Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ سنة ٦١ ٣٥٠/٢ أضْرِبُهُمْ بالسيفِ ضَرْبًا مِقْصَلاَ لا ناكِلاً عَنْهُمْ وَلا مهَّلاَ (١) وأخذ يقول أيضًا : عن خيرٍ مَنْ حَلّ مِنَّى والخَيْفْ أَضرِبُ فى أعراضِهِمْ بالْسیفْ فقاتل هو وزهير بن القَيْن قتالا شديداً، فكان إذا شدَّ أحدُهما؛ فإن استُلحِمَ(٢) شدّ الآخر حتى يخلّصه، ففعلا ذلك ساعة. ثمّ إنّ رجّالة شدّت على الحرّ بن يزيد فقتل، وقتَل أبو ثمامة الصائدىّ ابنَ عمّ له كان عدوًّا له ، ثم صلّوا الظهر، صلى بهم الحسين صلاةَ الخوف، ثمّ اقتتلوا بعد الظهر فاشتدّ قتالهم ، ووُصِل إلى الحسين، فاستقدم الحنفىّ أمامَه، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل يميناً وشمالاً قائمًا بين يديه ، فما زال بُرمى حتى سقط . وقاتل زهير بن القَيْن قتالاً شديداً ، وأخذ يقول : أَنا زُهيرٌ وَأَنَا ابْنُ القَيْنِ أَنُودُهُمْ بِالسيفِ عن قال : وأخذ يتضرب على متنكب حسين ويقول : فاليومَ تَلقَى جَدَّكَ النَّبِيًّا أَقدِمْ هُدِيتَ هادِياً مَهدِيًّا وَذَا الجنَاحَيْنِ الفَتَى الكَمْيَّا وحَسناً والمرتضَى علِيًّا * وأَسدَ اللهِ الشهيدَ الحيًّا. قال : فشدّ عليه كثيرُ بن عبد اللّه الشعبىّ ومهاجرُ بن أوْس فقَتَلاه، قال : وكان نافع بن هلال الجملى" قد كتب اسمه على أفواق نَبْله ، فجعل. يرمى بها مسوّمةً وهو يقول: ((أَنا الجمَلى، أَنَا على دِينٍ عَلى)). فقتل اثنى عشر من أصحاب عمر بن سعد سوى مَنْ جرح؛ قال: ٣٥١/٢ فضرب حتى كُسرت عضداه وأخذ أسيراً؛ قال : فأخذه شَمربن ذى الجوشن (١) س: ((مغللا)). (٢) استلحم: روهق فى القتال. ٤٤٢ سنة ٦١ ومعه أصحاب له یسوقون نافعاً حتى أتى بهعمر بن سعد ، فقال له عمر بن سعد: وَيْحك يا نافع! ما حَمَلَك على ما صنعتَ بنفسك! قال: إنّ ربى يعلم ما أردتُ؛ قال: والدماء تسيل على لحيته وهو يقول: والله لقد قتلتُ منكم اثنى عشر سَوَى مَن جرحتُ، وما ألوم نفسى على الجهد ، ولو بقيَتْ لى عضد وساعدٌ ما أسرتمونى ؛ فقال له شمر: أُقْتُله أصلحك الله ! قال : أنت جئتَ به ، فإن شئتَ فاقتله ، قال : فانتضى شمر سيفَه ، فقال له نافع : أما والله أنْ لو كنت من المسلمين لعظُمُ عليك أن تلقى اللّهَ بدمائنا، فالحمد لله الذى جعل منايانا على يدى شِرارِ خلقه ؛ فقتله . قال : ثمّ أقبل شمير يحمل عليهم وهو يقول : خَلُّوا عُداةَ اللهِ خدّا عن شَمِرْ يَضرِبُهُمْ بسيفه وَلَا يَفِرْ * وهو لكم صابٌ وَسَمّ ومَقِرْ(١). قال : فلما رأى أصحابُ الحسين أنهم قد كُثِروا ، وأنهم لا يقدرون على أن يمنعوا حسينًا ولا أنفسَهم ، تنافسوا فى أن يُقتَلوا بين يديه ، فجاءه عبد الله وعبد الرحمن ابنا عَزْرة الغفاريّان، فقالا: يا أبا عبد الله، عليك السلام ، حازَنَا العدوّ إليك، فأحبَبْنا أن نُقْتَل بين يديْك، نمنعك وندفع عنك ، قال : مرحباً بكما ! ادنُوَا مِنِّى ، فدنَوَا منه ، فجعلايقاتلان قريبًا منه ، وأحدهما يقول : وَخِنْذِفُ بعد بنى نزارٍ قد علِمِتْ حتمًّا بنو غِفَارٍ بكلّ عَضْبٍ صارمٍ بَتَّارٍ لَنَضْربَنَّ مِعْشَرَ الفُجَّارِ بالمُشرَفِّ وَالقَنَا الخطَّارِ ياقوم ذُودُوا عن بنى الأحرارِ ٣٥٢/٢ قال : وجاء الفَتِيَان الجابريّان : سيف بن الحارث بن سُرَيْع ، ومالك ابن عبد بن سريع، وهما ابنا عمّ، وأخَوان لأمّ، فأتياحسينًا فدَنَوا منه وهما (١) المقر: المر ، قال أبو حنيفة: هو نبات ينبت ورقاً. فى غير أفنان. ٤٤٣ سنة ٦١ يبكيان ، فقال: أىْ ابنَىْ أخى، ما يُبكيكما؟ فوالله إنّى لأرجو أن تكونا عن ساعة قريرىْ عين ، قالا: جعلنا الله فداك! لا والله ما على أنفسنا نبكى، ولكنّا نبكى عليك ، نراك قد أحيط بك ، ولا نقدر على أن نمنعك ؛ فقال : جزاكما اللّه يا بنى أخى بوَحْد كما من ذلك ومواساتكما إيتاى بأنفسكما أحسنَ جزاءِ المتقين؛ قال : وجاء حنظلة بن أسعد الشّبامىّ فقام بين يدى حسين، فأخذ ينادى: ﴿يَا قَوْمِ إِلَّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأُخْزَابِ. مِثْلَ دَأْبٍ قَوْم نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اله يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ * وَيَاقَوْمٍ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ النَّنَادِ ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادِ﴾(١) يَا قوم تقتلوا حسينًا فيُسْحِتَكُمْ الله بعذاب ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىْ)(٢) فقال له حسين: يابن أسعد ، رحمك الله، إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردّوا عليك ما دعوتَهم إليه من الحقّ ، ونهضوا إليك ليستبيحوك وأصحابك، فكيف بهم الآن وقد قَتلوا إخوانَك الصالحين ! قال : صدقت ، جعلت فداك! أنت أفقه منَّى وأحقّ بذلك، أفلا نروح(٣) إلى الآخرة ونلحق بإخواننا؟ فقال: رُحْ إلى خيرٍ من الدنيا وما فيها ، وإلى مُلكٍ لا يَبْلى، فقال: السلام عليك أبا عبد لله، صلى الله عليك وعلى أهل بيتك ، وعرّف بيننا وبينك فى جنّته، فقال : آمين آمين ؛ فاستقدم فقاتل حتى قُتل . ٣٥٣/٢ قال : ثمّ استقدم الفَّيَان الجابريّان يلتفتان إلى حسين ويقولان: السَّلام عليك يابن رسول الله ، فقال: وعليكم السلام ورحمة الله ؛ فقاتَلاً حتى قُتلا ؛ قال: وجاء عابس بن أبى شبيب الشاكرى ومعه شوْذَب مولی شاكر، فقال : ياشَوْذب ، ما فى نفسك أن تصنع ؟ قال : ما أصنع ! أقاتل معك دون ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقتل ؛ قال : ذلك الظنّ بك، أمَّا لَا فتقدّمْ بين يدى أبى عبد الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه ، وحتى أحتسبك أنا ، فإنه لو كان معى الساعة أحدٌ أنا أوْلَى (١) سورة غافر: ٣٠ - ٠٠٣٣ (٢) سورة طه:٦١. (٣) ف: ((تروح)). ٤٤٤ ٠ سنة ٦١ به منّى بك لسرّنى أن يتقدّم بين يدىّ حتى أحتسبه، فإنّ هذا يوم ينبغى لنا أن نطلب الأجرَ فيه بكلّ ما قدَرْنا عليه، فإنه لا عملَ بعد اليوم ، وإنما هو الحساب ؛ قال : فتقدّم فسلّم على الحسين ، ثم مضى فقاتل حتى قُتل. ثم قال عابس بن أبى شبيب: يا أبا عبد الله، أما والله ما أمسَى على ظهر الأرض قريبٌ ولا بعيدٌ أعزَّ علىّ ولا أحبَّ إلىّ منك؛ ولو قدرتُ على أن أدفع عنك الضّيمَ والقتلَ بشىء أعزّ علىّ من نفسى ودمى لفعلتُه ؛ السلام عليك يا أبا عبد الله، أشهدُ اللّهَ أنى على هَديك وهدى أبيك؛ ثم مشى بالسيف مصلتاً نحوهم وبه ضربة على جبينه . قال أبو مخنف: حدّثّى نمير بن وَعْلة، عن رجل من بنى عبد من هَمْدان يقال له ربيع بن تميم شهد ذلك اليوم ، قال: لما رأيتُه مُقْبلا عرفتُه وقد شاهدتُه فى المتغازِى ، وكان أشجعَ الناس، فقلت: أيُّها الناس ، هذا الأسد الأسود، هذا ابنأبى شبيب؛ لا يخرجن إليه أحد منكم، فأخذ ينادى: ألا رجلٌ لرجل! فقال عمر بن سعد: ارضَخُوه بالحجارة ؛ قال: فُرسِىَ بالحجارة من كلّ جانب، فلما رأى ذلك ألقى درْعه ومغفرَه، ثمّ شدّ على الناس، فوالله لرأيتُه يكرُد(١) أكثرَ من مائتين من الناس؛ ثم إنهم تعطّفوا عليه من كلّ جانب ، فقتِل ؛ قال : فرأيت رأسَه فى أيدى رجال ذوى عُدَّة؛ هذا يقول : أنا قتلته ، وهذا يقول: أنا قتلته ، فأتّوا عمرَ بن سعد فقال : لا تختصموا ، هذا لم يقتلْه سنان واحد ، ففرَّق بينهم بهذا القول. قال أبو مخنف : حدثنى عبد الله بن عاصم، عن الضحّاك بن عبد الله المشرقیّ ، قال : لما رأيتُ أصحاب الحسين قد أصيبوا ، وقد خلص إليه وإلى أهل بيته ، ولم يبق معه غيرُ سُوَيَد بن عمرو بن أبى المطاع الخثْعَمىّ وبُشَير ابن عمرو الحضرمىّ ، قلت له : يابن رسول اللّه، قد علمتَ ما كان بينى وبينك ؛ قلتُ لك : أقاتل عنك ما رأيتُ مقاتلا ، فإذا لم أر مقاتلاً فأنا فى حِلّ من الانصراف ؛ فقلتَ لى : نعم؛ قال: فقال : صدقتَ ، وكيف لك (١) الكرد : الطرد . ٣٥٤/٢ سنة ٦١ ٤٤٥ ٢٠٥/٢ بالنَّجاء ! إِنْ قدَرَتَ على ذلك فأنتَ فى حلّ؛ قال: فأقبلتُ إلى فرسى وقد كنت حيث رأيت خيلَ أصحابنا تُعقَر، أقبلتُ بها حتى أدخلتها فسطاطًا لأصحابنا بين البيوت ، وأقبلت أقاتل معهم راجلاً ، فقتلت يومئذ بین یدی الحسين رجليْن، وقطعت يدَ آخر ، وقال لى الحسين يومئذ مراراً : لا تُشلل ، لا يقطع اللّه يَدَك، جزاك الله خيراً عن أهل بيت نبيك صلى الله عليه وسلم! فلما أذن لى استخرجتُ الفرس من الفسطاط ، ثم استويْتُ على متْنها ، ثم ضربتُها حتى إذا قامت على السنابك رميتُ بها عُرْضَ القوم ، فأفرجوا لى ، واتبعنى منهم خمسة عشر رجلاً حتى انتهيتُ إلى شُفَيَّة ؛ قرية قريبة من شاطئ الفُرات ، فلماٍ لحقونى عطفتُ عليهم، فعرَفَنى كثير بن عبد الله الشعبىّ وأيوب بن مِشْرَح الخَيْوانىّ وقيس بن عبد الله الصائدىّ، فقالوا : هذا الضحاك بن عبد الله المشرقىّ، هذا ابنُ عمِّنًا، نَنشُدكم اللّهَ لما كففتم عنه! فقال ثلاثة نفر من بني تميم كانوا معهم: بلى والله لنجيبنَ إخواننا وأهلَ دعوتنا إلى ما أحبُّوا من الكفّ عن صاحبهم ؛ قال : فلما تابع التميميُّون أصحابى كفّ الآخرون؛ قال : فنجّانى اللّه. قال أبو مخنف: حدثی فُضیل بن خُدیج الكندى أنّ یزید بن زياد؛ وهو أبو الشعثاء الكندىّ من بنى بتَهْدَلة جئًا على ركبتيه بين يدى الحسين ، فرَمى بمائة سهم ماسقط منها خمسة أسهم، وكان راميًا، فكان كلّمارَمتى قال: أنا ابن بهدلهْ، فُرْسانِ العَرْجله؛ ويقول حسين: اللهمّ سدّدْرميتَه، واجعلْ ثوابَه الجِنَّةَ؛ فلما رمى بها قام فقال: ما سقط منها إلا خمسة أسهم ، ولقد تبيَّن لى أنى قد قتلتُ خمسة نفر ، وكان فى أوّل من قُتل، وكان رجزه ٢٥٦/٢ يومئذ : أَشجعُ من ليثٍ بِغِيلٍ خادرٌ(١) أنا يزيدُ وأَبِى مُهاصِرْ ولابن سعدٍ تاركٌ وهاجرْ ياربّ إِنِّى للحسيْنِ ناصِرْ وكان يزيد بن زياد بن المهاصر ممّن خرج مع مُمر بن سعد إلى الحسين، (١) الغيل بالكسر: الشجر الكثير الملتف". ٤٤٦ سنة ٦١ فلما ردّوا الشُّروط على الحسين مال إليه فقاتل معه حتى قُتل، فأمّا الصيداوىّ عمر بن خالد ، وجابر بن الحارث السلمانىّ ، وسعد مولى عمر بن خالد ، ومجمع بن عبد الله العائذىّ، فإنهم قاتلوا فى أوّل القتال، فشدّوا مُقْد مين بأسيافهم على الناس ، فلما وغلوا عطف عليهم الناس فأخذوا يحوزونهم ، وقطعوهم من أصحابهم غير بعيد ، فحمل عليهم العباس بن علىّ فاستنقذهم ، فجاءوا قد جُرُّحوا، فلما دنا منهم عدوّهم شدّوا بأسيافهم فقاتَلوا فى أوّل الأمر حتى قُتلوا فى مكان واحد . قال أبو مخنف : حدّثّنى زهير بن عبد الرحمن بن زهير الخثعمىّ، قال : كان آخر مَن بقى مع الحسين من أصحابه سُويد بن عمرو بن أبى المطاع الخثعمىّ، قال: وكان أوّل قتيل من بنى أبى طالب يومئذ علىّ الأكبر بن الحسين بن علىّ، وأمه ليلى ابنة أبى مُرّة بن عروة بن مسعود الثقفىّ، وذلك أنه أخذ يشدّ على الناس وهو يقول : أَنا عَلىُ بنُ حسينٍ بن عَلى نَحن وربِّ البيت أَوَلَى بالنَّبِى • تالله لا يَحْكُمُ فينا ابنُ الدَّعِى . قال: ففعل ذلك مراراً ، فبَصربه مُرّة بن منقذ بن النعمان العبدىّ ثُمّ الليْىّ، فقال: علىّ أَثَامُ العرب إنْ مَرّ بى يفعل مِثلَ ما كان يفعل إنْ لم أثكله أباه ؛ فمرَّيشدّ على الناس بسيفه ، فاعترضه مرَّة بن منقذ ، فطعنه فصُرع ، واحتّوَله الناس فقطعوه بأسيافهم . قال أبو مخنف: حدثنى سليمان بن أبى راشد ، عن حميد بن مسلم الأزدىّ، قال : سماعُ أذنى يومئذ من الحسين يقول: قتل اللّه قوماً قتلوك يا بنىّ! ما أجرأهم على الرحمن ، وعلى انتهاك حرمة الرسول! على الدنيا بعدَكَ العَفَاء. قال : وكأنى أنظر إلى امرأة خرجتْ مسرعةً كأنها الشمس الطالعة تنادى : يا أخيّاهْ !ويا بن أخَيّاهْ! قال: فسألتُ عليها ، فقيل : هذه زينب ابنة فاطمةَ ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت حتى أكبّت عليه ، فجاءها ٣٥٧/٢ ٤٤٧ سنة ٦١ الحسين فأخذ بيدها فردّها إلى الفسطاط، وأقبل الحسين إلى ابنه ، وأقبل فتيانه إليه، فقال: احملوا أخاكم، فحملوه مِنْ مصرعه حتى وضعوه بين يدى الفسطاط الذى كانوا يقاتلون أمامه. قال: ثمّ إن عمرو بن صُبيح الصّدائىّ رَمى عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفَّه على جبهته ، فأخذ لا يستطيع أن يحرّك كفَّيه، ثم انتحتى له بسهم آخرَ ففلق قلَبه ، فاعتَوَرَهم الناس من كلّ جانب، فحمل عبد الله بن قطْبَة الطائىُّ ثمّ النّبهانىّ على عون بن عبد الله ابن جعفر بن أبى طالب فَقَتله ، وحمل عامر بن نَهْشلْ التيمىُّ على محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب فقَتلَه؛ قال : وشدّ عثمان بن خالد ابن أسَيْر الجُهنىّ، وبشر بن سوط الهمدانىّ ثمّ القابضىّ على عبد الرحمن ابن عقيل بن أبى طالب فقَتَلاه، ورمى عبد الله بن عزرة الخثعمیّ جعفر ابن عقيل بن أبى طالب فقَتّله . قال أبو مخنف : حدثنى سليمان بن أبى راشد ، عن حُميد بن مسلم ، قال : خرج إلينا غلام كأنَّ وجهه شقّة قمر ، فى يده السيف، عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شِسْع أحدهما، ما أنسى أنها اليسرى، فقال لى عمرو ابن سعد بن نُفيل الأزدىّ: والله لأشدّنّ عليه ؛ فقلت له: سبحان الله ! وما تريد إلى ذلك! يكفيك قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتولوهم ؛ قال : فقال : واللّه لأشدّنّ عليه؛ فشدّ عليه فما ولى حتى ضرب رأسَه بالسيف، فوقع الغلامُ لوجهه، فقال: يا عمّاه! قال: فجلَّى الحسين كما يحلّى الصقر، ثم شدّ شدّةَ ليث غُضُبُّ، فضرب عمراً بالسيف، فاتقاه بالساعد ، فأطنّها من لَدُن المرفق، فصاح، ثمّ تنحتى عنه، وحملتْ خيلٌ لأهل الكوفة ليستنقذوا عمرًا من حسين، فاستقبلت عمرًا بصدورها، فحرّكت حوافرَها وجالت الخيل بفرسانها عليه ، فوطئَتْه حتى مات ، وانجلت الغبرة ، فإذا أنا بالحسين قائمٌ على رأس الغلام ، والغلام يفحصُ برجليه؛ وحسين يقولُ: بُعدًا لِقوم قتلوك؛ ومن ختصمهم يوم القيامة فيك جدُّك!ثم قال: عزَّ واللّه على عمِّك أن تدعوَه فلا يُجِيبُك، أو يجيبُك ثم لا ينفعك! صوتٌ واللّهِ كَثْر واتِرُه، وقلّ ناصِرُه . ثم احتمله فكأنى أنظر إلى رِجِلَى الغلام يخطّان فى الأرض ، ٣٥٨/٢ ٣٥٩/٢ ٤٤٨ سنة ٦١ وقد وضع حسین صدره على صدره ؛ قال : فقلتُ فى نفسى : ما يصنع به ! فجاء به حتى ألقاه مع ابنه على بن الحسين وقَتلَى قد قُتلتْ حوْلَه من أهل بيته ، فسألتُ عن الغلام ، فقيل: هو القاسم بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب. قال: ومكث الحسين طويلاً من النهار كلَّما انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه، وكره أن يتولّى قتله وعظيم إثمه عليه ؛ قال : وإنّ رجلا من كِنْدة يقال له مالك بن النُّسير من بنى بَدَّاء ، أتاه فضربَه على رأسه بالسيف ، وعليه بُرنُس له ، فقطع البرنس ، وأصاب السيف رأسَه ، فأدمى رأسَه ، فامتلأ البرنس دمًا ، فقال له الحسين: لا أكلت بها ولا شربتَ ، وحشرك الله مع الظالمين! قال: فألقى ذلك البرنس، ثمّ دعا بقكنْسُوَة فلبسها، واعتمّ ، وقد أعيا وبَلّد، وجاء الكندىّ حتى أخذ البرنس- وكان من خزّ - فلما قدم به بعد ذلك على امرأته أمّ عبد الله ابنة الحرّ أخت حسين بن الحرّ البَدّىّ، أقبل يغسل البرنسَ من الدم، فقالت له امرأته: أستلبَ ابن بنت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم تدخِلُ بينى! أخرِجْه عنّى؛ فذكر أصحابُه أنه لم يزل فقيراً بشرّ حتى مات. قال: ولما قعد الحسين أتى بصبيّ له فأجلسه فى حجره زعموا أنه عبد الله بن الحسين . قال أبو مخنف : قال عُقْبة بن بشير الأسدىّ : قال لى أبو جعفر محمد ابن علىّ بن الحسين : إنَّ لنا فيكم يا بنى أسد دمًا ؛ قال : قلت : فما ذنى أنا فى ذلك رحمك الله يا أبا جعفر! وما ذلك؟ قال: أتِىّ الحسين بصبىّ له، فهو فى حِجْره ، إذ رماه أحدُكم يا بنى أسد بسهم فذَبَحه ، فتلقى الحسينُ دمه ، فلما ملأ كفَّه صبه فى الأرض ثم قال: ربِّ إنْ تك حبستَ عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير ، وانتقمْ لنا من هؤلاء الظالمين؛ قال : ورمى عبدُاللّه بن عقبة الغنوىّ أبا بكر بن الحسين بن علىّ بسهم فقتله ، فلذلك يقول الشاعر ؛ وهو ابن أبى عقِب : وفى أَسدٍ أخرى تعَدُّ وَتُذْكرُ وعِندَ غنِیُ قَطرةٌ مِن دِمائِنسا قال: وزعموا أنّ العبّاس بن على" قال لإخوته من أمُّه: عبد الله، وجعفر ٣٦٠/٢ ٤٤٩ سنة ٦١ وعثمان: يا بنى أمِّى، تقدّموا حتى أرِثكم، فإنه لا ولد لكم، ففعلوا ، فقتلوا. وشدّ هاذى بن ثُبَيت الحضرمىّ على عبد الله بن علىّ بن أبى طالب فقتله ، ثمّ شدّ على جعفر بن علىّ" فقتله وجاء برأسه، وربى حدّوَلىّ بن يزيد الأصبحىّ عثمان بن على بن أبى طالب بسهم، ثم شدّ علیه رجل من بنی أبان بن دارم فقسَّله، وجاءَ برأسه ، ورمى رجلٌ من بنى أبان بن دارم محمد بن علىّ بن أبى طالب فقتله وجاء برأسه. قال هشام: حدثنى أبو الهُدَيل - رجلٌ من السّكون - عن هانئ بن ثبيت الحضرمىّ ، قال : رأيتُه جالسًا فى مجلس الحضرميّين فى زمان خالد بن عبد الله وهو شيخ كبير؛ قال: فسمعتُه وهو يقول: كنت ممن شهد قتلَ ٢٠ / ٣٦١ الحسين ، قال : فوالله إنى لواقف عاشرّ عشرة ليس منّا رجل إلا على فرس، وقد جالت الخيلُ وتصعصعتْ، إذ خرج غلامٌ من آل الحسين وهو ◌ُمِسك بعُود من تلك الأبنية ، عليه إزار وقميص، وهو مذعور ، يتلفّت يمينًا وشمالاً، فكأنى أنظر إلى ◌ُدُرَّتين فى أذنيه تذبذبان كلما التّفَتَ ، إذْ أقبل رجل يركض ، حتى إذا دنا منه مالَ عن فرسه ، ثم اقتصد الغلام فقطعه بالسيف . قال هشام : قال السَّكونىّ: هانئ بن ثُبَيْت هو صاحب الغلام ، فلما عُتب عليه كتنى عن نفسه . قال هشام : حدّثّنى عمرو بن شمر، عن جابر الجُعْفىّ، قال : عطش الحسين حتى اشتدّ عليه العطش ، فدنا ليشرب من الماء ، فرماه حصين بن تميم بسهم ، فوقع فى فمه ، فجعل يتلقى الدمَ من فمه، ويترمى به إلى السماء ، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثمّ جمع يديه فقال: اللهم أحصِهم عدداً، واقتلهم بدداً ، ولا تَذَرْ على الأرض منهم أحداً . قال هشام، عن أبيه محمد بن السائب ، عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة، قال : حدّثّنى من شهد الحسينَ فى عسكره أنّ حسينًا حين غُلِب على عسكره ركب المسنّاة يريد الفرات ، قال : فقال رجل من بنى أبان بن دارمٍ: وَيَْلكم! حُولوا بينه وبين الماء لا تتامٌ إليه شيعته ؛ قال : وضرب ٤٥٠ سنة ٦١ فرسه ، وأتبعه الناس حتى حالوا بينه وبين الفرات ، فقال الحسين : اللهم أُظْمه ، قال : وينتزع الأبانىّ بسهم ، فأثبّتَه فى حنك الحسين ، قال : فانتزع الحسين السهمَ ، ثمّ بسط كفّيه فامتلأتْ دماً، ثم قال الحسين: اللهم إنى أشكو إليك ما يُفْعل بابن بنت نبيُك؛ قال: فوالله إنْ مكث الرجل إلا يسيراً حتى صبّ اللّه عليه الظمأ، فجعل لا يَروَى. قال القاسم بن الأصبغ: لقد رأيتُنى فيمن يرَوّح عنه والماء يبرَّد له فيه السَّكَر وعساس فيها اللبن ، وقلال فيها الماء، وإنه ليقول: وَيْلكم! اسقُونى قتلنى الظمأ، فيعُطَى القُلّة أو العُسَّ كان مروياً أهل البيت فيشربه ، فإذا نزعه من فيه اضطجع الهُنيْهةَ ثم يقول: وَيَْلكم! اسقونى قتلنى الظمأ؛ قال: فوالله ما لبث إلا يسيراً حتى انقدّ بطنُه انقداد بطن البعير. قال أبو مخنف فى حديثه: ثم إنّ شمر بن ذي الجوشن أقبلَ فى نفرٍ نحو من عشرة من رجّالة أهل الكوفة قبل منزل الحسين الذى فيه ثقله وعيالُه، فمشى نحوَه ، فحالوا بينه وبين رَحْلِه ، فقال الحسين: ويلكم! إن لم يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون يومَ المعاد ، فكونوا فى أمر دنياكم أحراراً ذوى أحساب، امنعوا رَحْلى وأهلى من طَغَامكم وجُها لكم ؛ فقال ابن ذى الجوْشن: ذلك لك يابن فاطمة؛ قال: وأقدم عليه بالرجّالة، منهم أبو الجنوب- واسمه عبد الرحمن الجُعَفىّ- والقَشْعَ (١) بن عمرو بن يزيد الجعفى"، وصالح بن وهب اليزَنىّ، وسنان بن أنس النخَعَىّ، وخَوَلَىّ بن يزيد الأصبحىّ ، فجعل شمر ابن ذى الجوشن يحرّضهم ، فمرّ بأبى الجَنوب وهو شاك فى السلاح فقال له: ٣٦٣/٢ أقدم عليه؛ قال: وما يمنعك أن تقدم عليه أنت! فقال له شمر: ألِى تقول ذا! قال : وأنت لى تقول ذا! فاستبًّا، فقال له أبو الجنوب- وكان شجاعًا: والله لهممتُ أن أخضخضَ السنان فى عينك؛ قال : فانصرف عنه شمر وقال: والله لئن قدرتُ على أن أضرّك لأضرّنّك قال: ثمّ إنّ شمربن ذي الجوشن أقبل فى الرجّالة نحو الحسين ؛ فأخذ الحسين يشدّ عليهم فينكشفون عنه . ثم إنهم أحاطوا به إحاطةً ، وأقبل إلى الحسين غلام من أهله ، فأخذتْه أخته (١) س: ((والقشعمى)). ٣٦٢/٢ سنة ٦١ ٤٥١ زينب ابنة علىّ لتحبسه، فقال لها الحسين: احبسيه ، فأبى الغلام، وجاء يشتدّ إلى الحسين ، فقام إلى جنبه ؛ قال : وقد أهوى بحر بن كعب بن عبيدالله - من بنى تيْم الله بن ثعلبة بن عكابة- إلى الحسين بالسيف، فقال الغلام: يابن الخبيثة ، أتقتل عمّى! فضربه بالسيف، فاتقاه الغلام بيده فأطفّها إلا الجلدة ، فإذا يده معلّقة ، فنادى الغلام: يا أمَّتاه! فأخذه الحسين فضمَّه إلى صدره، وقال : يابن أخى؛ اصبر على ما نزل بك ، واحتسب فى ذلك الخير، فإنّ اللّه يُلحقك بآبائك الصالحين؛ برسول الله صلى الله عليه وسلم وعلىّ بن أبى طالب وحمزة وجعفر والحسن بن علىّ ؛ صلى الله عليهم أجمعين . قال أبو مخنف: حدّثنى سليمان بن أبى راشد، عن حميد بن مسلم، قال: سمعت الحسينَ يومئذ وهو يقول: اللهمّ أمسك عنهم قَطْرَ السماء، وامنعهم بركاتِ الأرض، اللهمّ فإنْ مُتّعتهَم إلى حينٍ ففرقهم فِرَقا ، واجعلهم طرائقَ قِدَداً، ولا تُرْض عنهم الوُلاة أبداً، فإنهم دعَوْنا لينصرونا، فعَدَوْا علينا فقتلونا . قال : وضارب الرّجالة حتى انكشفوا عنه ؛ قال: ولما بقى الحسين فى ثلاثة رهط أو أربعة، دعا بسراويلَ محقَّقة(١) يلمع فيها البَصَر، يَمَانىّ محقَّق، ففزره ونكثه (٢) لكيلا يسلّبه، فقال له بعض أصحابه : لو لبست تحته تُبَّاناً(٣)! قال: ذلك ثوب مذّلة، ولا ينبغى لى أن ألبسه؛ قال : فلما قتل أقبل بحر بن كعب فسلبه إياه فتركه مجرَّداً . ٣٦٤/٢ قال أبو مخنف : فحدثنى عمرو بن شعيب ، عن محمد بن عبد الرحمن أنّ يدَىْ بحر بن كعب كانتا فى الشتاء تنضَحان الماء ، وفى الصيف تَيْبسان كأنهما عود . قال أبو مخنف: عن الحجّاج(٤)، عن عبدالله بن عمَّار بن عبد يغوث البارقىّ، (١) ثوب محقق: محكم النسج. (٢) نكثه ، أى نقض نسجه . (٣) التبان كرمّان: سراويل صغيرة مقدار شبر يستر العورة. (٤) ط: ((الحجاج بن عبد الله))، وهو خطأ، وانظر الفهرس. ٤٥٢ سنة ٦١ وعُتِب على عبد الله بن عمّار بعد ذلك مشهده قتل الحسين، فقال عبد الله بن عمار : إنّ لى عند بنى هاشم لَيَداً، قلنا له: وما يَدُك عندهم؟ قال: حملتُ على حسين بالرُّمح فانتهيت إليه ، فوالله لو شئت لطعنتُه، ثم انصرفتُ عنه غيرَ بعيد، وقلت : ما أصنع بأن أتولّى قتله! يقتله غيرى . قال: فشدّ عليه رَجّالة ممَّن عن يمينه وشماله، فحمل على من عن يمينه حتى ابذعرُّوا، وعلى من عن شماله حتى ابذعرُّوا ، وعليه قميص له من خَزّ وهو معتمَّ؛ قال: فوالله مارأيت مكسوراً(١) قطَ قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشًا ، ولا أمضى جنانًا ولا أجرأ مقدمًا منه، والله ما رأيتُ قبله ولا بعده مثلَه ؛ أن كانت الرّجالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المِعزّى إذا شدّ فيها الذئب؛ قال: فوالله إنه لكذلك إذ خرجتْ زينبُ ابنة فاطمة أخته ، وكأنى أنظر إلى قُرْطها يحول بين أذنيها وعاتقها وهى تقول : ليت السماء تطابقتْ على الأرض ! وقد دنا عمر بن سعد من حسين؛ فقالت : يا عمر بن سعد ، أَيُقتَل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه! قال: فكأنى أنظر إلى دموع عمرَ وهى تسيل على خدّيه ولحيته ؛ قال : وصرف بوجهه عنها . قال أبو مخنف : حدّثنى الصَّقْعب بن زهير، عن حُميد بن مسلمٍ ، قال : كانت عليه جُبَّة من خزّ، وكان معتمًّا، وكان مخضوبًا بالوَسِمة، قال : وسمعته يقول قبل أن يُقتَل، وهو يقاتل على رجليه قتالَ الفارس الشجاع يتَّقى الرمية، ويفترضُ(٢) العورة، ويشدّ على الخيل، وهو يقول: أُعَلى قتلى تحاثُّون! أما والله لا تقتُلُون بعدى عَبْداً من عباد الله اللّهُ أسخطَ عليكم لقَتْلهِ منّى؛ وايم الله إنى لأرجو أن يكرِمنى الله بهوانكم، ثمّ ينتقم لى منكم من حيث لا تشعرون ، أما والله أن لوقد قتلتمونى لقد ألقى الله بأسَكُم بينكم، وسفك دماء كم، ثم لا يتَرضَى لكم حتى يضاعف لكم العذاب الأليم. قال : ولقد مكث طويلاً من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا ، ولكنهم كان يتقى بعضهم ببعض، ويحبّ هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء ؛ قال : (١) المكسور: الكسير المنهزم. (٢) افترص العورة: انتهزها. ٣٦٥/٢ ٤٥٣ سنة ٦١ فنادى شمر فى الناس : وَيْحكم ؛ ماذا تنظرون بالرجل! اقتلوه تكلِتْكم أمّهاتكم!قال: فحُمل عليه من كلّ جانب، فضُربت كفُّه اليُسرَى ضربةً، ضربها زُرْعَة بن شريك التميمىّ ، وضُرِب على عاتقه، ثم انصرفوا وهو يَنُوء ويَكْبو؛ قال: وحمل عليه فى تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النَّخَعىّ فطَعَنْه بالرّمح فوقع، ثم قال لحوَلىّ بن يزيد الأصبحىّ: احتزّ رأسه ، فأراد أن يفعل، فضعف فأرعد، فقال له سنان بن أنس: فتّ اللّه عَضُديك(١)، وأبان يَدَيْك! فنزل إليه فذبحَه واحتزّ رأسه، ثمُ دُفِع إلى خَوَلىّ بن يزيد، وقد ضرب قبل ذلك بالسيوف . ٣٦٦/٢ قال أبو مخنف ، عن جعفر بن محمد بن علىّ ، قال : وُجُدْ بالحسين عليه السلام حين قُتل ثلاثٌ وثلاثون طعنة وأربعٌ وثلاثون ضربة ؛ قال : وجعل سنان بن أنس لا يدذُو أحدٌ من الحسين إلاّ شدّ عليه مخافة أن يُغلب على رأسه، حتى أخَذ رأسَ الحسين فدَفعَه إلى خوَلى؛ قال: وسُلِب الحسينُ ما كان عليه ، فأخذ سراويله بحربن كعب ، وأخذ قيس بن الأشعث قطفته ۔۔ و کانت من خزّ ، و کان یسمّی بعدُ قیس قطيفة ــ وأخذ نعلیه رجل من بنى أوْد يقال له الأسود ، وأخذ سيفَه رجل من بنى نتَهشتَل بن دارم ، فوقع بعد ذلك إلى أهل حبيب بن بُدَيَل ؛ قال : ومال الناس على الوَرْس والخلَل والإبل وانتهبوها؛ قال: ومال الناسُ على نساء الحسين وثقتله ومتاعه، فأنْ كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتى تُغلَب عليه فيُذْهَب به منها. قال أبو مخنف : حدثنى زهير بن عبد الرحمن الخثعمىّ ، أن سويد بن عمرو بن أبى المطاع كان صُرِع فأثخن ، فوقع بين القتلى مُثُخَنًا ، فسمعهم يقولون: قُتل الحسين ، فوجد إفاقةً ، فإذا معه سكِّين وقد أخذ سيفه، فقاتَلَهم بسكينه ساعةً، ثم إنه قُتل، فَتَّلَه عروة بن بطار التغلَىّ، وزيد بن رُقاد الجنبيّ ، وكان آخر قتيل . ٣٦٧/٢ قال أبو مخنف : حدثنى سليمان بن أبى راشد ، عن حُميد بن مسلم ، (١) ف: ((عضدك)» ٤٥٤ سنة ٦١ قال ، انتهيتُ إلى علىّ بن الحسين بن علىّ الأصغر وهو منبسط على فراش له ، وهو مريض، وإذا شَمر بن ذي الجوشن فى رَجّالة معه يقولون: ألا نقتل هذا ؟ قال : فقلتُ : سبحان اللّه! أنقتل الصبيان" ! إنما هذا صبىّ؛ قال : فما زال ذلك دأبى أدفع عنه كلَّ مَن جاء حتى جاء عمر بن سعد، فقال: ألا لا يدخلنّ بيتَ هؤلاء النسوة أحد، ولا يَعرِضنّ لهذا الغلام المريض، ومَنْ أخذ من متاعهم شيئًا فليردّه عليهم. قال: فوالله ما ردّ أحد شيئًا؛ قال : فقال علىّ بن الحسين: جُزيت من رجل خيراً! فوالله لقد دفع اللّه عنى. بمقالتك شرًّا ؛ قال: فقال الناس لسنان بن أنس : قتلتَ حسين بن علىّ وابن فاطمة ابنةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتلت أعظمَ العرب خطرًا؛ جاء إلى هؤلاء يريد أن يزيلهم عن ملكهم ، فأتِ أمراءَك فاطلب ثوابك منهم، لو أعطَوْك بيوتَ أموالهم فى قتل الحسين كان قليلاً ؛ فأقبل على فرسه ، وكان شجاعًا شاعراً ، وكانت به لُوثة ، فأقبل حتى وقف على باب فسطاط عمر بن سعد ، ثمّ نادى بأعلى صوته : أَوْقِرْ ركابى فضَّةً وَذَهبَا أَنا قتلتُ المَلِك المحجَّبَا وخيرَهم إِذْ يُنسبون نسَبا قتلتُ خيرَ الناسِ أُمَّا وأَبَا فقال عمر بن سعد: أشهد إنك لمجنون ما صححتَ قطّ ، أدخلوه علىّ ، فلما أدخِل حَذَفه بالقضيب ثم قال: يا مجنون ، أتتكلّم بهذا الكلام ! أما والله لو سمعك ابن زياد لضرب عنقَك؛ قال: وأخذ عمر بن سعد عُقْبة بن سِمْعان - وكان مولَّ للرَّباب بنت امرئ القيس الكلبيَّة، وهى أمّ سُكينة بنت الحسين - فقال له : ما أنت ؟ قال : أنا عبدٌ مملوك، فخلّى سبيله ، فلم ينجُ منهم أحد غيره ، إلا أن المرقّع بن ثمامة الأسدىّ كان قد نثر نبله وجثاً على ركبتيه ، فقاتل ، فجاءه نفر من قومه ، فقالوا له : أنت آمِن ، أُخرُج إلينا ، فخرج إليهم، فلما قدم بهم عمر بن سعد على ابن زياد وأخبره خبره سيَّره إلى الزارة . قال : ثمّ إن عمر بن سعدنادى فى أصحابه: مَن يْتدب للحسين ويوطئه فرسَه؟ فانتدب عشرة: منهم إسحاق بن حَيْوَةَ الحضرىّ، 4 ٣٦٨/٢ ٤٥٥ سنة ٦١ وهو الذى سلب قميص الحسين- فبرِص بعدُ- وأحبَش بن مرثد بن علقمة ابن سلامة الحضرمىّ، فأتوا فداسوا الحسين بخيُولهم حتى رَضّوا ظهره وصدره، فبلغنى أنّ أحبش بن مرتد بعد ذلك بزمان أتاه سهمُ غَرْب (١)؛ وهو واقف فى قتال ففَلَق قلبه ، فمات؛ قال : فقُتِل من أصحاب الحسين عليه السلام اثنان وسبعون رجلا، وَدَفَن الحسينَ وأصحابَه أهلُ الغاضريَّة من بنى أسد بعد ما قُتلوا بیوم، وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلا سوى الجَرَحتى ، فصلّى عليهم عمر بن سعد ود فنهم ؛ قال: وما هو إلا أن قتِل الحسين، فسرِّح برأسه من يومه ذلك مع خوّلىّ بن يزيد وحميد بن مسلم الأزدىّ إلى عُبيد الله بن زياد، فأقبل به خَوَلىّ فأراد القصر، فوجد بابَ القصر مُغلقًا، فأتى منزله فوضعه تحت إجّانة فى منزله، وله امرأتان : امرأة من بنى أسد ، والأخرى من الحضرميّين يقال لها النَّوار ابنة مالك بن عقرب، وكانت تلك الليلة ليلة الحضرميَّة .. ٣٦٩/٢ قال هشام : فحدّثنى أبى، عن النّوار بنت مالك، قالت: أقبل خَوَلى" برأس الحسين فوضَعَه تحت إجَّانة فى الدار ، ثم دخل البيت، فأوى إلى فراشه ، فقلت له : ما الخبر ؟ ما عندك ؟ قال : جئتك بغنى الدهر ، هذا رأس الحسين معك فى الدار ؛ قالت : فقلت : ويلك - جاء الناس بالذهب والفضة وجئتَ برأس ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم! لا والله لا يجمع رأسى ورأسك بيتٌ أبداً ؛ قالت : فقمت من فراشى ، فخرجتُ إلى الدار ، فدعا الأسدّيّة فأدخلها إليه، وجلستُ أنظر، قالت: فوالله ما زلت أنظر إلى نور يَسْطع مثلَ العمود من السماء إلى الإجمانة، ورأيت طيراً بيضًا تُرفرِف حولها. قال : فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيد الله بن زياد، وأقام عمر بن سعد يومه ذلك والغد ، ثمّ أمر حميد بن بكير الأحمرىّ فأذن فى الناس بالرحيل إلى الكوفة ، وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن كان معه من الصبيان، وعلىّ ابن الحسين مريضٌ . ٣٧٠/٢ قال أبو مخنف : فحدثنى أبو زهير العبسىّ ، عن قرّة بن قیس التميمىّ، (١) سهم غرب : لا يدرى راميه. ٤٥٦ سنة ٦١ قال: نظرت إلى تلك النسوة لما مررن بحسين وأهله وولده صِحْن ولطمْنَ وجوههنّ. قال: فاعترضتُهنّ على فَرَس، فما رأيت مَنظَراً من نسوة قطّ كان أحسنَ من منظر رأيتُه منهنّ ذلك [اليوم]، واللّه لهنّ أحسَنُ من مَهَا يَبْرِين. قال : فما نسيتُ من الأشياء لا أنْس قولَ زينب ابنة فاطمة حين مرّت بأخيها الحسين صريعاً وهى تقول : يا محمّداه، يا محمّداه! صلى عليك ملائكةُ السماء ، هذا الحسينُ بالعَراء ، مرمَّل بالدماء، مقطع الأعضاء، يا محمداه! وبناتك سبايا ، وذريتك مقتَّة ، تَسفِى عليها الصَّبا. قال : فأبكت واللّه كلّ عدوّ وصديق؛ قال: وقُطف رءوس الباقين، فسُرّح باثنين وسبعين رأسًا مع شَمِربن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وعزْرة بن قيس ، فأقبلوا حتى قدموا بها على عُبيد الله بن زياد . قال أبو مخنف : حدثنى سليمان بن أبى راشد ، عن حُميد بن مسلم، قال : دعانى عمر بن سعد فسرَّحنى إلى أهله لأبشرهم بفتح الله عليه وبعافيته ، فأقبلتُ حتى أتيتُ أهله، فأعلمتُهم ذلك ، ثمّ أقبلت حتى أدخل فأجد ابن زياد قد جلس للناس ، وأجد الوفد قد قدموا عليه؛ فأدخلهم، وأذن للناس، فدخلتُ فيمن دخل ، فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه ، وإذا هو يَنكُت بقضيب بين ثنيّتيه ساعةً، فلما رآه زيد بن أرقم لا يُنجم عن ذَكْته بالقضيب، قال له: أُعْلُ بهذا القضيب عن هاتين الثنيَّتين، فوالذى لا إله غيرُه لقد رأيت شَفَسَىْ رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الشفتين يقبلهما، ثم انفضخ الشيخُ يبكى ؛ فقال له ابن زياد: أبكتى اللّه عينيك! فوالله لولا أنك شيخ قد خَرِفتَ وذهب عقلُك لضربتُ عنقَك ؛ قال : فنهض فخرج ، فلما خرج سمعتُ الناس يقولون: والله لقد قال زيد بن أرقم قولاً لو سمعه ابن زياد لقََّله ؛ قال : فقلت : ما قال ؟ قالوا: مرّ بنا وهو يقول: ملَّك عبدٌ عبدًا ، فاتّخذهم تُلدًا ؛ أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم ، قتلتم ابن فاطمة ، وأمَّرَتمَ ابن سُرْجانة ، فهو يقتل خياركم ، ويستعبد شِرارَكم ، فرضيتم بالذلّ ، فبعدًا لمن رضى بالذّل ! ٣٧١/٢ ٤٥٧ سنة ٦١ قال : فلما دخل برأس حسين وصبيانه وأخواته ونسائه على عبيد الله بن زياد لبستْ زينب ابنة فاطمة أرذل (١) ثيابها، وتنكّرت، وحقّتْ بها إماؤها، فلما دخلتْ جلست، فقال عبيد الله بن زياد: من هذه الجالسة؟ فلم تكلّمه؛ فقال ذلك ثلاثا ، كلّ ذلك لا تكلّمه ، فقال بعض إمائها : هذه زينب ابنة فاطمة ؛ قال : فقال لها عبيد اللّه: الحمد لله الذى فتضتحكم وقَتّلكم وأكذَبَ أحدُ وثتكم! فقالت: الحمد لله الذى أكرمنا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وطهَّرنا تطهيرًا، لا كما تقول أنت، إنما يفتضح الفاسق، ويكذَّب الفاجر؛ قال : فكيف رأيت صنعَ اللّه بأهل بيتك ! قالت : كُتِب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينَهم، فتحاجّون إليه، وتخاصمون عنده ؛ قال : فغضب ابن زیاد واستشاط ؛ قال: فقال له عمرو ابن حريث: أصلح الله الأمير! إنما هى امرأة ، وهل تؤاخذ المرأة بشىء من منطقها ! إنها لا تؤاخذ بقول، ولا تُلام على خَطَل ، فقال لها ابن زياد : قد أشفى اللّه نفسى من طاغيتك، والعُصاة المَردة من أهل بيتك؛ قال : فبكتْ ثم قالت : لَعَمرى لقد قتلتَ كَهْلى، وأبرْت(٢) أهلى، وقطّعت فَرْعِى، واجتثئتَ أصلى ، فإن يَشْفك هذا فقد اشتفيت، فقال لها عبيد اللّه: هذه شجاعة ، قد لَعمِرى كان أبوك شاعراً شجاعًا؛ قالت: ما للمرأة والشجاعة! إنّ لى عن الشجاعة لشُغْلا، ولكنّ(٣) نَفْى ما أقول . ٣٧٢/٢ قال أبو مخنف ، عن المجالد بن سعيد : إنّ عُبيد اللّه بن زياد لما نظر إلى علىّ بن الحسين قال الشرطىّ: انظر هل أدرك ما يدرِك الرّجال؟ فكشَط إزاره عنه ، فقال : نعم ، قال انطلقوا به فاضربوا عنقه ، فقال له علىّ: إن كان بينك وبين هؤلاء النسوة قرابة فابعث معهنّ رجلا يحافظ عليهنّ، فقال له ابن زياد : تعالَ أنتَ ، فبعثَه معهنّ . قال أبو مخنف: وأما سليمان بن أبى راشد، فحدّثنى عن حُميد بن مسلم (١) أرذل الثياب: الردىء منها . (٢) ابن الأثير: ((وأبرزت)). (٣) ط: ((ولكنّى)). ٤٥٨ سنة ٦١ ٣٧٣/٢ قال : إنّى لقائم عند ابن زياد حين عرض عليه علىّ بن الحسين فقال له : ما اسمك ؟ قال : أنا علىّ بن الحسين، قال: أو لم يقتُل اللّه علىّ بن الحسين! فسكت ، فقال له ابن زياد: ما لَكَ لا تتكلم ! قال : قد كان لى أخ يقال له أيضًا علىّ، فقتله الناس، قال: إن الله قد قتله، قال: فسكت علىّ ، فقال له: ما لَكَ لا تتكلم! قال: ﴿اللّهُ يَتَوَفَّى الْأُنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)(١) ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ)(٢)، قال: أنت واللّه منهم، ويحك! انظروا هل أدرك؟ والله إنی لأحسبه رجلاً ؛قال: فکشفعنهمُرىّ بن معاذ الأحمرىّ، فقال: نعم قد أدرَك؛ فقال: اقتله ؛ فقال علىّ بن الحسين: من تُوَكِّل بهؤلاء النسوة ؟ وتعلقتْ به زينب عمته فقالت : يابن زياد ، حسبُك منّا، أما رَوِيتَ من دمائنا! وهل أبقيت منا أحدًا! قال: فاعتنقتْه فقالت: أسألك بالله إن كنت مؤمنًا إنْ قتلتَه لمّا قتلتنى معه! قال: وناداه علىّ فقال : يابن زياد ، إن كانت بينك وبينهن قرابة فابعث معهنّ رجلا تقيًّا يصحبهن" بصحبة الإسلام؛ قال: فنظر إليها ساعة، ثم نظر إلى القوم فقال : عجبًا للرّحيم! والله إنّ لأظنها ودّت لو أنّى قتلتُه أنّ قتلتُها معه؛ دعوا الغلام ، انطلق مع نسائك . قال حميد بن مسلم: لما دخل عبيد اللّه القصر ودخل الناسُ، نودىَ : الصلاة جامعة ! فاجتمع الناس فى المسجد الأعظم ، فصَعد المنبر ابن زياد فقال: الحمد لله الذى أظهر الحق" وأهله، ونصر أميرَ المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه، وقَتَل الكذّاب ابن الكذَّاب، الحسين بن علىّ وشيعته ؛ فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حتى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزديّ ثم الغامدىّ ، ثم أحد بنى والبة - وكان من شيعة علىّ كرّم الله وجهه، وكانت عينُه اليسرى ذهبتْ يومَ الجمل مع علىّ، فلما كان يومَ صِفّين ضُرِب على رأسه ضربةً ، وأخرى على حاجبه ، فذهبتْ عينُه الأخرى ، فكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم يصلى فيه إلى الليل ثم ينصرف - قال: فلما سمع مقالةَ ابن زياد، قال : ٣٧٤/٢ (١) سورة الزمر: ٤٢. (٢) سورة آل عمران: ٤٥. ٤٥٩ سنة ٦١ يابن مَرْجانة، إنّ الكذّاب ابن الكذّاب أنت وأبوك والذى ولاك وأبوه ؛ يابن مرجانة ، أتقتلون أبناء النبيّين، وتكلّمون بكلام الصدّيقين ! فقال ابن زياد: علىَّ به ؛ قال: فوثبتْ عليه الجلاوزة فأخذوه (١)؛ قال: فنادى بشعار الأزد: يا مبرور - قال: وعبد الرحمن بن مخنف الأزدىّ جالس- فقال: ويحَ غيرك! أهلكت نفسك ، وأهلكتَ قومك ، قال : وحاضر الكوفة يومئذ من الأزْد سبعمائة مقاتل ؛ قال : فوثب إليه فتيةٌ من الأزد فانتزعوه فأتَوْا به أهله، فأرسل إليه من أتاه به، فقتله وأمَرَ بصَلْه فى السَّبَخة (٢)، فصُلب هنالك . قال أبو مخنف : ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد نصب رأس الحسين بالكوفة ، فجعل يُدار به فى الكوفة ، ثم دعا زَحْر بن قيس فسرّح معه برأس الحسين ورءوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية ، وكان مع زحْر أبو بُردة بن عوف الأزدىّ وطارق بن أبى ظَبيان الأزدىّ ، فخرجوا حتى قدموا بها الشأم على يزيد بن معاوية . قال هشام : فحدّثنى عبد الله بن يزيد بن رَوْح بن زِنْباع الجُدامى، عن أبيه ، عن الغاز بن ربيعة الجُرّشىّ؛ من حمير، قال: والله إنا لعند يزيد" ابن معاوية بدمشق إذ أقبل زَحْربن قيس حتى دخل على يزيد بن معاوية ، فقال له يزيد : ويلك! ما وراءك ؟ وما عندك ؟ فقال : أبشر يا أمير المؤمنين بفتح اللّه ونصره، وَرَدَ علينا الحسينُ بن علىّ فى ثمانية عشر من أهل بيته وستّين من شيعته، فسرنا إليهم ، فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حُكم الأمير عُبيدِ اللّه بن زياد أو القتال ؛ فاختاروا القتال على الاستسلام ، فعدْونا عليهم مع شروق الشمس، فأحطْنا بهم من كلّ ناحية، حتى إذا أخذتِ السيوفُ مأخَذَها من هام القوم، يتهربون إلى غير وَزَر ، ويلوذون منا بالآكام والخُفَرَ، لواذاً كما لاذ الحمائم من صقر، فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جَزْرَ ٣٧٥/٢ (١) الجلواز: الشرطى؛ وجمعه جلاوزة . (٢) ابن الأثير: ((المسجد)). ٤٦٠ سنة ٦١ جَزور أو نومةَ قائل حتى أتينا على آخرهم ، فهاتيك أجسادُهم مجرّدة ، وثيابُهم مرمَّة (١)، وخدودهم معفَّرة، تصهرُهم الشمس ، وتَسفى عليهم الريح، زُوَّارهم العِقْبان والرَّخَمَ بقىّ سَبْسَب (٢) . قال: فدمعتْ عينُ يزيد ، وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ، لعن الله ابن سُميّة! أما والله لو أنّى صاحبه لعفوتُ عنه، فرحم الله الحسينَ! ولم يصله بشىء . قال : ثمّ إنّعبيد الله أمر بنساء الحسين وصبيانه فجُهُزْن، وأمر بعلىّ ابن الحسين فَغُلَّ بغلّ إلى عنقه، ثم سرّح بهم مع مُحَفّز بن ثعلبة العائذىّ، عائذة قریش ومع شمر بن ذى الجوشن ، فانطلقا بهم حتى قدموا على یزید ، فلم يكن علىّ بن الحسين يكلم أحداً منهما فى الطريق كلمة حتى بلغوا ، فلما انتهتَوا إلى باب يزيدَ رفع مُحَفّز بن ثعلبة صوته، فقال: هذا محفّز بن ثعلبة أتى أميرَ المؤمنين باللئام الفَجَرة ، قال : فأجابه يزيد بن معاوية : ما ولدتْ أم مَحَفِّزْ شرٌّ وألأم. ٣٧٦/٢ قال أبو مخنف : حدّثنى الصقعب بن زهير ، عن القاسم بن عبد الرحمن مولى يزيد بن معاوية، قال: لما وُضعت الرءوس بين يدىْ يزيد - رأسُ الحسين وأهل بيته وأصحابه - قال يزيد : عَلَيْناوَهُمْ كانوا أَعَقَّ وأَظْلَما(٣) يُفَلِّقْنَ هاماً من رجال أَعِزَّةٍ أما والله يا حسينُ، لو أنا صاحبُك ما قتلتُك . قال أبو مخنف : حدثنى أبو جعفر العبسىّ، عن أبى عمارة العبسىّ، قال: فقال يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم : لهامٌ بِجَنْبِ الطَّفِّ أَدْنى قَرابةً من ابن زيادِ العَبْدِذِى الحَسَب الوَغْل وبنتُ رُسُول اللّهِ لَيْسَ لها نَسْل سُمَيَّةُ أَمسى نَسْلها عدد الحصى (١) مرملة : أى ملطخة بالدم . (٢) التى، من القواء، وهى الأرض القفر الخالية. والسبسب: المفازة. (٣) الحصين بن همام، من المفضلية ١٢.