وجاء برأس الضحاك رجلٌ من كلب، وذكروا أنّ مروان حين أتِىَ برأسه ساءه ذلك وقال: الآن حين كبرتْ سنّى وَدَقَ عَظمى وصرتُ فى مثل ظِمءٍ الحمار (١)، أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض ! قال: وذكروا أنه مرّ يومئذ برجل قتيل فقال : سِ أَىُّ أَمِیریْ قِرَيش غَلَبْ وَمَا ضرَّهُمْ غير حَيْنِ النَّفُو وقال مروان حين بُويع له ودعا إلى نفسه : سيّرت(٢) غَسّانَ لهمْ وكَلبا لما رأَيتُ الأَمرَ أَمرًا نَهْبَا وَطَيِّئْاً تأْباه إِلَّ ضَرْبًا والسّكْسكِّينَ رجالاً غُلْبَا ومِن تَنوخَ مِشْمَخِرًا صعبًا والقَيْنِ تَمْشى فى الحديد نُكبا وإِنْ دَنَتْ قيصٌ فقل لا قربًا لا يأُخذونَ المُلْك إِلاَّ غَصْبًا ٤٧٩/٢ قال هشام بن محمد : حدثنى أبو مخنف لوط بن يحيى ؛ قال : حدّثنی رجل من بنى عبد ودّ من أهل الشام ، قال: حدثنى مَن شهد مقتلَ الضحاك ابن قيس، قال: مرّ بنا رجلٌ من كلب يقال له زُحنة بن عبد الله، كأنما يرمى بالرجال الجَدّاءَ، ما يطعن رجلاً إلا صَرَعَهُ، ولا يتَضرب رجلا إلا قتله ، فجعلتُ أنظر إليه أتعجب من فعله ومن قتله الرّجال، إذ حمل عليه رجل فصَرَعه زُحْنة وتركه ، فأتيتُه فنظرت إلى المقتول فإذا هو الضحاك بن قيس، فأخذت رأسَه فأتيتُ به إلى مروان ، فقال : أنت قتلته ؟ فقلت : لا ، ولكن قتله زُحْنة بن عبد الله الكلبىّ، فأعجبه صِدْقِى إيّاه، وتركى ادعاءه، فأمَرَ لى بمعروف ، وأحسَنَ إلى زحنة. (١) الظمه: ما بين الشربتين، وفى اللسان: ((وقولهم: ما بقى منه إلا قدر ظمء الحمار، أى لم يبق من عمره إلا اليسير، يقال: إنه ليس شىء من الدواب أقصر ظماً من الحمار)). (٢) ط: ((يسرت))، والأجود ما أثبته من ابن أبي الحديد. ٥٣٩ سنة ٦٤ قال أبو مخنف : وحد ثنی عبد الملك بن نوفل بن مساحق ، عن حبيب بن كرّة، قال: والله إنّ راية مروانَ يومئذ لمعيى، وإنه ليدفع بنعل سيفه فى ظهرى، وقال: ادْنُ برايتك لا أبا لك! إنّ هؤلاء لو قد وجدوا لهم حد السيوف انفرجوا انفراجَ الرأس، وانفراجَ الغَنم عن راعيها . قال : وكان مروان فى ستة آلاف ، وكان على خيله عبيد الله بن زياد ، وكان على الرجال مالك ابن هُبيرة ؛ قال عبد الملك بن نوفل: وذكروا أنّ بِشر بن مروان كانت معه يومئذ رايةٌ يقاتل بها وهو يقول : إِنَّ على الرئيس حقًّا حقًّا أَن يَخضِبَ الصَّعْدَةَ أَو تَنْدَقًّا قال: وصُرع يومئذ عبد العزيز بن مروان؛ قال: ومرَّ مروان يومئذ برجل ٤٨٠/٢ من محارب وهو فى نفر يتَسير تحت راية يقاتل عن مروان، فقال مروان: يرحمك . الله! لو أنك انضممت بأصحابك، فإنى أراك فى قلة! فقال: إنّ معنا يا أمير المؤمنين من الملائكة مدداً أضعاف من تأمرنا ننضم إليه ، قال : فُسرَّ بذلك مروان وضحك ، وضمَّ أناسًا إليه ممن كان حوله ؛ قال : وخرج الناس منهزمين من المرْج إلى أجنادهم ، فانتهى أهل حِمْص إلى حمصَ والنعمان بن بشير عليها ، فلمَّا بلغ النعمان الخبرَ خرج هاربًا ليلاً ومعه امرأته نائلة بنت ◌ُمارة الكلبيَّة، ومعه ثَقَلَه وولدُهَ، فتحيَّر ليلته كلَّها، وأصبح أهل حِمْص فطلبوه ؛ وكان الذى طلبه رجل من الكلاعيّن يقال له عمرو بن الخَلِىّ فقتله ، وأقبل برأس النعمان بن بشير وبنائلة امرأته وولدها، فألقى الرأسَ فى حِجْر أمّ أبان ابنة النعمان التى كانت تحتَ الحجّاج بن يوسف بعد . قال: فقالت نائلة: ألقُوا الرأس إلىّ فأنا أحقّ به منها، فألقِى الرأسُ فى حِجْرها ، ثمّ أقبلوا بهم وبالرأس حتى انتهَوْا بهم إلى حِمْص ، فجاءت كلب من أهل حمص فأخذوا نائلة وولدها ؛ قال: وخرج زُفَر بن الحارث من قِنَّسرين هاربًا فلحق بقرْقِيسِيّاً ، فلما انتهى إليها وعليها عِياضُ الجُرَشَىّ(١) وهو ابن أسلم بن كعب بن مالك بن لغز بن أسود بن كعب بن (١) ابن الأثير: ((الحرشى)). : ٥٤٠ سنة ٦٤ حدس بن أسلم - وكان يزيد بن معاوية ولاه قَرقِيسيا، فحال غياض بين. زُفر وبين دخول قرقيسيا، فقال له زفر: أوثق لك بالطلاق والعتاق إذا أنا ٤٨١/٢ دخلت حمّامها أن أخرج منها ؛ فلما انتهى إليها ودخلها لم يدخل حمّامها وأقام بها ، وأخرج عياضًا منها ، وتحصّن زُفَر بها وثابَتْ إليه قيس . قال : وخرج ناتل بن قيس الجُذامىّ صاحب فِلَسْطِين هاربًا، فلحق بابنِ الزبير بمكة، وأطبق أهل الشأم على مروان، واستوثقوا له، واستعمل عليها عمّاله. قال أبو مخنف : حدثنى رجل من بنى عبد وُدّ من أهل الشام - يعنى الشرقىّ- قال: وخرج مَرْوان حتى أتى مصرَ بعد ما اجتمع له أمرُ الشأم، فقدم مصرَ وعليها عبد الرحمن بن جَحْدَم القرشىّ يدعو إلى ابن الزبير ، فخرج إلیه فیمن معه من بنی فھْر ، وبعث مروانُ عمرو بن سعید الأشدق من ورائه حتى دخل مصرَ ، وقام على منبرها يخطب الناس ، وقيل لهم : قد دخل عمرو مصر، فرجعوا، وأمَّر الناسُ مروانَ وبايعوه، ثمّ أقبل راجعًا نحو دمشق ، حتى إذا دنا منها بلغه أنّ ابن الزبير قد بعث أخاه مصعب بن الزّبير نحو فلسطين ، فسرّح إليه مرَوَانُ عَمرو بن سعيد بن العاص فى جيش ، واستقبله قبل أن يدخل الشأم ، فقاتله فهزم أصحاب مصعب ، وكان معه رجلٌ من بنى عُذْرة يقال له محمد بن حُرّيَث بن سليم ، وهو خال بنى الأشدق ، فقال: والله ما رأيت مثلَ مصعب بن الزبير رجلا قط أشدّ قتالاً فارسًا وراجلاً، ولقد رأيته فى الطريق يترجَّل فيطَّرد بأصحابه، ویشدّ على رجليه ،حتى رأيتهما قد دَمَيتَا . قال: وانصرف مروانُ حتى استقرّتْ به دمشق ، ورجع إليه عمرو بن سعيد . قال : ويقال : إنه لما قدم عبيد الله بن زياد من العراق ، فنزل الشأم ٤٨٢/٢ أصاب بنى أميَّة بتدمُر، قد نفاهم ابن الزبير من المدينة ومكة، ومن الحجاز كله ، فنزلوا بتَدْمُر، وأصابوا الضحاك بن قيس أميرًاً على الشأم لعبد الله بن الزبير ، فقدم ابن زياد حين قدم ومروان يريد أن يركب إلى ابن الزبير فيبايعه بالخلافة، فيأخذ منه الأمان لبنى أميَّة؛ فقال له ابن زياد: أنشُدُك اللّه ألاّ